منتديات الملاحم و الفتن  

العودة   منتديات الملاحم و الفتن > الأقسام الشرعية > القسم الرمضاني

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-11-2010, 02:22 AM
الـــغــضــنــفــر الـــغــضــنــفــر غير متصل
 
تاريخ التسجيل: May 2010
المشاركات: 4,359
معدل تقييم المستوى: 14
الـــغــضــنــفــر is on a distinguished road
افتراضي من أسرار الصوم والصلاة والذكر....الشيخ حامد العلي

بسم الله الرحمن الرحيم

نصيحة الشيخ بمناسبة استقبال العشر الأواخر من رمضان

نصيحتي للمسلمين جميعاً أن يتقوا الله جل وعلا ، وأن يستقبلوا شهرهم العظيم بتوبة صادقة من جميع الذنوب ، وان يتفقهوا في دينهم وأن يتعلموا أحكام صومهم وأحكام قيامهم ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم(من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )

ولقول النبي صلى الله عليه وسلم( إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة ، وغلقت أبواب النار ، وسلسلت الشياطين)






من أسرار الصـوم..


عندما تتأمَّل في الصيام

تجـد فيه معنى عظيـما في العبودية ، لايوجد في غيره من العبادات ، وهو أنَّه العبادة الوحيدة التي يمكنك أن تتلبَّس بها أطول وقت ، وتكون فيه كلَّه ، قائما بالعبادة ، لاتنخرم في لحظة واحدة .
ولهذا استحبَّ من استحبَّ من السلف الوصـال ، وحملوا النهي عنه على أنَّه مخصوص بمن يضعِفه ، فقد أرادوا تحقيق هذا المعنى الذي لايوجد مثله إلاّ في ملائكة الله تعالى التي تتواصل العبادة بلا فتـور أبد الدهـر.

بل هي العبادة الوحيدة التي يمكن أن يجمع معها العابـد في وقت أداءه لها ، كلَّ العبادات الأخرى ، من الطهارة ، إلى الجهاد في سبيل الله

ولهذا عظُم أمره عند الله تعالى حتى قال جلَّ ، وعزَّ ، في الحديث القدسي ( إلاَّ الصوم فإنّه لي وأنا أجزي به ) متفق عليه ، وبلغ من تعظيمـه أن اختار الحقُّ سبحانه ، شهر الصـوم ، ليكون الشهر الذي يُنزل فيه القرآن ، وفيه ليلة القدر ، وتفتح أبواب الجنان ، وتغلق أبواب النيران ، ويعتق الله فيه كلَّ ليلة من النار من شاء أن يعتقهـم .

فالصائم متعبّد لله تعالى في صحوه ، ونومه ، وشُغله ، وفراغه ، وصمته ، وكلامه ، وليس شيء يشبه الصيام في هذه الخاصية إلاّ الجهاد في سبيل الله
فإنَّ المجاهد يجري عليه ثوابه من لحظة خروجه من بيته للجهاد ، ثم لايتوقف حتى يرجع ، فإنْ اختاره الله شهيداً كُتـب أجره إلى يوم القيامة .

ولهذا صار بين الصوم ، والجهاد ، وجهُ شبهٍ عظيم ، فالصائم مجاهد لجميع هواه ، وما تشتهيه النفس ، وفي الحديث ( المجاهد من جاهد هواه في ذات الله تعالى ) ، ولهذا هـو يضيِّق على الشيطان مجاريه ، في المكر به ، والمجاهد في سبيل الله يجاهد شياطين الإنس ، فيضيّق عليهم مجاريهم في المكر ضدّ إعلاء كلمة الله تعالى .

ومن هنا ـ والله أعلم ـ ارتبط الجهاد في تاريخنا بشهر الصوم ، فوقعت فيه أعظـم المعارك الإسلامية من بدر إلى معركة الفلوجة ، وكان التكبير شعار نهاية الصوم في عيده ، والتكبيـر شعار الجهـاد في سبيل الله تعالى ، وإذا فتحوا مدينة ، أو قرية ، أو حصنا ، كبـَّروا في نواحيـها.

فعيد الجهاد الفتح بالتكبيـر ، وعيد الصوم الفطر بالتكبيـر .

وكما أنَّ القرآن يرتقي الصوَّام إلى فهم معانيه أكثـر من غيـرهم ، فصومهم يهيّئهم لنيل هذه المنزلة العالية ، ولهذا أمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يواصل الصوم ثلاثين يوما ، ثم أن يتمّها بعشر ، حتى يتلقّى كلام الله تعالى التوراة بعد هذا الجهاد العظيم ،

كما أنَّ القرآن هذا حاله مع الصيام ، فكذلك مع الجهاد في سبيل الله ، فإنّه وسيلة لإعلاء كلمة الله القرآن ، فغاية الجهـاد ، ونهايته ، إعلاء القرآن في الأرض ، كما أنَّ الصوم يُعلي العبد إلى القرآن في نفسه ،

وقد قال تعالى ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ، هدى للناس ، وبيّنات من الهدى و الفرقـان ) وسمّى الله تعالى أعظم غزوة في الإسلام ( يوم الفرقان ) .
ولهذا صار رمضان شهرَ القرآن ، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يواصل الصوم فيه ، لأنَّ جبريل عليه السلام ، إنما كان يراجعه القرآن في رمضـان .
وشُـرع فيه بعد الصوم في نهاره ، قراءة القرآن في المساجد في صلاة جماعة في ليله .
ولنرجع إلى ما ذكرناه أوّل المقال ، وهو ما في الصوم من الخصوصية في التعبـد ، فإن قيل : فالصائم إنما منع من النكاح ، والأكل ، و الشرب ، غير أنَّ في النفس شهوات أخرى تطلبها ، فكيف يتحقـَّق ما ذكرته من المعنى ، فالجواب : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع بيان هذا ، فقال : ( من لم يدع قول الزور ، و العمل به ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ) والزور هو الباطل كلـَّـّه ، كمــا قال تعالــى ( والذين لايشهدون الزور ) أي لايحضرون أماكن الباطل.

وقال عليه الصلاة والسلام للصائم : فإن سابّه أحدٌ أو شاتمه فليقل إني امرؤ صائم .

وذلك لأنّ الصائم متلبسٌ بالعبادة الدائمة كما ذكرنا ، ففيه شبهٌ من المصلِّي ، وكما أنَّ المصلّي لا يأكل ، ولا يشرب ، ولا يتكلّم ، فكذلك الصائم ، غير أنه لما كان تحريم الكلام على الصائـم مع طول وقت الصـوم ، مشقّته عظيمة ، مع ما يترتب عليه من مفاسد ، أبيح للصائم الكلام ، وشُـدّد عليه فيه ، وأمّا الصلاة فجعلت الكلمة فيه عمداً تبطل الصلاة .
ومن أسرار الصوم أيضا أن الله تعالى يبسط فيه موائد رحمـته لعباده ، ويظهر لهم بعض ما في كنوزه من الخيرات ، وأعظم ذلك أنَّه يغلق أبواب النار ، ويفتح أبواب الجنان .

فتُفـتح قلوب المؤمنين إلى نيل ما في الجنة بالعمل الصالح ، ويُغـلق عليهم ضدُّه ، إذ كان بين ذلك الإغلاق للنار ، والفتح لأبواب الجنـة في السماء ، وبين هذا الإغلاق والفتح في قلوب أهل الإيمان ، إرتبـاطٌ وثيق .

ولهذا تفتح أبواب الجنة كلّها ـ كما صح في الحديث ـ لمن يتوضّـأ ، فيتشهَّد بعد وضوءه ، وقال العلماء لأنـّه تطهـّر من الذنوب بالوضوء ، وأتى أعظم العمل الصالح بالشهادتين ، فتـمّ له من الإيمان ما تـمّ ، ففتحت له أبواب الجنة .

فكأنَّ مفاتيح أبواب الجنة في نفوس المؤمنـين ، وقد أعطاهم الله تعالى بإيمانهم القدرة على مالايطيقه أحـد من الخلق أجمعيـن.

كما أعطى الصائم القدرة على أن يوصـل إلى الله تعالى المتمجـّد في علاه على عرشه العظيـم ، ما هو أطيـب من ريح المسـح ، فيجد الله تعالى تلك الرائحة الزكيّة من عبده الصائـم ، وقد قال بعض العلماء : لو لم يكن للصوم إلاّ هذا الفضل العظيم لكفاه .

ومن أسرار الصوم أنَّ الله تعالى يمـرنَّ فيه المؤمن ضعيف الإيمان على قتال عدوِّه ، فيعلّمه القتال ، ويدرّبـه على فنـونه ، ويُبقيـه في هذا المعسكر شهراً كاملا ، حتّى يصلُب عوده ، ويتخّـرج منه مقاتلا ، قويا ، صلبا ، لايلين .

وذلك أنَّ الله تعالى يسلسل الشياطين في شهر الصـوم ، ويمـدُّ المؤمن بعبادة الصوم ، وهي عبادة متواصلة ، ترقى بالنفس إلى كمالات الإيمان ، كما ذكرنا ، فتصير صورة المؤمـن مع عدوِّه ، وكأنَّ الشيطان موثـقٌ إلى سارية ، والمؤمن يوجـّه السهام إليه ، فيتدرَّب على حربه ، شهراً كاملا ، فيدع الشهوات ، ويتجنَّب قول الزول ، ويملك غضبه حتى لو سبَّه أحدٌ ، أو شاتـمه ، فيعـوِّد نفسه بذلك على التحكُّم في القـوّة الغضبيّة ، والقـوّة الشهوانيّة ، وهما مدخلا الشيطان على الإنسان .

ويقول العارفون في النفس البشرية ، أنَّ في مدة الشهر سـرٌ خفي ، وهو أنّ الإنسان لا يصبـر على شيء شهراً كاملا إلاَّ صار له سجيـَّة لعام ، حتى يأتي رمضان الذي بعده ، فيعيد التدريب ، وهذا من أسرار تحريـم تأخيـر القضاء إلى أن يأتي رمضان التالي .

كما ذكر العلماء أنَّ العبـد لايصبر على شيء عاماً واحداً ، إلاَّ صار له سجيّة بقية عمره ، ولهذا كان عمر رضي الله عنه يضرب للتائب سنة ، وفي عقوبة الزاني ، تغريب عام .

هذا والصائمون في رمضان أقسام:

أحدها من يرتقي مع رمضان ، وهم الصالحون الذين أعمروا أيامهم كلَّها بالعمل الصالح ، فلايجدون في رمضان مجالا لزيادة ، فهم مرتقون أصلا ، لكن جاء رمضان فزاد ثواب أعمالهم ، أضعافا مضاعفة .

وهم صفوة الصفوة ، وهم قـليل جداً في الأمـّة ، لكنهم قطب رحاها ، وسـر قوتها ، وعلاها .

والثاني : من يرتقي به رمضان ، ثم يبقى في رقيّه ، ولاينزل عن درجته بعده ، وهم الصالحون الذين كانوا مقصّرين في منازل السائرين ، فلمّا جاء رمضان رقى بهم ، فعلوْا به ، وبقــوْا .

والثالث : من يرتقي به رمضان ، لكنّه ينحط عن منزلته التي بلغها فيه إلى أدنى منها بعده ، وهؤلاء أكثر الصالحين من أهل الإستقامة .

والرابع : من ينتشلهم رمضان من الغفلة ، أو المعاصي ، فيصلح حالهم بسببه ، ويرتفعون عن درجة الظالمين أنفسهم ، إلى المقتصدين ، وقـد يبقون فيها ، أو يلتحقون بأحد الأقسام السابقة ، في رمضانات أخرى ، وهؤلاء هم موكب التائبين في رمضان ، وفي كلّ رمضان قوافـلٌ للتائبين ، بل أكثـر التائبين يتخرجّون من مدرسته.

والقسم الخامس : من يمـرُّ عليهم رمضان ، على أنه مناسبة للتهاني ، والموائد ، والمجالس ، والسهر ، يصومونه صيام العادات ، كما يصلون صلاة العادات
فيكونون بعد رمضـان ، وفيه ، كما كانوا قبله ، طاعاتهم هي هي ، ومعاصيهم ، وهم غالب الصائمين ، نسأل الله أن يهديهم ، ويصلح أحوالهم .

وبعـد :

فنسأل الله تعالى أن يفيـض علينا من بركات هذا الشهر العظيـم ، من أعلى الدرجـات ، وأن يرزقنا فيه صيامه ، وقيامه ، وتلاوة كتابه ، على الوجه الذي يرضيه.

كما نسأله سبحانه أن يرزقنا قلوباً سليمة من الحسـد ، وصدوراً سالمة من الغـلّ على المؤمنين ، وأن يصلح لنا شؤوننا كلَّها ، وأن يجعل عاقبة أمرنا كلَّه رشدا ، وأن يعيد أمة الإسلام إلى عزها ، ويرفع بالجهاد رايتها آمين.



الشيخ حامد بن عبدالله العلى

تابع أسرار الصلاة ..ثم الذكر

__________________
{قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 08-11-2010, 02:23 AM
الـــغــضــنــفــر الـــغــضــنــفــر غير متصل
 
تاريخ التسجيل: May 2010
المشاركات: 4,359
معدل تقييم المستوى: 14
الـــغــضــنــفــر is on a distinguished road
افتراضي رد: من أسرار الصوم والصلاة والذكر....الشيخ حامد العلي


من أسرارِ الصّلاة

الشيخ حامد بن عبدالله العلي

لم أر في كلام العلماء أفضـل من تلخيص الإمـام ابن القيم رحمه الله لسرّ أسرار الصلاة إذ قال: ( للعبد بين يدي الله موقفان ، موقف بين يديه في الصلاة ، وموقف بين يديه يوم لقائه ، فمن قام بحق الموقف الأول ، هـُوِّن عليه الموقف الآخر ، ومن استهان بهذا الموقف ، ولم يوفـّه حقه ، شُّـدّد عليـه ذلك الموقــف ، قال تعالـى : ( ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا ، إنَّ هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلا ).

وقال في كتابه العظيم أسرار الصلاة : ( فاعلم أنَّه لا ريب أنَّ الصلاة قـرّة عُيون المحبّين ، و لذّة أرواح الموحدين ، و بستان العابدين و لذّة نفوس الخاشعين ، و محكّ أحوال الصادقين ، و ميزان أحوال السالكيـن ، و هي رحمةُ الله المهداة إلى عباده المؤمنين )

وقال أيضا : ( ولما امتحن الله سبحانه عبده بالشهوة ، و أشباهها من داخل فيه ، و خارج عنه ، اقتضت تمام رحمته به ، و إحسانه إليه ، أن هيّـأ له مأدبة ، قد جمعت من جميع الألوان ، و التحف ، و الخلع ، و العطايا ، و دعاه إليها كل يوم خمس مرَّات ، و جعل في كلّ لون من ألوان تلك المأدبة ، لذّة ، و منفعة ، و مصلحة ، ووقار لهذا العبد الذي قد دعاه إلى تلك المأدبة ، ليست في اللون الآخر ، لتكمل لذّة عبده في كلّ من ألوان العبودية ، و يُكرمه بكلِّ صنفٍ من أصناف الكرامة ، و يكون كلّ فعل من أفعال تلك العبودية ، مُكفّرا لمذموم كان يكرهه بإزائه ، و يثيبه عليه نوراً خاصا ، فإنَّ الصلاة نورٌ ، و قوّة في قلبه ، و جوارحه ، و سعة في رزقه ، و محبة في العباد له ..

فيصدر المدعو من هذه المأدبة ، و قد أشبعه ، و أرواه ، و خلع عليه بخلع القبول ، و أغناه ، و ذلك أنَّ قلبه كان قبل أن يأتي هذه المأدبة ، قد ناله من الجوع ، و القحط و الجذب ، و الظمأ ، و العري ، والسقم ما ناله ، فصدر من عنده ، و قد أغناه ، و أعطاه من الطعام ، و الشراب ، و اللباس ، و التحف ما يغنيه )

وقال رحمه الله : ( و كان سرُّ الصلاة و لُبـُّها إقبال القلب فيها على الله ، و حضوره بكلِّيته بين يديه ، فإذا لم يقبل عليه ، و اشتغل بغيره ، و لهى بحديث نفسه ، كان بمنزلة وافد وفد إلى باب الملك معتذرا من خطاياه ، وزللـه ، مستمطراً سحائب جوده ، و كرمه ، ورحمته ، مستطعما له ما يُقيت قلبه ، ليقوى به على القيام في خدمته ، فلمَّا وصل إلى باب الملك ، و لم يبق إلاّ مناجته له ، التفت عن الملك وزاغ عنه يمينا ، وشمالاً ، أو ولاّه ظهره ، و اشتغل عنه بأمقت شيء إلى الملك ، و أقلّه عنده قدراً عليه ، فآثره عليه ، و صيَّره قلبة قلبه ، و محلَّ توجهه ، و موضع سرِّه) أ.هـ.

والصلاة هي زكاة الوقت ، فكما أنَّ للمال زكاة ، فللعمـر زكاة ، ولهذا كانـت الصلاة هي سـرُّ بركة العمر ، وكلَّما كان العبد معظِّمـا لها ، كانت بركة عمـره أعظـم من غيـره ، وعمله فيه كذلك .

ولهذا لاينظر الله تعالى إلى أي عمل من العبد يوم القيامة قبل نظره إلى الصلاة ، فإن صلحت صلح عمله ، وإن فسدت فسد عملُه ، كما لايقبل الصدقة ممن منع الزكاة .

ولهذا كانت هـي قرُّة عين النبـيِّ صلـى الله عليه وآلـه وسلـم ، وكان يقــول لبلال ( أ رحنا بها يا بلال ) .

هذا .. ومن تأمـَّل في أسرار هذه العبادة العظيمة ، التي هي أعظم العبادات بعد الشهادتين ، وهي ركن الإسلام الأعظم ، لأنهّـا اجتمعت فيها كلُّ معاني العبودية ، من تأمـّل في أسرارها ، واستحضرها أثناء أداء الصلاة ، صارت قـرّة عينه ، وراحـة نفسه ، وغاية أماني روحه.

وسرُّ أسرارها أنها لقاء العبـد بربِّه ، وإتصاله بخالقه ، ولهذا ورد في الحديث أنَّ المصلي يناجي ربه ، وورد أن ( الله ينصب وجهه لوجه عبده في الصلاة مالم يلتفت ) وأنه سبحانه يجيب المصلـّي في قراءة الفاتحة كما سيأتي.

وأوّل أسرارها ، أنَّ الإستعداد لها بالتطهّر من الذنوب بالوضوء فالشهادتين بعده ، لتفتح للعبد أبواب الجنة الثمانية ، فيستقبل هذا الإكرام الإلهي العظيم ، بأعظم عبادة وهي الصلاة.

ثم يكبـِّر معلنـاً خلع كلِّ ما سوى الله تعالى ، وإلقاءه وراءه ظهره ، إذ لايستحق أي شيءٍ حتـّى أن يخطر على باله ، وهو يقف هذا المقام العظيم بين يدي ملك الملوك .

ثم لايبدأ بشيء وهو يقف بين يديْ سيّده ، قبل البراءة من ذنوبه ، وطلب المغفرة من ربّه ، إذ كانت الذنوب هي الحائل بين العبد ، وبين كـلّ خيرٍ ، كما في حديث الإستفتاح ( اللهم باعد بيني وبين خطاياي ..الحديث ) .

أو يسبّح الله ، وينزّهه ، ويحمدُه ، ويُثني عليه بأفضل الثناء في الإستفتـاح الآخــَـر ( سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمـك ، وتعالى جدك ، ولا إله غيرك ).

ثم لمـَّا كان الشيطان أحرص ما يكون على أن يحـول بين العبد ، وبين الإنتفاع من هذا الموقف الجليل الذي هو غذاء الروح ، ودواؤُها ، ورواء النفس ، وشفاؤُها ، أُمـر المصلّي أن يستعيذ في هذا المقام العظيم بالله من الشيطان الرجيـم ، من نفخه ، ونفثه ، ونزغه .

ثم أوّل شيءٍ يبدأ بـه بعد البسملة ، أن يقول : الحمد لله رب العالمين ،

فيحمد الله تعالى الذي أذن له أن يقف بين يديه ، وهداه إلى هذا الحال ، ورفعه إلى هذا المآل ، فكم من شقيِّ قـد حُرم من هذا الدخول ، وأُبعـد عن هذا الوصول.

فإذا قالها : أجابه ربُّه : حمدنـي عبـدي ، ثم إذا قال : الرحمن الرحيم ، أجابه ربُّه : أثنـي عليّ عبدي ، ثم إذا قال : مالك يوم الدين ، قال الله تعالى : مجّدني ، فإذا قال : إياك نعبد ، وإياك نستعين ، قال الله تعالى: هذه بيني ، وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : إهدنا الصراط المستقيم ، قال الله تعالى : هذه لعبدي ، ولعبدي ما سأل ، وأما بقيّة هذه السورة الجليلة ، فهو وصف لصراط الهدى ، ولأهله .

ولاريب أنَّ هذا الدعاء : إهدنا الصراط المستقيم ، هو أنفع دعاء مختصر يدعو به العبد مطلقا ، ذلك أنَّه يجمع له الخير كلَّه ، ويصرف عنه الشرَّ كلّه .

ثم بعدما يقرأ ما تيسـَّر من القرآن ، قانتـاً لله تعالى ، واقفاً بين يدي ربّه موقف العبد الذليل ، يتلو كلام الله ، ويملأ قلبه من هذا الينبوع الإلهـي ، فيطهّر روحه به ، ويخرج منه وساوس الشيطان ، ورجس الذنوب ،

يفعل ذلك ليتهيأ بعده ، لينال أعظم شرف يناله مخلوق في الوجـود .

وهو أن يُشِّرفـه الله بالإذن له بالركوع بين يدي ملك الملوك ، فيركع معظّماً لسيده ، ويسبّحه تسبيحا مقرونا بتعظيمه .

ثم يرتفع حامداً ربه على أن فضّله بهذه النعمة العظيمة ، وشرّفـه بهذه المنـّة الجليلة ، ويقول : ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركا فيه ، ملء السموات ،وملء الأرض ، وملء ما بينهما ، وملء ما شئت من شيءٍ بعـد .

ثم بعدما شرفه الله بالركوع ، فحمد الله تعالى عليه ، استحـقّ بالشكر المزيد ، فحينئذٍ يأذن الله تعالى له بالسجـود ، وهو أعظم تقريب للعبد من الله تعالى ، كما في الحديث ( أقرب ما يكون أحدكم من ربه وهو ساجد ) ، وهو أجل مقامات العبودية ، ولهذا لما طلب ذلك الصحابيّ من النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يرافقه في الجنة ، قال له : أعنّي على نفسك بكثرة السجود ، وفي الحديث : لايسجد العبد لربه سجدة إلاّ رفعه الله بها درجة ، وحطّ عنه بها خطيئة .

فيسجد لربّه مسبّحا له في عُلاه ، ولمـَّا كان الساجد في غاية العبودية ، والذلّ ، ناسب أن يسبَّح الله بإسمه الأعلى ، وليتوسَّل بهذا الإسم ليرفعه الله تعالى ، ويُعلي قدره.

والسجود هو معراج الرفعة عند الله تعالى ، ولهذا ورد في الحديث ( شرف المؤمن قيام الليل ) ، وإنما يرفع الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم على الأوّلين ، والآخرين ، في القيامة ، إثـر سجوده تحت العرش ، فيعلّمه الله محامد ، لم يفتح الله بها على أحدٍ سواه ، فيُعطى بذلك المقام المحمود ، الذي يشرفه به على الخلق أجمعين ، وهم جميعا عليه شاهدين ، وقـد نال هذا الشرف العظيم أيضا بسجوده في ليالي الدنيا ، كما قال تعالى ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك ، عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) وقال تعالى ( وتقلّبك في الساجـدين ) .

ولما كان هذه النعمة الجليلة ، والمنّـة العظيمة ، أعني أن يأذن الله تعالى لعبده الذي هو لاشيء أصلا ، أن يبلغ هذا المبلغ العظيم ، ويصل إلى هذه الحضرة الإلهية الشريفة العليّة ، لما كانت هذه النعمـة لايطيق العبد شكرها ، ناسب أن يستغفر الله تعالى بعدها فيقول : رب اغفر لي ، رب اغفر لي .

أي ربّ اغفر لي تقصيري ، وكيف لي أن أكون بهذا القرب منك ومعي ذنوبي ، وإنـّي مهما فعلت ، فلن أطيق شكر هذا التقريب إليك ، وإذنك لي أن أسجـد بين يديك ، مع كثرة خطاياي ، وعظيم ذنوبي ، وتقصيري .

ولما كان هذا الموطن من الصلاة ، أعني الجلوس بين السجدتين ، قد إستمد جلالته من وقوعه بين أعظم عبوديتين ، أعني السجدتين ، ناسب أيضا أن يدعو بخير الدنيا والآخرة ، ولهذا علم النبي صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة أن يقول في هـذا الموضع : ( رب اغفر لي ، وارحمني ، واهدني ، واجبرني ، وعافني ، وارزقني ) وقال له : إنّ هذه تجمع لك دنياك ، وآخرتك .

وأما تكبيرات الإنتقال ، فسرُّها أنّ حـقّ العبد أن لايتحرّك منه ساكـنٌ ، ولا تطرف له عينٌ ، وهو واقف بين يدي ملك المـلوك ، سيد الأكوان ، ولهذا إذا تحرك من قيامه ليركع ، ناسب أن يجـلّ ربه أن يتحرَّك أيّ حركة بين يديه ، إلاّ بالتعظيم ، والتبجيل ، ولاتكون هذه الحركة إلاّ من القيام الذي هو عبوديـّة القنـوت ، إلى مقام عبودية أجـلّ منه ، وهو الركوع ، ثم إلى السجود أجلّ مقامات العبودية ، أو العودة إلى تكرار هذا الترتـيب .

وبهذه الأفعـال تكون الصلاة قد اكتملت ، ولم يبق إلاّ تكرار هذه العبوديات ، وذلك أنَّ الصلاة مثل المائدة التي تحتوي على غذاء القلب ، وشفاء الروح ، فلا بد من أخذهما شيئـاً بعـد شيء ، وتكرارهما ، حتى يعظم انتفاع الروح بهما .

فيعيد العبد القيام ، والركوع ، والسجود ، كـرّة بعد كـرّة ، وهو واقف بين يدي ربّه ، حتى إذا أدّى كـلّ هذه التحيات لربّه ، تحيـّة القنوت خاشعاً بين يديه ، وتحية الركوع ، وتحية السجود ، وتحية الجلوس ، كما يجلس العبد الذليل .

ناسب أن يجلس بين يدي سيده الجلسة الأخيرة ، فيبدأ بقوله : ( التحيات لله ) أي كلّ التحيات التي مضت منـّي تعظيما لسيّدي ، هي لله تعالى ، وحده لاشريك له ، والصلوات كذلك ، والأعمال الطيبات كلّها ، لك يارب وحدك لاشريك لك ، فأنت سيدي ، ولايستحق العبادة سواك .

فهذه الجلسة التي يجلسها المصلّي في آخر الصلاة ، هي جلسة العبد بين يدي سيّده بعد أداءه أنواع العبوديـّة له ، ولهذا يبـدأ فيها بإلقاء التحيـّة ،

ثم لاينسى حقّ الذي أوصله إلى هذه الحضـرة ، ودلـّه على طريق هذه المكانة العظيمة ، فيسلّم على النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ثم يسلّم على جميع الحاضرين معه ، ( السلام علينا ، وعلى عباد الله الصالحين ) ،

أي على جميع الواقفين موقف العبودية ، في ذلك المشهد العظيم ، في تلك الحضرة الإلهية الشريفة ، العلية ، الجليلة ، العظيمة.

ثم يعود فيصلّي على أشرف من في تلك الحضرة من القائمين بمقامات العبوديّة لربّ العالمين ، وهم محمّد ، وإبراهيم ـ عليهما الصلاة والسلام ـ وآلهما ، أي من سار على طريقهما ، واتبع نهجهما.

حتى إذا انتهى فلم يبـق إلاّ أن يسأل ربه ليعطيه ، بعد أن قـدّم بين يدي دعاءه ، أشرف العبادات ، وأزكاها ، وأحبّها إلى الله تعالى ، وأعلاها ، جلس مجلس الخاشع الذليل ، وهو يشير بإصبعه السبابة بالتوحيد أعظم العبادات
فحينـئذٍ يدعو ربـّه ، ويسأله ، فقمـِنٌ أن يستجيب له ربه .
ومن أجل هذا قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم إنّ هذا الدعاء أسمع الدعاء عند الله تعالى.

وعلم أصحابه الدعاء بأعظم ما ينفعهم ، وهو الإستعاذة بالله من عذاب القبر ، وعذاب النار ، وفتنة المحيا والممات ، وفتنة المسيح الدجال ، وهذه كما قال ابن القيم هي أعظم الآلام و الشرور على الإطلاق ، وأعظم أسبابها ، فمن وقاه الله تعالى إياها فقد فاز الفوز المبين .

حتى إذا أذِن الله تعالى لعبده بالإنصراف ، لم ينصرف إلاَّ بأزكى تحية ، وأتمّها ، وأفضلها ، وأكملها ، وهي السلام ، والرحمة ، والبركات من الله تعالى ، فيلقيها على نفسه وعلى من في تلك الحضرة الشريفة ، ثم ينصرف من صلاته .

ثم لمـّا كان مـا فعلـه العبد فيما مضى من التكبير حتى التسليم ، أعظم ما يُتعبَّد الله تعالى به على الإطلاق ، فإنَّ جائزته أن ينفتـل من صلاته ، كيوم ولدته أمه ، إذا لم يحدث نفسه فيها ، كما صح في الحديث .

وأما من سها فيها فسيعطيه ربه من ثوابها على قدر ما حضر قلبه .

وقد كانت الصلاة أوّل ما فرضت خمسين صلاة ، تستغرق ثلثَ الوقت من اليوم والليلة ، وثلثٌ للنوم ، والراحة ، والغذاء ، وثلثٌ لعمل الدنيا .

ذلك أنّ الله تعالى إنما خلق الجن ، والإنس لعبادته أصلا ، فحقّ عليهـم أن لاينشغلوا عن عبادته إلاّ بما لابد منـه .

غير أنّ الله تعالى خفّف علينا ، حتّى جعلها خمس صلوات في اليوم والليلة ، وكان الأصل فيها أنّ الأوقات بينها متقاربة ، غير أنّ صلاة الظهر أُخـرت رأفة بالعباد ، لما فـي وقت الصبح من طلب المعاش ، وقـد قُـدّمت العشاء ، رأفـةً بهم لما في وقت الليل من طلب الراحة.

وجعلت خمس صلوات ، ليكون العبد غادياً ، رائحاً ، إلى عبادة ربـّه يومـه كلَّه ، فكلَّما أشغلته الدنيا فنسي ، عاد فناجى ربـَّه ، خمس مرات في اليوم والليلة .

وبهذا يتحقّق من العبد أن لاأحد أحبَّ إليه من الله تعالى ، إذْ لاشيء آخـر في الحيـاة ، يحضـر العبـد بين يديه خمس مرات في يومه ، وليلته ، فيقف بين يديه ، يسبِّح بإسمه ، ويلهج بذكره ، ويتعلق به قلبه ، وتخشع له جوارحه ، إلاّ الله تعالى .

فكلّما غفل عنه ، عاد إليه بسبَّحه ، وعظَّمـه ، وكلّما نسي ، فزع إليه فذكره ، وكلّما عصاه جاءه مستغفرا ، تائبا ، نادما .

غير أنه سبحانه قابل هذا التخفيف من خمسين إلى خمس ، بأن عظـَّم خطرها ، فجعلها هي الحـدّ الفاصل بين الإيمان ، والكفر ، وخصّها الله تعالى من بين كلّ التكاليف ، فلم ينزلها مع جبريل ، بل دعـا محمّداً صلى الله عليه وسلم إليـه ، حتى إذا اقترب من حجاب العـزّة ، الذي احتجب به ربُّ العزة ، ناوله هذا التكليف العظيم ، وأمره أن يبلّغـه أمَّته.

ولما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم استلمها من قرب ذلك النور العلويّ ، كان للصلاة خاصيّة ليست في غيرها من العبادات ، فكانت هي نور القلب ، وضياؤه ، وفي الحديث ( الصلاة نور ) ،

ولهذا كان السلف الصالحون يكثرون من صلاة النافلـة ، فيصلّون منها مئات الركعات في اليوم ، والليلة ، استكثارا من هذا النور الإلهـي في قلوبهـم ، وطلبا لفضائل الصلاة العظيـمة.
،
ولم يكونوا يعظمّون شيئاً من الدين كتعظيمهم الصلاة ، كيف لا ؟ وقد سمعوا قوله تعالى : ( وإنها لكبيرة إلاّ على الخاشعـين ) ، وتقديم الله تعالى لها في كلِّ القرآن على كلّ ما شرعه .
،
وأن عليها مدار الإسلام كلُّه ، حتى إنَّ نظامه السياسي أقيم على الصلاة ، فجُعل الخروج على الحكام متوقفاً على تركهم الصلاة ، كما في الحديث عندما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حكام الجور ، قال الصحابة : أفلا ننباذهم بالسيوف ، قال : ( لا ما أقاموا فيكم الصلاة ).
وفيما يلي نماذج من عناية السلف بالصلاة :
،
فعن محمد بن زيد: أن ابن عمر كان له مهراس فيه ماء , فيصلي فيه ماقدر له , ثم يصير إلى الفراش يغفي إغفاءة الطائر , ثم يقوم , فيتوضأ ويصلي , يفعل ذلك في الليل أربع مرات ، أو خمسة.
وقال بكر بن عبد الله: يا ابن آدم إذا شئت أن تدخل على مولاك بغير إذن ، فتكلمه بلا ترجمان دخلت ، قيل: وكيف ذلك ? قال: تسبغ وضوءك وتدخل محرابك فإذا أنت قد دخلت على مولاك بغير إذن ، فتكلمه بغير ترجمان.
وكان سعيد التنوخي إذا صلى لم تنقطع الدموع من خديه على لحيته .
وقيل لخلف بن أيوب: ألا يؤذيك الذباب في صلاتك فتطردها قال: لا أعود نفسي شيئاً ، يفسد على صلاتي ، قيل له: وكيف تصبر على ذلك? قال: بلغني أن الفساق يصبرون تحت أسواط السلطان ، ليقال فلان صبور ، ويفتخرون بذلك ، فأنا قائم بين يدي ربـّي، أفأتحرك لذبابـة ?
ويروى عن مسلم بن يسار ، أنه كان إذا أراد الصلاة ، قال لأهله: تحدثوا أنتم فإني لست أسمعكم.
ويروى عنه أنه كان يصلي يوماً في جامع البصرة ، فسقطت ناحية من المسجد فاجتمع الناس لذلك فلم يشعر به حتى انصرف من الصلاة.
ويروى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان إذا حضر وقت الصلاة يتزلزل ، ويتلون وجهه ، فقيل له: ما لك يا أمير المؤمنين ? فيقول جاء وقت أمانة عرضها الله على السموات ، والأرض ، والجبال ، فأبين أن يحملنها ، وأشفقن منها ، وحملتها.
ويروى عن علي بن الحسين ، أنه كان إذا توضأ اصفـرّ لونه ، فيقول له أهله : ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء ? فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم ?
ووقع حريق في بيت فيه زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمه الله ، وهو ساجد ، فجعلوا يقولون : يا ابن رسول الله النار ، فما رفع رأسه حتى طفيت ، فقيل له في ذلك فقال :ألهتني عنها النار الأخرى .
وقال إسحاق : ذهبت الصلاة مني وضعفت ، وإني لأصلي فما أقرأ ، وأنا قائم إلاّ بالبقرة ، وآل عمران.
وعن عبدالله بن مسلم بن يسار : إنّ أباه كان إذا صلى كأنه وتدٌ ، لايميل لا هكذا ، ولاهكذا.
وقال الثوري : لو رأيت منصور بن المعتمر يصلي لقلت يموت الساعة.
قال ابن وهب : رأيت سفيان في الحرم بعد المغرب صلى ، ثم سجد سجدةً ، فلم يرجع حتى نودي للعشاء .
وسئل كثير بن عبيد الحمصي عن سبب عدم سهوه في الصلاة قط ، وقد أمّ أهل حمص ستين سنة كاملة ، فقال : ( ما دخلت من باب المسجد قط وفي نفسي غير الله ).
وقال ضمرة بن ربيعة : حججنا مع الأوزاعي سنة خمسين ومئة ، فما رأيته مضطجعا في المحمل في ليل ، ولا نهار قط ، كان يصلي ، فإذا غلبه النوم ، استند إلى القتب.
وعن ابن جريج صحبت عطاء ثماني عشرة سنة ، وكان بعد ماكبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مئتي آية من البقرة ، وهو قائم لايزول منه شيء ، ولايتحرك.
ورُوى أنس بن سيرين عن امرأة مسروق قالت : كان مسروق يصلّي حتى تورم قدماه ، فربما جلست أبكي مما أراه يصنع بنفسه
وعن بشير قال : بتُّ عند الربيع ذات ليلة ، فقام يصلي فمر بهذه الآية : ( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ) ، قال : فمكث ليلته حتى أصبح ما يجوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد.
وقال ابن سماعة : كان ورد أبي يوسف في اليوم مائتي ركعة .
وقال عثمان بن أبي العاتكة : علق أبو مسلم سوطاً في المسجد ، فكان يقول : أنا أولى بالسوط من البهائم ، فإذا فتـر ، مشق ساقيه سوطا ، أو سوطين ( أي ضرب بسرعة) . وكان يقول : لو رأيت الجنة عيانا ، أو النـّار عيانا ، ما كان عندي مستزاد.
وعن الحسن أنّ عامراً كان يقول : من أُقرئ ؟ فيأتيه ناس ، فيقرئهم القرآن ، ثم يقوم فيصلي إلى الظهر ، ثم يصلي إلى العصر ، ثم يقرئ الناس إلى المغرب ، ثم يصلي مابين العشائين ، ثم ينصرف إلى منزله ، فيأكل رغيفا ، وينام نومة خفيفة ، ثم يقوم لصلاته ، ثم يتسحر رغيفا ويخرج .
وكان عامر لا يزال يصلي من طلوع الشمس إلى العصر ، فينصرف وقد انتفخت ساقاه فيقول : يا أمارة بالسوء ، إنما خلقت للعبادة .
وقال قتادة : لما احتضر عامر بن عبد قيس بكى ، فقيل مايبكيك ؟ قال : ما أبيك جزعا من الموت ، ولا حرصا على الدنيا ، ولكن أبكي على ظمأ الهواجر ، وقيام الليل .
عن بكر بن ماعـز قال : أعطي الربيع فرساً ، أو اشترى فرساً بثلاثين ألفاً ، فغزا عليها ، قال : ثم أرسل غلامه يحتشّ ، وقام يصلي ، وربط فرسه ، فجاء الغـلام ، فقال : يا ربيع أين فرسك ؟! قال : سرقت يا يسار ، قـال وأنت تنظر إليهــا ، قال : ( نعم يا يسار أني كنت أناجي ربي عز وجل ، فلم يشغلني عن مناجات ربّي شيء ، اللهمّ إنه سرقني ، ولم أكن لأسرقه ، اللهم إن كان غنياً فاهـده ، وإن كان فقيراً فاغنه ، ثلاث مرات ) .
ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ( قال داود عليه السلام في مناجاته : إلهي من يسكن بيتك ، وممن تتقبل الصلاة ? فأوحى الله إليه : يا داود إنما يسكن بيتي ، وأقبل الصلاة منه ، من تواضع لعظمتي ، وقطع نهاره بذكري ، وكفَّ نفسه عن الشهوات من أجلي ، يطعم الجائع ، ويؤوي الغريب ، ويرحم المصاب ، فذلك الذي يضيء نوره في السموات كالشمس، إن دعاني لبيته ، وإن سألني أعطيته ، أجعل له في الجهل حلماً ، وفي الغفلة ذكراً ، وفي الظلمة نوراً ، وإنما مثله في الناس ، كالفردوس في أعلى الجنان ، لا تيبس أنهارها ، ولا تتغير ثمارها .
وقيل لعامر بن قيس : أما تسهو في صلاتك ؟ قال : أو حديث أحبُّ إلي من القرآن حتى أشتغل به ؟ هيهات ، مناجاة الحبيب تستغرق الإحساس.
وقال وكيع : كان الأعمش قريباً من سبعين سنة ، لم تفته التكبيرة الأولى ، واختلفت إليه قريباً من ستين سنة ، فما رأيته يقضي ركعة واحدة .
ويروى عن حاتم الأصم رضي الله عنه ، أنه سئل عن صلاته ، فقال: إذا حانت الصلاة أسبغت الوضوء ، وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة فيه ، فأقعد فيه حتى تجتمع جوارحي، ثم أقوم إلى صلاتي ، وأجعل الكعبة بين حاجبي ، والصراط تحت قدمي، والجنة عن يميني ، والنار عن شمالي ، وملك الموت ورائي ، أظنها آخر صلاتي ، ثم أقوم بين الرجاء ، والخوف ، وأكبر تكبيراً بتحقيق ، وأقرأ قراءة بترتيل ، وأركع ركوعاً بتواضع ، وأسجد سجوداً بتخشّع ، وأقعد على الورك الأيسر ، وأفرش ظهر قدمها وأنصب القدم اليمنى على الإبهام ، وأتبعها الإخلاص، ثم لا أدري أقبلت مني أم لا?
،
فرضي الله عنهم من سلف صالح أقاموا الدين خير قيام .

***

فإن قلت : فكيف لي أن أصير إلى مثل ما صاروا إليه ، فالجواب أن ابـدأ بقراءة هذا الكلام النوراني ، فإنه يفتح لك أبوابا من الفلاح ، لم تخطر على بالك ، ولم تدر في خيالك .
،
قال ابن القيم رحمه الله : ( اعلم أنَّ القلب إذا خلى من الاهتمام بالدنيا ، والتعلق بما فيها من مال ، أو رياسة ، أو صورة ، وتعلق بالآخرة ، والاهتمام بها ، من تحصيل العدة ، والتأهب للقدوم على الله عز وجل ، فذلك أول فتوحه ، وتباشير فجره ، فعند ذلك يتحرك قلبه لمعرفة ما يرضى به ربه منه ، فيفعله ، ويتقرب به إليه ، وما يسخطه منه ، فيجتنبه ن وهذا عنوان صدق إرادته ، فإنَّ كل من أيقن بلقاء الله ، وأنه سائله عن كلمتين ، يسأل عنهما الأولون ، والآخرون ، ماذا كنتم تعبدون ، وماذا أجبتم المرسلين ، لا بد أن يتنبه لطلب معرفة معبوده ، والطريق الموصلة إليه ، فإذا تمكن في ذلك، فتح له باب الأنس بالخلوة ، والوحدة ، والأماكن الخالية التي تهدأ فيها الأصوات ، والحركات ، فلا شيء أشوق إليه من ذلك ، فإنها تجمع عليه قوى قلبه ، وإرادته ، وتسد عليه الأبواب التي تفرق همه ، وتشت قلبه ، فيأنس بها ، ويستوحش من الخلق ،
ثم يفتح له باب حلاوة العبادة ، بحيث لا يكاد يشبع منها ، ويجد فيها من اللذة ، والراحة ، أضعاف ما كان يجده في لذة اللهو ، واللعب ، ونيل الشهوات ، بحيث إنه إذا دخل في الصلاة ، ودّ أن لا يخرج منها ، ثم يفتح له باب حلاوة استماع كلام الله فلا يشبع منه ، وإذا سمعه هدأ قلبه به ، كما يهدأ الصبي إذا أعطي ما هو شديد المحبة له ، ثم يفتح له باب شهود عظمة الله ، المتكلم به ، وجلاله ، وكمال نعوته ، وصفاته ، وحكمته ، ومعاني خطابه ، بحيث يستغرق قلبه في ذلك حتى يغيب فيه ، ويحسّ بقلبه ، وقد دخل في عالم آخر غير ما الناس فيه) أ.هـ.


اللهم حبب إلينا الإيمان ، وزينه في قلوبنا ، اجعلنا من الراشدين آمين

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 08-11-2010, 02:25 AM
الـــغــضــنــفــر الـــغــضــنــفــر غير متصل
 
تاريخ التسجيل: May 2010
المشاركات: 4,359
معدل تقييم المستوى: 14
الـــغــضــنــفــر is on a distinguished road
افتراضي رد: من أسرار الصوم والصلاة والذكر....الشيخ حامد العلي

حديث اليوم : (ما جلس قومٌ مجلسا يذكرون الله عز وجل إلاّ ناداهم مناد من السماء : قوموا مغفورا لكم ، قد بُدِّلت سيئاتكم حسنات ) أحمد

من أسرار الذّكـر؟

إذا كانت عبادة الله وحده لاشريك له ، هي سرُّ الوجود الأعظـم ، فإنّ ذكر الله تعالى هو سرُّ اسرارها ، وهيولى بنيانهـا ، وجوهـر كيانها ، بل هو روحُها ، فهي بدونه كالجسد الميت ، والجثـّة الهامدة .

وإذا جعلنا العبادة بمنزلة نواة الخلية الإنسانية التي منها يتركَّب وجوده المادّي ، فإنَّ ذكرالله تعالى هو بمنزلة الحمض النووي الذي يحمل الجينوم داخل تلك الخلية ، فلا معنى لها ، بل لاوجود لها ، بدونه .

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح : ( مثل الذي يذكر الله والذي لايذكره كمثل الحيّ ، والميت ) .

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله : (الذكر منشور الولاية الذي من أعطيه اتصل ، ومن منعه عزل ، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا ، وعمارة ديارهم التى إذا تعطلت عنه صارت بورا ، وهو سلاحهم الذي يقاتلون به قطاع الطريق ، وماؤهم الذي يطفئون به التهاب الطريق ، ودواء أسقامهم الذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسبب الواصل والعلاقة التي كانت بينهم وبين علام الغيوب.

إذا مرضنا تداوينا بذكركمُ ** ونترك الذكر أحيانا فننتكس

به يستدفعون الآفات ، ويستكشفون الكربات ، وتهون عليهم به المصيبات ، إذا أظلمهم البلاء فإليه ملجؤهم ، وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم ، فهو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون ، وورءوس أموال سعادتهم التي بها يتّجرون ، يدع القلب الحزين ضاحكاً مسروراً ، ويوصل الذاكر إلى المذكور ، بل يدع الذاكر مذكورا) أ.هـ.

والذكر هو أفضل الأعمال على الإطلاق ، وهو من حيث هو ، أفضل حتَّى من الجهاد في سبيل الله ، ولهذا ورد في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما : (ألا أدلكم على خير أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم ، وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من إنفاق الذهب ، والفضة ، وخير لكم من أن تلقوْا عدوّكم ، فتضربوا أعناقهم ، ويضربوا أعناقكم ، قالوا: بلى يا رسول الله ، قال: ذكر الله تعالى ) .

ولكـن صار المجاهد أفضل ، وثوابه أعظـم ، لأنّ الذاكر لايطيق أن يبقى بغير انقطاع ، بينما يجري للمجاهد ثوابه بغير إنقطاع ، ولهذا لما سئل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن عمل يعدل الجهاد قال للسائل : ( هل تستطيع أن تصوم فلا تفطر ، وتقوم فلا تفتر ) قال الصحابي : لا ، فقال له : فلا عمل يعدله .

ولأنَّ المجاهد ـ بخلاف الذاكـر ـ يمكنه أن يجمع بين الجهاد ، وذكر الله تعالى ، ولهذا أُمـر المجاهدون بذكر الله تعالى حتى في أثناء القتال ، قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا وأذكرو الله كثيرا لعلكم تفلحون ).

ولو لم يكن في ذكر الله تعالى من الفضل إلاّ قوله تعالى: ( فأذكروني أذكركم ) وما صح في الحديث القدسي ( من ذكرني في نفسه ، ذكرته في نفسي ، ومن ذكرني في ملأ ، ذكرته في ملأ خير منهم ) ، لكفاه فضلا ، وشرفا ، فأيُّ شيء هو هذا الإنسان ، حتى يذكره الله تعالى جل في علاه ، في نفسه ، ويذكره في الملأ الأعلى ؟!

هذا ومن تأمَّل النصوص الواردة في فضل الذكر ، يتبين له بجلاء ، أنّه لم يرد في فضل شيء من الأعمال ما ورد في فضله ، وسبب ذلك أنّ كلّ الأعمال إنما هي رحى تدور على قطب الذكر ، فمقصودها كلها هو أن يذكر العبد ربه بها ، إما بقلبه ، أو بقلبه ولسانه.

ومن تأمل قول العلماء : الذكر ثلاثة أنواع ذكر الأسماء والصفات ، ومعانيها ، والثناء على الله بها ، وتوحيد الله بها ، وذكر الأمر ، والنهي ، والحلال ، والحرام ، وذكر الآلاء والنعماء ، والإحسان ، تبيـّن له أنَّ الذكر صبغة العمل الصالح كلَّه.

ولهذا اختصر النبيُّ صلى الله عليه وسلم فضله في كلمة واحدة عظيمة ، هي قولـــه ( سبق المفرّدون ) رواه مسلم.

قال الإمام المناوي رحمه الله في فيض القدير :سبق المفردون ، أي المنفردون ، المعتزلون عن الناس ، من فَرَد إذا اعتزل ، وتخلى للعبادة، فكأنه أفرد نفسه بالتبتل إلى الله، أي سبقوا بنيل الزلفى ، والعروج إلى الدرجات العلى ، روي بتشديد الراء وتخفيفها ، وقال الإمام النووي في الأذكار: والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد.

ومعلوم أنه لاشيء أحبّ إلى الذاكرين من الخلوة مع الله ، عن الخلق ، حتى إنه لتستوحش قلوبهم ممن يقطع عليهم ماهم فيه من نعيم الذكر.

وسبب النعيم ، والإنشراح ، واللذّة ، والحلاوة ، التي يشعر بها المنقطع لذكر الله تعالى ، أن يتصل بالله تعالى مباشرة ، حتى إنَّ الله تعالى يذكر الذاكـر في نفسه العليـّة ، فتكون روحه راقية إلى ذلك المقام العالي ، والجنـّة إنما هي هناك ، أعلاها تحت العرش ، في جوار الله تعالـى ، كما قال تعالـى : ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر ) ، فصيب الذاكر من نعيم الجنة ، وريحها ، بحسب خشوعه ، وحضور قلبه ، وقربه روحه من ربه.

ولهذا صار بين الذكر ، وما في الجنة ارتباط عجيب ، وفي الترمذي مرفوعا : ( رأيت إبراهيم ليلة أسرى بى , فقال : يا محمد أقرىء أمتك السلام , و أخبرهم أنَّ الجنة طيبة التربة , عذبة الماء , و أنها قيعان , و غراسها : سبحان الله , و الحمد لله، و لا إله إلا الله , و الله أكبر , ولا حول و لا قوة إلا بالله ) وفيها أيضا : ( من قال سبحان الله ، وبحمده ، غرست له نخلة في الجنة ).

وقد قال الحسن البصري رحمه الله : تفقَّدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء : في الصلاة ، وفي الذكر ، وقراءة القرآن ، فإن وجدتم ، وإلاّ فاعلموا أن الباب مغلق.

وقد علم كلُّ من يطلب العلم بإخلاص ، أنه يضعف إخلاصه ، ويذهب عنه نور العلم ، ويقسو قلبه ، إذا ترك أوراد الذكر ، وإنما سميت أورادا ، لأن القلب يرد إليها ، فيرتوي من الظمأ، فإن تركها ذبلت روحه ، وضعفت قوته ، وتسلط عليه الشيطان.

ومن أسرار الذكر أن الذاكرين الله تعالى كثيرا ، يرفع الله ذكرهم في الناس، وذلك أن الإنسان يحبُّ بطبعه أن يُذكر بين الناس ، فإن ترك ذلك ، وآثر عليه أن يخلو لذكر الله تعالى ، واشتغل بذكر الله تعالى ، عن ذكر نفسه ، آتاه الله تعالى أن يرفع ذكره بين الناس ، حتى إنَّ الذاكـر يموت ، ويبقى ذكره خالداً ، وهذا هو سر تخليد الله تعالى كلّ من انقطع لذكر الله ، أوجاهد لإعلاء ذكر الله تعالى على كل ما سواه ، تخليدهم في القرآن ، حتى خلَّـد الله تعالى ذكر الكلـب الذي صاحب أهل الكهف ، لمجرد أنه صاحب من انقطعوا لذكر الله تعالى ، وتركوا من أجل ذلك كلّ الخلق .

كما خلَّد الله تعالى الأنبياء في الآخرِين ، كما قال تعالى في الصافات : ( وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم ) و( تركنا عليهما في الآخرين سلام على موسى وهارون ) و( وتركنا عليه في الآخرين سلام على إل ياسين ) ونظائرها في القرآن.

وخلد الله ذكر العلماء العاملين ، والأبرار الصالحين ، ورفع ذكرهم بين الناس أجمعين.
هذا ،ومن فضائل الذكر ، وأسراره ، ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى ،
قال : إن الذكر في القرآن على عشرة أوجه :
الأول : الأمر به مطلقا ، ومقيدا ، الثاني : النهي عن ضده من الغفلة ، والنسيان ، الثالث : تعليق الفلاح باستدامته ، وكثرته ، الرابع : الثناء على أهله ، والإخبار بما أعد الله لهم من الجنة ، والمغفرة ، الخامس : الإخبار عن خسران من لها عنه بغيره ، السادس : أنه سبحانه جعل ذكره لهم ، جزاءً لذكرهم له ، السابع : الإخبار أنه أكبر من كلِّ شيء ، الثامن : أنه جعله خاتمة الأعمال الصالحة كما كان مفتاحها ، التاسع : الإخبار عن أهله بأنهم هم أهل الانتفاع بآياته ، وأنهم أولو الألباب دون غيرهم ، العاشر : أنه جعله قرين جميع الأعمال الصالحة ، وروحها ، فمتّى عدمته كانت كالجسد بلا روح.

وقد ذكر ابن القيم في الوابل الصيب ، أسرار الذكر فأوصلها إلى مائة ، وهاهي أهمها مختصرة :

أنـّه يطرد الشيطان ، ويقمعه ، ويكسره.
قلت : نقل عن بعض السلف : إذا تمكن الذكر من القلب ، فإن دنا منه الشيطان صرعه ، كما يصرع الإنسان إذا دنا منه الشيطان ، فيجتمع عليه الشياطين ، فيقولون : ما لهذا فيقال : قد مسه الإنسي.


وأنـّه يرضي الرحمن عـزّ ، وجل.


وأنـّه يزيل الهم ، والغم عن القلب.


وأنّـه يجلب للقلب الفرح ، والسرور ، والبسط.

وأنـّه يقوي القلب ، والبدن.


وأنـّه ينور الوجه ، والقلب.


وأنـّه يجلب الرزق.

وأنه يكسو الذاكر المهابة ، والحلاوة ، والنضرة.


وأنـّه يورثه المحبة التي هي روح الإسلام.


وأنـّه يورثه المراقبة حتى يدخله في باب الإحسان.


أنـّه يورثه الإنابة، وهي الرجوع إلى الله عز وجل


وأنـّه يورثه القرب منه.


وأنـّه يفتح له بابا عظيما من أبواب المعرفة.


وأنـّه يورثه الهيبة لربه عز وجل ، وإجلاله.

وأنـّه قوت القلب ، والروح.


وأنـّه يورث جلاء القلب من صدئه.


وأنـّه يحطُّ الخطايا ويذهبها، فإنه من أعظم الحسنات، والحسنات يذهبن السيئات.


وأنـّه يزيل الوحشة بين العبد ، وبين ربه تبارك وتعالى.


وأنّ ما يذكر به العبد ربه عز وجل من جلاله ، وتسبيحه ، وتحميده، يذكّر بصاحبه عند الشدة.


وأنّه سبب نزول السكينة، وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة بالذاكر.


وأنّ الاشتغال به سبب لعطاء الله للذاكر ، أفضل ما يعطي السائلين.
وأنّه أيسر العبادات، وهو من أجلها وأفضلها.

وأنّه ليس في الأعمال شيء يعم الأوقات والأحوال مثله.


وأنّ الذكر نور للذاكر في الدنيا، ونور له في قبره، ونور له في معاده، يسعى بين يديه على الصراط.

وأنّ الذكر رأس الأمور، فمن فتح له فيه فقد فتح له باب الدخول على الله عز وجل.


وأنّ في القلب خلة وفاقة لا يسدها شيء البتة ، إلا ذكر الله عز وجل.


وأنّ الذكر يجمع المتفرّق، ويفرّق المجتمع، ويقرّب البعيد، ويبعّد القريب. فيجمع ما تفرق على العبد من قلبه وإرادته، وهمومه وعزومه، ويفرق ما اجتمع عليه من الهموم، والغموم، والأحزان، والحسرات على فوت حظوظه ، ومطالبه، ويفرق أيضاً ما اجتمع عليه من ذنوبه ، وخطاياه ، وأوزاره، ويفرق أيضا ما اجتمع على حربه من جند الشيطان، وأما تقريبه البعيد فإنه يقرب إليه الآخرة، ويبعد القريب إليه وهي الدنيا.


وأنّ الذاكر قريب من مذكوره، ومذكوره معه، وهذه المعية معية خاصة غير معية العلم والإحاطة العامة، فهي معية بالقرب والولاية والمحبة والنصرة والتوفيق.


وأنّ الذكر يعدل عتق الرقاب، ونفقة الأموال، والضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل.


وأنّ الذكر رأس الشكر، فما شكر الله تعالى من لم يذكره.


وأنّ أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطبا بذكره.


وأنّ الذكر أصل موالاة الله عز وجل ورأسها والغفلة أصل معاداته ورأسها.


وأنّـه جلاب للنعم ، دافع للنقم بإذن الله.


وأنّـه يوجب صلاة الله عز وجل ، وملائكته على الذاكر.


وأنّ من شاء أن يسكن رياض الجنة في الدنيا، فليستوطن مجالس الذكر، فإنها رياض الجنة.


وأنّ إدامة الذكر تنوب عن التطوعات، وتقوم مقامها، سواء كانت بدنية أو مالية، أو بدنية مالية.


وأنّ ذكر الله عز وجل من أكبر العون على طاعته، فإنه يحببها إلى العبد، ويسهلها عليه، ويلذذها له، ويجعلها قرة عينه فيها.


وأنّ ذكر الله عز وجل يذهب عن القلب مخاوفه كلّها ، ويؤمّنه.


وأنّ الذكر يعطي الذاكر قوة، حتى إنّه ليفعل مع الذكر ما لم يطيق فعله بدونه.


وأنّ الذكر سدُّ بين العبد ، وبين جهنم.


وأنّ الجبال والقفار تتباهي ، وتستبشر بمن يذكر الله عز وجل عليها.


وأنّ كثرة ذكر الله عز وجل أمان من النفاق.


وأنّ للذكر لذة عظيمه من بين الأعمال الصالحة لا تشبهها لذة.


وأنّ في دوام الذكر في الطريق، والبيت، والبقاع، تكثيرًا لشهود العبد يوم القيامة، فإن الأرض تشهد للذاكر يوم القيامة .
ونسأل الله تعالى أن يعيننا على ذكره ، وشكره ، وحسن عبادته ، وأن يمن علينا بان يجعل ذكره سبحانه ، أحب إلينا من كل شيء سواه آمين.

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:53 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.