منتديات الملاحم و الفتن  

العودة   منتديات الملاحم و الفتن > الأقسام الشرعية > المنتدى الشرعي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-31-2012, 01:46 AM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي لمسات بيانية .. من وحي القرآن الكريم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

من منا لا يحب الدكتور فاضل السامرائي ؟



وهذه نبذة عن حياته لمن لا يعرفه ..

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%81%...A7%D8%A6%D9%8A

سأحاول أن أضع لكم
مقتطفات رئيسية من نصوص تفسيره البلاغي للقرآن الكريم

آمل الفائدة للجميع

والله الموفق

__________________
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-31-2012, 01:52 AM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: لمسات بيانية .. من وحي القرآن الكريم

بين سورتي المعارج والقارعة

قال تعالى في سورة المعارج (وتكون الجبال كالعهن)
وقال في سورة القارعة (وتكون الجبال كالعهن المنفوش)
فزاد كلمة (المنفوش) في سورة القارعة على ما في المعارج ، فما سبب ذاك؟


الجواب :

1- أنه لما ذكر القارعة في أول السورة، والقارعة من (القَرْعِ) ، وهو الضرب بالعصا
ناسب ذلك ذكر النفش، لأن من طرائق نفش الصوف أن يُقرعَ بالمقرعة.
كما ناسب ذلك من ناحية أخرى وهي أن الجبال تهشم بالمقراع (وهو من القَرْع)
وهو فأس عظيم تُحَطَّم به الحجارة ، فناسب ذلك ذكر النفش أيضاً.
فلفظ القارعة أنسب شيء لهذا التعبير.
كما ناسب ذكر القارعة ذكر (الفراش المبثوث) في قوله (يَوْمَ يكونُ النّاسُ كالفَراشِ المبثوثِ) أيضاً
لأنك إذا قرعت طار الفراش وانتشر. ولم يحسن ذكر (الفراش) وحده كما لم يحسن ذكر (العهن) وحده.

2- إن ما تقدم من ذكر اليوم الآخر في سورة القارعة
أهول وأشد مما ذكر في سورة المعارج فقد قال في سورة المعارج
(تَعْرُجُ الملائكَةُ والرّوحُ إلَيْهِ في يَومٍ كانَ مِقدارُهُ خمَسينَ ألفَ سَنَةٍ . فاصبِرْ صَبراً جمَيلاً
إنهُمْ يَرونَهُ بَعيداً. وَنَراهُ قَريباً)
وليس متفقاً على تفسير أن المراد بهذا اليوم ، هو اليوم الآخر
وإذا كان المقصود به اليوم الآخر فإنه لم يذكر إلا طول ذلك اليوم
وأنه تعرج الملائكة والروح فيه. في حين قال في سورة القارعة
(القارعة. مَا القارِعَةُ . وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ) فكرر ذكرها وعَظَّمها وهوَّلها.
فناسب هذا التعظيم والتهويل أن يذكر أن الجبال تكون فيه كالعهن المنفوش.
وكونها كالعهن المنفوش أعظم وأهول من أن تكون كالعهن من غير نفش كما هو ظاهر.

3- ذكر في سورة المعارج أن العذاب (واقع) وأنه ليس له دافع
(سَألَ سائلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ . للكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِع) ووقوع الثقل على الصوف من غير دفع له لا ينفشه
بخلاف ما في القارعة ، فإنه ذكر القرع وكرره
والقرع ينفشه وخاصة إذا تكرر ، فناسب ذلك ذكر النفش فيها أيضاً.

4- التوسع والتفصيل في ذكر القارعة حسَّن ذكرَ الزيادة والتفصيل فيها
بخلاف الإجمال في سورة المعارج ، فإنه لم يزد على أن يقول : "في يَومٍ كانَ مِقدارُهُ خمَسينَ ألفَ سَنَةٍ ".

5- إن الفواصل في السورتين تقتضي أن يكون كل تعبير في مكانه
ففي سورة القارعة قال تعالى "يَوْمَ يَكونُ النّاسُ كالفَراشِ المبثوث. وَتَكونُ الجِبالُ كالعِهنِ المنفوشِ).
فناسبت كلمة (المنفوش) كلمةَ (المبثوث).
وفي سورة المعارج ، قال (يَوْمَ تكونُ السّماءُ كالمهُلِ . وَتَكونُ الجِبالُ كالعِهنِ) فناسب (العهن) (المهل).

6- ناسب ذكر العهن المنفوش أيضاً قوله في آخر السورة (نار حامية)
لأن النار الحامية هي التي تُذيبُ الجبالَ ، وتجعلها كالعهن المنفوش ، وذلك من شدة الحرارة
في حين ذكر صفة النار في المعارج بقوله: "كلا إنها لظى. نَزّاعة للشّوَى" . والشوى هو جلد الإنسان
والحرارة التي تستدعي نزع جلد الإنسان أقل من التي تذيب الجبال ، وتجعلها كالعهن المنفوش
فناسب زيادة (المنفوش) في القارعة من كل ناحية. والله أعلم.

7- كما أن ذكر النار الحامية مناسب للقارعة من ناحية أخرى ، ذلك أن (القَرَّاعة) – وهي من لفظ القارعة –
هي القداحة التي تُقدح بها النار.
فناسب ذكر القارعة ذكر الصوف المنفوش ، وذكر النار الحامية ، فناسب آخر السورة أولها.
وبهذا نرى أن ذكر القارعة حسَّنَ ذكر (المبثوث) مع الفراش ، وذكر (المنفوش) مع الصوف
وذكر النار الحامية في آخر السورة.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 10-31-2012, 02:04 AM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: لمسات بيانية .. من وحي القرآن الكريم

ما الفرق بين كلمة (يَنزفون) و (يُنزفون) في الآيتين ؟

الأولى في سورة الواقعة

" وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ . عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ . مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ . يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ . بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ . لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ . وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ . وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا . إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا "

الثانية في سورة الصافات

" إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ . وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ . أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ . فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ . يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ . بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ . لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ . وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ . كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ . "

تقدم آيات السورتين وصفا رائعا لخمر الجنة ونساء الجنة
وتبين ما بهما من صفات ليست في خمر الدنيا ولا نسائها
ولكن تتناول الآيتان صنفين من أصناف المؤمنين وتبين ما أعد لهم في الآخرة

الصنف الأول الذين تحدثت عنهم آيات الواقعة هم السابقون
وهؤلاء هم ذوو أعلى الدرجات لا يفوقهم غيرهم

والصنف الثاني الذين تحدثت عنهم آيات الصافات هم الآخرون
وهم أقل منزلة

فإن كل سابق مخلَص
أما المخلَصون عامة فليسوا كلهم من السابقين بل منهم سابقون ومنهم متأخرون

أدى هذا الاختلاف في الحديث عن أصناف المؤمنين إلى الاختلاف في وصف جزاء كل فريق

فقال عن الآخرين (لهم رزق معلوم فواكه)
أما السابقون فقال عنهم " وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون"
فأضاف منحهم الحرية في اختيار ما يرغبون
كما أضاف ذكر لحم الطير إلى ما أعد لهم فيها
كما إن كلمة (فاكهة) اسم جنس فهي أعم وأوسع من كلمة الفواكه التي تطلق على الأنواع فقط
بينما اسم الجنس يطلق على الأنواع وعلى النوع الواحد
وقال "مما يتخيرون" ليؤكد تعدد الأنواع

وقال في الصافات (وهم مكرمون في جنات النعيم)
وقال في الواقعة (أولئك المقربون في جنات النعيم)
ولا شك أن التقريب هو إكرام وزيادة

وقال في الصافات (على سرر متقابلين)
وفي الواقعة قال: (على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين)
والموضونة هي المنسوجة المشبكة بما يسر الناظر
فزاد في ذكر وصفه حسن فيها وأضاف الاتكاء والتقابل على السرر للسابقين فكان تنعمهم أكثر
ولم يذكر هذا الاتكاء ولا صفة السرر في الصافات

وقال في الصافات (يطاف عليهم ..) بالفعل المبني للمجهول
أما في الواقعة فقال: (يطوف عليهم ولدان مخلدون) فذكر الطائفين اذين يطوفون على المقربين

وقال في الصافات (بكأس من معين)
وقال في الواقعة (بأكواب وأباريق وكأس من معين)
فزاد ذكرالأكواب والأباريق ، وتنوع الأواني يدل على تنوع الأشربة

وقال في الصافات (لا فيها غوْلٌ ولا هم عنها ينزَفونَ)
وقال في الواقعة (لا يُصَدّعونَ عنها ولا يُنزِفون)

الغوْل كما يفسره أهل اللغة : إما الإفساد والإهلاك أي تغتال ا لجسم وتهلكه
أو تغتال العقول. فهي تدل على معنيين: لا تفسد الجسم ولا تهلكه. أو لا تغتال عقل الشاربين

(يصدعون) أي لا يصيبهم الصداع منها

ونفي الغول إن كان بمعنى عدم هلاك الجسم فإنه لا ينفي الصداع
فنفي الأكثر لا يدل على نفي الأقل، كما لو قلنا: (هذا شراب لا يميت)
فلا ننفي عنه التسبب فيما هو دون الموت

ولكن ما دامت خمرة المقربين وصفت بأنها لا تصيب بالصداع فقد نفت أقل الأذى
فهي قطعا ومن باب أولى لا تتسبب فيما هو أكثر
فنفي الغول لا ينفي الصداع لكن نفي الصداع ينفي الغول

وإذا كان المقصود بالغول (السكر واغتيال العقول) فيكون (لا فيها غول)
و (ولا هم عنها ينزفون) بمعنى واحد
لأن الغول هو اغتيال العقول ، وينزفون هو السكر، فهما شيء واحد
لكن أحدهما وصف للخمرة ، والآخر وصف للشارب، وكلها تدل على أنها لا تسكر

بينما سورة الواقعة تقول: (لا يصدعون عنها) فهي تنفي ما يتعلق بالغول
وتقول (ولا ينزفون) أي لا تسكر ولا ينقطع الشراب
فالتكريم هنا أعلى جريا على آيات الواقعة التي تدل على الوصف الأكمل والأفضل لنعيم السابقين

وقال تعالى في الصافات (وعندهم قاصرات الطرف عين) فذكر صفة واحدة من الصفات الجسدية
وهي (عين) أي واسعة العينين في جمال
وقال في الواقعة (وحور عين) فأضاف الحور وهو البياض إلى العين (سعة العيون مع الجمال)

وفي الصافات قال: (كأنهن بيض مكنون)
وفي الواقعة: ( كأمثال اللؤلؤ المكنون) ولا شك أن اللؤلؤ أعلى وأقرب للنفس والقلب من البيض
فهنا أيضا مان وصف ما أعد للسابقين أعلى

ثم قال في الواقعة: "لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما. إلا قيلا سلاما سلاما" فنفى سماع الرديء
وأثبت الحسن (سلاما سلاما)
ولم يقل في الصافات مثل هذا

و (ينزِفون) بالبناء للمعلوم تناسب الواقعة بكل ما فيها
و(ينزَفون) المجهول ناسب سياق الصافات

وناسب (ينزِفون) المبني للمعلوم (يطوف عليهم ولدان) المبني للمعلوم أيضا
وناسب (ينزَفون) المبني للمجهول (يطاف عليهم) المبني للمجهول في الصافات

إجمال: في الواقعة نرى التقريب (وهو الإكرام وزيادة)
وذكر السرر وزيادة وهي صفة (موضونة)
وذكر التقابل وزيادة وهي الاتكاء
وذكر الطواف وزيادة (الطائفون ولدان مخلدون)
وذكر الكأس وزيادة وهي الأكواب والأباريق
وذكر العين وزيادة وهي الحور
ونفي السكر وزيادة وهي عدم النفاد
وزاد نفي اللغو والتأثيم وأثبت الحسن من القول.. كل هذا للسابقين المقربين

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 10-31-2012, 02:12 AM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: لمسات بيانية .. من وحي القرآن الكريم

ما الفرق بين الآيتين ؟

(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران:133)

(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد:21)


أولا
الفرق بين السماء والسموات


السماء في اللغة وفي المدلول القرآني لها معنيان

1ـ واحدة السموات السبع، كقوله تعالى "ولقد زَيّنا السّماءَ الدنيا بِمَصابيح " الملك ، وقوله "إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ" ـ الصافات:6

2ـ كل ما علا وارتفع عن الأرض

ـ فسقف البيت في اللغة يسمى سماء ، قال تعالى " مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ" ـ الحج:15 يقول المفسرون : (أي ليمد حبلا إلى سقف بيته ثم ليخنق نفسه) فالسماء هنا بمعنى السقف

ـ وقد تكون بمعنى السحاب: "أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا " ّالرعد:17

ـ وقد تكون بمعنى المطر : " ينزل السماء عليكم مدرارا" نوح

ـ وقد تكون بمعنى الفضاء والجو : "أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" ـ النحل:79

ـ وقوله عن السحاب: "فيبسطه في السماء كيف يشاء"

و ذكر هذا الارتفاع العالي : "فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام:125)

فالسماء كلمة واسعة جدا قد تكون بمعنى السحاب أو المطر أو الفضاء أو السقف

مثال آخر:

" وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ . لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ" ـ الحجر:15

فالإنسان إذا خرج من جو الأرض انتقل إلى ظلام فلا يبصر

وبهذا تكون السموات جزءا من السماء ، لأن السماء كل ما علا وارتفع مما عدا الأرض، والسموات جزء منها بهذا المعنى الواسع الذي يشمل الفضاء والسقف والمطر والسحاب، فإن (السماء) تكون أوسع من (السموات) فهي تشملها وغيرها

قال تعالى: " قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان:6)

وقال: "ربي يعلم القول في السماء والأرض" لأن القول أوسع من السر، فهو قد يكون سرا

" وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ" ـ المجادلة: 8

وقد يكون جهرا فهو أوسع من السر والسر جزء منه

فلما وسع قال (القول) وسع وقال (في السماء). ولما ضيق وقال (السر) قال (السموات)

فبهذا المعنى الشامل تكون (السماء) أوسع بكثير من (السموات)، ولذلك لما قال (السموات) قال (عرضها السموات)، ولكن عندما اتسعت اتساعا هائلا جاء بأداة التشبيه (عرضها كعرض السماء) لأن المشبه به عادة أبلغ من المشبه، فهي لا تبلغ هذا المبلغ الواسع الذي يشمل كل شيء

كلمة (السماء) تأتي عامة "والسماء بنيناها بأيد" ، "وفي السماء رزقكم وما توعدون" ، "أأمنتم من في السماء.." ثم تتسع لأشياء أخرى، فعندما يقول: "سبع سموات طباقا" فهي ليست الفضاء ولا السقف ولا السحاب، فعندما اتسعت قال (كعرض السماء) وعلى هذا بني التعبير كله في الآيتين

ثانيا
الفرق بين أعدت للمتقين، أعدت للذين آمنوا


عندما ضيق حددها للمتقين ثم وصفهم في الآيات التالية
وعندما وسع عم القول ليسع الخلق (الذين آمنوا بالله ورسوله)
وهؤلاء المتقون جزء من الذين آمنوا، ولم يحدد عملا محددا لهؤلاء

ثالثا
الفرق بين سارعوا وسابقوا


عندما قال (سارعوا) قال (عرضها السموات والأرض"
وعندما قال (سابقوا) قال (كعرض السماء والأرض)
كثرة الخلق المتجهين لمكان واحد تقتضي المسابقة
فإن قلوا اقتضى ذلك المسارعة فقط ، وليس المسابقة
اتسع المكان فاتسع الخلق ، ذكر السماء التي تشمل السموات وزيادة ، وذكر الذين آمنوا بالله ورسله ووهي تشمل
المتقين وزيادة ، ثم زاد وقال: "ذلك فضل الله
لأن الفضل أوسع مما جاء في آل عمران بل الفضل واضح إذ جاءت عامة
وكذلك لو لاحظنا الناحية الفنية لرأينا وضع كل واحدة يناسب ما هي فيه، ففي سورة الحديد تتكرر عبارات (آمنوا بالله) و(الفضل العظيم) و(يضاعف لهم) ففيها تفضلات كثيرة

وكذلك وضع الواو في سارعوا ، آية آل عمران فيها تعاطفات، أما الأخرى فبلا عطف
كذلك وضع الواو في سارعوا ، آية آل عمران فيها تعاطفات، أما الأخرى فبلا عطف
وفي أل عمران نرى المتقين والأمر بالتقوى يتكرر عدة مرات

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 10-31-2012, 02:23 AM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: لمسات بيانية .. من وحي القرآن الكريم

ما الفرق بين (ما يعزب) و (لايعزب) ؟

وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" ـ يونس:61

" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" ـ سـبأ:3


نحتاج إلى توضيح الفروق بين
ـ ما يعزُب ، لا يعزب
ـ مثقال ، من مثقال
ـ السماء ، السموات
ـ تقديم وتأخير
ـ أصغرَ ، أصغرُ
ـ عن ربك ، عنه


بداية الآية مختلفة ، التذييل متشابه
آية سبأ جاءت تذييلا وتعقيبا للحديث عن الساعة
آية يونس جاءت لبيان مقدار إحاطة علم الله بكل شيء، وسعة ذلك العلم
ترتب على هذا اختلاف التعبير بين الآيتين


الفرق بين لا يعزُب ، ما يعزب
* لفرق بين (لا) و (ما) عند دخولها على المضارع
_ (لا) كما يقول أكثر النحاة للاستقبال
الزمخشري: (لا) و (لن) أختان في نفي المستقبل
رأي آخر (يفضله الدكتور) (لا) مطلقة، قد تكون للاستقبال فعلا، مثل: "لا تفتح لهم أبواب السماء" ، و "لا تجزي نفس عن نفس شيئا"
وقد تكون للحـال: "ما لي لا أرى الهدهد .. "، "أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا" ، " ما لكم لا تنطقون"، " لهم قلوب لا يعقلون بها .. "
والسبب أن (لا) أقدم حرف نفي في العربية ، وكل الحروف جاءت بعدها، لذلك فاستعمال (لا) واسع، فهو أوسع حرف في العربية، يدخل في الماضي والمضارع والمستقبل والحال، يدخل على الأسماء النكرات والمعارف ، الاستغراق وغير الاستغراق
* في آية سبأ: "لا تأتينا الساعة" نفوا شيئا مستقبليا ، فرد عليهم بـ (لا) "لا يعزب" ، ثم إنه أقسم "بلى وربي" جوابه في المضارع لتأتينه وجوابه في النفي (لا)
يقول سيبويه: (لأفعلن) نفيه (لا أفعل)
إذن اقتضى المقام كله النفي بلا، فناسبت الآية (لا) من كل جهة
1ـ الاستقبال
2ـ القسم المتقدم إثباته وجوابه
* أما آية يونس فالكلام ليس عن مستقبل ، بل عن الحال فناسب أن يأتي بـ (ما)

الفرق بين عنه، عن ربك
في آية يونس (عن ربك) ـ وقال في سبأ (عنه)
إذ تقدم في سبأ "بلى وربي" ، أي تقدم ذكر الرب، ولم يأت في يونس

عالم الغيب
عالم (اسم فاعل) جاءت في سورة سبأ، لا تأتي في القرآن إلا مع الغيب المفرد
أما علام فتأتي مع الغيوب لأنها صيغة مبالغة تقتضي التكثير
نظيرها (غافر) تختص بالذنب، أما (غفور) فعامة

الفرق بين مثقال ، من مثقال
(من ) الزائدة الاستغراقية تفيد الاستغراق والتوكيد
نقول: ( ما حضر رجل)
تعني: لم يحضر أي رجل ، لم يحضر أي فرد من هذا الجنس
ويحتمل : لم يحضر رجل واحد بل اثنان أو أكثر
ونقول: (ما حضر من رجل) تفيد استغراق الجنس كله، فهو نفي قاطع للحضور فلم يحضر أي أحد ولا مجال للاحتمال
فالتعبير الأول تعبير احتمالي ، التعبير الثاني تعبير نصي قطعي
* آية سبأ ليس الكلام فيها عن علم الغيب أصالة، الكلام في التعقيب على الساعة ، أما سورة يونس فالكلام أصلا عن سعة علم الله عز وجل ، وبيان مقدار إحاطة هذا العلم بكل شيء
فسياق إحاطة علم الله بكل شيء هو الذي يقتضي التوكيد والإتيان بمن الاستغراقية
ومثلها (من عمل) استغراق وعموم لا يستثني شيئا

الفرق بين في الأرض ولا في السماء ، في السموات ولا في الأرض
آية سبأ تتحدث عن الساعة، والساعة إنما يأتي أمرها من السماء وتبدأ بأهل السماء: "ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض"
"ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات والأرض"
أما يونس فالكلام فيها على أهل الأرض فناسب أن يقدم المكان (الأرض)
ـ ومثلها " إنّ الذينَ كَفَروا بِآياتِ الله لَهُم عَذابٌ شديدٌ والله عَزيزٌ ذو انتِقام إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء" كلام عن الذين كفروا
ـ " وهُو الذي يُصَوّركم في الأرحام كَيف يشاء" كلام عن أهل الأرض
" إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء" قدم الأرض
ـ "رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ" ـ ابراهيم:38
"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ" ـ ابراهيم:39
ـ وقال تعالى: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. يُعَذِّبُُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ. وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ" ـالعنكبوت:22
تقديم الأرض ، وفيها إعجاز آخر إذ فيها إشارة إلى أنهم سيصعدون إلى السماء ولن يعجزوه حتى وهم هناك


والسماء = 1 ـ كل ما علا حتى المطر والسحاب، وهي بهذا أوسع
2 ـ أو واحدة السموات
نلحظ أنه في حالة الاستغراق والشمول جاء بالحالة الأوسع، اما الحالة التي لم يكن فيها استغراق جاء بحالة أخرى (سبأ)

الفرق بين أصغرَ ، أصغرُ
في حالة الاستغراق جاءت (ولا اصغرَ) بالبناء على الفتح، وهذه اللا تسمى النافية للجنس
(لا رجلَ حاضرٌ) تنفي جنس الرجال
(لا رجلٌ) تحتمل نفي الجنس ونفي الوحدة، ومثلها مثل (ما)
يقول النحاة ابتداء من الخليل: عندما تقول (لا رجلَ) كأنه جواب لسؤال : هل من رجل؟
تضمر من الاستغراقية
فإن سألت : (هل من رجل؟) فجوابه: (لا رجلَ)
وإن سألت: (هل رجلٌ؟) فجوابه: (لا رجلٌ)
فالنافية للجنس هي أصلا تتضمن معنى (من) الاستغراقية
فقال (أصغرَ) في يونس
وهذا مناسب لوجود (من)، ويناسب الاستغراق لمواطن الاستغراق في بداية الآية (وما تتلو...)
أما التي ليست للاستغراق جاء فيها (ولا اصغرُ)
فجعل (أصغرُ) في غير موضع الاستغراق

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 10-31-2012, 02:32 AM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
Thumbs up رد: لمسات بيانية .. من وحي القرآن الكريم

الاعجاز البلاغي في جملة (الحمد لله) في سورة الفاتحة ؟

سنرى اليوم جملة مؤلفة من كلمتين إنها ( الحمد لله ) في سورة االفاتحة
هل كان من الممكن استعمال كلمات أخرى أو التغيير في وضعها ؟

في الظاهر . . نعم . . هناك كلمات و أساليب تحمل المعنى نفسه ، ولكن هل تفي بالمراد ؟

كان بالإمكان قول ( المدح لله أو الشكر لله ) مثلا
ولكن ماذا عن المعنى العام ؟

1ـ (المدح لله)
المدح هو الثناء وذكر المحاسـن من الصـفات والأعمال
أما الحمد فهو الثناء وذكر المحاسـن مع التعظيم والمحبة . أيهما أقوى إذن ؟

المدح قد يكون للحي ولغير الحي ، و للعاقل وغير العاقل
فقد يتوجه للجماد أو الحيوان كالذهب والديك
أما الحمد فيخلص للحي العاقل

المدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده ، فقد يمدح من لم يفعل شيئا ، ولم يتصـف بحسـن
أما الحمد فلا يكون إلا بعد الإحسان ، فيحمد من قدم جميل الأعمال أو اتصف بجميل الصفات

يظهر لنا مما تقدم أننا عندما نقول ( الحمد لله )
فإننا نحمد الله الحي القائم الذي اتصـف بصـفات تسـتـحـق الحمد ،ونعترف له بالتفضل والتكرم
فقدأسبغ علينامن إحسانه ظاهرا وباطنا ما لا يعد ولا يحصى
مع إظهار تعظيمنا وإجلالنا له وتأكيد توجه محبتنا إليه

2ـ (الشكر لله)
يكون الشكر على ما وصل للشـخـص من النعم ، أما الحمد فعلى ما وصل إليه وإلى غيره
الشكر يختص بالنعم ولا يوجه للصـفات ، فنحن لا نشكر فلانا لأنه يتصف بصفة العلم أو الرحمة أو غيرها
من الصفات الذاتية له
أما الحمد فيكون ثناء على النعم وعلى الصفات الذاتية وإن لم يتعلق شيء منها بنا
فالشكر إذن أضيق نطاقا ، إذ يختـص بالنعم الواصلة إلى الشـخـص الذي يشكر فحسـب
مما تقدم يتضح لنا أن المدح أعم ممن الحمد ، وأن الحمد أعم من الشكر
وفي الأول تعميم لا يناسب المقام ، وفي الأخير تخصيص غير مناسب أيضا

وهل يمكن مثلا استعمال واحدة من هذه العبارات؟
3 ـ أحمد الله أو نحمد الله أو احمدوا الله ***
فيقال في الرد : إن هذه العبارات إن استعملت لتأثر المعنى المقصود
وقلت القوة المراد له الظهور بها ، وفيما يلي تفصيل ذلك عن الجمل المذكورة قبل قليل

(أحمد الله أو نحمد الله أو أحمدوا الله) هي جمل فعلية
الأولى يتحدث بها الشخص الواحد، والثانية تقولها جماعة من اثنين فأكثر
والثالثة أمر بإتيان فعل الحمد
والجملة الفعلية تدل على الحدوث وتجدد الفعل
أما (الحمد لله ) فجملة اسمية والجمل الاسمية تدل على الدوام والثبوت

لذا فمن القواعد المعروفة في اللغة أن الجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية لأن الأولى تدل على الثبوت
وأيضا لأمور أخرى سنتعرف عليها فيما يلي

ــ الجملة الفعلية تختص بفاعل معين ،فالفاعل في الجمل المذكورة أعلاه هو المتكلم المفرد في الأولى
ولكن ماذا عن غيره من الناس ؟
وفي الجملة الثانية جماعة المتكلمين والسؤال لازال قائما ماذا عن غيرهم ؟
وفي الثالثة الجماعة التي تؤمر بالحمد وأيضا تظل قاصرة

أما الجملة الاسمية فتفيد الحمد على الإطلاق من المتكلم وغيره دون تحديد فاعل معين
ولعلنا نستشهد على ذلك بقوله عز من قائل سبحانه
( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم )
فبالإطلاق الوارد في الجملة الاسمية يحدث الشمول الذي لا يشمل البشر فقط
بل يتجاوزهم إلى كل ما في الكون

ــ والجملة الفعلية ترتبط بزمن معين مما يعني أن الحمد لا يحدث في غير هذا الزمن الذي يتم فيه الحمد
وزمن الإنسان زمن محدد معين ، يرتبط أو يساوي عمره على أقصى تقدير
فلا يتجاوزه إلى ما بعده ولا يبدأ قبله، فيكون الحمد أقل مما ينبغي بكثير
أما في الجملة الاسمية فالحمد مطلق،مستمد غير منقطع،مناسب بلا نقصان

ــ كما أن الجملة الفعلية لا تفيد أن المفعول مستحق للفعل، فقد نشكر من لا يستحق الشكر
وقد نهجو من لا يستحق الهجو
أما الجملة الاسمية فتفيد استحقاقه للحمد تأكيدا
والجملة الفعلية لا تعني أنه مستحق للحمد لذاته
بينما تفيد الجملة الاسمية أن الحمد والثناء حق لله تعالى ،وملك له سبحانه
فهو ثابت له،وهو يستحقه لذاته ولصفاته ولما أنعم من آلائه

ــ وإن كان الفعل للأمـر( احمد أو احمدوا ) فإن هذا أيضا لا يؤدي المعنى المطلوب
لما هو واضح من أن المأمور قد يفعل ما أمر به دون اقتناع،وإنما خوفا من الآمر أو رغبة في شيء
ولأن المأمور به لا يكون مستحقا للفعل دوما

ــ والحمد صفة القلب ،وهي اعتقاد كون المحمود متفضلا منعما مستحقا للتعظيم والإجلال
فإذا تلفظ الإنسان بالجملة الفعلية ذات الفاعل والزمن المحددين
وكان قلبه غافلا عن معنى التعظيم اللائق كان كاذبا
أما إن تلفظ بالجملة الاسمية فإنه يكون صادقا وإن كان قلبه غافلا لاهيا
لأنها تفيد أن الحمد حق لله ،وهذا حاصل سواء أعقل أم غفل

4 ـ الحمدَ لله
ـ قراءة الحمد بالنصب جائزة على تقدير فعل محذوف، فتكون جملة فعلية

ـ والجملة الفعلية تدل على التجدد والحدوث، بينما تدل الجملة الاسمية على الثبوت، وهو أقوى

ـ والجملة الفعلية تختص بفاعل معين وزمن معين
وفي هذا ما فيه من نقص الدلالة على المعنى المراد كما تقدم في رقم 3

ـ يستوي الأمر إذا قدرنا فعلا مضارعا أو فعلَ أمر، لأن الأمر بالشيء لا يعني أن المأمور به مستحق للفعل
وقد يفعل المأمور ما أمر به دون اقتناع إما لعدم استحقاق من المأمور للفعل
أو لأنه يراه كذلك، فقراءة الرفع (الحمدُ لله) تفيد ثبوت الشيء على جهة الاستحقاق ثباتا دائما
فهي أولى من قراءة النصب في حالي الإخبار (أحمدُ الله ونحمد الله) والأمر ( احمد الله واحمدوا الله)

5 ـ حمدا لله

ـ وهي جملة فعلية نقدر لها فعلا محذوفا
والجملة الاسمية (الحمدُ لله) أقوى من الجملة الفعلية لما تقدم في رقم 3

ـ (الحمد لله) معرّفة بأل، و (أل) تفيد العهد وتفيد استغراق الجنس
فإن أفادت العهد كان المعنى: الحمد المعروف بينكم هو لله
وإن أفادت الاستغراق كان المعنى: إن الحمد كله لله على سبيل الإحاطة والشمول. ويظهر أن المعنيين مرادان

ـ أما (حمدا لله) فنكرة لا تفيد شيئا من المعاني المتقدمة

6 ـ إن الحمد لله

ـ (إن) تفيد التوكيد، وليس المقام مقام شك أو إنكار يقتضي توكيدا

ـ (إن الحمد لله ) جملة خبرية تحمل إلينا خبرا واضحا محددا (ثبوت الحمد لله تعالى) ولا تحتمل إنشاء

ـ أما ( الحمد لله ) فتفيد الإخبار بثبوت الحمد لله ، فهي خبرية من هذه الجهة، ولكنها تفيد إنشاء التعظيم
فهي ذات معان أكثر

7 ـ لله الحمد

ـ (لله الحمد) فيها تقديم الجار والمجرور ، وفي التقديم اختصاص أو إزالة شك، والمقام لا يطلب لذلك
فليس هناك من ادعى أن ذاتا أخرى قد تشترك معه في الحمد، فنزيل الاحتمال والظن عنده
وليس هناك من ادعى أن الحمد لغير الله لنخصه به؟

ـ والحمد في الدنيا ليس مختصا لله وحده، وإن كان هو سببه كله، فالناس قد يحمد بعضهم بعضا
وفي الحديث (من لم يحمد الناس لم يحمد الله)، فيجوز توجيه الحمد لغير الله في ظاهر الأمر
فلا حاجة للاختصاص بالتقديم

8 ـ اختصاص الاسم العلم (الله) بالذكر، دون سائر أسمائه االحسنى وصفاته
فكان يمكن أن يقال (الحمد للحي، الحمد للرحيم، الحمد للبارئ، ..)
ولكن لو حدث ذلك لأفهم أن الحمد إنما استحقه لهذا الوصف دون غيره
فجاء بالاسم العلم ليدل على أنه استحق الحمد لذاته هو لا لصفة من صفاته

ـ ثم إن ذكر لفظ الجلالة (الله) يناسب سياق الآيات، فسيأتي بعدها بقليل "إياك نعبد وإياك نستعين"
ولفظ الجلالة (الله) مناسب للعبودية، لأنه مأخوذ من لفظ الإله أي المعبود
وقد اقترنت العبادة باسمه أكثر من خمسين مرة في القرآن كقوله تعالى: " أمرت أن أعبد الله " الرعد

ـ هذا والمجيء بوصف غير لفظ الجلالة ليس فيه تصريح بأن المقصود هو الله عز وجل

*** *** *** *** ***

فمن منا مهما بلغ من فصاحة وبلاغة وبيان
من منا يستطيع أن يأتي بكلام فيه هذا الإحكام وهذا الاستواء مع حسن النظم ودقة الانتقاء
فكل كلمة في موقعها جوهرة ثمينة منتقاة بعناية لتؤدي معاني غزيرة بكلمات يسيرة
كل واحدة واسطة عقد لا يجوز استبدالها ولا نقلها ولا تقديمها ولا تأخيرها وإلا لاختل المعنى
أو ضعف أو فقد بعض معانيه؟

إنه الإعجاز الإلهي الذي يتجلى في الكون كله
ويحف بالقرآن كله، مجموعه وجزئياته، كلماته وحروفه، معانيه وأسراره
ليكون النور الذي أراد الله أن يهدي ويسعد به كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 10-31-2012, 06:23 PM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: لمسات بيانية .. من وحي القرآن الكريم

جزاكم الله خيرا أخي الكريم على التثبيت
نفعنا الله وإياكم وجميع المسلمين بالحق
اللهم آمين ..

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 10-31-2012, 06:34 PM
أبو ذر الشمالي أبو ذر الشمالي غير متصل
مشرف
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 18,525
معدل تقييم المستوى: 38
أبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to behold
افتراضي رد: لمسات بيانية .. من وحي القرآن الكريم

بارك الله بك أخي يوسف والعالم فاضل السامرائي حفظه الله مكسب كبير وكنز دفين وأنا أحبه في الله كثيرا
السلام عليكم

__________________
اللهم إني استودعتك المسلمين والمسلمات وأنت خير الحافظين
لا إله إلا الله العظيم الحليم
لا إله إلا الله رب العرش العظيم
لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم

http://shemalyat.blogspot.com/
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 10-31-2012, 06:39 PM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: لمسات بيانية .. من وحي القرآن الكريم

قصة موسى عليه السلام في سورتي النمل والقصص

من سورة النمل
بسم الله الرحمن الرحيم

وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ {6} إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ {7} فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {8} يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ {9} وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ {10} إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ {11} وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ {12} فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ {13}‏ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ {14}


من سورة القصص
بسم الله الرحمن الرحيم

فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33)


إن الذي أوردته من سورة النمل، هو كل ما ورد عن قصة موسى في السورة. وأما ما ذكرته من سورة القصص فهو جزء يسير من القصة، فقد وردت القصة مفصلة ابتداء من قبل أن يأتي موسى إلى الدنيا إلى ولادته، وإلقائه في اليم والتقاطه من آل فرعون، وإرضاعه ونشأته وقتله المصري وهربه من مصر إلى مدين، وزواجه وعودته بعد عشر سنين وإبلاغه بالرسالة من الله رب العالمين، وتأييده بالآيات، ودعوته فرعون إلى عبادة الله إلى غرق فرعون في اليم، وذلك من الآية الثانية إلى الآية الثالثة والأربعين.

فالقصة في سورة القصص إذن مفصلة مطولة، وفي سورة النمل موجزة مجملة. وهذا الأمر ظاهر في صياغة القصتين، واختيار التعبير لكل منهما.

هذا أمر، والأمر الثاني أن المقام في سورة النمل، مقامُ تكريم لموسى أوضح مما هو في القصص، ذلك أنه في سورة القصص، كان جو القصة مطبوعا بطابع الخوف الذي يسيطر على موسى عليه السلام، بل إن جو الخوف كان مقترنا بولادة موسى عليه السلام، فقد خافت أمه فرعونَ عليه، فقد قال تعالى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي" القصص: 7، ويستبد بها الخوف أكثر حتى يصفها رب العزة بقوله: "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا" القصص:10

ثم ينتقل الخوف إلى موسى عليه السلام، ويساوره وذلك بعد قتله المصري: "فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ 18". فنصحه أحدُ الناصحين بالهرب من مصر لأنه مهدد بالقتل: "فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ 21" ، وطلب من ربه أن ينجيه من بطش الظالمين: "قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 21" . فهرب إلى مدين وهناك اتصل برجل صالح فيها، وقص عليه القصص فطمأنه قائلا: " لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 25"

وهذا الطابع ـ أعني طابع الخوف ـ يبقى ملازما للقصة إلى أواخرها، بل حتى إنه لما كلفه ربه بالذهاب إلى فرعون راجعه وقال له: إنه خائف على نفسه من القتل: "قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ 33"، وطلب أخاه ظهيرا له يعينه ويصدقه لأنه يخاف أن يكذبوه: "وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ 34"

في حين ليس الأمر كذلك في قصة النمل، فإنها ليس فيها ذكر للخوف إلا في مقام إلقاء العصا.

فاقتضى أن يكون التعبير مناسبا للمقام الذي ورد فيه. وإليك إيضاح ذلك:


1ـ قال تعالى في سورة النمل: " إِنِّي آنَسْتُ نَاراً "
وقال في سورة القصص: "آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً"


فزاد : " مِنْ جَانِبِ الطُّورِ" وذلك لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة في سورة القصص.


2 ـ قال في سورة النمل: "إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً"
وقال في سورة القصص: " قَالَ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً" بزيادة "امْكُثُوا".


وهذه الزيادة نظيرة ما ذكرناه آنفا، أعني مناسبة لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة بخلاف القصة في النمل المبنية على الإيجاز.

3 ـ قال في النمل: " سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ".
وقال في القصص: " لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ".


فبنى الكلام في النمل على القطع "سَآتيكُم" وفي القصص علىالترجي "لعَلّي آتيكُمْ". وذلك أن مقام الخوف في القصص لم يدعه يقطع بالأمر فإن الخائف لا يستطيع القطع بما سيفعل بخلاف الآمن. ولما لم يذكر الخوف في سورة النمل بناه على الوثوق والقطع بالأمر.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن ما ذكره في النمل هو المناسب لمقام التكريم لموسى بخلاف ما في القصص.

ومن ناحية ثالثة، ؟إن كل تعبير مناسبٌ لجو السورة الذي وردت فيه القصة، ذلك أن الترجي من سمات سورة القصص، والقطع من سمات سورة النمل. فقد جاء في سورة القصص قوله تعالى: "عَسى أن ينْفَعَنا أوْ نَتّخِذَهُ وَلَدا" وهو ترَجٍّ. وقال: ""عَسَى رَبّي أَن يَهْدِيَني سَوَاءَ السّبيلِ" وهو ترجٍّ أيضا. وقال: " لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ" وقال "لَعَلّكُم تَصْطَلونَ"، وقال: "لَعَلّي أَطّلِعُ إلى إِلَهِ موسَى"، وقال: "لَعَلّهُمْ يَتَذكّرونَ " ثلاث مرات في الآيات 43، 46، 51، وقال: "فَعَسَى أَنْ يَكونَ مِنَ المُفْلِحينَ"، وقال: "ولَعَلّكُم تَشكُرونَ 73"وهذا كله ترجّ. وذلك في عشرة مواطن في حين لم يرد الترجي في سورة النمل، إلا في موطنين وهما قوله: "لَعَلّكُمْ تَصْطَلونَ"، وقوله: "لَعَلّكُمْ تُرْحَمونَ"

وقد تردد القطع واليقين في سورة النمل، من ذلك قوله تعالى على لسان الهدهد: "أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ"النمل:22 ، وقوله على لسان العفريت لسيدنا سليمان: "أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ" النمل: 39 وقوله على لسان الذي عنده علم من الكتاب: "أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ " النمل:40

فانظر كيف ناسب الترجي ما ورد في القصص، وناسب القطع واليقين ما ورد في النمل.

ثم انظر بعد ذلك قوله تعالى في القصة: "سَآتيكُمْ مِنْها بِخَبَر" ومناسبته لقوله تعالى في آخر السورة: "الْحَمْدُ لِلّه سَيُريكُمْ آيَلتِهِ فَتَعْرِفوَها 93" وانظر مناسبة "سَآتيكُمْ" لـ "سَيُرِيَكُمْ".

وبعد كل ذلك، انظر كيف تم وضع كل تعبير في موطنه اللائق به.

4 ـ كرّر فعل الإتيان في النمل، فقال: "سَآتيكُمْ مِنها بِخَبَر أوْ آتيكُمْ بِشِهابٍ"
ولم يكرره في القصص، بل قال: "لَعَلّي آتيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ"


فأكد الإتيان في سورة النمل لقوة يقينه وثقته بنفسه، والتوكيد يدل على القوة، في حين لم يكرر فعل الإتيان في القصص مناسبة لجو الخوف.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن فعل (الإتيان) تكرر في النمل اثنتي عشرة مرة. (1)

وتكرر في القصص ست مرات (2) فناسب تكرار (آتيكم) في النمل من كل وجه.

5 ـ وقال في سورة النمل: " أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ"
وقال في القصص: " نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ"


فذكر في سورة النمل أنه يأتيهم بشهاب قبس، والشهاب: هو شعلة من النار ساطعة. (3)

ومعنى (القَبَس) شعلة نار تقتبس من معظم النار كالمقباس يقال: قبس يقبس منه نارا، أي: أخذ منه نارا، وقبس العلمَ استفاده (4)

وأما (الجذوة) فهي الجمرة أو القبسة من النار (5) وقيل: هي ما يبقى من الحطب بعد الالتهاب، وفي معناه ما قيل: هي عود فيه نار بلا لهب. (6)

والمجيء بالشهاب أحسن من المجيء بالجمرة، لأن الشهاب يدفئ أكثر من الجمرة لما فيه من اللهب الساطع، كما أنه ينفع في الاستنارة أيضا. فهو أحسن من الجذوة في الاتضاءة والدفء.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ذكر أنه سيأتي بالشهاب مقبوسا من النار،، وليس مختَلَسا أو محمولا منها، لأن الشهاب يكون مقبوسا وغير مقبوس (7) ، وهذا أدل على القوة وثبات الجنان، لأن معناه أنه سيذهب إلى النار، ويقبس منها شعلة نار ساطعة.

أما في القصص فقد ذكر أنه ربما أتى بجمرة من النار، ولم يقل إنه سيقبسها منها.

والجذوة قد تكون قبسا وغير قبس، ولا شك أن الحالة الأولى أكمل وأتم لما فيها من زيادة نفع الشهاب على الجذوة، ولما فيها من الدلالة على الثبات وقوة الجنان.

وقد وضع كل تعبير في موطنه اللائق به، ففي موطن الخوف ذكر الجمرة ، وفي غير موطن الخوف ذكر الشهاب والقبس.

6 ـ قال في سورة النمل: "فَلَمّا جاءَهَا نُودِيَ"
وقال في سورة القصص: "فَلَمّا أَتاها نُودِيَ"


فما الفرق بينهما؟

قال الراغب الأصفهاني مفرقا بين الإتيان والمجيء: الإتيان مجيءٌ بسهولة، ومنه قيل للسيلِ المارّ على وجهه أتي" (8). وقال: "المجيء كالإتيان، لكن المجيء أعم، لأن الإتيان مجيء بسهولة" (9)

ولم يذكر أهل المعجمات ما ذكره الراغب، وإنما هم يفسرون واحا بالآخر، فيفسرون جاء بأتى، وأتى بجاء، غير أنهم يذكرون في بعض تصريفات (أتى) ما يدل على السهولة، فيقولون مثلا في تفسير الطريق الميتاء من (أتى) "طريق مسلوك يسلكه كل أحد" وذلك لسهولته ويسره. ويقولون : "كل سيل سهلته الماء أتيّ" و "أتّوا جداولها: سهلوا طرق المياه إليها" يقال: (أتّيت الماء) إذا أصلحت مجراه حتى يجري إلى مقارّه .. ويقال: أتّيت للسيل، فأنا أؤتّيه إذا سهلت سبيله من موضع إلى موضع ليخرج إليه .. وأتّيت الماء تأتيةً وتأتياً، أي: سهلت سبيله ليخرج إلى موضع"(10)

والذي استبان لي أن القرآن الكريم يستعمل المجيء لما فيه صعوبة ومشقة، أو لما هو أصعب وأشق مما تستعمل له (أتى) فهو يقول مثلا: "فَإذا جَاءَ أَمْرُنا وَفارَ التّنّورُ 27 " المؤمنون، وذلك لأن هذا المجيء فيه مشقة وشدة. وقال: "وجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالحَقّ 19" ق. وقال: "لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرَا 71" الكهف. وقال: "لقَدْ جِئْتَ شِيْئا نُكْرا 74" الكهف.

وقال: "قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً 27" مريم. وقال: "وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً" مريم .

وقال: "وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً"الاسراء:81. وقال: "فَإذا جاءَت الصّاخّة. يَوْمَ يَفِرّ المَرْءُ من أخيهِ" عبس. وقال: "فإذا جاءَت الطّامّةُ الكُبْرَى" النازعات.

وهذا كله مما فيه صعوبة ومشقة.

وقد تقول: وقد قال أيضا: "هَلْ أَتاكَ حَديثُ الغَاشِيَة" والجواب: أن الذي جاء هنا هو الحديث وليس الغاشية في حين ن الذي جاء هناك هو الطامة والصاخة ونحوهما مما ذكر

ويتضح الاختلاف بينهما في الآيات المتشابهة التي يختلف فيها الفعلان، وذلك نحو قوله تعالى: "أَتَى أَمْرُ الله" النحل، وقوله: "فَإذا جاءَ أَمْرُ اللهِ" غافر، ونحو قوله: "جاءَهُمْ نَصْرُنا" يوسف، و"أَتاهُمْ نَصْرُنا" الأنعام، ونحو قوله: "لجاءَهُمُ العَذابُ" العنكبوت، و"وأَتاهُمُ العَذابُ" النحل، وما إلى ذلك.

فإنه يتضح الفرق في اختيار أحدهما على الآخر، وإليك إيضاح ذلك: قال تعالى: "أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ 1"النحل. وقال: "فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ 78" غافر. فقد قال في النحل: "أَتَى أَمْرُ اللهِ"، وقال في غافر: "جاءَ أَمْرُ اللهِ"، وبأدنى نظر يتضح الفرق بين التعبيرين، فإن المجيء الثاني أشق وأصعلب لما فيه من قضاء وخسران، في حين لم يزد في الآية الأولى على الإتيان. فاختار لما هو أصعب وأشق (جاء) ولما هو أيسر (أتى).

ونحو ذلك قوله تعالى: "حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ110" يوسف

وقوله: "وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ34" الأنعام

فقال في آية يوسف "جاءَهُمْ نَصْرُنا" وفي آية الأنعام: "أتاهُمْ نَصْرُنا" ومن الواضح ان الحالة الأولى أشق وأصعب، وذلك أن الرسل بلغوا درجة الاستيئاس وهي أبعد وأبلغ، وذهب به الظن إلى أنهم كُذبوا، أي: أن الله سبحانه وتعالى كذبهم ولم يصدقهم فيما وعدهم به، وهذا أبلغ درجات اليأس وأبعدها، وعند ذاك جاءهم نصره سبحانه فنجّي من شاء وعوقب المجرمون.

في يحن ذكر في الآية الأخرى أنهم كُذّبوا، أي: كذّبهم الكافرون، وأوذوا فصبروا. وفرق بعيد بعيد بين الحالتين، فلقد يُكذّب الرسل وأتباعهم ويُؤذَون، ولكن الوصول إلى درجة اليأس والظن بالله الظنون البعيدة أمرٌ كبير.

ثم انظر إلى خاتمة الآيتين تر الفرق واضحا، فما ذكره من نجاة المؤمنين ونزول اليأس علىالكافرين في آية يوسف مما لا تجده في آ]ة الأنعام يدلك على الفرق بينهما.

ومن ذلك قوله تعالى: "كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ . فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" الزمر:25 ـ 26

وقوله: "قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ. النحل 26 ـ27

فقال في الآيتين: "وأتاهُمُ العَذابُ" في حين قال: "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمّىً لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ. يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" العنكبوت:53 ـ 54 ـ55

فقال: "فَجاءَهُمُ العَذابُ" وذلك أن الآيتين الأوليين في عذاب الدنيا بدليل قوله في آية النحل: "ثُمّ يَوْممَ القِيامَةِ يُخزيهِم.." وقوله في آية الزمر: " فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" في حين أن آية العنكبوت في عذاب الآخرة، وحتى لو كانت في عذاب الدنيا فإن ما ذُكر فيها من العذاب أشق وأشد مما في الآيتين الأخريين بدليل قوله: "وإنَّ جَهَنّم لَمُحيطَةٌ بالكافِرينَ" وقوله: "يَوْمَ يَغشاهُمُ العَذابُ مِنْ فَوْقِهِم ومِنْ تَحْتِ أرْجُلِهم.." فجاء لما هو أشق وأشد بالفعل (جاء) ولما هو أيسر بـ (أتى).



وقد تقول: ولكنه قال: "ولَيَأتِيَنّهُم بَغْتةً" فاستعمل مضارع (أتى).

والجواب: أن القرآن لم يستعمل مضارعا للفعل (جاء) .. ولذلك كل ما كان من هذا المعنى مضارعا، استعمل له مضارع (أتى) فلا يدخل المضارع في الموازنة، وسيأتي بيان ذلك.



ومن ذلك قوله تعالى: "أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" التوبة: 70 ـ 71

فقال: " أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ" وهو الموطن الوحيد الذي جاء فيه نحو هذا التعبير في القرآن الكريم في حين قال في المواطن الأخرى كلها: "جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ"

ولو نظرت في هذه التعبيرات، ودققت فيها لوجدت أن كل التعبيرات التي جاءت بالفعل (جاء) أشق وأصعب مما جاء بـ (أتى)، وإليك بيان ذلك.

قال تعالى: " تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ. وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ. ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآياتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ" الأعراف:101 ـ 102 ـ 103

فانظر كيف قال في آية التوبة: "أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ." ولم يذكر أنهم كفروا أو عوقبوا، في حين قال في آيات الأعراف: "فَما كانُ,ا لِيؤْمِنوا بِمَا كذّبُوا مِن ْ قَبْل" فذكر عدم إيمانهم، وأنهم طُبع على قلوبهم: " كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ"، وذكر أنه وجد أكثرهم فاسقين، وأنه لم يجد لأكثرهم عهدا، وذكر بعد ذلك ظلم فرعون وقومه لموسى وتكذيبهم بآيات الله وعاقبتهم.

فانظر موقف الأمم من الرسل في الحالتين وانظر استعمال كل من الفعلين جاء وأتى، يتبين لك الفرق واضحا بينهما.

ومنه قوله تعالى: " وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ 13" يونس

فقال: "وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالبَيّنات" وذلك أنه ذكر إهلاك القرون لظلمهم وذكر تكذيبهم وعدم إيمانهم وذكر جزاء المجرمين.

وقال: "أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ 9" ابراهيم ، إلى أن يقول: "وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ. "ابراهيم:12 ـ 13

ويمضي في وصف عذاب الكفرة عذابا غليظا: "مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ. يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ" ابراهيم:17

فقال أيضا: "وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهمْ بالبينات"، وأنا في غنى عن أبين موقف الأمم من رسلهم، وكفرهم بما أرسلوا به، وتهديدهم لهم بإخراجهم من الأرض، وعن ذكر عذاب الكافرين فيالدنيا بإهلاكهم وفي الآخرة بما وصفه أفظع الوصف.

فانظر إتيانه بالفعل (جاء) وقارنه بالفعل (أتى) في آية التوبة يتضح الفرق بين استعمال الفعلين.

ومن ذلك قوله تعالى: "أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ9 ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ" الروم:10

ذكر عاقبة الذين أساؤوا، وأنها السوأى تأنيث الأسوأ، أي: أسوأ الحالات على الإطلاق، وذكر تكذيب الأمم لرسلهم واستهزاءهم بهم، في حين لم يصرح في آية التوبة بتكذيب ولا استهزاء، ولم يذكر لهم عاقبة ما.

ومن ذلك قوله تعالى: "وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ25 ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ 26" فاطر

فذكر تكذيب الأمم السابقة لرسلهم بعد أن جاؤوهم بكل ما يدعو إلى الإيمان من البينات والزبر والكتاب المنير، وذكر أخذَه لهم وعلّق على ذلك بقوله: "فَكَيْفَ كان نَكيرِ"

ومن ذلك قوله تعالى: " أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ"غافر:82 إلى 85

فقال: "جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيّناتِ" ثم ذكر أن أممهم استهزؤوا برسلهم وبقوا على شركهم حتى رأوا بأس الله ينزل بهم. فلم ينفعهم إيمانهم بعد فوات الأوان.

قارن هذه الآيات التي وردت بالفعل (جاء) بالآية التي وردت بالفعل (أتى) وهي آية التوبة، يتبين الفرق بين استعمال الفعلين: جاء وأتى.

وقد تقول: ولكن ورد في القرآن (أتتكم الساعة) و (جاءتهم الساعة) والساعة واحدة فما الفرق؟

وأقول ابتداء أنه لا يصح اقتطاع جزء من الآية للاستدلال، بل ينبغي النظرُ في الآية كلها وفي السياق أيضا ليصحّ الاستدلالُ والحكم.

وإليك الآيتين اللتين فيهما ذِكرُ الساعة:

قال تعالى: " قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ 31" الأنعام

وقال: "قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 40 بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ 41" الأنعام

فقال في الآية الأولى: "جاءَتْهُم السّاعَةُ" وقال في الثانية: "أَتَتْكُم السّاعَةُ"

وبأدنى تأمل يتضح الفرق بين المقامين. فإن الأولى في الآخرة وفي الذين كذبوا باليوم الآخر، وهم نادمون متحسرون على ما فرطوا في الدنيا، وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم. وتوضحه الآية قبلها وهي قوله تعالى: " وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ30 قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا.. "الأنعام ، في حين أن الثانية في الدنيا بدليل قوله: "أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" وقوله: "بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ " فذكر أنه يكشف ما يدعون إليه إن شاء، وهذا في الدنيا، وإلا فإن الله لا يكشف عن المشركين شيئا في الآخرة ولا يستجيب لهم البتة.

فالموقف الأول أشق وأشد مما في الثانية، فجاء بالفعل (جاء) دون (أتى) بخلاف الآية الثانية.

فاتضح أن القرآن إنما يستعمل (جاء) لما هو أصعب وأشق. ويستعمل (أتى) لما هو أخف وأيسر.

ولعل من أسباب ذلك أن الفعل (جاء) أثقل من (أتى) في اللفظ بدليل أنه لم يرد في القرآن فعل مضارع لـ (جاء) ولا أمر ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول، ولم يرد إلا الماضي وحده بخلاف (أتى) الذي وردت كل تصريفاته، فقد ورد منه الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل واسم المفعول. فناسب بين ثقل اللفظ وثقل الموقف في (جاء)، وخفة اللفظ وخفة الموقف في (أتى) والله أعلم.

ونعود إلى ما نحن فيه من قصة موسى عليه السلام، فقد قال في سورة النمل: "فلما جاءها" وقال في سورة القصص: "فَلمّا أتاها" ذلك أن ما قطعه موسى على نفسه في النمل أصعب مما في القصص، فقد قطع في النمل على نفسه أن يأتيهم بخبر أو شهاب قبس، في حين ترجى ذلك في القصص. والقطع أشق وأصعب من الترجي. وأنه قطع في النمل، أن يأتيهم بشهاب قبي، أي: بشعلة من النار ساطعة مقبوسة من النار التي رآها في حين أنه ترجّى في القصص ان ياتيهم بجمرة من النار، والأولى أصعب. ثم إن المهمة التي ستوكل إليه في النمل أصعب وأشق مما في القصص، فإنه طلب إليه في القصص أن يبلغ فرعون وملأه. وتبليغ القوم أوسع وأصعب من تبليغ الملأ، ذلك أن دائرة الملأ ضيقة، وهم المحيطون بفرعون في حين أن دائرة القوم واسعة، لأنهم منتشرون في المدن والقرى، وأن التعامل مع هذه الدائرة الواسعة من الناس صعب شاق، فإنهم مختلفون في الأمزجة والاستجابة والتصرف، فما في النمل أشق وأصعب، فجاء بالفعل (جاء) دون (أتى) الذي هو أخف. ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة طه: "فلما أتاها نُودِيِ يا موسى" ذلك لأنه أمره بالذهاب إلى فرعون ولم يذكر معه أحدا آخر: "اذهب إلى فرعون إنه طغى 24 قال رب اشرَحْ لي صَدْري 25 ويسّر لي أمري 26"

فانظر كيف لما أرسله إلى فرعون قال: "أتاها"، ولما أرسله إلى فرعون وملئه قال (أتاها) أيضا في حين لما أرسله إلى فرعون وقومه قال: "جاءها" وأنت ترى الفرق بين الموطنين ظاهرا.

7 ـ ذكر في القصص جهة النداء فقال: "فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ "
ولم يذكر الجهة في النمل، وذلك لأن موطن القصص موطن تفصيل، وموطن النمل موطن إيجاز كما ذكرت.


8 ـ قال في النمل: " نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"
ولم يذكر مثل ذلك في القصص، بل ذكر جهة النداء فقط،

وذلك لأن الموقف في النمل موقف تعظيم كما أسلفنا وهذا القول تعظيم لله رب العالمين.

9 ـ قال في النمل "يا موسَى"
وقال في القصص: "أَنْ يا موسَى"


فجاء بـ (أن) المفسرة في القصص، ولم يأت بها في النمل، وذلك لأكثر من سبب:

منها أن المقام في النمل مقام تعظيم لله سبحانه، وتكريم لموسى كما ذكرنا فشرفه بالنداء المباشر في حين ليس المقام كذلك في القصص، فجاء بما يفسر الكلام، أي: ناديناه بنحو هذا، أو بما هذا معناه، فهناك فرق بين قولك: (أشرت إليه أن اذهب) و (قلت له اذهب) فالأول معناه: أشرت إليه بالذهاب، بأيّ لفظ أو دلالة تدل على هذا المعنى. وأما الثاني فقد قلت له هذا القول نصا، ومثله قوله تعالى: "وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ104 قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 105"الصافات

أي: بما هذا تفسيره أو بما هذا معناه بخلاف قوله: "قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ" هود

ومنها أن المقام في سورة القصص مقام تبسّط وتفصيل فجاء بـ (أن) زيادة في التبسط.

ومنها أن ثقل التكليف في النمل يستدعي المباشرة في النداء، ذلك أن الموقف يختلف بحسب المهمة وقوة التكليف كما هو معلوم.

10 ـ قال في النمل: "إنّهُ أَنا اللهُ العَزيزُ الحَكيمُ"
وقال في سورة القصص: "إِنّي أَنا اللهُ رَبُّ العالَمينَ"


فجاء بضمير الشأن الدال على التعظيم في آية النمل: "إِنّه أنا" ولم يأت به في القصص، ثم جاء باسميه الكريمين "العَزيزُ الحَكيم" في النمل زيادة في التعظيم.

ثم انظر إلى اختيار هذين الاسمين وتناسبهما مع مقام ثقل التكليف، فإن فرعون حاكم متجبر يرتدي رداء العزّة، ألا ترى كيف أقسم السحرة بعزته قائلين: "بِعِزّةِ فِرعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغَالِبونَ 44" الشعراء. فاختار من بين أسمائه (العزيز) معرفا بالألف واللام للدلالة على أنه هو العزيز ولا عزيز سواه، و(الحكيم) للدلالة على أنه لا حاكم ولا ذا حكمة سواه، فهو المتصف بهذين الوصفين على جهة الكمال حصرا. وفي تعريف هذين الاسمين بالألف واللام من الدلالة على الكمال والحصر ما لا يخفى ما لو قال (عزيز حكيم) فإنه قد يشاركه فيهما آخرون.

ثم انظر من ناحية أخرى كيف أنه لما قال: "أَنا اللهُ العَزيزُ الحَكيمُ" لم يذكر أن موسى سأل ربه أن يعزّزه ويقويه بأخيه، ولما لم يقل ذلك ذكر أنه سأل ربه أن يكون له ردءا، يصدقه ويقويه وهو أخوه هارون.

وقد تقول: ولكنه قال في القصص "إنّي اَنا اللهُ ربّ العالمينَ" وفي ذلك من التعظيم ما لا يخفى

ونقول: وقد قال ذلك أيضا في النمل، فقد قال: "وسبحان الله ربّ العالمين" وزاد عليه: "إنّهُ أنا الله العَزيزُ الحَكيمُ" فاتضح الفرق بين المقامين.

وقد تقول: ولم قال في سورة طه: "إنّي أَنا ربّك فاخلعْ نَعلَيْكُ" بذكر ربوبيته له خصوصا، ولم يقل كما قال في سورتي النمل والقصص "ربّ العالمين"؟

والجواب: أنه في سورة طه كان الخطاب والتوجيه لموسى عليه السلام أولا فعلمه وأرشده فقال له: " إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي 14 إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى 15" طـه، فطلب منه العبادة وإقامة الصلاة

وقال بعد ذلك: "لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنا الكُبْرى 23" طه، ثم ذكر منته عليه مرة أخرى فقال: "وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى37 إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى 38" طـه

ويمضي في ذكر منته عليه ولم يرد مثل ذلك في النمل، ولا في القصص.

فإنه لم يذكر توجيها له أو إرشادا لعبادته في النمل، ولا في القصص فلم يأمره بعبادة أو صلاة أو تكليف خاص بشأنه. ثم إنه في سورة القصص وإن كان قد فصّل في ذكر ولادته ونشأته وما إلى ذلك فقد ذكرها في حالة الغيبة لا في حالة الخطاب: "وأوحينا إلى أمّ موسَى أَنْ أَرْضِعيهِ" "إنْ كادَتْ لَتُبدي به .. فرددناه إلى أمه .. ولمّا بلَغَ أشُدّه .. ودَخَل المَدينةَ .. "

في حين كان الكلام في سورة طه بصورة الخطاب. فناسب أن يقول له في طه: "أنا ربّك" بخلاف ما في النمل والقصص، والله أعلم.

11 ـ قال في النمل: "وَأَلْقِ عَصاكَ"
وقال في القصص: "وأنْ ألْقِ عَصاكَ"


فجاء بـ (أن) المفسرة أو المصدرية. ونظيره ما مر في قوله: (يا موسى) و (أن يا موسى)

فقوله: "وأَلْقِ عَصاك" قول مباشر من رب العزة، وهو دال على التكريم.

وأما قوله: "وأنْ ألْقِ عَصاك" فإنه معناه أنه ناداه بما تفسيره هذا أو بما معناه هذا. فأنت إذا قلت: (ناديته أن اذهب) كان المعنى ناديته بالذهاب. فقد يكون النداء بها اللفظ أو بغيره بخلاف قولك: (ناديته اذهب)، أي: قلت له اذهب.

وهو نحو ما ذكرناه في قوله: (يا موسى) و (أن يا موسى) من أسباب ودواعٍ فلا داعي لتكرارها.

12 ـ قال في النمل: "يا موسَى لا تَخَفْ"
وقال في القصص: "يا موسَى أقْبِلْ وَلا تَخَفْ"


بزيادة (أقبل) على ما في النمل، وذلك له أ:ثر من سبب.

منها : أن مقام الإيجاز في النمل يستدعي عدم الإطالة بخلاف مقام التفصيل في القصص.

ومنها أن شيوع جو الخوف في القصص يدل على إيغال موسى في الهرب، فدعاه إلى الإقبال وعدم الخوف.

فوضع كل تعبير في مكانه الذي هو أليق به.

13 ـ قال في النمل: "إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرْسَلونَ"
وقال في القصص: "إنّكَ مِنَ الآمِنينَ"


ذلك أن المقام في سورة القصص مقام الخوف، والخائف يحتاج إلى الأمن فأمنه قائلا: "إنّكَ مِنَ الآمِنينَ"

أما في سورة النمل فالمقام مقام التكريم والتشريف، فقال: "إنّي لا يَخافُ لَدَيّ المُرسَلونَ" فألمح بذلك إلى نه منهم، وهذا تكريم وتشريف. ثم انظر كيف قال (لَدَيّ) مشعرا بالقرب، وهو زيادة في التكريم والتشريف.

ثم انظر من ناحية أخرى كيف أنه لما قال في سورة النمل: "لَدَيّ" المفيدة للقرب ناداه بما يفيد القرب فقال: "يا موسى" ولم يقل: "أنْ يا موسى" كما قال في القصص، ففصل بين المنادي والمنادَى بما يفيد البعد. وأمره أيضا بما يفيد القرب بلا فاصل بينهما فقال: "وألقِ عَصاكَ" ولم يقل: "وأنْ ألقِ عَصاكَ" للدلالة على قرب المأمور منه. فناداه من قرب وأمرَه من قرب، وذلك لأنه كان منه قريبا، فانظر علو هذا التعبير ورفعته.

ثم انظر من ناحية أخرى كيف قال: "إنّي لا يَخافُ لَديّ المُرسَلونَ" ولم يقل: (إني لا يخخاف مني المرسلون) لأن المرسلين لا يخافون بحضرته، ولكنهم يخشونه ويخافونه كل الخوف، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أنا أخشاكم لله) فهو أخوف الناس منه، وأخشاهم له.

14 ـ قال في النمل: "إلّا منْ ظَلَمَ ثمّ بَدّلَ حُسنا بَعدَ سوء فإنّي غَفورٌ رحيمٌ"
ولم يقل مثل ذلك في القصص


لأنه لا يحسن أن يقال: (إنك من الآمنين إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء) ولو قال هذا لم يكن كلاما.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ناسب ذلك قول ملكة سبأ: "ربّ إني ظلَمْتُ نَفسي وأسْلَمْتُ مَع سُلَيمانَ لله ربّ العَالمينَ" النمل، فإنها ظلمت نفسها بكفرها وسجودها للشمس منجون الله، ثم بدلت حسنا بعد سوء، فأسلمت لله رب العالمين فلاءم هذا التعبير موطنه من كل ناحية.

وقد تقول: لقد ورد مثل هذا التعبير في سورة القصص أيضا وهو قوله تعالى: "قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 16" القصص

والحق أن المقامين مختلفان، فإن القول في سورة القصص هو قول موسى عليه السلام حين قتل المصري، وموسى لم يكن كافرا بالله، بل هو مؤمن بالله تعالى، ألا ترى إلى قوله منيبا إلى ربه بعدما فعل فعلته: "قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي" وقوله حين فر من مصر: "رَبّ نَجّني مِنَ القَوْمِ الظالِمينَ" وقوله: "قال عَسى ربي أن يَهْدِيَني سَواء السّبيل"

فإن موسى لم يبدل حسنا بعد سوء، ذلك انه عليه السلام لم يكن سيئا بخلاف ملكة سبأ، فإنها كانت مشركة، وقد بدلت حسنا بعد سوء. فما جاء من قوله: "إلّا من ظَلَمَ ثُمّ بَدّل حُسنا بَعدَ سوء.. " أكثر ملاءمة للموضع الذي ورد فيه من كل ناحية.

15 ـ قال في النمل: "وَأدخِلْ يَدَكَ في جَيْبِك"
وقال في القصص: "اسْلُك يَدَكَ في جَيْبِك"


لقد استعمل في سورة القصص أمر الفعل (سلك) الذي يستعمل كثيرا في سلوك السبل فيقال: سلك الطريق والمكان سلكا، قا تعالى: "والله جَعَلَ لَكُم الأرْضَ بِساطا 19 لتَسْلُكوا مِنها سُبُلا فِجاجا 20" نوح، ذلك لأنه تردد سلوك الأمكنة والسبل في قصة موسى في القصص، بخلاف ما ورد في النمل. فقد ورد فيها، أي: في سورة القصص سلوك الصندوق بموسى وهو ملقى في اليم إلى قصر فرعون، وسلوك أخته وهي تقص أثره. وسلوك موسى الطريق إلى مدين بعد فراره من مصر، وسلوكه السبيل إلى العبد الصالح في مدي، وسير موسى بأهله وسلوكه الطريقَ إلى مصر، حتى إنه لم يذكر في النمل سيرَه بأهله بعد قضاء الأجل بل إنه طوى كل ذكر للسير والسلوك في القصة فقال مبتدئا: "إذْ قالَ موسَى لأهْلِهِ إنّي آنَسْتُ نارا سآتيكُمْ مِنها بِخَبر" بخلاف ما ورد في القصص، فإنه قال: "فلمّا قّضى موسى الأجَلَ وسارَ بأهلِهِ آنَسَ منْ جانِبِ الطورِ نارا" فحسن ذكر السلوك في القصص دون النمل.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن الفعل (دخل) ومشتقاته تكرر خمس مرات (11) في النمل في حين لم يرد هذا الفعل ولا شيء من مشتقاته في القصص، فناسب ذكره في النمل دون القصص.

ومن ناحية أخرى إن الإدخال أخص من السَّلك أو السلوك اللذين هما مصدر الفعل سلك، لأن السَّلك أو السلوك قد يكون إدخالا وغير إدخال، تقول: سلكت الطريق وسلكت المكان، أي: سرت فيه، وتقول: سلكت الخيط في المخيط، أي: أدخلته فيه. فالإدخال أخص وأشق من السلك والسلوك. فإن السَّلك قد يكون سهلا ميسورا، قال تعالى في النحل: "فاسْلُكي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً 69" فانظر كيف قال (ذللا) ليدلل على سهولته ويسره، وقال: "ألمْ تَرَ أنّ الله أنْزَلَ مِن السّماءِ ماء فَسَلَكَهُ ينابِيعَ في الأَرْضِ 21" الزمر. وهل هناك أيسر من سلوك الماء في الأرض وغوره فيها؟

فناسب وضع السلوك في موطن السهولة واليسر، ووضع الإدخال في موطن المشقة والتكليف الصعب. لقد ناسب الإدخال أن يوضع مع قوله: "سآتيكُمْ مِنها بِخَبَرٍ" وقوله: "فَلَمّا جاءَها" ومهمة التبليغ إلى فرعون وقومه.

وناسب أن يوضع السلوك في مقام الخوف، وأن يوضع لإدخال في مقام الأمن والثقة.

وناسب أن يوضع الإدخال وهو أخص من السلوك مع (الشهاب القبس) الذي هو أخص من الجذوة، وأن يوضع السلوك وهو أعم من الإدخال مع الجذوة من النار التي هي أعم من الشهاب القبس.

فكل لفظة وضعت في مكانها الملائم لها تماما

16 ـ قال في القصص: "واضْمُم إلَيْكَ جَناحَكَ مِن الرّهْب"
ولم يذكر مثل ذلك في النمل. و(الرهب) هو الخوف


وهو مناسب لجو الخوف الذي تردد في القصة، ومناسب لجو التفصيل فيها بخلاف ما في النمل.

17 ـ قال في النمل: "في تِسْعِ آياتٍ"
وقال في القصص: "فَذانِكَ بُرهانانِ"


فقد أعطاه في النمل تسع آيات إلى فرعون، وذكر في القصص برهانين، وذلك لما كان المقام في النمل مقامَ ثقة وقوة وسّع المهمة

فجعلهما إلى فرعون وقومه، ووسّع الآيات فجعلها تسعا، ولما كان المقام مقام خوف في القصص، ضيّق المهمة وقلل من ذكر الآيات.

وكل تعبير وضع في مكانه المناسب.

ثم إن استعمال كلمة (الآيات) في النمل مناسب لما تردد من ذكر للآيات والآية في السورة فقد تردد ذكرُهما فيها عشر مرات، في حين تردد في القصص ست مرات. فناسب وضع (الآيات) في النملووضع البرهان في القصص الذي تردد فيها مرتين، في حين ورد في النمل مرة واحدة، فناسب كل تعبير مكانه.

18ـ قال في النمل: "إلَى فِرْعَوْنَ وَقوْمِهِ"
وقال في القصص: "إلى فِرْعَوْنَ ومَلئِهِ"


فوسع دائرة التبليغ في النمل كما ذكرنا، وذلك مناسب لجو التكريم في القصة، ومناسب لثقة موسى بنفسه التي أوضحتها القصة.

ولما وسّع دائرة التبليغ وسّع الآيات التي أعطيها، بخلاف ما ورد في القصص

19 ـ قال في النمل: "فلَمّا جاءَتْهُم آياتُنا مُبْصِرَة ً قالوا هذا سِحْرٌ مُبينٌ"

ومعنى ذلك أن موسى قبل المهمة ونفذها من دون ذكر لتردد أو مراجعة، وهو المناسب لمقام القوة والثقة والتكريم، في حين قال في القصص: "قال ربّ إني قتلت منهم نفسا فأخافُ أن يَقتُلونِ"، فذكر مراجعته لربه وخوفه على نفسه من القتل، وهو المناسب لجو الخوف في السورة ولجو التبسط والتفصيل في الكلام.

وكل تعبير مناسب لموطنه الذي ورد فيه كما هو ظاهر.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 10-31-2012, 11:28 PM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: لمسات بيانية .. من وحي القرآن الكريم

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو ذر الشمالي مشاهدة المشاركة
بارك الله بك أخي يوسف والعالم فاضل السامرائي حفظه الله مكسب كبير وكنز دفين وأنا أحبه في الله كثيرا
السلام عليكم
وفيكم بارك الرحمن أخي الكريم ..
صدقت َ أخي فقد وضع الله له القبول في الأرض ..
وأرجو المعذرة فلم أر مشاركتك إلا الآن ..
فلعلك كتبتها حينما كنت ُ مستغرقا في وضع مشاركتي الأخيرة..

وجزاكم الله خيرا

رد مع اقتباس
  #11  
قديم 11-01-2012, 03:42 AM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: لمسات بيانية .. من وحي القرآن الكريم

ما تفسير (رب العالمين) من سورة الفاتحة ؟

رب العالمين:
الرب هو المالك والسيد والمربي والمنعم والقيِّم ، فإذن رب العالمين هو ربهم ومالكهم وسيدهم ومربيهم والمنعم عليهم وقيُمهم لذا فهو أولى بالحمد من غيره وذكر (رب العالمين) هي أنسب ما يمكن وضعه بعد (الحمد لله)

رب العالمين يقتضي كل صفات الله تعالى ويشمل كل أسماء الله الحسنى ، العالمين : جمع عالم والعالم هو كل موجود سوى الله تعالى ؛ والعالم يجمع على العوالم وعلى العالمين لكن اختيار العالمين على العوالم أمر بلاغي يعني ذلك أن العالمين خاص للمكلفين وأولي العقل (لا تشمل غير العقلاء) بدليل قوله تعالى (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) (الفرقان آية 1) ومن المؤكد انه ليس نذيرا للبهائم والجماد. وبهذا استدلوا على أن المقصود بالعالمين أولي العقل وأولي العلم أو المكلفون.

والعالمين جمع العالم بكل أصنافه لكن يغلُب العقلاء على غيرهم فيقال لهم العالمين لا يقال لعالم الحشرات أو الجماد أو البهائم العالمين وعليه فلا تستعمل كلمة العالمين إلا إذا اجتمع العقلاء مع غيرهم وغلبوا عليهم.
أما العوالم قد يطلق على أصناف من الموجودات ليس منهم البشر أو العقلاء أو المكلفون (تقال للحيوانات والحشرات والجمادات)

اختيار كلمة العالمين له سببه في سورة الفاتحة فالعالمين تشمل جيلا واحدا وقد تشمل كل المكلفين أو قسما من جيل (قالوا أولم ننهك عن العالمين) (الحجر آية 70) في قصة سيدنا لوط جاءت هنا بمعنى قسم من الرجال.
واختيار " العالمين " أيضاً لأن السورة كلها في المكلفين وفيها طلب الهداية وإظهار العبودية لله وتقسيم الخلق كله خاص بأولي العقل والعلم لذا كان من المناسب اختيار " العالمين " على غيرها من المفردات أو الكلمات. وقد ورد في آخر الفاتحة ذكر المغضوب عليهم وهم اليهود ، والعالمين رد على اليهود الذين ادعوا أن الله تعالى هو رب اليهود فقط فجاءت رب العالمين لتشمل كل العالمين لا بعضهم.

أما اختيار كلمة رب فلأنها تناسب ما بعدها (اهدنا الصراط المستقيم)

لأن من معاني الرب المربي وهي أشهر معانيه وأولى مهام الرب الهداية لذا اقترنت الهداية كثيراً بلفظ الرب

كما اقترنت العبادة بلفظ الله تعالى (قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه آية 49-50)
(فاجتباه ربه فتاب عليه وهدى) (طه آية 122)
(سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى) (الأعلى آية 1-3)
(قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم) (الأنعام آية 161)
(وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) (الكهف آية 24)
(قال كلا إن معي ربي سيهدين) (الشعراء آية 62)
(وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين) (الصافات آية 99)
(ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل) (القصص آية 22)

لذا ناسب لفظ " رب " مع " اهدنا الصراط المستقيم " وفيها طلب الهداية.

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 11-01-2012, 09:31 PM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: لمسات بيانية .. من وحي القرآن الكريم

لماذا (الرحمن الرحيم) هي ثالث آيات سورة الفاتحة ؟

الرحمن على وزن فعلان والرحيم على وزن فعيل ومن المقرر في علم التصريف في اللغة العربية أن الصفة فعلان تمثل الحدوث والتجدد والامتلاء والاتصاف بالوصف إلى حده الأقصى فيقال غضبان بمعنى امتلأ غضبا (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا) لكن الغضب زال (فلما سكت عن موسى الغضب) ومثل ذلك عطشان ، ريان ، جوعان ، يكون عطشان فيشرب فيذهب العطش

أما صيغة فعيل فهي تدل على الثبوت سواء كان خلقة ويسمى تحول في الصفات مثل طويل، جميل، قبيح فلا يقال خطيب لمن ألقى خطبة واحدة وإنما تقال لمن يمارس الخطابة وكذلك الفقيه.

هذا الإحساس اللغوي بصفات فعلان وفعيل لا يزال في لغتنا الدارجة إلى الآن فنقول بدا عليه الطول (طولان) فيرد هو طويل (صفة ثابتة) فلان ضعفان (حدث فيه شيء جديد لم يكن) فيرد هو ضعيف (هذه صفته الثابتة فهو أصلاً ضعيف)

ولذا جاء سبحانه وتعالى بصفتين تدلان على التجدد والثبوت معا فلو قال الرحمن فقط لتوهم السامع أن هذه الصفة طارئة قد تزول كما يزول الجوع من الجوعان والغضب من الغضبان وغيره. ولو قال رحيم وحدها لفهم منها أن صفة رحيم مع أنها ثابتة لكنها ليست بالضرورة على الدوام ظاهرة إنما قد تنفك مثلا عندما يقال فلان كريم فهذا لا يعني انه لا ينفك عن الكرم لحظة واحدة إنما الصفة الغالبة عليه هي الكرم.

وجاء سبحانه بالصفتين مجتمعتين ليدل على أن صفاته الثابتة والمتجددة هي الرحمة ويدل على أن رحمته لا تنقطع وهذا يأتي من باب الاحتياط للمعنى وجاء بالصفتين الثابتة والمتجددة لا ينفك عن إحداهما ، إنما هذه الصفات مستمرة ثابتة لا تنفك البتة غير منقطعة.

فلماذا إذاً قدم سبحانه الرحمن على الرحيم ؟

قدم صيغة الرحمن والتي هي الصفة المتجددة وفيها الامتلاء بالرحمة لأبعد حدودها لأن الإنسان في طبيعته عجول وكثيراً ما يؤثر الإنسان الشيء الآتي السريع وان قل على الشيء الذي سيأتي لاحقاً وإن كثر (بل تحبون العاجلة) لذا جاء سبحانه بالصفة المتجددة ورحمته قريبة ومتجددة وحادثة إليه ولا تنفك لأن رحمته ثابتة. ووقوع كلمة " الرحيم " بعد كلمة الرب يدلنا على أن الرحمة هي من صفات الله تعالى العليا وفيها إشارة إلى أن المربي يجب أن يتحلى بالرحمة وتكون من أبرز صفاته وليست القسوة والرب بكل معانيه ينبغي أن يتصف بالرحمة سواء كان مربياً أو سيداً أو قيما وقد وصف الله تعالى رسوله بالرحمة.

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 11-02-2012, 07:29 PM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: لمسات بيانية .. من وحي القرآن الكريم

لماذا (مالك يوم الدين) في سورة الفاتحة؟

هناك قراءة متواترة (ملك يوم الدين) بعض المفسرين يحاولون تحديد أي القراءتين أولى وتحديد صفة كل منهما لكن في الحقيقة ليس هناك قراءة أولى من قراءة فكلتا القراءتين متواترة نزل بهما الروح الأمين ليجمع بين معنى المالك والملك.

المالك من التملك والملك بكسر الميم (بمعنى الذي يملك الملك)

وملك بكسر اللام من الملك بضم الميم والحكم (أليس لي ملك مصر) الملك هنا بمعنى الحكم والحاكم الأعلى هو الله تعالى.

الملك قد يكون مالكا وقد لا يكون.
والمالك يتصرف في ملكه كما لا يتصرف الملك (بكسر اللام)

ولمالك عليه أن يتولى أمر مملوكه من الكسوة والطعام
والملك ينظر للحكم والعدل والإنصاف

المالك أوسع لشموله العقلاء وغيرهم
والملك هو المتصرف الأكبر وله الأمر والإدارة العامة في المصلحة العامة

فنزلت القراءتين لتجمع بين معنى المالك والملك

وتدل على انه سبحانه هو المالك وهو الملك (قل اللهم مالك الملك)

الملك ملكه سبحانه وتعالى فجمع بين معنى الملكية والملك

مالك يوم الدين ، لِمَ لمْ يذكر الدنيا ؟
سواء كان مالكا أو ملكا فلماذا لم يقل مالك يوم الدين والدنيا؟


أولا قال " الحمد لله رب العالمين " فهو مالكهم وملكهم في الدنيا وهذا شمل الدنيا. مالك يوم الدين هو مالك يوم الجزاء يعني ملك ما قبله من أيام العمل والعمل يكون في الدنيا فقد جمع في التعبير يوم الدين والدنيا وبقوله " يوم الدين " شمل فيه الدنيا أيضاً.

لم قال يوم الدين ولم يقل يوم القيامة؟

الدين بمعنى الجزاء وهو يشمل جميع أنواع القيامة من أولها إلى آخرها ويشمل الجزاء والحساب والطاعة والقهر وكلها من معاني الدين وكلمة الدين انسب للفظ رب العالمين وانسب للمكلفين (الدين يكون لهؤلاء المكلفين) فهو أنسب من يوم القيامة لأن القيامة فيها أشياء لا تتعلق بالجزاء أما الدين فمعناه الجزاء وكل معانيه تتعلق بالمكلفين لان الكلام من أوله لآخره عن المكلفين لذا ناسب اختيار كلمة الدين عن القيامة.

لماذا قال مالك يوم واليوم لا يملك إنما ما فيه يملك ؟

والسبب لقصد العموم ومالك اليوم هو ملك لكل ما فيه وكل من فيه فهو أوسع وهو ملكية كل ما يجري وما يحدث في اليوم وكل ما فيه ومن فيه فهي إضافة عامة شاملة جمع فيها ما في ذلك اليوم ومن فيه وإحداثه وكل ما فيه من باب الملكية (بكسر الميم) والملكية (بضم الميم)

اقتران الحمد بهذه الصفات أحسن وأجمل اقتران. الحمد لله فالله محمود بذاته وصفاته على العموم والله هو الاسم العلم) ثم محمود بكل معاني الربوبية (رب العالمين) لان من الأرباب من لا تحمد عبوديته وهو محمود في كونه رحمن رحيم، محمود في رحمته لان الرحمة لو وضعت في غير موضعها تكون غير محمودة فالرحمة إذا لم توضع في موضعها لم تكن مدحا لصاحبها، محمود في رحمته يضعها حيث يجب أن توضع وهو محمود يوم الدين محمود في تملكه وفي مالكيته (مالك يوم الدين) محمود في ملكه ذلك اليوم (في قراءة ملك يوم الدين)

استغرق الحمد كل الأزمنة ،لم يترك سبحانه زمناً لم يدخل فيه الحمد أبداً من الأزل إلى الأبد فهو حمده قبل الخلق (الحمد لله) حين كان تعالى ولم يكن معه شيء قبل حمد الحامدين وقبل وجود الخلق والكائنات استغرق الحمد هنا الزمن الأول وعند خلق العالم (رب العالمين) واستغرق الحمد وقت كانت الرحمة تنزل ولا تنقطع (الرحمن الرحيم) واستغرق الحمد يوم الجزاء كله ويوم الجزاء لا ينتهي لأن الجزاء لا ينتهي فأهل النار خالدين فيها وأهل الجنة خالدين فيها لا ينقضي جزاؤهم فاستغرق الحمد كل الأزمنة من الأزل إلى الأبد كقوله تعالى له الحمد في الأولى والآخرة هذه الآيات جمعت أعجب الوصف.

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 11-02-2012, 10:10 PM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: لمسات بيانية .. من وحي القرآن الكريم

(إياك نعبد وإياك نستعين) في الفاتحة

المفعولين لنعبد ونستعين وهذا التقديم للاختصاص لأنه سبحانه وتعالى وحده له العبادة لذا لم يقل نعبدك ونستعينك لأنها لا تدل على التخصيص بالعبادة لله تعالى

أما قول ( إياك نعبد ) فتعني تخصيص العبادة لله تعالى وحده وكذلك في الاستعانة (إياك نستعين) تكون بالله حصرا (ربنا عليك توكلنا واليك أنبنا واليك المصير) (الممتحنة آية 4) كلها مخصوصة لله وحده حصرا فالتوكل والإنابة والمرجع كله إليه سبحانه (وعلى الله فليتوكل المتوكلون)(إبراهيم 12)

(قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا) (الملك آية 29) تقديم الإيمان على الجار والمجرور هنا لأن الإيمان ليس محصورا بالله وحده فقط بل علينا الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر والقضاء والقدر لذا لم تأت به آمنا. أما في التوكل فجاءت وعليه توكلنا لا توكلنا عليه لان التوكل محصور بالله تعالى.

لماذا كررت إياك مع فعل الاستعانة ولم يقل إياك نعبد ونستعين ؟

التكرار يفيد التنصيص على حصر المستعان به ؛ لو اقتصرنا على ضمير واحد (إياك نعبد ونستعين) لم يعني المستعان إنما عني المعبود فقط ولو اقتصرنا على ضمير واحد لفهم من ذلك انه لا يتقرب إليه إلا بالجمع بين العبادة والاستعانة بمعنى انه لا يُعبد بدون استعانة ولا يُستعان به بدون عبادة. يفهم من الاستعانة مع العبادة مجموعة تربط الاستعانة بالعبادة وهذا غير وارد وإنما هو سبحانه نعبده على وجه الاستقلال ونستعين به على وجه الاستقلال وقد يجتمعان لذا وجب التكرار في الضمير إياك نعبد وإياك نستعين. التكرار توكيد في اللغة ، في التكرار من القوة والتوكيد للاستعانة فيما ليس في الحذف.

إياك نعبد وإياك نستعين : أطلق سبحانه فعل الاستعانة ولم يحدد نستعين على شيء أو نستعين على طاعة أو غيره ، إنما أطلقها لتشمل كل شيء وليست محددة بأمر واحد من أمور الدنيا. وتشمل كل شيء يريد الإنسان أن يستعين بربه لان الاستعانة غير مقيدة بأمر محدد. وقد عبر سبحانه عن الاستعانة والعبادة بلفظ ضمير الجمع (نعبد ونستعين) وليس بالتعبير المفرد أعبد وأستعين وفي هذا إشارة إلى أهمية الجماعة في الإسلام لذا تلزم قراءة هذه السورة في الصلاة وتلزم أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين مرة ، وفيها دليل على أهمية الجماعة عامة في الإسلام مثل الحج وصلاة الجماعة ، الزكاة ، الجهاد ،الأعياد والصيام. إضافة إلى أن المؤمنين إخوة فلو قال إياك اعبد لأغفل عبادة إخوته المؤمنين وإنما عندما نقول ( إياك نعبد ) نذكر كل المؤمنين ويدخل القائل في زمرة المؤمنين أيضاً.

لماذا قرن العبادة بالاستعانة؟

أولاً ليدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بعبادة الله إلا بإعانة الله له وتوفيقه فهو إذن شعار وإعلان أن الإنسان لا يستطيع أن يعمل شيئاً إلا بعون الله وهو إقرار بعجز الإنسان عن القيام بالعبادات وعن حمل الأمانة الثقيلة إذا لم يعنه الله تعالى على ذلك ، الاستعانة بالله علاج لغرور الإنسان وكبريائه عن الاستعانة بالله واعتراف الإنسان بضعفه.

لماذا قدم العبادة على الاستعانة؟

العبادة هي علة خلق الإنس والجن (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)(الذاريات 56) والاستعانة إنما هي وسيلة للعبادة فالعبادة أولى بالتقديم.

العبادة هي حق الله والاستعانة هي مطلب من مطالبه وحق الله أولى من مطالبه.

تبدأ السورة بالحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين وهذه كلها من أسلوب الغيبة أي كلها للغائب ثم انتقل إلى الخطاب المباشر بقوله ( إياك نعبد وإياك نستعين ).

فلو قسنا على سياق الآيات الأولى لكان أولى القول إياه نعبد وإياه نستعين. فلماذا لم يقل سبحانه هذا؟

في البلاغة يسمى هذا الانتقال من الغائب للمخاطب أو المتكلم أو العكس " الإلتفات ". للإلتفات فائدة عامة وفائدة في المقام ، أما الفائدة العامة فهي تطرية لنشاط السامع وتحريك الذهن للإصغاء والانتباه. أما الفائدة التي يقتضيها المقام فهي إذا التفت المتكلم البليغ يكون لهذه الالتفاتة فائدة غير العامة مثال : (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) (يونس آية 22) لم يقل وجرين بكم فيها التفات لأنهم عندما ركبوا في البحر وجرت بهم الفلك أصبحوا غائبين وليسوا مخاطبين.

وعندما قال سبحانه الحمد لله رب العالمين فهو حاضر دائما فنودي بنداء الحاضر المخاطب . الكلام من أول الفاتحة إلى مالك يوم الدين كله ثناء على الله تعالى والثناء يكون في الحضور والغيبة والثناء في الغيبة أصدق وأولى أما ( إياك نعبد وإياك نستعين )فهو دعاء والدعاء في الحضور أولى وأجدى ؛ إذن الثناء في الغيبة أولى والدعاء في الحضور أولى والعبادة تؤدى في الحاضر وهي أولى.

رد مع اقتباس
  #15  
قديم 11-02-2012, 10:15 PM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: لمسات بيانية .. من وحي القرآن الكريم

(أهدنا الصراط المستقيم) في الفاتحة

هذا دعاء ولا دعاء مفروض على المسلم قوله غير هذا الدعاء فيتوجب على المسلم قوله عدة مرات في اليوم وهذا بدوره يدل على أهمية الطلب وهذا الدعاء لان له أثره في الدنيا والآخرة ويدل على أن الإنسان لا يمكن أن يهتدي للصراط المستقيم بنفسه إلا إذا هداه الله تعالى لذلك. إذا ترك الناس لأنفسهم لذهب كل إلى مذهبه ولم يهتدوا إلى الصراط المستقيم وبما أن هذا الدعاء في الفاتحة ولا صلاة بدون فاتحة فلذا يجب الدعاء به في الصلاة الفريضة وهذا غير دعاء السنة في (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) (البقرة آية 201)

والهداية : هي الإلهام والدلالة. وفعل الهداية هدى يهدي في العربية قد يتعدى بنفسه دون حرف جر مثل " اهدنا الصراط المستقيم " (تعدى الفعل بنفسه) وقد يتعدى بإلى (وانك لتهدي إلى صراط مستقيم) (الشورى آية 52) (وأهديك إلى ربك فتخشى) (النازعات آية 19) وقد يتعدى باللام (الحمد لله الذي هدانا لهذا ) (الأعراف 43) (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان) (الحجرات آية 17)

ذكر أهل اللغة أن الفرق بين التعدية بالحرف والتعدية بالفعل نفسه أن التعدية بالحرف تستعمل عندما لا تكون الهداية فيه بمعنى أن المهدي كان خارج الصراط فهداه الله له فيصل بالهداية إليه. والتعدية بدون حرف تقال لمن يكون فيه ولمن لا يكون فيه كقولنا " هديته الطريق " قد يكون هو في الطريق فنعرفه به وقد لا يكون في الطريق فنوصله إليه

(فاتبعني أهدك صراطا سويا) (مريم آية 43) أبو سيدنا إبراهيم لم يكن في الطريق

(ولهديناهم صراطا مستقيما) (النساء آية 68) والمنافقون ليسوا في الطريق.

واستعملت لمن هم في الصراط (وقد هدانا سبلنا) (إبراهيم آية 12)

قيلت في رسل الله تعالى وقال تعالى مخاطبا رسوله (ويهديك صراطا مستقيما) (الفتح آية 2) والرسول مالك للصراط. استعمل الفعل المعدى بنفسه في الحالتين.

التعدية باللام وإلى لمن لم يكن في الصراط (فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط) (ص آية 22) (هل من شركائكم من يهدي إلى الحق) (يونس آية 35)

وتستعمل هداه له بمعنى بينه له والهداية على مراحل وليست هداية واحدة فالبعيد عن الطريق، الضال، يحتاج من يوصله إليه ويدله عليه (نستعمل هداه إليه) والذي يصل إلى الطريق يحتاج الى هاد يعرفه بأحوال الطريق وأماكن الأمن والنجاة والهلاك للثقة بالنفس ثم إذا سلك الطريق في الأخير يحتاج إلى من يريه غايته واستعمل سبحانه اللام (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) (الأعراف آية 43) وهذه خاتمة الهدايات.

ونلخص ما سبق على النحو التالي:

-إنسان بعيد يحتاج من يوصله إلى الطريق نستعمل الفعل المتعدي بإلى .
-إذا وصل ويحتاج من يعرفه بالطريق وأحواله نستعمل الفعل المتعدي بنفسه .
-إذا سلك الطريق ويحتاج إلى من يبلغه مراده نستعمل الفعل المتعدي باللام .


الهداية مع اللام لم تستعمل مع السبيل أو الصراط أبدا في القرآن لان الصراط ليست غاية إنما وسيلة توصل للغاية واللام إنما تستعمل عند الغاية.

وقد اختص سبحانه الهداية باللام له وحده أو للقرآن لأنها خاتمة الهدايات كقوله (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) (الإسراء آية 9) وقوله (يهدي الله لنوره من يشاء) (النور آية 35)

قد نقول جاءت الهدايات كلها بمعنى واحد مع اختلاف الحروف.

- (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع امن لا يهدي إلا أن يهدى) (يونس آية 35)
جاءت يهدي للحق المقترنة بالله تعالى لان معنى الآيات تفيد هل من شركائكم من يوصل إلى الحق قل الله يهدي للحق الله وحده يرشدك ويوصلك إلى خاتمة الهدايات ، يعني أن الشركاء لا يعرفون أين الحق ولا كيف يرشدون إليه ويدلون عليه.

- (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) (المائدة آية 16)
استعمل الهداية معداة بنفسها بدون حرف واستعملها في سياق واحد مع الفعل المعدى بإلى ومعنى الآيات انه من اتبع رضوان الله وليس بعيدا ولا ضالا استعمل له الفعل المعدى بنفسه والذي في الظلمات هو بعيد عن الصراط ويحتاج إلى من يوصله إلى الصراط لذا قال يهديهم إلى صراط مستقيم (استعمل الفعل المعدى بإلى)

نعود إلى الآية " اهدنا الصراط المستقيم " (الفعل معدى بنفسه) وهنا استعمل هذا الفعل المعدى بنفسه لجمع عدة معاني فالذي انحرف عن الطريق نطلب من الله تعالى أن يوصله إليه والذي في الطريق نطلب من الله تعالى أن يبصره بأحوال الطريق والثبات والتثبيت على الطريق.

وهنا يبرز تساؤل آخر ونقول كما سبق وقدم سبحانه مفعولي العبادة والاستعانة في (إياك نعبد وإياك نستعين)

فلماذا لم يقل سبحانه إيانا اهدي؟

هذا المعنى لا يصح فالتقديم بـ ( إياك نعبد وإياك نستعين ) تقيد الاختصاص ولا يجوز أن نقول إيانا اهدي بمعنى خصنا بالهداية ولا تهدي أحداً غيرنا فهذا لا يجوز لذلك لا يصح التقديم هنا. المعنى تطلب التقديم في المعونة والاستعانة ولم يتطلبه في الهداية لذا قال ( اهدنا الصراط المستقيم ) .

فلم قال ( اهدنا ) ولم يقل اهدني؟

لأنه مناسب لسياق الآيات السابقة وكما في آيات الاستعانة والعبادة اقتضى الجمع في الهداية أيضاً.

فيه إشاعة لروح الجماعة وقتل لروح الأثرة والأنانية وفيه نزع الأثرة والاستئثار من النفس بان ندعو للآخرين بما ندعو به لأنفسنا.

الاجتماع على الهدى وسير المجموعة على الصراط دليل قوة فإذا كثر السالكون يزيد الأنس ويقوى الثبات فالسالك وحده قد يضعف وقد يمل أو يسقط أو تأكله الذئاب ، فكلما كثر السالكون كان ادعى للاطمئنان والاستئناس.

والاجتماع رحمة والفرقة عذاب يشير لله تعالى إلى أمر الاجتماع والأنس بالاجتماع وطبيعة حب النفس للاجتماع كما ورد في قوله الكريم (ومن يطع الله ورسوله ندخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) (النساء آية 13) خالدين جاءت بصيغة الجمع لان المؤمنين في الجنة يستمتعون بالأنس ببعضهم وقوله (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) (النساء آية 14) في العذاب فيزيد على عذاب الكافر عذاب الوحدة فكأنما عذبه الله تعالى بشيئين النار والوحدة.

لذا فعندما قال سبحانه وتعالى (اهدنا الصراط المستقيم ) فيه شيء من التثبيت والاستئناس ، هذا الدعاء ارتبط بأول السورة وبوسطها وآخرها. الحمد لله رب العالمين مهمة الرب هي الهداية وكثيرا ما اقترنت الهداية باسم الرب فهو مرتبط برب العالمين وارتبط بقوله الرحمن الرحيم لان من هداه الله فقد رحمه وأنت الآن تطلب من الرحمن الرحيم الهداية أي تطلب من الرحمن الرحيم أن لا يتركك ضالا غير مهتد ثم قال ( إياك نعبد وإياك نستعين )فلا تتحقق العبادة إلا بسلوك الطريق المستقيم وكذلك الاستعانة ومن الاستعانة طلب الهداية للصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم أي صراط الذين سلكوا الصراط المستقيم، ولا الضالين، والضالون هم الذين سلكوا غير الصراط المستقيم فالهداية والضلال نقيضان والضالين نقيض الذين سلكوا الصراط المستقيم.

لماذا اختار كلمة الصراط بدلا من الطريق أو السبيل؟

لو لاحظنا البناء اللغوي للصراط هو على وزن (فعال بكسر الفاء) وهو من الأوزان الدالة على الاشتمال كالحزام والشداد والسداد والخمار والغطاء والفراش، هذه الصيغة تدل على الاشتمال بخلاف كلمة الطريق التي لا تدل على نفس المعنى. الصراط يدل على انه واسع رحب يتسع لكل السالكين ، أما كلمة طريق فهي على وزن فعيل بمعنى مطروق أي مسلوك والسبيل على وزن فعيل ونقول أسبلت الطريق إذا كثر السالكين فيها لكن ليس في صيغتها ما يدل على الاشتمال. فكلمة " الصراط " تدل على الاشتمال والوسع هذا في أصل البناء اللغوي (قال الزمخشري في كتابه الكشاف : الصراط من صرط كأنه يبتلع السبل كلما سلك فيه السالكون وكأنه يبتلعهم من سعته).

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:08 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.