منتديات الملاحم و الفتن  

العودة   منتديات الملاحم و الفتن > منتديات الملاحم و الفتن > النبوءات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-26-2006, 08:48 PM
ن م ع ن م ع غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
المشاركات: 1,642
معدل تقييم المستوى: 16
ن م ع is on a distinguished road
افتراضي النبوءات حول بلقنة الشرق الأوسط: ماذا يتفكك؟ مَن يفكك؟

صبحي حديدي


إقرأوا هذا النسق في التفكير، غير الجديد في الجوهر، ولكن ذاك الذي قد يصبح عيار ومعيار التخطيط الرسمي الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط إجمالاً، والمشرق التاريخي تحديداً، أو شرق المتوسط دون سواه: "البلدان الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط وبلاد فارس لم يكن لها إلا القليل فقط من المعنى قبل القرن العشرين. فلسطين ولبنان وسورية والعراق لم تكن سوى تعبيرات جغرافية غامضة، وأمّا الاردن فلم يكن في الوارد أصلاً. وحين نزيل الخطوط الرسمية على الخريطة، فإننا سنجد رسماً عشوائياً بأصابع اليد لتكتلات سكانية سنّية وشيعية تتناقض مع الحدود الوطنية (...) وإذا كان في الشرق الأوسط جزء يتشابه على نحو مبهم مع يوغوسلافيا السابقة، فإنه المنطقة من لبنان حتى إيران، حيث نواجه انحلال نظام الدولة الذي ظلّ، طيلة عقود، الحلّ الكفيل باضمحلال الإمبراطورية العثمانية".
هذا اقتباس من مقالة بعنوان "تحريك التاريخ"، للكاتب والمفكر السياسي الأمريكي روبرت د. كابلان، نُشرت قبل أيام معدودات في الطبعة الأوروبية من صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، يستهلها بالزعم أنّ أيّ زعيم منذ نابليون بونابرت لم يعكّر صفو الشرق الأوسط كما فعل ويفعل الرئيس الأمريكي جورج بوش (الابن، طبعاً)، ويختمها بتشجيع الأخير على المزيد من تهشيم النظام بعد ـ العثماني هذا، حيث لن تكون العواقب أشدّ كارثية ممّا جرى بعد تقويض الإمبراطورية السوفييتية. وليس دون فضيلة المصارحة، وإنْ تجرّدت من كلّ قيمة أخلاقية أو حتى نفاقية، أنّ كابلان يهتك المسكوت عنه ولا يتردد في بلوغ الخلاصة التالية، بالحرف: "بدل الديمقراطية، خير لإدارة بوش أن تستقرّ على نوع من إدارة الحكم اياً كانت، ولنفكّرْ في خرائط العصور الوسطى حيث لم تكن هنالك حدود واضحة، بل مجرّد مناطق غير متمايزة في كردستان وبلاد الرافدين وسواهما، خاضعة للتأثير الفارسي".
وللإيضاح، أوربما لمزيد من تفصيل مشهد يبدو بحدّ ذاته مكشوفاً مفصّلاً، يتوقف كابلان عند معيار انهيار البلقان التاريخي الذي تفكك، أو بالأحرى تَبَلْقَن، على مراحل عدّة لا بدّ أن تُختتم بانحلال "دويلات الباحة الداخلية" مثل سورية والعراق، أو كما يعبّر الرجل: سورية الكبرى وبلاد الرافدين. كانت مخاطر العراق ما قبل الغزو الأمريكي تتمثل في استمرار دكتاتور مثل صدّام حسين على رأس "مجموعة رعاع من السنّة"، وتخيّلوا كيف ستكون الحال مع ارتفاع أسعار النفط وتحوّل النظام إلى قوّة إقليمية غنّية قوية. سورية، من جانبها، سوف تراكم المزيد من الانقسامات الطائفية والإثنية، وستتفاقم أزمات نظامها الدكتاتوري، ويتسع نطاق الصحوة الدينية في صفوف أغلبيتها السنية، وستنقلب هذه وسواها إلى عوامل شبه مستقرّة، معيقة لأيّ إصلاح ديمقراطي. ما الحلّ، إذاً؟ الغزو العسكري في العراق (كما فعلت إدارة بوش)، وأمّا سورية فإنّ كابلان يسكت عن الحلّ النظير العسكري، وكأنه استطراداً يستبطن التفكيك... إلى خرائط العصور الوسطى!
وقبيل اتقضاء القرن العشرين، وربما من اجل إلقاء تحية وداع نبوئية على عقده الأخير، كتب كابلان دراسة مماثلة عن سلام الشرق الأوسط، نشرتها مجلة Atlantic Monthly الأمريكية التي اعتادت احتضان آراء كابلان، سيّما تلك التي تبدو للوهلة الأولى بالغة الإشكالية أو حتى قائمة على غلوّ شديد في التحليل والاستنتاج. وكما هي حال مزاجه العامّ وروحية كتاباته ودراساته، الراهنة منها وتلك التي كتبها بعد هزّة 11/9 بصفة خاصة، تستند الدراسة المبكرة إلى سلسلة نبوءات واسعة الخيال متحرّرة بالمطلق من أي وازع في استخدام حقّ التكهن السياسي. وهو اليوم يعيد إنتاج خطوطها الرئيسية دون تغيير يُذكر، وكأنّ 16 سنة من عمر المنطقة والعالم ـ بعد 11/9 وغزو أفغانستان والعراق، وفوز حركة "حماس" في أوّل انتخابات ديمقراطية فلسطينية حقّة، وحرب إسرائيل الأخيرة على لبنان... ـ لم تكذّب أياً من تلك النبوءات.
وقبل استعادة خطوط تلك الدراسة، التي تبدو وكأنها تقفز اليوم من غيهب الماضي لكي تتماهى مع وقائع الحاضر، نشير إلى أنّ كابلان ليس متأملاً عادياً للمشهد الشرق ـ أوسطي، وليس مجرّد كاتب يلقي الخلاصات على عواهنها. لقد مارس ويمارس تأثيراً شبه سحري على كثير من صانعي القرار وراسمي السياسات هنا وهناك في الولايات المتحدة، داخل الإدارة وخارجها، طيلة عقود. ومنذ العام 1993، حين تنبأ باقتراب أوان تفكك سورية جرّاء اشتداد أزمة الهوية، وهو يتربّع على عرش تأويل العالم الجديد بوصفه واحداً من أكثر الكتّاب جسارة على التفكير في المحظور، وحماساً لصياغة سيناريوهات مستقبلية حول مسير الأرض نحو الكوارث.
وفي ذلك العام كان قد نشر كتابه «أشباح البلقان» مع سقوط القذائف الأولى في حرب البوسنة، فتلقفته الدوائر المختصة في البيت الأبيض واعتمدته كوثيقة تحليلية للماضي والحاضر والمستقبل. والكاتبة إليزابيث درو، في كتابها «على الحافة»، كادت أن تقسم بأغلظ الأيمان أن تخطيطات كابلان هي التي ردعت (نعم: ردعت!) إدارة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون عن تطبيق سيناريوهات عسكرية أشدّ بأساً في يوغوسلافيا العتيقة. بعد عام واحد نشر دراسة كارثية أخرى، حول أفريقيا هذه المرة، بعنوان «الفوضى القادمة» اعتبر فيها أن القارة السوداء لم تعد بكراً ولكنها ساحرة شيطانية حبلى بآلاف الأهوال المرشحة للسفر هنا وهناك في أصقاع العالم المتمدن وغير المتمدن. ومرّة أخرى تلقفت الإدارة خطّ تفكير الرجل، بل وذهب تيموثي ورث (مساعد الرئيس للشؤون الدولية، آنذاك) إلى حدّ وصف المقال بـ «الإنذار الهام»، وأخذ يقتبس فقرات كاملة منه كلما توجّب على الإدارة أن تواجه قضية أفريقية.
وفي العودة إلى نبوءات أواخر القرن حول الشرق الأوسط، هنا خلاصة مكثفة للسيناريو الذي تكهن به الرجل، مع الإشارة إلى أن معظم ما سيرد من «مصطلحات» تجري على لسان كابلان نفسه، ولسنا بالتالي في حاجة إلى وضعها بين مزدوجات للتدليل على عجائبيتها:
1 ـ توقيع اتفاقية سلام سورية ـ إسرائيلية سوف يعني أنّ الشطر العربي ـ الإسرائيلي من صراعات الحرب الباردة سيكون قد انطوى، وستسود موجات تفاؤل حول الشرق الأوسط الجديد: مرتع القبلات والعناقات والمصافحات التاريخية حسب إدارة كلينتون، ومدار الرخاء الأقصى حسب شمعون بيريس. بعدها يحين أوان النظرية الداروينية في الإنتخاب الطبيعي وبقاء الأقوى في الهيمنة على الغاب.
2 ـ سوف ينقرض الاستقرار الخادع الذي أشاعه تدخّل القوى العظمى في المنطقة، وسوف تندثر بساطة قطبي الصراع بين مجموعتين إثنيتين هما العرب واليهود (ولاحظوا كيف تنقلب هوية وطنية إلى «إثنية»، وكيف تفعل الشيء ذاته هوية دينية صرفة). هذا من جهة، وأما من جهة ثانية فإن الإنفجار الديمغرافي العربي سوف يمارس أعنف الضغوط على الهدوء الخادع، ولسوف تشهد المجتمعات العربية والاسلامية تغييرات جذرية لم يسبق لها مثيل منذ خمسة قرون.
3 ـ صحيح أن السلام سوف يجلب (بالرضى أو بالإكراه) المشاريع والاستثمارات المشتركة، وتقاسم الثروات والمياه، والنموّ الاقتصادي، وكلّ ما يحلم به شمعون بيريس. ولكن ذلك كله لن يحرّر الجماهير العربية الغفيرة من وطأة الإنفجار الديمغرافي المقترن بتدهور الحياة السياسية والمؤسسات المدنية، وستحدث المعجزة المزدوجة التالية:
أ ـ الفئات الاجتماعية العربية التي تحتل مراتب عليا في السلّم الطبقي سوف تقترب أكثر فأكثر من المواطن الإسرائيلي النموذجي المتوسط (الذي يتمتع برفاه اقتصادي متقدم على جيرانه)، وسيكون الإقتراب متباين المستويات، وسيشمل الميول السيكولوجية اليومية والثقافية والحضارية؛
ب ـ الفئات العربية الأفقر سوف تنأى أكثر فأكثر عن التحالف أعلاه، ولن تدور خطوط الإنقسام بين إسرائيل وهذا أو ذاك من الأنظمة العربية، بل بين الجماهير العربية الفقيرة في قطب أوّل، وإسرائيل مضافاً إليها الأنظمة العربية كافة في قطب ثانٍ مقابل.
4 ـ هاهنا يكرّر التاريخ أمثولة البلقان والبلقنة، على نحو معكوس كما هي حال التاريخ حين يكرّر نفسه: مسيحيو الشرق (وكابلان يخصّ بالذكر مسيحيي مصر وسورية والضفة الغربية، ولا ندري السبب في تجاهله مسيحيي لبنان والعراق والأردن على سبيل المثال)، سوف يلاقون المصير ذاته الذي لاقاه مسلمو البلقان. وهاهنا تبدأ الأحلام الإثنية القديمة في الاستيقاظ من سبات طويل، ثم تنقلب إلى مشاريع دويلات لا تفلح في تهدئة جنونها سوى نيران الحرب وأنهار الدماء. سورية ستنقسم إلى دويلات، وستلحق بها مصر، ثم تركيا وإيران. وعند هذه النقطة من السيناريو ينسى كابلان المعيار الطبقي الذي اتكأ عليه أصلاً، وينساق على هواه في تحويل الطبقة إلى حلم إثني، والإنتماء الديني إلى مشروع قومي.
5 ـ وكلما اتسعت الصدوع والإنكسارات، زاد ضغط الاقتصاد على المجتمع والسياسة، وزاد إحساس الفقراء بالهوّة الفاغرة، وتبلور المزيد من الإنقسام العمودي العميق. ولا يظننّ أحد أن الرجل يستثني دولة مثل المملكة العربية السعودية من هذا الصراع الطبقي (والمرء مضطر لاستخدام التعبير، بإيحاءات ماركسية أو بأخرى سوسيولوجية محضة). ومثل مصر وسورية ودول المغرب العربي، شهدت دول الخليج الكثير من التطورات الديموغرافية والقليل القليل من التطورات السياسية والمدنية، فلماذا استثناؤها؟
6 ـ وإذ تتواصل فصول هذا السيناريو، فإن يهود اسرائيل سوف يلعبون الدور ذاته الذي لعبه أجدادهم في الشرق الأوسط زمن القرون الوسطى، أي دور الوسطاء الاقتصاديين بين قبائل وأفخاذ وزُمَر تتصارع وتتنافس دونما استقرار حول معطيات سلطة واحدة، أو في مركز عمراني محدد متجانس. ويقول كابلان إن المجتمع الإسرائيلي يتبرجز أكثر فأكثر، في حين أن القشرة العليا من ضباط الجيش تتديّن أكثر فأكثر.
فما الذي يستنتجه العرّاف من هذه الملاحظة: خير على خير، كما يقول، لأن انتقال المجتمع الاسرائيلي خطوة متقدمة على طريق الموقف المادي من الحياة، وانتقال الجيش خطوة على طريق الموقف الروحي أمر ليس في صالح إسرائيل وحدها، بل في صالح المنطقة بأسرها. ذلك لأن هكذا دولة ستكون الوحيدة المدججة بأسلحة المادة والروح معاً، وسط عماء منطقة يسميها ببساطة «الشرق الأوسط الذي يدخل القرن الواحد والعشرين وهو ما يزال مقيماً على تخوم القرون الوسطى».
مَن يجرؤ اليوم على التوقيع أسفل تلك النبوءات، بعد أن تكفلت الوقائع بتفكيكها واحدة تلو الأخرى، بدل أن تتفكك سورية وتركيا ومصر وإيران، أو تُعقد اتفاقية سلام سورية ـ إسرائيلية، أو يقترب المواطن الإسرائيلي من جاره العربي، أو يكرّر التاريخ أمثولات البلقان في بيروت ودمشق وبغداد وطهران؟ الأرجح أنّ أحداً لن يجرؤ اليوم على اعتناق هذه النبوءات، باستثناء مبتدعها وأوّل المتنبّئين بوقوعها: روبرت د. كابلان، وحده... أو يكاد! ليس بلا دلالة، مأساوية تماماً مع ذلك، أنّ أبرز العلائم على التفكك والتفكيك إنما تتبدى في العراق، وليس بسبب استيقاظ نزوعات مذهبية او إثنية عند "رعاع شيعة" أو "رعاع سنّة" أو "رعاع كرد" أو... بل تحديداً بسبب ما تغنّى به كابلان مراراً وتكراراً، أي الغزو الخارجي والاحتلال العسكري الأمريكي، حيث تستفيث أحطّ أخلاقيات العصور الوسطى، على الأرض كما في الخريطة!

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 03-05-2019, 10:11 PM
فن الممكن فن الممكن غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Sep 2009
المشاركات: 5,448
معدل تقييم المستوى: 15
فن الممكن will become famous soon enough
افتراضي رد: النبوءات حول بلقنة الشرق الأوسط: ماذا يتفكك؟ مَن يفكك؟

لرفع ..............

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:56 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.