منتديات الملاحم و الفتن  

العودة   منتديات الملاحم و الفتن > المنتديات العامة > نزهة الأخوان > تجربة من حياتي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #31  
قديم 05-05-2011, 11:10 AM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

أشكــــــــــــرك أم فهد على المتابعة....

رد مع اقتباس
  #32  
قديم 05-05-2011, 11:13 AM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

قرأت ما كتبته ووجدت أني أهملت كثيرا من التفاصيل، يمكننا أن نعيش اللحظات بصدق ولكن كيف يمكننا كتابتها بالصدق ذاته، كيف يمكننا تذكرها بنفس تلك المشاعر، لم أحاول تذكر كثير من لحظات الألم التي خنقت روحي وأنا أتصور أني بساق واحدة، لحظات اليأس التي جعلت مني وحشا وعلياء التي كانت تبتسم ببراءة حين أصرخ لما أنا ولماذا، ربما يمكنني الآن تصور القسوة التي صفعت بها قلب تلك المسكينة لقد كانت عيناها تقول الكثير رغم أنها تحتفظ بفمها مغلقا طوال الوقت، ابتسامتها تخفي عينان شديدتا اللوم أأنت من يعترض على أمر الله، لا يمكنني كتابة الكثير عنها لأن ذلك يريني نفسا دنيئة هي أنا بكل الأحوال.
أمي هي ذلك السهم الذي ما زال يخترق قلبي دون أن أستطيع نزعه ولست قادرا على إبقائه مدى الحياة لأنه سيأتي ذلك اليوم الذي سيجد فيه ذلك المسكين حتفه فكما تجف الدموع ستجف الدماء، لست قادرا على تذكرها كما لا أستطيع نسيانها ضحيت بها من أجل لا شيء كما ضحيت بكل الأصدقاء من أجل كل شيء ولكن في نهاية الطريق كانت الأبواب مغلقة لأني سرت في الطريق الخطأ.
كل الأحلام تضيع وتمضي
كل الآمال من بين ثنايا حياتي تسري
تاركة إياي محطمة لا تدري
هل يأتي بعد الآلام أمل
هل ستغادرني أوراق الماضي من دون وجل
هل سيضم المستقبل أحلامي ويداعبها من دون خجل
.................................................
نفسي اليوم تائهة لا تدري أي طريق تعبره
كل الأبواب مغلقة أي الأبواب ستطرقه
........................
لما تمضي قدماي نحو طريق يخفق قلبي
هل سأجده ممتلئاً أصناف البشر
هل تدفعني أعينهم أيديهم أرجلهم نحو الهرب
........................................
فكري الطامح لا يرضى أقفاص الأسر
عقلي الجامح لا يرضى أن يكتب كلمات ألقتها أمواج البحر
إلهي الآن أقول
إني أترك كل الماضي والحاضر والمستقبل
وإليك إلهي سأفوض أمري


...............................................
أرى الموت يسبقني حيث مضيت، هل يحق لي أن أتساءل لما أنا الذي يفقد دائما، هل هذا سؤال أم هو اعتراض أم هو جنون اليأس، لطالما أمسكت لحظات اليأس وخنقتها بكل قوة ولكنها تعود فاتحة فاها كبيرة تبتلع كل محاولة، لو رأت أمي حالي لأخبرتني بكل بساطة بأني أفتقد روح الإيمان، ألست مسلما ويفترض بي حمل رسالة أعظم شخص عرفته الأرض، لماذا لم أقتبس ولو نزرا قليلا من كل ما قرأته عن ذلك النبي العظيم، إني أحاول أن أكون مؤمنا، ولكن ربما أفتقد صدق المحاولة، أحمل نفسي فوق طاقتي الضعيفة فأنا مجرد شخص ساقه القدر ليولد مسلما مؤمنا بإله واحد، ثم لم يفعل ذلك الشخص المزيد ليتقدم بتلك المنحة الربانية، إني ببساطة أحاول المضي بعكس الاتجاه ولكن أعلم يقينا أن إلها منحني هذه الفرصة لأكون في صف المؤمنين سيعيدني حتما إلى الصواب، إنني أثق به تمام الثقة،
ولكن لا أدري كيف يمكنني لجم تلك الأفكار التي تراودني بشأن ماري، لقد رحلت إلى عالمها الذي لا أعلمه، كيف لي أن أعلم شيئا وكيف له ذلك الغبي أن يتحدث عن مصائر الناس كما يحلو له، إنه ينعتها بالكافرة ولكني أحبها وأريد أن أراها هناك حيث السلام والحب خالدا لا ينتهي.
..................................
خلال هذا الأسبوع قلبت نظري بين تلك الأكوام التي تتنفس، كنت أبحث عن شخص بائس مثلي كل شيء جميل ينساب من بين ثنايا حياته، حاولت أن أضع نفسي حيث وقفوا في هذه الحياة وجدت أني أختنق وأنه من الأفضل أن أكون عمر أو أبو الحسن أو هذا الكائن الذي أعيشه على أن أعيش كقط هائج يسير حيث يجد الحياة هي معدته وشهوته، إن لدي إلها أسأله وإنْ في لحظة يأس سألت غيره، إن لي إله أستغفره وإنْ في لحظة ضعف عصيته، إن لي ربا أناجيه حيث أكون دون أن يسمعني أحد غيره، إنهم أفواه جائعة وقلوب خاوية إنهم أجساد تسير وقد امتلأت عقولها بكل ما هو خرافي عن الإله والدين والعالم الآخر. إنهم يعيشون بلا روح، إنهم لا يعلمون أنهم دمى في هذا الملكوت العظيم يسيرهم إله واحد يراقب كل شيء يستمع لخزعبلاتهم وتجرئهم عليه لحكمة ورحمة يمهلهم قليلا، إنْ فقدتُ شيئا جميلا فهم لم يملكوا شيئا أبدا ليفقدوه، ما أغباني إذ اعتقدت في لحظة أني أتعس البشر، ما قيمة كل هذه الحياة وما فائدة كل هذه الأحزان وما قيمة المتعة والجمال والابتسامة وهي تسير إلى الفناء، إن حياة خالدة هي أفضل من كل هذا، لن أفكر في ماري بعد اليوم، إنها سارت نحو القدر، لن أقلق بعد اليوم فأنا العبد الضعيف الذي تقطع قلبه رحمة وحزنا على أخته لا يملك ولو نزرا ضئيلا من رحمة الواهب الرحيم الذي رحلت إليه ماري.
.................................................. .........
طافت بعيني دموع تنادي
هلمي دموع الوداع
وأطلال بيتي غدت ذكريات
وقلت لنفسي ..ستمضين نحو الضياع
يقولون طير وسجن حقير
وتلك القلاع
هلمي إليها بروح بقلب
وبعض المتاع
دموعي تقول بأني غريب هناك
وأني فقدت بريق الشعاع
دموعي تقول بأني خطوت طريقا طويلا
سأبحر فيه.. بدون شراع
وداعا إليك سأدفن فيك بدمعيَ
ذكرى الوداع
سأمضي وألبس وجهي زيفا
وأخفيه خلف القناع

.................................................. .......

مرت عدة شهور، الحدود الباكستانية الأفغانية ,
أشتاق إلى الكتابة كما تشتاق روحي إلى الرحيل، روحي وقلمي كلاهما يسيران في طريق واحد فكلما كانت الحياة رتيبة متحجرة يابسة بلا طعم ولا روح ولا مظهر تيبس عقلي وطرحت ذلك المسكين بعيدا لأني أمقته بشدة، وكلما تلونت الحياة وأخذت روحي ترفرف طالبة الرحيل إلى عالمها الذي تشتاق إليه في تلك اللحظة لا تستطيع أن تنساب وتحلق بعيدا إلا من خلال هذا الحبيب الذي يدعى قلما، إنها تشتاق إلى الرحيل حيث الحب أو الأمل أو الإثارة أو حتى حيث الموت.
رائحة الرمال والأرض النقية والجبال السامية في هذا الأفق الرباني تتسلل إلى أنحاء جسدي فتلح على روحي بالارتماء في أحضانها للأبد، أنا في الباكستان وعلى الحدود الأفغانية حيث معسكر تدريب المجاهدين، أكنى هنا ( أبو الحسن المجاهد) وهو الاسم الذي لم أتخلى عنه بعد، كيف قادتني قدماي إلى هنا لا أدري حقا فبعد أن قضيت أياما عصيبة بعد رحيل ماري وحين ساءت علاقتي بالمجموعة التي التحقت بها في لندن والتي لم أنسجم معها بشكل مرضي، زيارة واحدة غيرت كل شيء ودعتني للانطلاق مرة أخرى والبحث عن هواء جديد مختلف، في ذلك المساء زارني غلام رضا وهو الشخص الذي لم أحاول محادثته أبدا داخل المجموعة لقد كان صامتا طوال الوقت بينما عيناه تنتقلان بصورة عجيبة بين الوجوه وذلك ما زاد نفوري منه، وفي ذلك المساء وجدت شخصا آخر, لبق ومقنع لدرجة كبيرة، ما يهم أنني في نهاية ذلك اليوم كنت قد عزمت الرحيل إلى أرض أخرى وحياة أجهلها إلى الباكستان نويت أن أحمل رحالي هذه المرة، حدثني رضا عن كل شيء فيها عن أرضها وعن جبالها عن تلك السفوح وتلك الطبيعة الخلابة التي تمنح جبال كونار مزيدا من الكبرياء, عن تربتها الطاهرة النقية التي احتضنت بين ثناياها ولسنوات عديدة خطوات المجاهدين الأبطال الذين عبروها لينصروا أمة لم تؤمن بأفضالهم بعد, انتقلت معه من مكان إلى آخر وأبحرت معه في عالم جميل ولكن ليس ذلك ما كان سيجذبني للسفر إليها فقد كان يكفيني ما رأيته في أرض اليمن من جمال في تلك الجبال الخضراء لم أقف لأتأمله يوما، ولكن ما دفعني نحوها هو أحاديثه عن تلك المعسكرات وتلك القلوب النقية والحياة البسيطة والهدف الواضح إنه باختصار الحياة كرجل، لقد كنت في تلك اللحظة أحتاج لشيء لا أعرفه ولكن شعرت بأنه قاسي وصعب، الحياة المرفهة التي عشتها لبضعة أشهر بعد عودتي من اليمن كانت أقسى من كل سنين حياتي فبرغم السعادة التي صنعتها أو توهمتها، ففي كل لحظة ضائعة كنت أتهرب من التفكير في أي شيء، كان الماضي يخنقني ولكني أشتاق إلى لحظة صادقة من تلك اللحظات التي قضيتها في بيت صالح، الوحدة التي قضيتها طيلة ليالي الطفولة أصبحت كابوسا يلاحقني أنا لا أريد ذلك, لا أريد أن أعيش فقط بين أحلامي التي تتهافت على رأسي كل مساء لا أريد أن أكون فقط في حلم ينتهي باستسلام عيني لنوم عميق لذلك قررت أن أكون صاحب قضية وهدف، ربما كنت مصرا ذات يوم أن انسحب من هذا الطريق للأبد، أما الآن فأنا أفكر بصورة جيدة، إذا أمكنني الاستفادة من خطأ سابق فإنه حتما يمكنني خوض معركة جيدة مع الحياة، ما أفهمه الآن جيدا أنني شخص ولدت مسلما وحين أمنح هذه الميزة فذلك لا شك فضل كبير يجب أن أعبر عن استحقاقي له بجدارة وبما أن الإسلام الذي أنتمي إليه في خطر وبما أن المسلمين يعانون في كل مكان فإن أقل ما يمكنني فعله هو أن أكون جنديا مدافعا في هذه الساحة الكبيرة وهذا ما أفكر به في هذه اللحظة.
...........................................



بعد مرور شهرين
أتقدم بشكل ملحوظ ويمكنني أن أكون راميا ماهرا ذلك ما قاله لي القائد أيوب، لا أدري كم أحتاج من الوقت للانتقال للمرحلة الأخرى حيث يمكنني الانتقال إلى أفغانستان والالتقاء بكبار القادة، ربما ذلك هو هدفي القادم، نحن نتدرب هنا تدريبا أوليا ومن ثم يتم نقل المتميزين والمخلصين إلى المركز الرئيسي في أفغانستان، أعلم أني الآن في مرحلة اختبار، الشيخ شريف يلقي علينا الخطب بلغتين فهناك مجموعة كبيرة من العرب، بدأت أستخدم بعض المفردات باللغة المحلية، ولكني أفهم أغلب ما يقصده محدثي، فثمانية أشهر كفيلة هنا لتشعرني بأني جزء من هذه البلاد. أنا هنا بهوية مختلفة فأنا يمني أدعى أحمد علي وذلك كان بترتيب وتخطيط أعضاء المجموعة الذين قابلتهم في إسلام أباد، أشعر أحيانا بأني ممتن لرضا كثيرا ولكن في أحيان أخرى تنتابني مشاعر غريبة وأتساءل لماذا قدم لي كل هذا الدعم وبذل ذلك المجهود لإيصالي هذا المكان رغم أنه لم يأتي معي، قد يكون ذلك هو عمله الأساسي في التنظيم اختيار الشباب الذين يرى فيهم القدرة على دعم التنظيم بشيء ما، ذلك يسعدني فحين أفكر بهذه الطريقة أشعر بأنني ما زلت أملك شيئا جيدا ليظن بي الناس هذا الظن, لقد وجدت في كل مكان من يستقبلني كأخ، في إسلام آباد عشت أسبوعين مع أسرة لطيفة عاملتني كصديق قديم ثم تتابعت الأيام وانتقلت من منطقة لأخرى حتى وصلت هذا المكان الذي كان هو حلمي بالأساس، لم أتحدث عن رفاقي في المجموعة ، ربما سأفعل ذلك في وقت لاحق عبد الرحمن يناديني ويلح علي بالخروج.
.................................................. .........
عبد الرحمن رفيقي في مجموعة القناصة، ورغم أنه كما يقول أصبح ماهرا إلا أنه لم يسمح له بعد بالالتحاق بالقادة في أفغانستان، أخبرته بوضوح أن لسانه هو المشكلة فهو صريح للغاية ومهاجم شرس في حال تم إيذائه, عبد الرحمن شخص قوي البنية ثابت النظرات جرئ وحاد يرسل شعره المجعد بطريقة تجعله يبدو كأمير من أمراء الأزمان البعيدة ورغم ذلك فهو يخفي شخصيته وراء ستار من الروح المرحة الضاحكة وذلك هو أصعب ما تواجهه فيه، كنت في بداية الأمر لا أفهم شيئا ولكن اعتدت على طريقته في الحديث وربما أحببتها كثيرا، تراه يتحدث بكل جدية فتعتقد أنه جاد في حديثه ولكنك تكتشف في نهاية الأمر أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد مزاح وسخرية، الجميع هنا يحبه ويتسلى بأحاديثه الشيقة، في حال اتخذ موقعا للراحة فإن الجميع يلتف حوله لتبدأ موجات من الضحك والمرح بينما يكتفي بابتسامة عريضة تظهر أسنانه البيضاء التي لا يفارقها سواكه العزيز، تلك الضحكات ترضيه وتشعره بالزهو فقد أضحك الجميع حتى المتزمت منهم، لقد عاصر مجموعتين كما يقول كلها انتقلت إلى مواقع أخرى بينما هو ما يزال قابعا في هذا المكان، لا يتذمر بسبب ذلك ولكنه يصرح بصوت عال أمام القائد بأنه إكسير الحياة هنا لذلك لا يستطيع القائد التخلي عنه، قد يكون محقا فالقائد لم يستاء أبدا من ملاحظاته الساخرة بل بالعكس إنه يبتسم بصدق.
....................................
كانت التدريبات في بداية أيامي منهكة جدا وتصيبني بآلام شديدة، ولم أكن لأستطيع التصريح بذلك أمام الرفاق الذين لم أكن قد عرفتهم بشكل جيد، وذلك على الرغم من أني كنت في صغري أمتلك جسما رياضيا قويا، ثم حالت الأحداث التي مررت بها دون تفكيري في هذا الأمر واليوم تعود إليﱠ تلك العضلات المفقودة، نتدرب هنا على الأوضاع التي يحتاجها جندي مقاتل والتدريبات نوعين جسدية وذهنية، فالقتال كما يحتاج جسدا قويا مرنا فإنه يحتاج عقلا سليما وتفكيرا صحيحا،
بعد مرورنا بكل تلك التدريبات، تأتي التدريبات الميدانية في استخدام الأسلحة بكافة أنواعها وأشكالها وهنا تجد بأن المتعة لا توصف حين تصبح متمكنا ولكنك في بداية الأمر قد تشعر باليأس والإحباط وخاصة إذا تكرر الفشل أو وجدت صعوبة في التدرب على استخدام السلاح بصورة سليمة،
تم تقسيمنا بعد ذلك إلى عدة مجموعات كل مجموعة تتخصص في مجال معين من مجالات القتال والمقاومة وبما أنني كنت بارعا في استخدام السلاح وخصوصا في القنص وإصابة الهدف بصورة أبهرت القائد أيوب فإنني صرت في مجموعة القناصة، وهذه نبذة مبسطة جدا عن حياتنا الحربية هنا أما بالنسبة لحياتنا الاجتماعية والتعايشية فيكفيني أن أقول إننا نعيش كأسرة بكل ما تحمله هذه الكلمة من ترابط وحب وتفاهم ومشاجرة في بعض الأحيان.
التدريب يشغل أكثر وقتي، وأوقات فراغي لا يمكنني فيها إلا الجلوس مع الرفاق للتشاور والتخطيط وإبداء الآراء بشأن المواضيع المختلفة وأحيانا نقضيها في التسلية والضحك، وذلك ما يجعلني أجد صعوبة في إيجاد وقت مناسب للكتابة كما أني إذا وجدته فإني لا أسلم من مضايقة الرفاق.
.................................................. .........
قتل خالد الذي لم أره أبدا، هكذا وصلت الأخبار من أفغانستان، رأيت الجميع يذرف دموعا حارة ولكن لم يكن هناك أحد مستاء من أنه قتل بيد شخص من المفترض أنه يدين بنفس عقيدته، لا أدري إن كان ما قاله الشيخ شريف فيه كفاية لإقناع شخص مثلي يعاني من جرح قديم، لقد قال إنه قتل شهيدا بإذن الله لقد قتله شيعي مارق مبدل لكل حق وأسهب في وصف شرهم وضلالهم، ولكنه لم ينطق بتلك الكلمة التي قد تريح الضمير.. الجهاد ضدهم واجب وحق، واكتفى بالكلمات التي أرضت الجميع والتي لم تمنح شخصي الضعيف ذلك الرضا، إذاً هم ليسوا أولئك الكفرة الذين يجب قتالهم، من الأفضل أن أمنع نفسي من التفكير في هذا الأمر لأن ذلك سيجعلني أعزم الرحيل إلى أقصى الأرض.
ما أثار حنق الجميع هو عبد الرحمن، لا أدري لما كان الجميع مرتبكا فيمن سيخبره بمقتل خالد لأني وجدت ردة فعل متوقعة رأيتها في مرات سابقة عند وفاة أي شخص أو مقتله، قال بهدوء رحمه الله ثم قال ببساطة وهو ينظر للجميع اعلموا أن هذا جزاء كل من سيرحل من هذا المكان دون أن يأخذني معه ثم ابتسم ابتسامته العريضة التي رآها الجميع في هذه المرة مقيتة، انسحب الجميع بينما أخذني سعيد من يدي وانتحى بي جانبا وبدأ حديثه بصورة أذهلتني أنصحك أن تبتعد عن هذا الشخص إنه يهتم بك ولكنه خائن ألا ترى إنه لم يظهر ولو أسفا بسيطا على أعز صديق لقد كانا كأخوين بل أكثر, اعتقدنا أنه سيصعق من خبر كهذا وسيجهش بالبكاء إنه حتى لم يقل رحل إلى الجنة التي عشقها، أخذ يمسك رأسه بكلتا يديه وكأنه يقاوم ألما فظيعا ثم هتف: إنه فظيع يسخر من أعز أصدقائه وفي لحظة كهذه، أظن بأنه عميل وخائن ولذلك لم ينقل إلى المنطقة الأخرى، كنت صامتا لا أجيب وقد أذهلني حديثه، أخذ يسرد دوافعه السيئة التي تمنعه من التعبير عن أبسط مظاهر الحزن قال إنه حاسد لقد حسده لأنهما كانا رفيقين وبينما سمح لخالد بالانضمام لمجموعة أفغانستان لم يسمح له بذلك، ثم قال بعد قليل وقد أعجبته فكرة أخرى سعودي مرفه لم يعرف قيمة المشاعر ولم يشعر بها يوما، إنك لا تعرف شيئا لأنك لم ترى مدى صداقتهما أنا أنصحك أن تبتعد عنه، ألا تفهم إنهما صديقان منذ الطفولة لقد قدما هنا معا، إنه سيلقيك في أكبر مزبلة في حال قتلت بجانبه أنصحك بالابتعاد عنه إنه مجنون،
تركني ولم يسألني عن ما سأفعله اتجاه هذا الموضوع حل المساء بسرعة ذهب الجميع إلى فرشهم ولم يكن أحد يرغب في الحديث لقد كان الصمت يلف الجميع ورهبة الموت تطغى حتى على النفوس المؤمنة، لم أستطع النوم في تلك الليلة، كنت أفكر في هذا الشخص الذي يدعى خالد، لماذا يحبه الجميع بهذا الشكل أي نوع من الرجال كان، فكرت، هل سأجد قلوبا تحزن علي إذا أصابني مكروه, هل بلغت ولو جزءا بسيطا ما بلغه خالد في قلوبهم، كنت أفكر كصبي غيور وأنا الآن ابتسم لهكذا أفكار، ولكن في نهاية الأمر ابتسمت لأني عرفت أن الجميع يعتقد بأني بديل خالد في قلب عبد الرحمن، فهو يهتم بي كما يدعي سعيد الشاب المغربي الذي لا أعرفه كثيرا،
كان الجميع يعاني تلك الليلة والهدوء يلف المكان سوى من بعض السعال المتفرق، وأخيرا وبعد وقت شعرت به طويلا علا الشخير وبدا أن الجميع استغرق في نوم عميق وبينما النعاس يداعب أجفاني وصورة خالد التي رسمتها في عقلي تتراقص أمام عيني رأيته يخرج بهدوء متجاوزا الجميع بحذر، طار النوم وأنا أبحلق في ظلمة الليل في هذا الشخص الذي لم أتبينه، فكرت قليلا ثم قررت المضي خلفه وإحساس يراودني بأن هذا الشخص لا بد أن يكون عبد الرحمن، خرجت ولحقته ببصري دون أن أتبعه مضى باتجاه الأشجار التي كانت تبعد مسافة لا بأس بها ثم اختفى فكرت وأنا أحث السير هل أفعل الصواب بهذا التجسس ولكن كان هناك ما هو أقوى من كل ضميري المؤنب، حين اقتربت بدأ صوت يهز أذني ثم توقفت تحت وقع ما سمعت كان الصوت ينشج بصوت مكتوم خانق ويتمتم بكلمات تبينتها حين أصبحت على بعد خطوات منه يا رب ارحمه واغفر له يا رب اجمعني به في أعلى جنات النعيم, يا رب تقبله من الشهداء، أخذ يردد الأدعية ويبكي ولكنه كان ينشج ويستجدي ويحث الموت أن يلتقمه من براثن هذه الحياة ليلحق برفيقه شهيدا، سال دمعي وشعرت به حارا في هذا الجو البارد لم أستطع الوقوف أكثر من ذلك كان تأثري واضحا واقتربت وقد شعر بي, حين رآني مسح دمعه ونظر لي بكبرياء ثم تحدث بصوت بارد منذ متى أنت هنا أخبرته أني تبعته منذ خرج صمت وهو ينظر إلى الأرض, تحدث بعد لحظات.. لم نفترق يوما ما ولكن شاءت الأقدار أن ننفصل حين عزمنا الجهاد الذي كان حلم خالد، ربما قد صدق فنال ما يريد وتبعته فنلت ما أريد، امسح دموعك أيها الصبي لقد بكيت في حضرة الله ولكن لن أفعلها أمام هؤلاء البشر،
ابتلعت دموعي وأنا أراه ينعتني بالصبي، ترددت قليلا ثم أخبرته بأن هناك من يصمه بالقسوة لما رأوه من ردة فعله، نظر إلي نظرة طويلة تحدثت بأشياء كثيرة أتبعها بزفرة حارة ثم صمتَ وقد طأطأ رأسه، لا أعرف كيف كان سيجيب على سؤالي وأي رد حَارَ بين نظراته هل سيقول لا أعرف غير ذلك، لا يهمني ما سيقولونه، أم لا أحد يستطيع فهمي، أم أنا أفعل ما لا أفهمه،
بعد ذلك الصمت القاسي الذي جفت فيه الدموع تركني وانتحى جانبا ليتوضأ تركته وعدت وحيدا إلى المعسكر وهناك وجدت عبد الحق الشاب الباكستاني الذي حزن كثيرا حين أخبر بأنه لن يجيد القنص أبدا وألحق بفرقة أخرى، كلما التقينا يخبرني بأنه متأكد بأنه يمكن أن يكون راميا ماهرا إذا كنت أنا مدربه، في هذه المرة سألني بحيرة أين عبد الرحمن كنت أفكر بعمق فلم أفهم سؤاله إلا بعد أن تجاوزته بمسافة، كانت الساعات الأخيرة من الليل وكان الجميع تقريبا مستيقظا فهناك من يهم بالوضوء وهناك من يصلي وهناك من يلقم سلاحه بتصميم، انتحيت جانبا أتأمل السماء وتلك الغيوم التي تدفع إحداها الأخرى في هذا العالم العجيب حيث يتدافع الجميع، اقترب مني القائد أيوب وجلس بجواري بهدوء وسألني دون أن ينظر إليﱠ هل هو بخير التفتُ إليه وهو ينكت الأرض بعصاة في يده فهمت ما يقصد فأجبت ربما،
أعلم أن هذا الشخص الذي يجلس بجواري يحمل قلبا كبيرا يستوعب الجميع ويفهم الجميع، ربما هو الوحيد الذي يفهم عبد الرحمن جيدا ويشعر به وددت لو أسأله لماذا لم يسمح له بالانتقال إلى أفغانستان رغم مهارته ولكنه قطع أفكاري بقوله: إنه شخص جيد أتمنى أن لا تستمع لكلام الآخرين، هززت رأسي موافقا على ما يقول، نظر إلى السماء ثم انتصب واقفا وهو يقول لقد بدأ الفجر بالدخول سأطلب من عبد الستار أن يؤذن اليوم لأن عبيد مريض, مضى عدة خطوات ثم التفت إلي.. ما رأيك أن تقوم أنت بذلك أعتقد أنك تمتلك صوتا مؤثرا وقويا، أحسست برعشة لطلب كهذا ثم حركت كلتا يدي وأنا أقول لا لا.. لا يمكنني ذلك إنه يحتاج إلى تدريب وتعود، ابتسم وهو يقول أرجو أن تدرب نفسك على ذلك فالعرض ما زال قائما.
.................................................. .......
لا أدري لم أخذت كلام القائد أيوب بجدية فقد أخذت أتدرب على الأذان كلما سنحت لي الفرصة بالابتعاد عن المعسكر ما شجعني على الاستمرار هو تؤثر عبد الرحمن الواضح حين استمع لي في إحدى المرات، وما حدث بعد ذلك لم يكن منتظرا عبيد الشاب المصري تطور مرضه وأصبح يهزل بشكل ملحوظ، اقترح القائد أيوب بأن ينتقل إلى المدينة للعلاج أو حتى للقرية ليجد قليلا من الرعاية ولكنه يرفض ذلك قائلا إنه سيموت هنا بين هذه الجبال وستتحقق رؤيا أمه قبل عشر سنوات فقد فسرت لها بأنه سيموت في سبيل الله شابا وعلى أرض بعيدة، وافقه الشيخ شريف وهكذا بقي عبيد طريح الفراش يصارع الموت واستمر عبد الستار بترديد الأذان بدلا عنه فهو يملك صوتا قويا ولكنه يؤذن بعربية غير صافية،
.................................................. ...............
علاقتي بعبيد سطحية ولكنني كنت أطمأن عليه كل يوم تقريبا، كان يحب السماء ويقول إنها عالمي طالما رددت الأذان وأنا أحلق بين أرجائها، لست أبالي بالموت ما دام سينقلني إلى ذلك العالم الذي أحبه حيث لا دماء ولا قتل ولا ظلم، حين ضعفت ساقاه فلم يقوى على الوقوف كان يستند علي حتى نخرج سويا وهناك يرتمي على الأرض ويبحلق في السماء كرجل عاشق
في ذلك المساء وقبل أسبوع مضى انطفأ نور عينيه، انشغل الجميع في ذلك الليل بغسله وتكفينه كان الجميع ينتظر الفجر للصلاة عليه، الجميع ترحم عليه دون أن يذرف الدمع، لقد اعتقدنا أنه أخيرا قد ارتاح من ألمه بعد معاناة شهرين، في اللحظات الأخيرة وقبل حلول الفجر خيم الصمت على الجميع وكأن رهبة الموت قد انقضت عليهم فجأة، ربما تحوم في رؤوسهم نفس الأفكار التي راودتني, أخذت أتذكر تلك الأيام التي يوقظني فيها صوت عبيد من رقدتي أو من غفلتي في مثل هذا الوقت كان صوته ينطلق دافئا إلى قلوبنا فنقوم ساكنين مطمئنين، صوت المعاول التي تضرب الأرض بقوة في الجهة المقابلة حيث تعد القبور يخترق آذاننا فترتعش القلوب، شعرت في تلك اللحظة بحقارة الحياة وتمنيت الموت لو يأخذ روحي فأنا لا أريد المزيد من الوقت, اقترب مني عبد الرحمن حيث صغر في عيني كل شيء وحين نظر إلى عيني انكسرت ابتسامته العريضة الساخرة التي كان يعدها وقال لي بجدية وبهمس: القائد أيوب يطلب منك أن تؤذن الفجر حالا، بدون ردة فعل وبدون أي نقاش وقفت وفي عقلي فكرة واحدة الآن سأدع هذه الدنيا المقيتة وأحلق في ملكوت الله كما كان يفعل عبيد، وضعت يدي على أذني وصدحت بالتكبير كان رأسي مطأطأ ولكنه رفع من تلقاء نفسه وفتحت عيني على السماء وانتهى كل ألم وأصبحت واحدا من سكان ذلك العالم البعيد، انتهيت أخيرا وقد آلمني ذلك, جلست بهدوء وأيقظني ذلك النشيج والبكاء من ذلك الحلم الجميل، كان الجميع يبكي وقد تأثر البعض فارتفع الصوت بالبكاء لم يكن عبد الرحمن بجواري رأيته بعيدا يمضي مسرعا وكأنه يهرب من شيء ما, تذكرت كلماته, لن أبكي إلا في حضرة الله, اقترب الشيخ شريف بعينيه الدامعتين واحتضنني بقوة وهو يقول أي صوت هذا لقد أثرت في الجميع، صلينا بقلوب باكية وعيون دامعة وكنت الوحيد الذي لم يذرف دمعة واحدة، كنت أحلق وقد غمرتني السعادة فقد سلبت الدموع من عيونهم المتحجرة لتبكي على ذلك الشخص الضعيف.
.................................................. .......
يتبع بإذن الله....

رد مع اقتباس
  #33  
قديم 05-05-2011, 04:38 PM
ام فهد ام فهد غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
المشاركات: 7,879
معدل تقييم المستوى: 20
ام فهد has a spectacular aura aboutام فهد has a spectacular aura aboutام فهد has a spectacular aura about
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

مؤثر جدا لم اتمالك دموعي

__________________
اللهم إرزق ذريتي صحبة الأخيار وخصال الأطهار وتوكل الأطيار
اللهم وبلغني فيهم غاية أملي ومناي بحولك وقوتك
اللهم متعني ببرهم في حياتي وأسعدني بدعائهم بعد مماتي
اللهم إني إستودعك لاإله إلاالله فلقني إياها عند الموت.
رد مع اقتباس
  #34  
قديم 05-05-2011, 05:19 PM
امل امل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 5,103
معدل تقييم المستوى: 15
امل will become famous soon enoughامل will become famous soon enough
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

اقتباس:
إن حياة خالدة هي أفضل من كل هذا، لن أفكر في ماري بعد اليوم، إنها سارت نحو القدر، لن أقلق بعد اليوم فأنا العبد الضعيف الذي تقطع قلبه رحمة وحزنا على أخته لا يملك ولو نزرا ضئيلا من رحمة الواهب الرحيم الذي رحلت إليه ماري.


ما اعظمها من كلمة وما اجمله من تفويض وركون الى الله العلي الرحيم
تتصاغر الدنيا وكل شيئ امام رحمة الله ومن يحق له ان يحرم اخ او اخت في التفكير
والانشغال به دون اعتبار الدين

رد مع اقتباس
  #35  
قديم 05-05-2011, 05:48 PM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

أختاي العزيزتان ..أم فهد... أمل ... والله إنكما أسعدتما قلبي لكم تمنيت ومنذ سنين ان تقرأ كلماتي ولقد دعوت الله كثيرا من أجل ذلك وبعد أن لم أعد أفكر فيها وحين رأيتها وقد أصبحت مجرد وهم يقف على رف جامد إذ بالسنين تعود للوراء ويعود الأمل ولو بعد حين..أشكركما واشكر كل من مر عليها

رد مع اقتباس
  #36  
قديم 05-05-2011, 06:06 PM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

تبهرني هذه الجبال الواقفة بشموخ وكبرياء, لقد أحببتها وأشعر أنها جزء مني, تدربت ساقاي على صعودها, وحين أقف فوق صخورها وأنظر إلى السماء يتلاشى الكون السفلي من أعماق قلبي وأشعر أن روحي تتسامى وترتفع وتحلق في هذه السماء الرحيمة, لا أتصور الآن أن هناك شيئا يستطيع نزعي من هذا المكان, أفكر أحيانا أن أحمل قلمي وأكتب في هذه الأجواء الباهرة ولكنني لا أستطيع كتابة كلمة واحدة فحين تبهر الأبصار تتحدث الروح ويصمت القلم وهذا ما أيقنت به, كنت في وقت ما أظن بأنني أحتاج إلى طبيعة خلابة كي يمكنني كتابة سطر من الشعر الذي أحبه ولكنني لم أستطع حتى الآن أن أجيد فنه رغم أني أشعر بأن سطورا كثيرة منه تتراقص في أعماق روحي, ولكنني فهمت الآن بأن الصورة حين نتشرب خطوطها وتنطبع في أعماق أنفسنا فإنه يمكننا حين إذ أن نكتب شيئا ما ولو في حجرة مظلمة.
.................................................. .........

مضى أكثر من شهر
أنا الآن في القرية وفي ضيفة الشيخ شريف، القرية هادئة ومريحة فهنا لا يخترق أذني صوت السلاح، ينزل الشيخ شريف من فترة إلى أخرى للقرية ويخرج معه الراغبون في أخذ فسحة استجمام، بدا عرضه علي بالنزول معه أمرا غريبا للجميع فهي أول مرة كما يقولون يطلب الشيخ من أحد بالتحديد أن يرافقه، وافقت دون تردد ، وفي أول جلسة قضيناها بعد ذلك الطلب كنت أنا محور الحديث وراعني ما قاله الرفاق، كنت أجلس أنا وعبد الرحمن وشاب يمني يدعى عمار التحق بالمعسكر بعدي بفترة ثم انضم إلينا لاحقا عبد الحق الذي يجيد العربية نوعا ما وبعد ذلك انضم مجموعة كبيرة من الشباب فقد كان الموضوع شيقا كما يقولون, محور حديثهم هو طلب الشيخ استضافته لي في منزله خلال فترة مكوثه في القرية، وبدأت الحقائق التي رأوها ولم أرها تظهر ساطعة في حديثهم وكان أول من أثار خجلي واستيائي عبد الرحمن، تحدث عن الإعجاب الذي يبديه الشيخ نحوي والمعاملة الخاصة التي يخصني بها دون الجميع، في الحقيقة كان عبد الرحمن محقا فقد كنت أشعر بذلك بكل صدق ولم أعر ذلك اهتماما، وكان السبب كما أجمع الجميع أنه أخيرا وجد الشاب المناسب لابنته الفريدة من نوعها، شعرت بصدمة نوعا ما ولكن حديثهم راق لي خاصة وأني اعتبرته مجرد توقعات تشعرني بالزهو، قالوا بأن له ابنه رائعة الجمال ومحبة للقراءة وهي عالمة رغم صغر سنها، أيضا يعتقدون أنها على وشك العنوسة لأنها لم تتزوج بعد رغم أنها تقارب العشرين فالفتيات هناك يتزوجن في الثانية عشرة أو أقل، ولكن كان الجميع يعلم بأن الزواج بها حلم طالما راود الجميع ولم يتحقق لأي منهم لأن والدها يبحث عن شخص مميز ربما لم يقابله خلال كل تلك الفترة، ضحك الجميع وتمنوا لي السعادة فهم يعتقدون أن وراء هذه الدعوة الخاصة شيئا واحدا فقط، لم أستطع أن آخذ كلامهم على محمل الجد فهناك أمور أهم مما يظنون، قلبت الأمر في عقلي في اتجاهات مختلفة وظهرت لي عدة أسباب تدعوه لاستضافتي وربما كان جميعها بشأن العمل الذي سأقوم به، وحتى هذه اللحظة فإنه لم يفاتحني بشيء.
.................................................. .....
حين كنت أفكر بالموت وبهذه الأرض البعيدة التي تحاول أن تنسيني الماضي جاء الشيخ شريف وأفضى بكل ما لديه قال كلاما رائعا ووصفني بكل ما هو جميل وكان المقابل أن أرحب بطلبه الذي لم يخطئه الرفاق وأن أتظاهر بالفرح لطلبه الذي سيمنحني به أغلى وأجمل ما يملك، تركني وقد تراءت لي صورة علياء مبتسمة ساخرة لما يحدث لي، لقد كانت ضعيفة واستطعت أن أتخلى عنها في لحظة وبدون تفكير أما الآن فأنا الضعيف الذي سيتخلى عني الجميع لو أبديت جزءا من التردد، ثم قررت بعد أن جلبت كل الأفكار التي قد تخرجني من هذا الأمر أن لا أفكر في شيء فقد علمتني تلك السنين التي قضيتها حيا بين الأحياء، أننا مهما أتعبنا عقولنا القاصرة في التفكير يأتي تدبير الله بالكيفية التي يشاءها هو، لذلك علينا أن نصمت وأن ننتظر تدبيره، ولكن لا بأس بقليل من الألم وكثير من الأمل حتى تتضح الصورة.
.................................................. ....................
رأيتها ويا ليتني ما رأيتها، لقد أنستني كل شيء, شعرها الأسود الطويل الذي ينسدل بكل هدوء وعيناها الواسعتان السوداوان اللتان تبحران بك إلى عالم السعداء وفمها الرقيق يصدر موسيقى عذبة، قوامها الممشوق كشجرة شامخة لا تبالي بكل الحشائش دونها، إنها بصدق حورية من السماء ليس فيها نقص واحد، إنها شيء آخر غير كل ما رأيت، أحببتها لأني أحببت جمالها وذلك ما لم أتوقعه، كلما تراءت لي صورة أمل نفضتها بقوة لأني لا أريد المقارنة، أشعر بحقارتي ولؤمي بمجرد التفكير بذلك فإن كانت رقية تسكن في عقلي بجمالها الباهر فتلك تسكن في أعماق قلبي لشيء لم أعرفه سوى أنه حب صادق ولكن هذا الحب يبدوا أنه أصبح كالسراب أمام ما رأيت.
.................................................. .............
مر شهر من الزمان
أعيش مع رقية ربما أجمل أيامي، فهي جميلة ومثقفة ومحاورة جيدة، ترطن العربية بصورة دبلوماسية تشعرني بأني أستمع إلى نشرة أخبار، لذلك أفضل أن أستمع إليها بلغتها المحلية حين تريد أن تعبر عن مشاعرها فذلك سيكون أكثر وقعا في نفسي، لقد وقف الجميع معي في تلك الفترة التي أعددنا فيها ليوم الزفاف وعاملني الجميع كأخ حميم وقدموا لي كل مساعدة وكان الشيخ شريف شهما وكريما فعاملني كابنه وأقيمت الاحتفالات في القرية وفي المعسكر، ذهبت إلى المعسكر مرتين كنت برفقة الشيخ شريف حين رآني الرفاق أخذوا يتغامزون ويضحكون, تركت الشيخ بعد عدة محاولات فقد كان يفضل أن ألازمه طوال الوقت، حين اقتربت من عبد الرحمن قال لي كيف حالك أيها الطفل المدلل، وأصبح الجميع يناديني في ذلك اليوم بذلك الاسم الذي منحته ابتسامة صادقة.
منذ فترة لم أمسك سلاحا، أشعر أن العالم بأسره يغني لي أغنية الحياة لا موت بعد اليوم ولا عذاب، أظن الموت صار بعيدا جدا ولا يأتي في مثل هذه الأوقات.
.................................................. ..
سألتني رقية اليوم حين رأتني أهم بالكتابة هل سأقضي وقتا طويلا في الكتابة كما في الأمس تعجبت لأني رأيت أني لم أكتب سوى بضعة أسطر، ربما تكون محقة يبدوا أنني أفكر أكثر مما أكتب.....
سألتني الآن عما أكتبه، أجبتها بدون تفكير مجرد أحلام ، طلبت مني بدلال أن تقرأها نظرت إلى عينيها وفكرت هل يمكن ذلك وتذكرت أمل التي تخترق جزءا من سطوري وتلك الحقائق التي ما زالت مجهولة بالنسبة لها، فأجبت بسرعة لا لا, انكسرت عينيها بحزن ممزوج بغضب صامت لهذه الإجابة الفجة، وحين رأيتها تهم بالنهوض أمسكت يدها وقلت لها بحنان ربما في وقت لاحق، سحبت يدها بهدوء ولم ترد،
ماذا أفعل كيف أرضيها، أعلم أن عقلها المتفتح يجبرها على معرفة كل شيء، ابتسم وأنا أفكر لو كانت علياء لن يخطر في بالها طلب كهذا، ما يهمني الآن هو أن أخبئ هذا الكراس جيدا.
.................................................. ............
11 سبتمبر 2001
الجميع سعيد بما حدث، معقل الكفر والطغيان يتلقى صفعة قاسية، لأول مرة نهتم هنا بمتابعة الأخبار بالصورة ، التكبيرات تتعالى كلما رأينا منظر الرعب والدمار، كيف حدث ذلك، قال القائد أيوب إن الله يسخر مجموعة من البشر لكسر كبرياء مجموعة أخرى لا تبصر الطريق جيدا، أفكر كثيرا وأنا أرى تلك الدموع الخانقة التي يسكبها أولئك الأبرياء, هناك من يتألم بشدة فعليكم أن تشعروا بمقدار ذلك الألم ولكنني أصمت لأني سأجد من سيحتد في حديثه معي ساردا لي كل التاريخ الطويل المظلم لتلك الشعوب وهي تتعامل معنا كمسلمين ، كثر النقاش والحوار فيمن قام بذلك وكيف استطاع إتقان الضربة عبد الرحمن يسألني في كل دقيقة عن رأيي ليس لي رأي ولكن لا بد أن أكون مغتبطا وسعيدا لهكذا ضربة تصيب أمريكا المتغطرسة وأنتظر المزيد من الإيضاح.
............................................
الأمور تختلط ،أدهشتني الأخبار التي يذيعها الجميع نحن من فعلنا ذلك هل حقا استطعنا أن نخوض تجربة جريئة كهذه هل واحد من أولئك الشباب الذين ضحوا بحياتهم قد وقف هنا في هذا المكان الذي أقف فيه، الشيخ شريف سعيد بهذا الخبر الذي أعلن بينما أرى القائد أيوب لأول مرة يخالفه ويعلن صراحة بأنها مؤامرة لتدمير كل شيء
تركت القرية وعدت للمعسكر نحن نتدرب بشكل مستمر.
.................................................. .....
وحيد دائما حين يجتمع الجميع وخائن دائما لأني أتخلى عن الجميع، رقية مريضة وتعاني بشدة ذلك بالإضافة إلى أوجاع الحمل وتحت ضغط الشيخ شريف كان علي أن أترك المعسكر وأترك كل الرفاق وأن أبقى بجوارها، لا أدري ماذا يحدث الآن وكيف يمضي الوقت معهم، في ذلك اليوم الذي سمعنا فيه بقرار أمريكا بالبدء بالحرب قال عبد الرحمن أشم رائحة النصر بقوة ولكني رددت بأني أشتم رائحة دماء تحترق بلا نهاية، أشعر بدخانها يخنق أنفاسي ويلون وجه رقية المتألم، الحرب تستعر والدماء تفوح ورائحة الموت تنتشر والرفاق يلوحون لي بالوداع.
.................................................. .......
جاءني بالأمس رسول الشيخ شريف يطلب مني الرحيل فورا إلى بيشاور، شعرت بالاختناق, هل علي أن أهرب إلى أقصى مكان ممكن كي أحافظ على قرة عينه.. لا أدري ماذا أفعل من أجلها أعلم أنها تعاني وأنها لن تتعافى إلا حين ترى وجه والدها بقربها لم أعد أرى غير الدموع، أنا أرحم حالها ولكن ليس بيدي شيء،
...........................................


يبدو أن رقية كانت تقرأ صفحاتي الأخيرة التي أكتبها، كانت تعاني وتشعر بالقلق لذلك تبحث عن أي شيء يدلها عن أي معلومة تزيل قلقها، أخطأتْ اليوم حين سألتني هل حقا سنغادر إلى بيشاور ونترك أباها، لم أكن قد أخبرتها بعد بهذا الموضوع وقبل ذلك بفترة، رأيتها تبكي بمرارة وهي تقول إنها آسفة لأنها تنغص حياتي، وهي تسمح لي بالذهاب حيث أشاء ولن تقف في الطريق الذي سأختاره وستتدبر أمرها هي وصغيرها القادم بشكل ما.....واليوم حين سألتني هذا السؤال لم أجبها ولكني نظرت إلى عينيها مباشرة وسألتها بحزم هل تقرئين ما أكتب خفضت عينيها ولم تجب سألتها لماذا؟ ولكنها لم تجب شعرت بحنق شديد، كنت أفكر بسرعة هناك أشياء كثيرة لم أخبرها بها إنها حتى لا تعرف هويتي الحقيقية, حاولت معرفة ما إذا كانت استوعبت ما قرأته فسألتها هل قرأت كل شيء وبسرعة أقسمت بأنها لم تقرأ سوى ما كتبته أخيرا، ثم انهارت باكية وهي تشكو لي ما تعانيه, قالت بأنني أفضل الكتابة عن أن أخبرها بشيء يريح نفسها المريضة وهذه قسوة مني قالت بأنني كلما خرجت أو طرق الباب تنتظر أي كلمة تخفف عنها شيئا ولكنني أفضل الصمت ولا أشعر بوجودها، كانت محقة ولكني لا أعرف شيئا سيسعدها أو يخفف عنها كل ما أعرفه هو أن القصف يسحق الجميع على أرض المعركة وذلك ما يجعلنا في موقف ضعف فحين تختلف موازين القوى سنترقب النهاية بتوجس وريبة, والآن أفكر كيف تنظر إلي هذه الزوجة التي تعلم يقينا بأني أخفي الكثير عنها, هل ستظنني شخصا سيئا يخفي الكثير من حياته المخزية أم جاسوسا متواطئا ولكن هذه مجرد أوهام فأنا لا أرى منها سوى كل تعامل حسن وتقدير لا أدري إلى متى سأخفي عنها كل شيء لقد تم تحذيري بشدة في إسلام أباد من أعلن عن شخصيتي الحقيقية لأن ذلك سيجلب الخطر للجميع فقد سجل اسمي كموظف في إحدى الشركات التي تخفي نشاطها الحقيقي وفي حال علم وجودي في مكان آخر وباسم مختلف فإن ذلك يعني نهايتي، أنا أثق بها تمام الثقة ولكني لا أستطيع الثقة بالآخرين الذين قد تخبرهم في مجمل حديثها بمن أكون, انتهت مخاوفها بعد أن أعطيتها وعدا بأني لن أتركها أبدا ومهما حدث.
.................................................. ..............
كل الأيام أصبحت بنفس المذاق المر وبنفس الصوت المرعب، علي أن أغادر المكان بعد قليل علي أن لا أودع أحدا فليس هناك متسع من الوقت ولقد اختفت الشخوص التي تستحق الوداع من كل صفحات حياتنا، قبل أسبوع وصلتْ القرية أنفس هاربة من أنفس متوحشة دفعتها رائحة الدماء أن تطلب المزيد كي تستقر أوجاعها، هل عليﱠ أن أكتب ما حكي ذلك المساء على تلك الشفاه المرتعشة، هل هو الجحيم بأقصى صوره أم هي الحيوانية السافلة القذرة المتوطنة في أنفسنا، يداي ترتعشان أنا لا أستطيع سوى أن أنطلق لأقتل الجميع وأنتقم كرجل فقد كبريائه ولكن حين لا يمكنني ذلك فإنه يمكنني أن أتناسى كل شيء وأمضي في طريق آخر كما يفعل الرجل المتحضر،
.................................................. ...............................................
أربعة أشهر تمر
رغما عن كل شيء أنا باكستاني أعمل في إحدى الدكاكين كثير الصمت قليل الكلام يدعوني الجميع عبد السلام وهذا هو الاسم الذي أطلقه علي العم أكبر الذي استقبلني بحرارة بعد أن سمع الكثير عني من شقيقه الشيخ شريف كما قال لي, الشيخ شريف الذي لا يعلم أين سارت به القدمان أو أين قد أعد قبره، كان علي أن أفعل كل ذلك وكان علي أن أمزق كل أوراقي السابقة المزورة بالأصل وكان علي أن أبدأ من جديد وكشخص آخر قيمته في الحياة أنه يعمل كي يكسب قوت يومه، العم أكبر رجل متعلم وتاجر ماهر يختلف كثيرا عن أخيه الأكبر الشيخ شريف، إنه يعيش ببساطة وبتلقائية كل ما يعرفه عن الدين أنه ضرورة للعيش بسعادة فهو يحافظ على كل واجباته الدينية دون أي تخبط أو ترنح، حياته تسير على خط واحد ومهما تصاعدت الأحداث فإنه يظل مبتسما منطلقا إلى دكاكينه بخطواته الثابتة يسأل الجميع عن كيفية سير البيع وحين تنخفض أرباحه يقطب حاجبيه ويصدر تعليماته الجديدة بهدوء، لم أدخل معه في نقاش منذ قدمت هنا ولكن أشعر أن هناك الكثير من الحديث الذي قد يوجهه لي يوما ما، لقد يسر لي كل شيء بحكم علاقاته وتخلى عن كل شيء بحكم الضرورة فهو حتى اليوم لم يستفسر عن المصير الذي آل إليه شقيقه ولم يرحم عيني ابنته البائستين وذلك ما جعل الجميع هنا يصمه بالقسوة، أعلم أنها ضرورات الحكمة في وقت عصيب كهذا،
.........................................
ما يدفعني للكتابة في هذا الصباح الجميل ليس عمي وليست أحلام وآمال جديدة فلقد اعتقدت ولمدة شهور أنه لن يمكنني الكتابة مجددا لأنه ليس هناك ما يكتب غير المآسي التي تحترق بداخلنا دون أن نجرؤ على البوح بها، ببساطة وبكل ما يحمله قلبي البائس من حب لقد أصبحت أباً ليلة أمس وجاءت فاطمة إلى حياتي، صغيرتي الحلوة رأيتها تبتسم لي وذلك جعل الجميع يضحك على نكاتي التي بدأت أطلقها, شفتاها الورديتان تخرج موسيقى عذبة يسمونها بكاء, أحبها ولا أدري لم أشعر بهذا الفيض من العاطفة، هل لأنها ومضة أمل تغزو حياتي التي ظننت أنها تسير نحو الزوال، أشعر اليوم أني عمر الذي عرفته جيدا، عمر الذي عاش بداخلي سنين عديدة هادئا حالما صامتا يتأمل الحياة ويكره الموت، عمر الذي تخليت عنه بكل الأسماء والألقاب دون أن يغضب أو يتمرد، أحب عمر وأحب ابنته الصغيرة فاطمة, أحبه وأتمنى أن يربي هذه الطفلة الصغيرة كما يمكن لعمر أن يفعل..... أسمع صوتها الآن إنها تصحو مثلي إنها تشعر بي وتتمنى أن ترقد بجواري أسمع بكائها العذب وأغبطها ليتني أستطيع ذلك, ليتني أستطيع أن أصرخ وأبكي وأنشج كطفل صغير يريد أن يعود إلى أحضان أمه التي أصبح يعرفها، هل أستطيع أن أحمل هذه الصغيرة وأن أمضي إلى الأرض التي أحبها إلى الأرض التي لا أعرف أين هي ..حقا أين هي يا عمر؟ هل هي لندن التي احتملت ذلك الصغير بكل أحلامه وآماله وصنعت منه إنسانا متحضرا ذا ذوق رفيع أم هي اليمن التي ألهبت شجونه صغيرا وكبيرا أم هي تلك الجبال البعيدة التي ما زال صوت أيامها يخفق في قلبه, تلك الجبال التي حاولتْ أن تصنع منك شيئا آخر ولكنك عمر الهارب دائما من لون الدم، أنا سعيد حقا ولكن هل يمكنني أن أبكي وأن أدعي أن تلك مجرد دموع فرح.
.................................................. .........

قررت أن أكتب قدر ما يمكن لرجل كادح أن يجلس على أريكته، بالأمس سألت العم أكبر أن يخفض ساعات عملي نظر إلي طويلا ثم قال لم هل تريد وقتا إضافيا للراحة لتقتحم عقلك أفكار مدمرة، دهشت من إجابته تركته دون أن أواصل الحديث الذي ربما سيصيب كلينا بالضرر، دخلت على رقية وقد تملكني الغضب من شعوري بالعبودية لشخص قد يحمل أفضالا عظيمة علي، تبين لي لاحقا أني أصبحت أثرثر كأي رجل متعب وغاضب وهذا شيء جديد على طبيعتي المتأملة كنت أتحدث بما حدث ثم أخذت أكيل بعض السباب الراقية، ابتسمت رقية ثم أخذت تضحك وعندها صمت حانقا على هذه التي لا تعرف كيف يؤلم الدم العربي حين يجري في العروق حارا، طلبت مني بعد أن اكتسى وجهها لمحة من الجد الممزوج بالخوف والقلق أن أتحمل لآخر درجة يتحملها رجل شهم مثلي قالت إنه قدﱠم الكثير لكلينا وإنني رجل مطلوب ولو عرف ماضي لأصبحت في لحظة سجينا في أقصى الأرض كانت تتحدث عما يمكن أن يحدث وكنت أشعر بعصرة في قلبي وغصة في حلقي وأنا أتخيل أنه كان من المفترض أن أتعرض لما أصاب الجميع من إهانة وتعذيب، تذكرت الماضي الذي لم يزل حاضرا أمام عيني ويخترق سمعي ذلك الصوت الذي يصرخ بكل آلام الإنسانية وعذاباتها، ولكنها قالت ما أخرجني عن طور تلك الذكريات قالت بألم إنك وحيد في هذا العالم ليس هناك من سيذرف عليك دمعة واحدة في هذا العالم الصامت ليس هناك من سيساعدك أنت يمني متشرد ضعيف سيسلمك وطنك لأقرب مقصلة إن طلب منه ذلك أصغر مسئول أجنبي, أحسست أن الدماء تدفق بين عيني وشيء ينبض في رأسي وهذه المتعالية تكيل لي كل هذه الإهانات كأغبى امرأة تريد أن تقنع زوجها الركوع بصمت, كانت تناديني أحمد بتوسل وأنا أبحلق في الأرض المتموجة نظرت إليها وقد تخليت عن كل حذري وانكساري لست أحمد ولست يمنيا متشردا .........أنا عمر عمر هل تفهمين أحمل الجنسية البريطانية ولم أعش يوما متشردا... لن أتحمل المزيد أنا لم أتخلى عن كل شيء لأكون أجيرا وذليلا .......لماذا يجب علي أن أعيش هكذا من أجل من, لقد جئت هنا لأكون رجلا يصنع الحقيقة الساطعة وجنديا يعيد الحق التائه، نظرت مبحلقة في وجهي وهي تحمل فاطمة التي بدأت تصرخ, كانت تبكي بشدة ولم تستطع إسكاتها فمددت يدي, ناولتني الصغيرة وهي ذاهلة أخذتها في حجري وأخذت ألاعبها كي تهدأ, هدأت وبدا أنها منسجمة معي وانتزعت من شفتي التي كانت قاسية قبل قليل ابتسامة صادقة جعلتني أتمتم بصوت منخفض, ربما أنت من سيقف معي في طريق الصبر هذا وسيلزمني الصمت والرضوخ، هدأ كل شيء ولكن بقيت الحيرة في تلك العينين اللتين زاد جمالهما بتفكير جديد، لم تحاول أن تواجهني بما قلته حتى هذه اللحظة ولا أدري ماذا سأقول وهل لابد أن أسرد الماضي كله في بضع كلمات.
.................................................. ...............
قررت أمرا وقبل يومين أخذت دفتري وقلبت صفحات الماضي وتوقفت كثيرا حيث أرى اسم أمل، أخذت أقلبه وأنا أبحث عن أي شيء قد ينقص من قدري في عينيها الجميلتين ثم ابتسمت لأنه لا يمكن لي أن أكتب ما لم يقع فكل حياتي الماضية طاهرة ونقية. سلمته لرقية وأنا أقول لها يمكنك الآن معرفة كل شيء.
.................................................. ................
يتبع إن شاء الله

رد مع اقتباس
  #37  
قديم 05-05-2011, 06:17 PM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

أنهت رقية ما كتبتُه بصورة أسرع مما توقعت، كنت أراها تلهث خلف الصفحات ولم أشأ أن أقاطعها، وحين أتيت مساء اليوم من عملي استقبلتني بوجه ينم عن كل مظاهر التقدير والاحترام والإعجاب، وحين جلسنا قالت بحب، لن أعاتبك على كل هذا الذي أخفيته عني ثم أخذت تسرد كل ما يملأ قلبها وعقلها من كلمات ثناء وحب وتقدير قالت, إنها تظن أني إنسان نادر لا يعوض أحمل قلبا ربما يحمله القلائل في هذا الكون كانت تتكلم بكل عواطفها بينما أشعر بالرهبة, هل حقا أنا كل ما تقوله عني, وبعد لحظات سرح فيها خيالي للبعيد قلت لها بهدوء:
قد لا يكون ما نكتبه هو كل الحقيقة ولكنه الجزء المضيء منها فقط، لم تلتفت إلى عبارتي إلا للحظة هتفت بعدها أنا أعلم يقينا أنك أفضل مما كتبت, صمتُ أمام إصرارها دون انبهار بشخصي الضعيف لأني كنت أعلم الحقيقة كاملة وأعلم أن اللحظات الدنيئة والماكرة والمقيتة يمكننا أن نعيشها ولكن لا يمكننا أن نكتبها بصدق وبدون تزويق.
.................................................. ......

جاءني صباح اليوم العم أكبر في الدكان الذي أعمل به وبابتسامته المعهودة حياني بلطف وقال لي أرى أني قد أغضبتك قليلا في ذلك اليوم، فكرت إنه يتذكر رغم مرور ما يقارب الأسبوع شيء جيد، جلس أمامي تماما وبعد تردد وكلام متفرق خفض صوته فجأة وقال أرجو أن تعذرني أنا أعيش أياما عصيبة منذ تلك الحرب القبيحة أنا مراقب وكل تصرف هو ضدي، سأخسر كل شيء في لحظة رغم كل ما أظهره للحكومة من تعاون وخدمات ثم أصبح صوته كالفحيح وهو يقول لقد عرضت نفسي لأقصى المخاطر حين أحضرتك هنا ولكن رأيت أن هذا هو الأسلوب الأمثل لعدم لفت الانتباه نحوك أرجو أن تكون مقدرا لذلك وأن تلتزم الصمت حيال أي موضوع وأن لا تتحدث مع أي شخص بشأن أي شيء, لقد أبلغتك ذلك منذ فترة ولكن يجب أن تتذكر ما أقوله جيدا وكلما اعتقدت أن الأوضاع بدأت تتحسن فالخطر محدق بك ولو هرمت وأنا الملام الأول على حمايتك, ثم طلب مني أن أتردد على زيارته دائما كما كنت في السابق حتى لا يحتاج لقول مثل هذه الكلام الخطير في هذا المكان، ثم التفت إلي وهو يخرج وقال بصوت محذر أحذرك من تكوين صداقات حميمة هنا أعلم أن الجميع هنا طيب ويهتف ضد ما جرى ولكن لا تعلم ماذا تخبئه لك الأنفس الضعيفة.
أعلم جيدا أنه يقصد بذلك ولي الدين الذي بدأ لساني يفرج قليلا عن صمته معه، إنه شخص مثالي وخلوق ولا يحاول تعمد توجيه أسئلة خاصة لي كما أنني أتعامل معه بحذر شديد، ولكن ما أعرفه الآن أنه يجب علي التنازل عن كل صداقة محتملة، لا أدري ماذا يمكنه أن يحدث لي إذا لم أتبع نصائحه, خطر في عقلي أفكار مشتتة ومرعبة انتهت بصورة طفلتي الباكية المتألمة فتوقفت عن التفكير، أشعر الآن أنه محق وأني أصبحت أتعامل بلؤم مع الشخص الذي أدين له بكل هبة هواء أتنفسه بحرية, نعم علي أن أغلق فمي وعقلي وحتى إحساسي حتى أعيش بسلام كأي حيوان رضي بقفصه الجديد بعد كل محاولات التمرد.
.................................................. ..........
يمكننا أن نتذكر الماضي الذي طالما حاولنا تناسيه حين يفصل الزمن بيننا وبينه وها أنا بعد ما يزيد على العام والنصف أتذكره بغصة ففي ذلك اليوم الذي عزمنا فيه على الرحيل من القرية إلى المدينة كان لساني لا يفتر عن ترديد كل الأدعية التي تعلمتها في الصغر كنت أرددها بيقين وصورة أمي التي تغسل الغسيل بيديها القويتين ماثلة أمام عيني حيث أجلس على حجر عال أعدته أمي لذلك, أراقب كل حركاتها وهي تعمل وتغسل وتكنس بينما تقرأ بهدوء لاهث وأنا أردد خلفها بصوت أقرب إلى الصراخ بحيث يمكنها أن تسمعني مهما بعدت, كان ذلك في كل يوم وأخيرا تقبلني لأتعلق في رقبتها فتحملني بحنان وتضعني على الأرض وتقول عبارتها المعتادة, الآن يمكنك أن تنطلق, أهرول نحو أسماء لتأخذني في جولاتها الممتعة، لقد علمتني كل ما أعرفه اليوم عن كل شيء وإن حفظت الكثير ولم أفهمه وقتها فلقد كان الزمن والتجربة كفيل بإفهامي ما لم أفهمه، استقلينا في ذلك اليوم مركبة جيدة أرسلت خصيصا لنا,كانت الأمور غامضة بالنسبة لي واتبعت تعليمات رقية التي بدا لها الأمر طبيعي, تحدثت طويلا مع ذلك الرجل الذي ظهر بأنه سيكون مرافقنا في هذه الرحلة كنت أسمع اسم العم أكبر يتردد من حين لآخر وعندما استفسرت منها لاحقا علمت أن عمها الذي يعيش في بيشاور هو الذي أرسل لنا هذه المركبة ، سرنا في رحلة طويلة وكان كل شيء سيهون بوصولنا ولكن كان الألم أقرب إلينا من تلك المدينة ، رأيت الكثير يقطعون تلك الأرض الشاسعة وينحدرون من فوق الجبال الشاهقة ليس لهم معين غير أحذيتهم التي مزقتها ألوان الألم والعذاب والطريق التي لا تنتهي، استوقفنا حيث أوقف العديد من المسافرين الذين أتوا من أماكن مختلفة طلبا للحياة, ورأيت أن الموت والأحزان تتربص حيث كنا وأينما فررنا, رأيت النسوة والأطفال يتمسكن كل بعائله الذي بدا أنه لن يملك أي حماية لهن، بدأ الخوف يدب في القلوب فهؤلاء لم يكونوا يحملوا أي صفة رسمية تدل على جهتهم كانوا مجموعة من المرتزقة يبحثون عن أولئك الفارين من قلب الحرب, وقفت رقية بثبات وقد التصقت بي ردد أحدهم نحن باكستانيون ولا يحق لكم إيقافنا, ضربه أحدهم بسلاحه على مؤخرته وهو يقول سنعلم ذلك بعد قليل أيها الوغد الخائن ثم بدأ التفتيش والتحقيق وبعد فترة سمح للكثير بالعبور وأوقفت مجموعة أخرى كنت واحدا ممن تم إيقافهم وكنت أحمد الله بأن سمح لرقية بالعبور وذلك بعد حديث طويل جرى بين مرافقنا وقائد المجموعة التي أوقفتنا والذي كان يعامل مرافقنا باحترام كان القائد يلتفت من حين لآخر نحوي وهو يشير إليه بأن يطمئن ولم يدهشني تلك الدر زينة الضخمة من المال التي تناولها من مرافقنا ودسها في جيبه بهدوء واتضح كل شيء، ودعتني رقية وهي تهمس في أذني: لا تخشى شيئا بعد قليل سيتم الإفراج عنك وستلحق بنا فقد رتبنا الأمور بشكل جيد, وبعد أن غادر المفرج عنهم رأيت المنظر يختلط ويتعالى الصياح وبدأ فصل النسوة والأطفال الذين لم يتجاوز عددهم أصابع اليد عن ذويهم, كان الشرر يتطاير من عين أحد الموقوفين وقد أخذ يصرخ ويقاوم بشدة حين سحبت زوجته المتعلقة به من بين يديه وألقيت على وجهها فانكشف غطاء رأسها وبدت سافرة للجميع, حاول زوجها الدفاع عنها ومقاومة المسلحين فاجتمع عليه بعضهم, وكان يركل ويضرب بقسوة بينما أوعز القائد لأحدهم أن يحمل هذه المرأة إلى مكان أشار إليه بيده, اتضح الأمر فبد أ النسوة الأخريات يصرخن، سحبت المرأة من قبل رجلين كانت تصرخ وتتوسل لأولئك الواقفين بأن ينقذوها, التقت عيناها بعيني شعرت برعشة شديدة كان المنظر كله قد أصابني بالذهول فقد وقفت بلا حراك ولكن تلك النظرة ألهبت كل ما بداخلي كان علي أن أندفع بقوة نحوها وبينما اختلطت الأفكار في رأسي وقبل أن أفعل أي شيء وجدت شابين يركضان مسرعين وهما يصرخان بكل عنفوان الشباب ولكن لم يكادا يجاوزا مسافة قليلة من مكان احتجازهما حتى سقطا تحت سيل عارم من الرصاصات التي قطعت جسديهما, رأيت العالم يدور في عيني وأحسست بالدماء وقد تيبست في يدي وفي رأسي كنت أقف وأنا لا أعلم كيف سار كل ذلك, أيقظني من ذلك الكابوس المؤلم صوت الأطفال الذي بدأ يعلو بالنحيب والصراخ, نظرت أمامي ورأيت الأرض التي اكتست لونا أحمر قان كان الذي فعلته بسيطا فلقد جثوت على ركبتي وأجهشت في بكاء طويل حارق لم أعد أرى شيئا لقد أظلمت الدنيا واخترقت قلبي رصاصات اليأس والألم . لا أدري ماذا حدث بعد ذلك لقد مر زمن طويل رأيت فيه المرأة الحاسرة تخرج من بين نهر من الدماء تمسك يدي وتصرخ في وجهي بقسوة كدت أختنق حتى شعرت بتلك اليدان القويتان تهزني فتحت عيني المتورمتان فرأيت شيخا جليلا يسدد إليه أحدهم سلاحه ينهضني وهو يقول بثبات كن رجلا وتحمل ما يمكن أن يتحمله الرجال ثم مضى أمام ذلك الشاب الذي وكزه بالسلاح في ظهره, رأيته يمضي ورأيت كل شيء يجف في أعماق قلبي اقترب مني أحد المسلحين وقال باشمئزاز أرحل أيها الغبي كنت أنظر في الفراغ وأنا أسمع صوته, وقفت ومضيت وحيدا وأنا أسمع الصرخات تلاحقني وصورة الشابين الممزقين تتمايل أمامي, تركت كل ذلك الألم ومضيت مسرعا وأنا أسمع رجلا يصرخ ويتأوه بشدة كان أحدهم يشتمه ويضربه بقسوة وهو يقول أين أولئك الجبناء يأتون لإنقاذكم أيها الأفغان الخونة، حين انقطع الصوت عن ملاحقتي جلست على الأرض منكفئا على وجهي فترة من الزمن كانت الرياح الباردة تلفح جسدي الذي لا تغطيه سوى حرقة الألم, رددت في سري لقد حملت الغنائم واختفى الجميع, واصلت المسير حتى وجدت مجموعة تعبر الطريق بهدوء لم يكن القدر هذه المرة يتربص بهم ليخطف منهم الحياة والأحلام تمكنت بعد محاولات من الصعود معهم لأكون هنا حيث تلهبني تلك الحكايات التي أسمعها من بين تلك الشفاه المفجوعة في كل حين وأخشى أن يتعرف إلي أحد أولئك الناجين فيناديني بالجبان حينها سأقول له بأنك أنت أيضا كذلك ولو لم تكن كذلك لما كنت حيا حتى الآن, الشجعان لا يعيشون طويلا وهذا هو أقسى درس يمكنني أن أتعلمه من تلك التجربة.
................................................
يتبع إن شاء الله

رد مع اقتباس
  #38  
قديم 05-05-2011, 07:58 PM
ام فهد ام فهد غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
المشاركات: 7,879
معدل تقييم المستوى: 20
ام فهد has a spectacular aura aboutام فهد has a spectacular aura aboutام فهد has a spectacular aura about
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

وصف دقيق ورائع للأحداث

( ممكن تكوني زوجة عمر المحبه للعلم والثقافه أو شقيقة عمر الصحفية )
مجرد خاطر لمع بذهني

رد مع اقتباس
  #39  
قديم 05-06-2011, 09:47 AM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

أختي أم فهد........جميل هذا الخاطر .......

رد مع اقتباس
  #40  
قديم 05-06-2011, 09:50 AM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

.................................................. ...............................
اشتقت إليك أيها القلم المتفاني ، وقتي الضيق الذي أقضيه هنا بعيدا عن صخب الشارع ومهاترات البيع أصبح ملكا لهذه الشقية الحلوة، حين تراني أهم بالدخول تسابق الزمن حبوا حتى تتعلق بقدمي فأحمل تلك الروح الناعمة بين يدي لست أنا من ألاعبها ولكنها هي التي تلاعبني بكل ما يخطر على عقلها الصغير، تذكرت كيف كنت أمقت هذه الحياة في تلك الأيام قبل أن يزهر قلبي بهاتين العينين الباسمتين،، هل يمكن أن يمنحنا هؤلاء الصغار رغبة في الحياة ويدفعوننا لمقاومة الموت، ربما يمكنني الآن أن أفهم كيف منحت أمي مزيدا من الحياة الصافية حين قدمت إليها ، أشكرك صغيرتي وأعدك بأن كل شيء سيهون في سبيل سعادتك، .. يخطر في بالي أحمد وهو يحمل صورة ذلك الصبي قد يكون ابنه، وتلك المرأة التي تحمل صورة ابنها القتيل وهو يحمل كتابه الحبيب بين يديه فيرتعش قلبي, أحمد أيها الحبيب أتمنى لو أراك، أتمنى لو يمكنني البحث في كل الوجوه التي أعبرها لعلى أرى صورتك بينها أو أرى ابتسامة عبد الرحمن الساحرة ، أو أسمع صوت صالح الحزين وأنا أمر بين شوارعها ولكن لا يمكنني سوى أن أمضي معتمرا عمامتي وخافضا بصري لأني الآن شخص آخر لا يسعه سوى أن ينكر أي علاقة بالماضي.
.................................................. ......
أبي , أسماء بيتر, أمل, أين أنتم الآن كيف سترون عمر وقد أصبح أبا ولديه أسرة صغيرة يعتني بها ويحبها ويعمل طوال الوقت من أجلها, هل يمكن أن يأتي هذا اليوم الذي ألتقي فيه بالجميع فيسخرون من هذا المتشرد الذي أصبح أبا وهو يركض في كواليس التشرد, أمي أعلم أنك الوحيدة التي ربما تراقبني في حالي هذه ،أتذكر تلك الأيام بكل آمالها وأحلامها وآلامها وكأنها جزء مني يتلاشى ببطء رهيب ويهبط في سراديب الظلمة ينطفئ رويدا رويدا ثم في لحظة يشع قويا صافيا وقد اكتسب كل ألوان الحياة. إلهي هل لي أن أشكو إليك فمن غيرك يسمع فيرحم ومن غيرك يُسأل فيعطي ومن غيرك يُدعى فيجيب, هناك غصة في قلبي ونحيب يملأ شبابي الذي أراه يمضي مهرولا ليجعلني شيخا متيبس الأطراف تركه عياله الذين كبروا وحيدا حزينا مع ذكريات أحلام رحلت مع السنين وإنسان صنعته الآمال ولم تصنعه الحقيقة في فسحة من الزمن..........ما أطيب الدموع وهي تغسل القلوب المنقبضة وتطفأ النار الحارقة، رباه لك الحمد على كل قطرة سالت من عيني حبستها منذ زمن فتحجرت لأني رجل غبي كما قيل لي, رباه أتمنى لو أقبل رأس أبي الذي طالما فكر في ذلك الساذج الذي كنته..وأقبل يد أختي فأتذكر تلك اليدين التي طالما منحته الدفء والأمان صغيرا وكبيرا..........ماري.... ماري حين أتذكرك تتفجر كل الآلام التي لا تطفئها كل ينابيع الدموع ويتردد في أذني ذلك الصوت القاسي هي ليست أختك لقد ماتت على غير دينك, أبي لما كل هذا لما كل هذا يحدث ............رباه فلترزقني الرضا الذي يسكن القلوب اللاهثة ويزهر الحياة الراكدة بكل النفوس المتعبة التي تقف في نهاية الطريق بحثا عن الموت.
.................................................. .................
تحب صغيرتي القلم فهي لا تسمح لي بالكتابة أبدا, وحين أكتب في وجودها تلتقطه من يدي وهي تصرخ ثم تضعه في فمها الرقيق، أسمح لها بتذوقه حين تشاء فذلك شبيه بما أفعله فحين أتذوقه فوق السطور يمكنها فعل ذلك على لسانها الوردي، لقد أخذتها رقية قبل قليل من حجري بعد أن غلبتها حقيقة النوم التي تخطفنا من صخب الحياة بهدوء ودون أن نشعر، رقية تعيش أحلك أيامها فكلما تعلقت بأمل صغير حطمته مناجل اليأس, لم يُرى ذلك الشيخ حيا ولا ميتا إنها تخرج كل صباح تسأل وتبحث, تبحث بين الشفاه العائدة من الجحيم الصامت عن إجابة تحمل الأمل ولو كان وهما, هي أقوى مني فحين استسلمت لتوجيهات العم أكبر كانت هي تقسو عليه كلما أراد توبيخها وتلزمه الصمت بوصفه بأنه ليس بأخ، رقية حبيبتي كلانا يلهث في هذه الحياة بيأس ودون رغبة ولكن إذا كان ذلك السجن البعيد قد ابتلع والدك كما الجميع فإنه عليك أن تكفي عن البحث لأن عذابات الحياة التي يقاسيها الآن ليست بأفضل من الموت، مات وانتهى أصبح أفضل رد تمنحه لكل تلك القلوب البائسة التي فقدت قريبا أو عزيزا لأن الحياة في أيدي أولئك المدمرين الذين التقطت أيديهم كل ما تقع عليه من نفوس بشرية مهما بلغ عمرها أو قدرها تعني الموت كل لحظة, تعني الجحيم والعذاب تعني كل آلام الأرض يحملها كاهل واحد.
.................................................. ........
كنت أنتظر اليوم الذي تخطو فيه حلوتي الصغيرة أولى خطواتها فوق الأرض الثابتة لأكتب لها أجمل الكلمات وأُقرأها ذات يوم حين يغطي عطرها أرجاء كوننا بجمالها وأنوثتها ولكن كل شهقات رقية الضاحكة وهي تصفق لها وتحثها على المتابعة تكسرت فوق شفتيها, جاءها في ذلك اليوم وفي تلك اللحظات المرحة الخبر الذي طالما بحثت عنه جاهزا فوق شفاه قاسية قصت لها ما لا يمكن أن تتحمله نفس ضعيفة مرهفة لقد كان معه في نفس المعتقل ورأى بعينه كيف عذب وقطع وكيف فعل به لم ترحمه كل توسلات شعره الذي ابيض وكل سنينه التي مضت فهو وغد لأن له باعا طويلا في البحث عن الزمن الصادق والأمن الضائع لقد تحمل وصبر وكانت آخر كلماته الحمد لله،
يمكنني الآن أن اعتذر منك صغيرتي فحتى أمنياتنا الصغيرة قد لا تتحقق لذلك علينا أن لا نقلق لشيء وأن نمضي برضا تام وآمال نترقبها بصبر.
......................................
مرت الثلاثة أسابيع على أول خطوة أنعشت بها ساقك الأرض الجافة وسقتها بروح طفل جديد يركض فوقها يلهو وينشر البهجة والابتسامة الصادقة، أحبك... كم من مرة انتزعت قناعا عبوسا اكتسى وجهي وكم مرة بقبلة صغيرة منك أثلجت بها صدري المكدود بالآلام والأحزان وكم من ذكريات محوتها من أجل أن لا أفكر في أحد غيرك, كل الماضي سراب وأنت الحقيقة وكل الذكريات أوهام سوى ذكرى مجيئك في حياتي, أنت نوري على أي طريق سأسير فيه محبا أم كارها له، احفظها لي يا رب فأنا أحبها.
.................................................. ...............
2003بعد احتلال العراق
طفلتي الصغيرة فاطمة، أحمد الله الذي جعلك تنامين كطير صغير يعيش فوق الأشجار العالية بعيدا دون أن تمتد إليه يد الظالمين, حبيبتي فاطمة إنك لا تدركين اليوم كيف تنهار معاني الطفولة تحت سياط الجلادين, ما ذنبهم، لماذا...لماذا يصرخ الأطفال ويضحك الجلادون، رأيتهم ورأيت أفواههم الصارخة المفجوعة, رأيت أشلائهم الممزقة, أعلينا أن نحرم مئات الأجساد البريئة من أرواحها الطاهرة حتى نقضي على طاغية! أيها المجاهدون أينما كنتم تحت الأرض أو فوق الأرض أو حتى في كهوف الظلام القتلة خلف أسوار الظلم. إني أتجرع مرارة الذل وكأني وحيد في هذا العالم، لقد انتهك كل شيء في العراق كل شيء.. كل شيء ولم يبقى غير صوت المهانة يعلو ويصم الآذان........ إنها الحرب التي تخطف أرواح الجميع وتزهق الأمن حيث يخبئ وتُنهك الأنفس المستسلمة وتُوجع القلوب المتحجرة وتُبكي العيون المتيبسة وتُلهب الأيدي المتجمدة.
.................................................. ....
لماذا نفكر في الماضي، ولماذا نفكر كيف سيكون المستقبل، هل هناك نقيصة في أن نولد من جديد، علينا أن نشعر بذلك في اللحظة التي نعتقد فيها أن الماضي قد رحل عن طريقنا بلا رجعة وأن نعيش لحظتنا التي علينا أن نتوقعها أفضل اللحظات, علينا أن نلتمس السكينة في كل شيء ونبتسم لكل شيء فلحظة أخرى أكثر قبولا قد لا تأتي مطلقا، أنا الآن عبد السلام رجل شهم ومجد لا يفكر في أي شيء يدور حوله متربصا له في هذا العالم المتوجس, إنه يعيش بسلام وطمأنينة ولا يمكن أن يتعرف الآن على أي من شخوص الماضي لأن له ابنة ينتظر ابتسامتها كل مساء وزوجة رحيمة تخفف عنه كل أوجاع يوم شاق قد مضى، ليس لي الآن أب ولا أخت ولا حتى أصدقاء تحفل بهم ذاكرتي المتيقظة لقد ولدت على هذه الأرض في لحظة موت خالدة، وعلي أن لا أعود إلى الوراء خطوة واحدة لأن ذلك ربما يعني دمار الحاضر الذي أعيشه.
...........................................
في تلك الليالي الماضية فوق تلك الأرض الصلبة الحانية كان كل شيء يبدو متوهجا بالحياة، ليس هناك وقت للملل والسأم وليس هناك وقت للألم، كنا نمضي سويا، في كل ليلة لنا حديث، كنا متفائلين مشرقين، لنا هدف نعرفه ومتأكدين من تحقيقه، لم يكن السلاح يخيفنا لقد كان يؤنسنا في كل لحظة يداعبنا فيها الحنين للماضي الذي ربما لم يحبه أغلبنا، هناك شعرنا بمعنى الشباب والقوة والحماس والإخلاص، حول تلك النار المتوقدة كنا نجتمع كلما غابت الشمس، يبدأ الحديث جادا نخطط فيه لأحلام الغد، وينتهي بضحكات صافية بعد كلمات يطلقها عبد الرحمن من شفتيه الباسمتين، آه كم يحرقني الشوق وكم يبدو الماضي بعيدا لن يعود وما أقسى أن تتكسر الأحلام على يد مستهترة قاسية، أين الجميع الآن لقد قضوا وبقيت أنا أتذكر ماضيهم كي لا يفنى الجميع، كم وجه عرفته فوق تلك الجبال مشرقا بهيا هو الآن قد تلون بكل ألوان القهر في غياهب السجون الجامدة بينما أنا أنعم بحياة بسيطة مع زوجتي وابنتي ولكني لا أحمد الله وأتذكر أحلامي وأحلامهم كغصة في حلقي وكأني أرفض النعيم الذي مُنحته، إلهي ارحم هذا الإنسان الذي لا يرضى ورضه بما قسمته، إلهي ارحم أولئك الضعفاء أينما حلوا وكن معهم فأنت اللطيف الرحيم،
إلهي أولئك الطغاة ينبضون بالقسوة بينما ننبض نحن بالآلام،
إلهي أليس لهم يوم يرون فيه الألم والحرمان، إلهي عليك بكل القساة على هذه الأرض طهرها منهم فإني أسمع أنينها من قسوة خطواتهم، كم من دمعة تحجرت تحت وطأة سلاحهم قبل أن تسيل، وكم من صرخة كتموها قبل أن تسير,
إلهي إني لا أعرف ما أكتب أرى كل شيء متموج وكل شيء يدور في هذا العالم الدامي, وجوه الرجال المتألمة وتلك العيون التي ما زالت تقاوم دمعة قد تسيل في غفلة فتكسر في النفس كبريائها وتهدي لذلك الطاغي ضحكة ساخرة، ولكني أبكي الآن وأنتحب كطفل صغير وهل أنا إلا في حضرة الله.
.................................................. ...........
فاطمة من أجمل منك ومن يحمل عقلا كعقلك، إنها مختلفة ولو قالها كل أب وكل أم فإني أقولها بصدق، إنها تفهمني وتشعر بي أكثر من أي شخص على الرغم من عمرها الصغير, رائعة في كل شيء، حين تراني أكتب وقد تغيرت ملامحي إلى البؤس والحزن فإنها تمنعني كي لا أستمر وتحاول سحب القلم من يدي وحين ترى تعابير الفرح تنبسط على محياي فإنها تنظر لي بفرح وترقب دون أن تزعجني، للأسف هي الآن نائمة ولو كانت مستيقظة لأخبرتها بأني أكتب هذه السطور لأجلها وكنت سأتلقى منها قبلة حانية،
الكوابيس والأحلام أصبحت تهاجمني كل ليلة, أشعر أن هناك من يركض خلفي وكلما هم بمسكي حلقت في السماء بعيدا فأستيقظ وقد خفق قلبي بشدة، بالأمس سمعت من العم أكبر بأن هناك شابان قد قبض عليهما يقال أنهما كانا من التنظيم، هناك بحث حثيث على كل الهاربين من تلك المعسكرات المعادية كما قيل، هنا في بيشاور الجميع يؤيد المجاهدين ويسعون لحمايتهم ولكن في كل مجتمع ترى من يحاول نبش القبور واستعادة الموتى كي يعودوا للحياة مجددا.
.................................................. .........
إسلام أباد
في إسلام أباد أكتب هذه الكلمات الخاطفة، سأغادر هذه الأرض وحيدا تاركا أغلى شيء، لقد كانت المعادلة صعبة وكلا الخيارين مميت فإما أن أبقى ويقبض علي وأنا في هذه الحالة لن يكون لي وجود بأي طريقة في حياتيهما، وإما أن أغادر بسرعة على أمل أن ألتقي بهما في القريب العاجل وبطريقة سأرتبها, عدت اليوم لشخصيتي التي جئت بها هنا واستعدت كل أوراقي الرسمية فأنا الآن موظف في إحدى الشركات ينتهي عقد عملي وسأعود إلى وطني، تلك الشركة الوهمية رتبت كل شيء, لقد كنت أعمل بها طوال تلك الفترة وليس هناك دليل يثبت غير ذلك، لا أدري إن كان مكاني سيملأ بشخص آخر وهل سيمكنه العبور والعودة مجددا أم أن مصيره سينتهي هنا كما تمنى الكثير.
.................................................. .....
الحديدة
في ذلك النهار الحزين كنت أفكر في طفلتي فاطمة بشكل متواصل وودت لو أمكنني ترك العمل والانطلاق إليها ولكن كان علي إتمام عملي الذي بدأته ذلك النهار فلم أكن متواجدا في مكاني المعتاد حيث كنت في جولة ميدانية لشراء البضاعة الأرخص والأفضل، ربما كانت تلك المرة الثانية التي أقوم فيها بهذا العمل حيث احتاج ياسر من يساعده لأنه كان تعبا ذلك اليوم، بعد السادسة مساء فوجئت بشخص يتجه نحوي مباشرة بعد خروجنا من عند أحد التجار أخذني جانبا ثم سلمني ورقة وقال عليك أن تقرأها الآن وبسرعة ثم تركني وهو يتلفت، حين فتحتها رأيت الكلمات ترتعش بين عيني عليك أن تغادر الآن أسرع إلى العاصمة لقد اقترب النمر من فريسته هناك سيرتب كل شيء، من أجل فاطمة ورقية أفعل ذلك, في بيت عبد الإله ستجد كل ما يخصك الخطر على وشك أن يقع أسرع فورا وإلا لن يعود للحياة معنى بعد اليوم،
في بيت عبد الإله فهمت كل شيء لقد نجوت بأعجوبة لقد تم اقتحام بيتي وتفتيشه وكان من حسن حظ الجميع أن رقية كانت تعلم بتلك المداهمة مسبقا لأنه تم السؤال عني في دكاني أولا ووصلتها الأخبار فأرسلت كل ما يخصني إلى بيت عبد الإله، تركت كل شيء وأخذت فقط المبلغ الذي وضعه لي العم أكبر وكراسي وكتابا قيما أحمله دائما، اشتريت لباسا افرنجيا وحلقت شاربي وذقني الطويل تماما وقصصت شعري بطريقة عصرية، فضلت العودة إلى اليمن وشعرت أن ذلك سيكون أكثر أمنا، للحظات شعرت أن الخوف يلاحقني ولن يتركني إلا وأنا معافى من كل خوف وراء الزنازين الضخمة، في الطائرة وحين بعدت تلك الأرض عن ناظري كنت أسمع صوت فاطمة يتردد في رأسي باكيا ثم يصم أذني بصراخ رهيب, أغلق عيني فأرى وجهها الجميل الغاضب ينظر لي معاتبا، وحين اقتربت من هذه الأرض شعرت بالدم يتجمد في عروقي ولمت نفسي ألف مرة كيف جئت هنا وما الذي دعاني للعودة مجددا، وأيقنت أن الخوف ينسينا التفاصيل، كنت أشعر بدوار إلى أين سأذهب، فكرت في ذلك القارب فارتعش جسدي وأنا أتخيل علياء تقابلني في تلك القرية، طردت الفكرة تماما، فكرت هل إلى بيت أمي يمكنني أن أذهب وتخيلت وجه أمي المريض وأتاني إحساس يصعب وصفه شعرت بالوحدة واليأس، استأجرت غرفة في فندق بائس كنت أعلم أنه على بعد شارعين قد أرى وجوه الماضي تظهر لي من بين صيحات المارة ومن بين تلك الشوارع التي مازالت متربة ضيقة كما تركتها لذلك حبست نفسي في غرفتي حاولت الكتابة ولكن لم أستطع لقد كان القلم يجف في يدي ويصرخ الألم في رأسي وفي ليلة تذكرت أمي ورددت لماذا أعود لماذا وهمست بصوت قنوط لقد كانت لي روح هنا ولكنني اليوم وحيد كان علي أن أفهم أني لن أجد تلك اليدان الحانيتان ولا ذلك الوجه الباسم ولا ذلك القلب الحنون الذي طالما تحملني وضمني بصبر ورحمة علا صوتي تدريجيا وأنا أناديها من خلف كل أسوار الماضي الذي أراه الآن يعود بسطور جديدة وبوجه آخر، مر الماضي بومضاته السريعة كل الشخوص التي رأيتها في كل بقعة على هذه الأرض ازدحمت مرة واحدة في رأسي المريض نشجت بيأس مقيت ورددت أنا وحيد في هذا العالم الكل يرحل وأنا أبقى لأتجرع مرارة الحرمان وحدي، رأيت الدموع تخترق يداي المتيبستان وبكيت بصمت، نمت مضطربا وكل الكوابيس تهاجمني رأيتها تقتحم مهجعي ملتحفة بالسواد الذي يغطي كل جسدها, كانت تقلب كراسي الكبير كنت أراها جيدا وقد أعطتني ظهرها, سمعت صرير القلم حاولت النهوض ولكن النعاس غلبني فنمت بسكون حتى سمعت صياح الديك الذي أنعشني وزرع في قلبي الأمل وتذكرت وجه أمي الراضي والدعاء الذي تردده كلما سمعت صياح الديك, بعد قليل صدح أذان الفجر بصوت رخيم هادئ جعلني أشعر بأن كل الماضي مجرد حلم وأني لم أبرح هذا المكان أبدا، قررت أن أصلي في الجامع تجهزت وحين هممت بالخروج جاءت الصورة دفعة واحدة فأصابتني بالدوار كانت فاطمة تتعلق بي كلما حاولت الخروج فأحملها لأهديها عدة قبلات قبل أن أتركها في حضن والدتها وهي تناديني بصوت باك، مشيت مترنحا وأنا أنظر إلى الأعلى لعلي أجد المئذنة التي تدلني على المسجد، صليت وقد ارتاحت نفسي ثم أخذت أتسكع في شوارعها الضيقة سرت بلا هدف وشعرت أني اقتربت كثيرا من بيتي الذي أمضيت فيه سنوات صعبة وجميلة وأخيرا رأيته وتجاوزته مسرعا وأكملت مسيري وشعرت أن قدماي بدأتا تخدران فارتحت قليلا وتناولت عصيرا باردا وسألني البائع إن كان رآني قبل ذلك، لقد مرت أربع سنوات لم أقابل هذا الرجل قبلها سوى مرات قليلة وكنت أتحلى بلحيتي الكثة، ابتسمت ثم نهضت وأنا أقول ربما، تابعت سيري ونهق بجواري حمار وهو يدعوني للركوب، الجميع يسير في هذا الطريق الحيوان والإنسان والجماد، اقتربت كانت خطواتي تتجه نحو مكان عرفته جيدا وطالما قضيت فيه كثيرا من الأوقات، اتجهت نحوه وأنا أظن بأن تلك السنوات الماضية كفيلة بتغيير الوجوه والمكان، طرقت الباب, كانت الشمس قد طلعت منذ وقت، رأيت عمر وهو يقف في نفس هذا المكان ويطرق هذه الطرقات على ذات الباب المهترئ قبل سنين اختزلتها الذاكرة والأيام لتبدو كلحظة خاطفة، بينما تسحبني الذكريات إلى هوتها العظيمة فتح الباب وظهر ذلك الوجه الذي أعرفه جيدا كان لقاء غريبا فلقد عرفته وتقدمت نحوه وأنا أهتف محمود أهذا معقول ما زلتَ هنا, كان ينظر لي وقد استجمع كل ذاكرته ثم همس أتكون عمر؟ لا أدري لم انتابتني نوبة ضحك ودخلت دون استئذان, بدوت كالمجنون وأنا أهتف بينما أتجول في أركانه إنه بيتنا بيتنا الذي أعرفه لم يتغير شيء ثم نظرت إلى محمود معاتبا ومازحا ألا تمر عليك السنون كما تمر علينا أم أنك تقفز في كل مرة يحاول الزمن فيها عبورك، كان ينظر لي بعجب بينما بدأت الابتسامة تكسو فمه العريض وقد بدأ بفهم ما يجري حوله، لقد تغيرتُ كثيرا كما قال لي, كيف, لا أدري كعادته لا يتحدث في التفاصيل ولكني فهمت منه أني أبدو كرجل ناضج يخبر الحياة وذلك على الرغم من ذقني الحليق سوى من شعيرات خفيفة خرجت للنور في هذه اليومين التي قضيتهما حبيسا في الفندق فهمت بأنه ينتظر الرفاق الذين سيأتون بعد قليل فانتابتني كل الوساوس واندفعت إلى عقلي كل الأسئلة التي أرغمني وقع الصدمة يوم ذاك على عدم السؤال عنها, وكأن الماضي يعود فجأة هل ما زال التنظيم مستمرا ألا ييأس هذا الرجل اتكأت واندفعت الكلمات من حلقي المتيبس كنت أحاول أن أبث له تلك الأفكار التي آمنت بها, كنت أحاول أن أحمل مصباحا يريه بشاعة ما فعله في تلك الأيام الماضية, لم أكن وقتها قويا لأتكلم ولكنني اليوم أفاجأ بأني قد أصبحت شخصا قويا قد تحمل كلماته إلى شخص ما بعض الحقيقة, حاول أن يقاطعني حاول أن يدلي بعبارته التي حفظتها بعد أن تردد صداها في عقلي الرافض كل تلك السنوات, في سبيل تحقيق أهدافنا العظيمة هناك أشخاص سيقومون بالتضحية, بدأ ينقل نظره بيني وبين الباب هل يدعوني للمغادرة، ولكني أحسنت الظن ربما يخشى أن يأتي القادمون ونحن نتشاجر, بدأت بتلطيف كلامي وأخذت أحدثه عن أيامنا السابقة ظهر عليه الارتياح ولكن نظرته ذات الشك لم تتغير، حدثته بصراحة وبجفاء محمود أنا لست جاسوسا لقد مرت علي كل تلك السنوات وأنا أسعى لتحقيق نفس الهدف ولكن بطريق أكثر تشريفا, لقد كنت أحمل السلاح وأنا أعلم أني سأواجه عدوي وجها لوجه، لقد تربيت هناك بأن الخنوع جريمة وأن الغدر والقتل من الخلف رجولة كاذبة وجبانة،أخبرته بأن قدماي هي اللتان جاءت بي لهذا المكان ولم أكن أفكر مطلقا حين ودعت كل ذلك الألم الذي سببتموه لي أن أرجع هنا يوما، لقد جئت لأودع ولست قادما كي أعيد المأساة ذاتها، عجبت من عينيه التي امتلأتا ثقة بي، كان في استطاعتي أن أكون كاذبا وكان من الممكن أن أكون جاسوسا، تذكرت كلمات
عبد الله حين كان يقول بأن له قدرة عجيبة في اكتشاف الأشخاص من نظرة واحدة، أمسك بي بكلتا يديه وهزني برفق وقال إذا فهذا هو الشيء الغريب الذي لمحته في وجهك حقا لقد كنت تعاني لن أسألك عن التفاصيل ربما ستخبرني بها يوما ما من تلقاء نفسك، لن أضغط عليك بالعودة فنحن مازلنا هنا وحين تريد العودة فإن عليك أن تطرق هذا الباب مجددا، كان واثقا وكنت أمقته في تلك اللحظة وأنا أرى دماء صالح وعدنان والجميع تسيل من يديه اللتين يمسكني بهما, تململت وكأنه شعر بما أعاني، تركني وجلس وأشار لي بالجلوس وهو يقول لقد كتب للجميع أن يموتوا في تلك اللحظة ولم أكن أنا من عجلت بموتهم، من الجبن أن تعتقد بأنك كلما كنت شجاعا ومقداما فإن ذلك سيجعلك أقرب إلى الموت، لم أكن بحاجة لهذه الكلمات الساذجة ولكنه تابع وهو ينظر لشيء بعيد، مرارة الظلم تجعلك تقاومه بأي طريقة، عندما تكون ملاحقا وتغلق كل الطرق فإنك ستمضي في واحد منها وإن كنت ستتحمل كثيرا من الخسائر وذلك أفضل من البقاء ثم الموت ذليلا، لم أقتنع فهمست والأبرياء ما ذنبهم... ليس هناك أبرياء ولكن الجميع سيقضي بالطريقة التي كتبت له وفي اللحظة التي لن تتلوها لحظات في صحيفة حياته، إنهم ليسوا أبريا إنهم شهداء القضية ودمهم سيظل محفورا في قلوبنا، ما هذا إنه يعيدني إلى الماضي إنه يسحبني بنفس الطريقة, كاد عقلي ينفجر وأنا أرى صدى كلماته يحيط بكياني فيخضعه, قررت في تلك اللحظة وبكل تصميم أن لا أعود إلى هذا المكان أبدا ومهما يحدث لأنني إذا سمعت هذه الكلمات مجددا فإنه علي أن أستسلم بكل ضعفي، سألته فجأة أين عبد الله، لا تسألني عنه إنه الشخص الوحيد الذي يخيفنا الآن، سمعت أنه في أمريكا يكمل تعليمه.. كنت أريد متابعة الأسئلة ولكن في عينيه أسف شديد ربما لأنه فقد ذلك الفتى الذي كان سيقوم بالكثير، قال أخيرا وكأنه يجيب على أسئلتي، لقد ألقي القبض علي مرتان ولم يكن هناك أي دليل يدينني أنا هنا أستقبل بعض الشباب نتدارس العلم والقرآن, صمت قليلا ثم قال بثقة أرجو أن تفهم ذلك جيدا والأفكار الخاطئة ليس من المفترض أن تحمل في ثناياها تصرفات خاطئة ، أنا هنا كي أعيش وأبحث عن لقمة عيالي الذين تركتهم هناك بعيدا ليس إلا وأرجو أن تخرج من هذا المكان وأنت تحمل هذه الفكرة فحسب عن شخص يدعى محمود وإلا أصابك الكثير من الخطر، هل هو تهديد مبطن، ولكنه تابع، إنني أثق بك لذلك فلن أبلغ أحدا بعودتك، إنك تعلم الكثير وستكون في مأمن فقط إذا انضممت إلينا أو ...إذا نسيت الماضي كلية بكل أشخاصه وأحداثه، كانت كلماته حاسمة وعلي أن أقرر, هززت رأسي موافقا وحين هممت بالخروج، قال وهو ما يزال جالسا ألا تريد أن تودع ثم اعتدل واحتضنني وهو يربت على ظهري كنت قاسيا حين شعرت في تلك اللحظة بأنه يحاول جذبي للعودة ولكنني حين صافحته وجدت عينيه تمتلئان بحب صادق، قال لي أخيرا لقد كنت شخصا مثاليا ولقد افتقدناك كثيرا خلال تلك المدة أنت تعلم بيتي فإذا أردت يوما أن تكون صديقا فنحن بانتظارك أما إذا أردت أن تأتي لمجرد أنك تريد أن تحطم عقيدتنا بفكر جديد فليست هناك أذن ستصغي إليك، استدار موليا ظهره وخرجت وفي حلقي غصة.
.................................................. .
لم أعتقد بأنني سأستقبل بهذه الحفاوة، حين شعرت بأن الحياة لن تعطيني سوى الذكريات مما سيزيد ألمي قررت أن التقي بخالي كان ذلك الجمعة الفائتة, كنت أعرف جيدا نظامه في هذا اليوم وذهبت إلى المسجد الذي كان يصلي فيه دائما وفي وقت مبكر رحت أنظر في وجوه الداخلين على أمل أن أراه وأن لا تكون تلك السنوات قد غيرت شيئا وأخيرا رأيته, كان يجر قدميه وكأن عمرا طويلا قد عبره سلم على الجميع بصوت باهت ثم جلس في زاويته المعتادة حمل مصحفه وبدأ يقرأ، شعرت بالرهبة وأنا أرى هذا العجوز يتلو القرآن بخشوع وحزن ظاهر، لم أرد أن أقطع عليه وترددت، أخذت أفكر لم يكن كذلك أبدا لقد كان مرحا وقويا، تذكرت الجميع وتذكرت أمل لقد كان يحبها كثيرا انتابتني الهواجس ربما أصابها مكروه وعند هذه النقطة حاولت النهوض ثم تراجعت وأنا مبهور لدقات قلبي التي أسمعها هل مازلت أحبها.. ما هذا، ربما هي اليوم أم لأطفال صغار، ثم لمت نفسي، سرحت قليلا وأنا أفكر لماذا نربط تلك المشاعر السامية برغبة أو نزوة هل هناك ما يمنعني أن أكن لها الحب الصادق فهي قبل كل شيء قريبتي وزميلة سابقة قضينا معا أوقاتاً ممتعة, لا بأس إذا أن يخفق قلبي قد يكون ذلك لسبب لا يستحق ولكنني الآن قلق على روح واحد من البشر، هدأت قليلا بعد أن أقنعت نفسي بصدق مشاعري، قمت مثقل الساقين وتقدمت نحوه ببطء وشيء واحد فقط أفكر فيه، كيف تسرق الأحزان ابتسامتنا، وكيف تقضي الهموم على قوتنا، جلست أمامه مباشرة ورحبت به هاتفا اشتقت إليك يا خال، لم يصدق عينيه نظر إلي برهة ثم ضمني بقوة وهو يهتف عمر أمعقول هذا أين أنت وأين اختفيت كانت ابتسامته تكبر وكأن بابا للأمل قد فتح له، مرت دقائق من الفرح والهتاف ثم رأينا أن العدد القليل الذين حضروا مبكرا قد التفتوا جميعا إلينا, نظر إليهم وهو يريد إخبارهم بسبب فرحته ولكني رجوته أن يصمت وأن يترك ذلك فيما بعد، كان خوف غريب ما زال مسيطرا على نفسي عاد الجميع للقراءة بصوت هامس وكذلك الخال الذي كان يلتفت نحوي كثيرا بوجه باسم، صليت صلاة احتشدت فيها الذكريات وتذكرت ذلك اليوم الذي اصطحبت فيه صالح وعادل وعبد الله للصلاة معي هنا, تذكرت وجه عادل العابس إنه لن يكرر ذلك وإنه يفضل الصلاة في ذلك المسجد حيث يجتمع جميع الرفاق, تذكرت الكثير وانتهى كل شيء خرجت من ذكرياتي بتسليمة الإمام، اصطحبني إلى بيته خطر لي أن إيمان ربما تركض الآن نحونا لتستقبلنا فسألته كيف هي تلك الشقية، لم أعرف أنني نكأت الجرح الذي ما زال ينزف وزدته ألما، تنهد تنهيدة عميقة مكلومة وقال نعم إنها شقية لأني كنت أباها، أخذ يسرد آهاته ليزيدني حسرة وألما كيف تنهار الطفولة وكيف تفقد معناها البريء وكيف تغتصب الابتسامة الطاهرة وكيف.. وكيف.. وكيف يتلون البشر، أسئلة حارت في نفسي وأنا أعلم أن لا إجابة يحملها أي شخص كدت أختنق وسألته أن أرجع إلى الفندق على أن أعود في الغد تركني وقد أخذ عهدا مني أني سآتي غدا حاملا كل متاعي وسيفرغ لي حجرة في بيته، تركته وأنا أعلم أنه لن يجد عندي أي كلمات أواسي بها حرقته، لم يكن في استطاعتي سوى أن أصرخ في وجهه يا ظالم لذلك تركته يزداد ألما لأنه لم ينل ما يريد، فقد تكون القسوة هي الشيء الوحيد الذي ينتظره مذنب كي يخفف من ألم الضمير، أتذكر زينب ووجها البريء كنت لا أستطيع التحدث مع إيمان حين تكون بصحبتها لأني أعلم حياءها وخجلها الذي يمنعها حتى من رفع عينيها عن الأرض, طالما قالت لي إيمان بأنها تكون مقيدة حين تكون في صحبتها فأسألها ما الذي يجبرك على مصاحبتها فتقول قلبها الطيب فهي لم تغضبني ولا مرة واحدة كما أنها جارتنا وقد تربينا سويا، قبل رحيلي عن اليمن بعام لم أعد أراها كانت إيمان في الحادية عشرة فسألتها ذات يوم عن سبب اختفاء زينب قالت وهي تبتسم ابتسامة محرجة لقد تحجبت, رفعت حاجبي مندهشا وابتسمت من حرج إيمان وقلت في سري إن ذلك أفضل فلقد كان جمالها لافتا بالنسبة لقريناتها حين تكون في صحبتهن، ذلك الملاك الطاهر لم يعد كذلك فقد دنست طهره نزوة أو ظلم أو لا أدري ماذا أسميه، لا أدري من الملام هل هي أم هو أم هم أولئك الذين وُضع مصيرها في أيديهم، لقد أحبت وتلك هي خطيئتها الأولى، ليس كل شيء ملك لنا لذلك فإننا قد نتخلى عن أشياء كثيرة وعندما تكون المشاعر ليست ملكا لنا فإننا قد نتخلى عن أشياء كثيرة، لذلك تخلت زينب عن كل شيء وفرت معه بعد أن تقدم لخطبتها ورفض بحجة أنه من طبقة أدنى, سعيد ابن البقال المجاور أعرفه كان فتى يافعا، كانت الطيبة تظهر على وجهه النحيل ولكنه كان كثير الصمت فلم تتجاوز كلماته معي غير السلام والسؤال عن الحال ربما تقابلنا ذات يوم وزينب بصحبة إيمان، أتذكرها كانت لا ترفع عينيها عن الأرض بينما تجرها إيمان من يدها وهي تصيح أسرعي أيتها الفتاة البطيئة، لا أدري إن كان يمكنني أن أقول بأن هناك شيئا لاحظته على وجه ذلك الفتى عند دخولها ولكن لا أظن ذلك فقد كان عاديا تماما...وبما أن كل خطيئة لا بد أن يتحملها شخص ما فإن تلك الخطيئة كانت إيمان من تحملها دفعة واحدة، العم أبو علي خليجي كما أخبرني الخال قدم بعد عام من رحيلي إلى الحديدة عند بعض معارفه وهذه المرة كان يريد عروسا يمنية، جعلها القدر في طريقه فرآها وهي تسدل الشال على رأسها وقد ظهر وجهها المتورد الذي بدأ يتفتح لألحان الصبا الغادرة هكذا يقول والدها وهو يسرد لي أدق التفاصيل التي تبدو اليوم عزيزة على قلبه, خطبها وعرض المال الكثير ولكن رفض الخال بشدة, كان شراء عمارة من طابقين كفيلا بإسالة لعابه ولكنه أحب هذه الشقية فلم يرض أن يزوجها من هذا الهرم, في العام التالي حضر ولنفس الطلب ولكنه في هذه المرة جاء وما زال الجرح مفتوحا يحتاج لمن يلئمه والقلوب الساخطة داست كل الورود الجميلة وأصبحت كل فتيات الحي هن زينب الهاربة، وحين التوت الألسن لتحمل في طريقها كل من عرف زينب أو صاحبها كانت إيمان في الطليعة, لذلك كان الحل الوحيد ليلجم كل تلك الألسنة وليطفئ نار الخوف التي تشب في صدره وصدور أبنائه من أن يكون مصير إيمان كرفيقتها, رفضت بشدة وبكت وتوسلت ولكن تحت دموع والدتها الحائرة التي تخشى على ابنتها من هذا الرفض استسلمت للمصير وحملت في قلبها كل آلامها لهذا المصير الذي لم تنتظره فتم تزويجها على ذلك العجوز الذي وعد الخال بأن ابنته ستكون أسعد إنسانة وأنها لن تندم يوما على زواجها منه ولكن ما يهلك الخال اليوم ويردده على لسانه كلماتها التي قالتها له وهي تودعه اعلم جيدا بأنها آخر مرة تسمع فيها صوتي أو ترى فيها وجهي,تركته ومر العامان وصدقت في كلماتها وهاهو هذا العجوز يموت بنار الحرقة وانهارت كل المحاولات لسماع صوتها أو لمعرفة خبر واحد عنها لقد اختفت من حياته كما يختفي الأموات غير أن الدموع قد تجف على الميت ولكنها لن تجف على الذي ما زال يخطو بعيدا عنا،
هذه إيمان التي عرفتها لا أدري كيف هي اليوم ولكني على ثقة بأنها سعيدة وستصنع سعادتها كيفما كان، كلما حاولت تذكرها تذكرت أول لقاء رأتني فيه أتذكر وجهها وعينيها الواثقتين وهي تلتفت نحوي لتسألني أسئلتها الماكرة وقد اهتز شعرها الدائري الناعم مع كل سؤال تطرحه, لقد كانت تقفز درجات السلم برشاقة لتلحقني, ربما هي اليوم تقفز بنفس الرشاقة كل مراحل الألم لتلحق بالسعداء، ربما عاملها ذلك الشخص كأفضل أب وأخلص زوج ربما هي الآن في خير أنقذها من شر زوج قد يكون مصيرها أن تعيش معه فقيرة مهانة تتجرع ألوان الضرب والتجريح كما الكثيرات ممن وقعن في براثن الجمال والشباب الذي يصيد به شاب قلب فتاة بريئة وقد أخفى خلفه قلبا قاسيا دنيئا .........ولكن مرارة الظلم حين تكون من شخص عزيز قد لا ينتهي طعمها..
في مجتمع حائر اختلط فيه كل شيء وأصبح الدين مجرد تقليد أو عادة قد نخرقها بثبات ونحن نعتقد بأنه من صروح الماضي البائسة, اختلطت فيه الحقيقة بالوهم والصواب بالخطأ وأصبح الجميع يتخبط في كل أحكامه وقراراته أصبحنا حائرين, من الممكن أن أحكم على كل النساء بأنهن فاسدات قد تفعلها امرأة عاقلة وحين تقوم بذلك فنحن ننعتها بكل النعوت ولكن هذه الصبية الطاهرة فعلتها أيضا وهذا هو الخطأ الذي يريد أن يستولي علينا بوحشيته وأنانيته لذلك فأنا لن أصدر حكما واحدا لقد كانت إيمان بريئة ولكنها أصبحت متهمة لأن الخطأ استولى على تلك العقول الراكدة، لقد غدت مصائرنا مرتبطة بآخرين، لقد فكرتُ يوما أن أكون بطلا مجاهدا حرا أبيا أبغض الظلم وأقاوم الظلمة أكره أن تدنس أرض برجل دنيئة وقلب خبيث كنت أريد أن أكون عادلا بسلاحي ولكن بينما فكرت بذلك فكر آخرون ولكنهم ليسوا أنا وعندما أخطئوا كنت أنا وغيري ممن لم يفعل شيئا هو الكبش الذي سيقدم للتضحية بكل أخطائهم, لقد رحلوا وتركوا الرحال ممتلئة ليتحملها قوم لم يعرفوا يوما ما تخبئه الرحال فامتلأت بهم السجون ليتكرر الخطأ وقهقه الظلم منتصرا بأنه قد لوا أعناقا أخرى مستقيمة لتكون أشد سخطا وحنقا وظلما, لقد رأيت المآسي كما رآها الآخرون, رأيت دموع الرجال الصامتة رأيت لون الكرامة الصارخ وهي تنتزع من رجل بريء, كان علي بعد كل ما رأيت أن أكمل الطريق وقد بدلت كل عقيدتي لتصبح عقيدة الانتقام هي العقيدة التي تسود ولكني فضلت أن لا أطلق الأحكام وأن لا ألبس كل قضية نفس الثوب السابق فقررت أن أكون متصالحا مع الجميع سأعيش بسلام وسأصنع لفاطمة أبا مثاليا تبكيه كلما قلبت سطوره وماضيه...
.................................................. ......

يتبع إن شاء الله

رد مع اقتباس
  #41  
قديم 05-06-2011, 02:36 PM
ام فهد ام فهد غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
المشاركات: 7,879
معدل تقييم المستوى: 20
ام فهد has a spectacular aura aboutام فهد has a spectacular aura aboutام فهد has a spectacular aura about
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

رد مع اقتباس
  #42  
قديم 05-06-2011, 06:35 PM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

أشكرك أم فهد......... والله كلك ذوق.

رد مع اقتباس
  #43  
قديم 05-06-2011, 06:41 PM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

سأسافر غدا إلى صنعاء ، إنها أصعب مهمة قد أقوم بها قررت أن لا أفكر بشيء وأن أدع الأمور تسير كما كتب لها، لطالما فكرت كثيرا ورتبت كلماتي لأفاجأ أن كل ما رتبت له قد تبخر في لحظة ذهول، زرت الخال في ذلك اليوم كنت واثقا وأنا في طريقي لزيارة بيته, لقد شعرت أنه بحاجة لي وأني الآن لست عالة على أحد، شعرت أن هناك جزءا اقتطع من الحكاية عمدا لأن ألمه من الممكن أن يزول، وحين عرفت أني الشخص الذي بإمكانه إعادة جزء بسيط من الابتسامة التي انتزعتها تقلبات الأرواح النابضة بالحياة جعلني ذلك الأمر أكثر التزاما بآداء المهمة الصعبة، حين رأتني الخالة ظننت أني شخص آخر لقد رأيت الدموع تملأ عينيها وهي ترحب بي بكل فرح قالت لي بحب اختلط بالأحزان السابقة أين اختفيت لقد سألنا عنك في كل مكان لمَ لم تعلمنا بوجهتك لقد كنا نحتاجك كثيرا, ثم بعد تفكير ودقائق صمت دخلت في الموضوع الذي أحزنها لسنوات كنت أفكر في أمل في تلك اللحظات كنت أحمل أسئلة كثيرة ولكني فضلت الصمت حتى تنتهي الخالة من حديثها الذي أجاب عن كل أسئلتي قالت إنها تعلم جيدا أنها حطمت قلب ابنتها أمل ولكنها عرفت بعد أن فات الأوان وبعد أن رحلتُ أنا، قالت بأن أمل غادرت الحديدة منذ ذلك اليوم وسكنت عند أخوالها إنها تكره الماضي وكل ما يربطها به إنها تعتقد أني أنا المسئولة عن تعاستها وأني تعمدت ذلك حين خطبت علياء, صمتت عند هذا الحد وكأنها تسترجع الذكريات, همست بعد لحظات بصوت ينشج أنا سبب عنوستها ولكن علياء تزوجت وغادرت إلى عدن وقد رزقت بطفلين ثم تمالكت نفسها وهي تمسح دمعات انحدرت خفية من عينيها ، تحدثت عن ألمها وأحزانها أرغمتني على أن أعترف بمشاعري بكل صراحة قالت ألم تكن تحبها وحين رأت صمتي اقتربت مني وقالت بتوسل أرجوك لا تقل إني مخطأة إن سعادة ابنتي تعتمد على ذلك هل أنا مخطأة ألم تكونا تكنان لبعضكما المودة ذاتها، هززت رأسي موافقا وعندها قالت وبكل صراحة أرجوك اذهب إليها واخطبها وقل لها بأنك ما زلت تنتظرها, لا تخبرها أني من طلبت ذلك لأنها إذا علمت فإنها ستكرهني وسترفضك بشدة، تحدث العجوز أخيرا لقد كان يراقب الحديث بصمت وكأنه يكره أن يضع نفسه في هذا الموقف، قال افعل ما ترغب به ولا تجبر نفسك على شيء, حدجته العجوز بنظرة ساخطة وقالت: أسرع يا بني فإن معروفك لن ننساه أبداً وستعيش حياة سعيدة بيننا، دخلت غرفتي التي أعدت لي وخلوت بنفسي كنت مندهشا لما حدث أتكون حقا أمل من نصيبي بعد هذه السنين وبعد كل ما حدث كنت أغمض عيني وأفكر كيف سيكون لقائنا وعند هذه اللحظة أتوقف لأن شيئا ما يصدمني وجها فاطمة ورقية هل يمكن أن أحذف الماضي وأبدأ من جديد, لا.. لا لابد أن أخبرها بأن لي ابنه هي أغلى من كل شيء وزوجة وقفت معي في أقسى اللحظات، لم تغمض أجفاني تلك الليلة وقبيل الفجر داهمني النوم وفاتني شروق الشمس النابض بالأمل وصلاة الفجر التي تهدأ النفوس الحائرة، استيقظت مرهقا وكأن كابوسا قاسيا قد انهال على رأسي، لماذا لم يوجه لي سؤال واحد أينَ كنت خلال كل هذه السنين وماذا فعلت وهل ارتبطت بأخرى، لماذا يفكر كل شخص بآلامه وأحلامه دون أن يلتفت إلى شخص يقف بجواره قد تحطم أحلامه كل حياته، أعلم أنني سأحطم شخصا ما باتخاذي أي قرار فكل القرارات ستحمل في نهايتها الألم، أليست أمل هي حلمي الذي طالما حلمت به، ولكن لماذا علي أن لا أخبرها بكل ما جرى أليس الحب أقوى من كل شيء كما يصيح كثير من مجانينه وعقلاءه، لا أستطيع التفكير بأي شيء فالتفكير سيصيبني بالشلل والتوقف ولكن ما أعلمه جيدا, أنني لن أتنازل عن أسرتي التي أحببتها وأن هدفي الآن كيف سأجيء بهما إلى هنا.
.................................................. ......
عندما رأيت عينيها مرت كل فصول الحياة المتوهجة ورأيت طفلا خجلا ترمقه عينان مترفعتان نظرة لا مبالاة وهي تناديه بالطفل الساذج، كانت متنقبة تقف بثبات في ساحة الجامعة مع إحدى طالباتها، شعرت بالضآلة، لقد حققت ما تريد وهي اليوم تحضر شهادة الدكتوراه، بدوت كطالب في بحر علمها وثباتها، كنت قد وصلت إلى بيت خالها بعد جهد كبير كان ذلك في صباح الأمس، ولم أجدها، استقبلت بترحيب ولم تكن هناك فقد غادرت المنزل نحو جامعتها مبكرا وهذه عادتها مجتهدة ونشيطة ولا تحب التأخير كما قالت ابنة خالها التي لم تكن قد خرجت بعد إلى الجامعة حيث تدرس, اصطحبتني إلى الجامعة كانت سعيدة جدا وقد سألتني أكثر من مرة هل أنت عمر ابن عمتها كنت أجيب بنعم فأرى ابتسامة فرح في عينيها الضيقتين, وصلنا تركتني واتجهت نحوها بعد أن تحدثت إليها التفتت نحوي مرة واحدة ورمقتني بنظرة طويلة ثم تابعت حديثها مع الطالبة ووقفت لفترة شعرت أنها طويلة العمر ثم اتجهت نحوي وعجبت لثباتي فلم أشعر بشيء من التوتر وابتسمت وأنا أهمس لنفسي لقد تغيرت كثيرا يا عمر ولكن ذلك لم يستمر طويلا فبجرد وقوفها أمامي أتاني الشعور السابق وخفق قلبي بهدوء ولكني تماسكت أخيرا, قالت هل حقا أنت عمر كيف حالك أين كنت لقد مرت سنوات, ثم وهي تستجلب ابتسامة رأيتها في عينيها العسليتين, لقد تغيرتَ كثيرا قلت لها بهدوء أتظنين أن ثمان سنين قليلة في عمر الزمن ولكن كيف يمكنني أن أرى ما فعل الزمن بجمالك قالت آه وكأنها تذكرت شيئا بعيدا إنني أرتدي اليوم حجابي باقتناع كامل ولا يمكنني نزعه بأية حال لقد تغير كل شيء ثم أشارت إلى رأسها وهي تقول بمزاح وتغير هذا الصخر المتحجر, ضحكتْ وشعرتُ بسعادة غريبة وأنا أرى تلك الفتاة تتحول إلى امرأة حكيمة تداعب بأسلوب يخلو من كبرياء الماضي ورعونته قالت لي : أرجو أن تعذرني فمحاضرتي ستبدأ بعد قليل يمكننا متابعة حديثنا لاحقا مشت قليلا ثم التفتت إلي وهي تقول ارتح في بيت الخال يبدو عليك الإجهاد، قمت بجولة في أنحاء صنعاء عدت إلى البيت وأنا أتلهف على الالتقاء بها، وفي مساء ذلك اليوم دعتني الخالة نعيمة وقالت لي تفضل في غرفة الجلوس جلست معي وأخذت تحدثني وفجأة وأنا ملتفت بالكلية باتجاه الخالة كانت قد دخلت بخطوات هادئة لم أشعر إلا وأنا أسمع صوتها الذي أعرفه وهي تقول أهلا بك يا عمر أرجوا أن تكون قد ارتحت قليلا, لا أدري لم وقفت بمجرد سماع أول كلماتها ولكنها أشارت لي بالجلوس وهي تنظر نظرة باسمة هادئة، تغير كل شيء، دخلت وهي ترتدي لباسا طويلا يستر كل جسدها بحشمة وقد غطت شعرها بإحكام ورأيت وجهها الذي طالما شع بين صفحات ذكرياتي لقد أصبحت عيناها العسليتان أكثر جمالا بعد أن تخلت عنها نضرتها الضجرة المشمئزة, كبريائها الآن يحمل طيبة حقيقية ورضا تام، وجهها أصبح أكثر طفولية وجاذبية لقد زادتها السنوات بهاء حقيقيا وشيءٌ غامض يمنحها نورا ملائكيا لم أره من قبل, شعرت أني أخطأت حين كان أول سؤال أوجهه لها لماذا تركت الحديدة أمك قلقة جدا عليك، ضمت حاجبيها وكأنها تفكر في شيء ثم قالت ببساطة, من قال هذا أنا أمكث عندها كل إجازة ولكن كما ترى ظروف عملي ودراستي... قاطعتها هنا المستقبل وليس هناك، وعند هذه النقطة سألتني ماذا جرى معك وكيف أمضيت هذه السنوات لقد سمعت من والدك أنه لا يعرف شيئا عنك سوى أنك ذهبت للعمل في الباكستان, استطعت أن أتملص بأجوبة دبلوماسية علمت من نظرات عينيها ومن تقليبة فمها بأنها لم تقتنع بإجاباتي ولكنها لم تقل ذلك صراحة مما جعلني أشعر بالارتياح، بعد لحظات صمت تذكرتْ شيئا فقالت بفرح لدي مفاجأة أظنها ستسعدك كثيرا أتذكر بيتر... لم أتوقع شيئا ولكنها حين قالت بأنه هنا يقيم في صنعاء منذ فترة كان ذلك آخر ما سأتوقعه نسيت كل شيء حضرته ولم أفكر في شيء سوى هل يمكنني أن ألتقي حقا ببيتر بعد كل هذه السنين والتجارب، كان كل كلامنا بعد ذلك عن بيتر وكيف التقت به وماذا يفعل هنا، وأخيرا ودفعة واحدة وجهت لي السؤال الذي بإجابته لن أكرر أخطاء الماضي وسأكون في هذه المرة جادا وهدفي واضح علي أن أحققه دون تردد، ما الذي جاء بك إلى هنا, هل هو مشروع عمل أم دراسة, أجبتها بهدوء لقد جئت هنا لسبب واحد هو أني أتمنى لو توافقين على الزواج مني، تلك الدهشة الرقيقة التي ظهرت على وجهها اختفت بعد أن أصدرت الخالة نعيمة زغرودتها الطويلة بفرح وانتعاش, كنت أعلم أن هذا هو الطلب الذي تنتظره الخالة نعيمة بعد أن علمت بكل شيء من والدة أمل، كانت أمل ترجوها أن تصمت بشكل جعلني أكتم ضحكتي ولكنها التفتت نحوي بانزعاج حقيقي وهي تقول ما الذي يضحكك وأمتعتني برؤية نظرتها الغاضبة الساخطة التي افتقدتها لسنوات، استجابت الخالة أخيرا وصمتت وابتسامة واسعة تنبسط على شفتيها، أخذت الخالة تتحدث عن فضائلها وأخلاقها وكأنها ابنتها، ضاع الموقف كله بتصرفها فقد انسحبت أمل بهدوء دون نظرة واحدة توجهها لي، قالت لي الخالة عليك أن تطلبها من خالها فأنت تعرف الأصول ثم أخذت تمليني الإجراءات التي علي أن أقوم بها حتى يتم الموضوع بسهولة ويسر وانتهى كل شيء..
.................................................. .........
عندما ترفرف السعادة بقوة نشعر بأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة وذلك ما خطر لي وأنا أرى بيتر لقد كانت أمل بجواري وارتبطت الخيوط المتناثرة في حياتي في مكان واحد وبدأت الذكريات تعود وحن قلبي لرؤية أسماء كنت أرغب في أن أحدثها بمشاعري وحين هممت بالاتصال بها منعتني قوة التردد والخوف ماذا سأقول بعد كل هذه السنوات ستلومني كثيرا وستسألني كثيرا ولست أملك لها إجابات ترضيها، لقد علمت من خالي بأنها سعيدة وهذا يكفيني ربما نسيتني في خضم الحياة اللاهثة ربما أنستها ابتسامة طفليها التوأم أخاها الجاحد، كنت دائما أفكر بها, عندما يلتهمني الخوف وتضارب الأفكار أطرده بشيء واحد فقط لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا, أكانت في العراق أم أكثر أماكن الدنيا أمنا فإن المصير قد كتب وانقضى، هل عدت ذلك الفتى الذي ترعرع في ترف لندن البائس وأنا احتضن بيتر الذي بدا قويا صلبا لا تحركه رياح الحياة إلا نحو الحقيقة التي ينشدها بعد أن تخلى الجميع عن الحقيقة.. حين وقفت أمامه أضحكني وأدهشني ما رأيت, كان يسرح شعره بنفس الطريقة التي أفعلها له شارب خفيف ولحية شقراء خفيفة منسقة قصها بنفس الطريقة التي ظهرتُ بها أمامه ابتسم وكأنه قد خطر في باله ما خطر لي كان ذلك التأمل للحظة بعدها صفقنا أيدينا بمرح وسعادة ثم عانق كل منا الآخر هتف بصوت متهدج أمعقول هذا عمر هل حقا أرى عمر ما أسعدني كنت أهمس بيتر بيتر, واغرورقت عيني بالدموع وحين تفرقت أيدينا حاولت أن أمسح تلك الدمعات قبل أن تنفر من عيني فوجدته يفعل نفس الشيء، جلسنا وتحدثنا لامني كثيرا وقال إنه بالكاد عرفني لقد تغيرت كثيرا وبدت بشرتي الفاتحة مسمرة شاحبة نوعا ما كما أخبرني, لم أستطع أن أكذب عليه فهو الشخص الوحيد الذي لن أستطيع فعل ذلك معه لذلك أجبته عن كل أسئلته بطريقة لا تحمل أي إجابة وكنت صادقا في ذلك قلت له سيأتي اليوم الذي أخبرك فيه بكل ما جرى لي خلال هذه السنوات الماضية، تحدثنا عن كل شيء وتذكرنا الماضي الذي جمعنا بشوق، لقد حقق بيتر أحلامه عمل مراسلا صحفيا وهو اليوم يتعلم اللغة العربية في أحد معاهد صنعاء, مشروعه القادم واضح ولكنه خطر كما يقول لم يخبرني ولم أطلب إيضاحا، بعد صمت قصير قال لي فجأة لن نفترق بعد الآن، ابتسمت ابتسامة استغراب ولكنه قال بثقة صدقني ذلك ما سيكون فأجبته وكيف ذلك ولكل منا أجندته التي قد لا تعجب الآخر، ولكنه لوح بيده قائلا لا لا هذا شيء يمكننا تجاوزه، كنت أفكر بعيدا فقلت ببساطة كيف ذلك وقد كان من أجندتي وأشرت إلى رأسه كناية عن إطلاق رصاصة أن أقتل من هم أمثالك، نظر إلي بتفكير عميق وقال هامسا هل فعلت ذلك حقا, أجبته بصدق لا لا ولكنني كنت أجهز نفسي لفعل ذلك، .. قال بمزاح ولكنني لست عدوا، هذا صحيح أنت إنسان عزيز علي .. وقف بهدوء وهو يقول هيا معي ستخبرني بكل شيء لأنك تثق بي.....نظرت إليه طويلا... كنت أفكر كيف لي أن أحب شخصا مثله.. سألته هل أنت سعيد حقا،،
ـ لاأدري ربما ولكنني أحاول ذلك بتحقيق أهدافي, سألته ثم ماذا بعد أن تحقق كل أهدافك كيف ستسجلب السعادة, صمت
فقلت أنا: ليس لي هدف فكل أهدافي تموت قبل أن أتذوق طعمها ولكنني أظن أن السعادة هي أن يكون هدفك الأسمى هو الذي ستجود بروحك من أجله.
..............................................
قبل أربعة أيام تحدثت مع والدي، كان سعيدا جدا بمهاتفتي سألني كثيرا وحدثني ببساطة لا تخلو من عتاب محب, أجبت على أسئلته بطريقتي وأفهمته بأن السفر والعمل لم يمنحاني وقتا للحديث معه فلم يكن ذلك ليؤلمه لأنه أول المؤمنين بهذه الأفكار الجاحدة كنت أحتاج مالا ولكنني كنت خجلا من أن أصارحه بذلك، لقد أصبحت عالة أحاول أن أستجدي شخصا ممتلئا، قلت بضيق لقد تقدمت لخطبة أمل ولكنني لا أملك شيئا لقد خسرت كل شيء في صفقة خاسرة
قال لي بأسف: لذلك كنت أتمنى أن تكون بجواري لتكتسب قليلا من قوتي، لقد خسرت كل شيء وفي لحظة لم أجد أحدا بجواري تركني الجميع.. وانخفض صوته وهو يقول وماتت صغيرتي الحلوة ولكن علينا أن نستمر في الحياة لأنه لم تأتي لحظتنا الأخيرة بعد،
كان يمكنني أن أحصل على المال وبطريقة أخرى ولكنني لم التفت إلى العنوان الذي أمدني به مضيفي في الباكستان لشخص يقيم هنا في اليمن، أحتاج فترة استرخاء وتفكير قبل أن أسير في أي اتجاه، اشتاق لفاطمة وأشعر أن أي قرار سأتخذه لن يكون جيدا بالنسبة لكلينا، حصلت على المال واشتريت بعض الهدايا لأمل، لست سعيدا أعلم أن هناك خطأ كبيرا أقترفه وأني سأحطم قلوبا في سبيل تحقيق رغباتي..لا أدري ماذا أفعل وماذا يمكن أن يحدث بعد ذلك.
.................................................. ...........
لم أتمكن من التحدث مع أمل خلا ل الأيام السابقة, التقينا مرتين لقاء عابرا وشعرت أنها تتجنب الحديث معي, .. أخذتني الوساوس بعيدا هل عرفت شيئا .. أشعر بأني كلص يريد أن يمتلك ما ليس له، انتقلت إلى الفندق الذي يقيم به بيتر تقاسمنا الغرفة, خلال هذه اليومين لم نلتقي كان خارجه في أغلب الأحيان, وكنت أنا أعد ليوم الخطبة..أجلس الآن لوحدي ولا أدري لم أكتب ...
.................................................. ...
كانت أمل تجلس هادئة على أريكة أعدت لها, حين دخلت التفتت نحوي, مضيت إليها وجلست بجوارها, زغرد الجميع, أخرجت الخاتم ولأول مرة تلمس يداي يداها الصغيرتان ألبستها الخاتم على عجل وتركت يدها بسرعة نظرت إلي وضحكت ضحكة ناعمة وصادقة من تصرفي الأخرق لم أكن أشعر بشيء ولكن كنت أفكر بشيء واحد كان صوت يضج به رأسي المثقل عليك أن تخبرها الآن بكل ما جرى إنها فرصتك... أرى سعادتها فيصيبني الوجوم ..لست أول امرأة في حياتي..ابنتي فاطمة تنتظرني.. سأرحل نحوها يوما سأضمها وأتركك هنا وحيدة بائسة..أنا كاذب كاذب كاذب ناولتني العصير وهي تهمس تفضل خرجت من أفكاري والتقت عيناي بابتسامتها الساحرة سألتها هل أنت سعيدة, صدمتني إجابته,ا كل الأمور تتجه نحو مسار واحد علي أن أتكلم بكل شيء قالت ببساطة: ذلك ما أتمناه قلت لها وهل كل الأماني تتحقق، فكرت قليلا ربما إذا صممنا على ذلك يمكننا تحقيقها..شعرت بانشراح فقلت بصدق لقد كنت حلما في حياتي وهاهو الحلم يتحقق رفعت حاجبيها وهمست بمزاح أحقا... ربما لا تصدقين لأني لم أعني لك شيئا, رفعت إصبعها أمام وجهي بدلال وقالت كلا كلا لقد كنت تعني لي الشيء الكثير، ربما لن تصدق إذا قلت إنك علمتني الشيء الكثير، هززت كتفي وأنا أقول كيف ذلك، نظرت بعيدا وهي تسترجع الماضي: في كل شيء لقد كنت فتاة مغرورة مشمئزة من كل شيء ولكنك حطمت كل ما بداخلي بثباتك وأخلاقك, بصبرك وتعاملك وحين تركتَ كل زخم لندن الذي كنتُ ألهث خلفه لتبقى بجوار أمك تغيرت الحياة في نظري واقتلعت من رأسي وقلبي كل قبح وسخط، لقد فهمت أن للحياة معنى آخر ولن نكون سعداء فيها إذا صنعناها لأنفسنا دون أن نفكر بآخرين,..أفكر ..ذلك ما كنته وربما غيرتني رموز الحياة الصعبة التي لم أستطع مواجهتها.. كانت تتحدث وكان قلبي ينتعش ويرقص بكلماتها الصادقة تمنيت في تلك اللحظة أن أصيح بصوت عال شكرا يا إلهي هل فعلت كل ذلك حقا هل أنزلت علي محبتك فأحبني خلقك المساكين وظنوا بي ما لا يكون, توقف سيل كلماتها الدافئ الذي وهبته لعمر المحطم البائس, خرجت من حلمي وكان أقل ما فعلته في تلك اللحظة تناولت يدها وقبلتها بحب وقلت لها هامسا شكرا لك أتمنى أن تغفري كل ذنوبي وأن تسامحيني...لقد كنت أتكلم بتأثر لقد كان الماضي بكل ما فيه يقف مكتوفا أمامي وأنا هذا الشامخ الذي تذكر محاسنه هذه الرائعة, رأيت الدموع اغرورقت في عينيها, في هذه اللحظة شعرتْ بكل ما في داخلي تكلمتْ بصوت مبحوح هل أنت بائس إلى هذا الحد, لا تفكر في الماضي يمكنك أن تبدأ بقوة ما زلت شابا, أخذت تتحدث بتفاني عن تعليمي وكيف يمكنني متابعته وعن العمل, كانت تخطط بصورة سريعة أذهلتني وفي لحظات وضعت أمامي عدة طرق يمكنني بها استقبال المستقبل بصورة مشرقة, نظرتُ حولي المكان بدأ يخلو من البشر كانت الخالة وابنتها تسير بجوارها تساعدهم جارتان في رفع الأشياء وتنظيف المكان،، قطعت حديثها عند ذلك وهتفت أوه لقد أخذنا الكلام ونسينا الضيوف، ضحكتُ بضعف وقلت لم يودعنا أحد لقد رأوا اندماجنا فلم يريدوا قطع سعادتنا القصيرة نظرت إلي بعتاب لقد أصبحت متشائما.. لست كذلك ولكن الماضي ينشب أظافره في عنقي بقوة ويكاد يقضي على أي نبض للسعادة
ببساطة قالت لا يهمني كل الماضي عليك أن تفهم ذلك وأن تبتسم ... نظرتُ إليها بتصميم وأنا أحاول قرأ أفكارها وإذا كان سيؤذيك أنت, فتحت عينيها العسليتين عن آخرهما وهي تحاول أن تفكر في شيء مجهول وأن تفهم ما أعنيه ثم همست بخوف ولماذا يؤذيني... صمتُ وخفضت رأسي ونظرت عند قدمي كنت أفكر بأني مجنون إذا أخبرتها في لحظة سعادة كهذه...غرست أصابعها الرقيقة في ذراعي وقالت بتصميم وبقوة أرجوك أخبرني لماذا يؤذيني ماضيك,
سيأتي يوم وأخبرك، رددت هذا هو اليوم ولن أنتظر يوما آخر,
مستحيل لن أخبرك الآن، قالت ماذا تخشى لست صغيرة لقد جاوزت الثلاثين وسأتحمل أي شيء.. نظرت إليها وسألتها بثبات هل تحبينني, بيأس هزت رأسها بنعم هل الحب أقوى من أي شيء, أجابت بنفس الطريقة, بهت وجهها للحظة وكأن دماءه ارتدت لمكان آخر .. ابتسمتْ ليس هناك شيء.. ردت بغضب أوَ تظنني حمقاء بسرعة تكلم إنك تعاملني كطفلة...ولكن هذا جنون لا يمكن لا يمكن الآن .. كنت أفكر بسرعة بينما هي تلح بتصميم أغمضت عيني للحظة هذا ما قدر لنا سأخبرها.. أنا متزوج ولي طفلة و...فتحت فمها الصغير واندفعت الدماء نحو وجهها كانت يداها ترتعشان شعرت بخوف أمسكت كلتا يديها كنت أتابع حديثي ولكنها لم تسمع, حصل ذلك في ظروف استثنائية وفي أرض بعيدة سحبت يديها من يدي ببطء وبدأت تتمالك نفسها خفضت رأسها كانت الدموع تسيل من عينيها المغمضتين وهي تمسحهما ببطء رهيب لجم لساني فصمت نظرتْ إلي بعد دقائق بقوة وقالت: كنت أعلم شيئا واحدا كل الرجال خونة وانتهازيون وأنت اليوم تعلو القائمة السوداء بجدارة لست حزينة على نفسي ولكن على تلك المرأة البائسة والطفلة البائسة التي تركتها لتبحث عن متعة أخرى ثم رفعت إصبعها في وجهي وقالت بصوت أليم ارحل إليها فلا مكان لك بعد اليوم هنا حاولت أن أتكلم لست كما تقولين لو كنت كذلك لما أخبرتك الحقيقة وفي هذه اللحظة إنك لا تفهمين, أرجوكِ اسمعي .... قاطعتني لن أسمع شيئا ثم أضافت ساخرة وأشكرك كثيرا على حسنتك الوحيدة التي لن أنساها وكانت جديرة أن تصدر منك لأنك شهم كما عرفتك.. ولكن ربما أخطأت حساباتك هذه المرة إذ كنت تعتقد بأنك ستؤثر علي بكلماتك المعسولة ولن تخسر شيئا كانت تتكلم وهي تعيد لي كل ما ألبستها إياه في هذا الحفل الأخير، كانت الخالة تراقب بانبهار حاولت الخالة مسك يدها وهي تخرج من المكان ولكنها سحبت يدها بقوة وهي تقول لا شأن لكم بشيء.. أخذت الخالة تهدئ الموقف ماذا حصل أرجوك سامحها إنها هكذا متقلبة المزاج منذ عرفتها.. يا ولدي لا تأخذ على خاطرك, لملمت الهدايا وهي تقول صدقني سترضى عنك في الغد لم أجب بشيء كانت الكلمات متحجرة في حلقي تركت كل شيء وخرجت...
يمكنني أن أتناسى ما جرى وأقول كان بيتر يبدو مضحكا في هذا الجو العائلي لقد كان يمثل أسرتي وقد تحدث العربية جيدا كان منظره الأشقر ملفتا ولكن ما لبث أن أعجب الجميع به حين تحدث بعربية صافية حين سأله أحد الأقارب هل تعلمها هنا أجاب جئت هنا لأجيدها ولكني تعلمتها منذ وقت ثم أشار إلي وهو يقول وكان الفضل لهذا المجتهد شعرت بامتنان حقيقي لبيتر أن يذكر هذه المعلومة التي نسيتها وشعرت باعتزاز هل أنجزت شيئا حقا وسرحت بعيدا ماذا فعلت في هذا العمر الذي مضى لا شيء لاشيء سوى أنني كما زعم قد ساعدت هذا الرفيق في تعلم لغتي وتذكرت شيئا عزيزا فرضيت عن حياتي لي ابنة رائعة وهذا يكفي,
بيتر الآن بجواري ينام على سريره بهدوء أتمنى لو يستيقظ أشعر بأن كل ما كتبته لم يطفأ اللهيب الذي في داخلي أنا مظلوم مظلوم لست كما تظن أمل ولن أكون كذلك ماذا أفعل يا رباه هل أنا مخطئ عندما أخبرتها بذلك ويا للسخرية إنها الحسنة الوحيدة التي ستذكرها لي ولو أخبرتها بعد أن يتم كل شيء لتركتني وقد ضاعت كل الحسنات ما أظرف هذا... سأوقظ هذا المتبلد....
.................................................. ....
كان من الممكن أن تخبرها بطريقة أفضل وأن تشرح كل شيء قبل أن تنطق بهذه الصاعقة ولكن حقا متى حدث ذلك وأين أيها الماكر.... أرجوك أخبرني كل شيء في الغد فلا أكاد أفتح عيني من شدة النعاس بعد هذه السهرة البائسة ثم غطى وجهه وتابع نومه.. هتفت بالعربية أحمق .. أخرج رأسه وردد هذا جيد لقد فهمت إنك تشتمني ثم استسلم للنوم.. ذلك ما قاله لي بيتر حين أيقظته قبل قليل من نومه وأخبرته بإيجاز عما جرى، نبدو حمقى حين نصحو من أحلامنا هكذا رأيت بيتر الآن, وهكذا أبدو أنا فكلانا قد قطعت أحلامه قبل أن تكتمل... عما أبحث الحب ليس له مكان كل الأمور تشير إلى ذلك لأنه سيتحطم في لحظة خطأ, ربما الصدق والإخلاص أفضل من أي شيء عندها سنحب كل الحياة بما فيها.. لماذا أنا بائس وحزين هل يمكنني أن أفكر بأني قد أجد السعادة حين ارتبط بأمل إنها خيط واحد من خيوط السعادة ثم ماذا.. سألني بيتر قبل يومين ماذا قصدت بقولك إن السعادة أن يكون هدفك الأسمى هو الذي ستجود بروحك من أجله نطق لساني دون وعي مني تلك الكلمات التي طالما رددها الشيخ شريف فحفظتها أذناي دون أن يتشربها قلبي رضا الله والجنة... ولكن في الحقيقة لم أفكر أن أحقق ذلك بصدق, محمود يتغنى بالجنة الموعودة ولكنه قتل العشرات في طريقه ممن يغنون نفس اللحن ويصيبهم نفس الشوق إليها.. كل شيء يناقض نفسه في هذا العالم الغريب لو كنت عالما في الدين لربما منحت ذاتي الضعيفة إجابة مرضية، حين قرأت سيرة محمد الرسول كان الأمر مختلفا لقد سفكت دماء عديدة في ذلك الزمن ولكنها سفكت بكبرياء لقد كان هناك مبدأ واضح لكلا الطرفين وكانت الساحة مفتوحة لمن يريد ومن طلب الأمن فله ذلك، قبل أكثر من يومين دخلت فوجدت بيتر يتابع أخبار العراق باهتمام قال أتعلم ما حدث أدرت وجهي عن التلفاز وأغمضت عيني وهو يهتف ألا يهمك شيء... أجبته ببساطة إذا وضعت أمر العراق من اهتمامي فسأكون قنبلة موقوتة ردد وهو يضحك لا لا ستكون مساعدي الأول في رحلتي الصحفية..قلت في نفسي إنه يهذي .. تناولت كتابا وأخذت أقلبه.. كان يقلب القنوات وهو يقول لن تسمع بشيء في أخبارنا إنهم يخبئون الجيفة حتى تفوح رائحتها عند ذلك يدفنونها بسرعة وبكلمة واحدة.. كنت أفكر لقد أصبح فيلسوفا قلبت الكتاب قليلا كانت الأخبار تخترق أذني فضيحة فضيحة سجن أبو غريب عندما نظرت نحو التلفاز كان قد أغلقه وهو يسألني ألا يهمك أمر العراق أجبت كل الأمة محطمة وماذا يعني ذلك, كان يستمع بصمت فتابعت لقد فررت يوما من ساحة قتال بعد أن اختلقوا لي الأعذار رضيت بهذا الفرار فانغرس الجبن في هذا القلب, حين أجعل نصب عيني قضية علي أن التزم بها وأن أضع أمامي كل التضحيات وأن أفي بكل الالتزامات ذلك ما تعلمته لذلك أفضل أن أعيش بأذنين لا تسمعان ما يضجرهما, سألني بهدوء متى قررت ذلك فهتفت قائلا أرأيت رجلا يبكي ويصيح أرأيت دموع الرجال الحارقة وعذاباتهم, هناك في تلك الأرض قتل العشرات وانتهكت أعراضهم ما زال صوتهم يئن تحت سوط الجلادين وأنا لا يمكنني أن أسمع لا يمكنني سأكون قنبلة قنبلة قاسية تحرق الجميع بمن فيهم أنت هتف بصوت مازح هذا فظيع ثم وقف فجأة وخرج وهو يقول سنناقش هذا الموضوع لاحقا فأنا على موعد ولكنه تذكر شيئا وجلس كيف حال أختك أجبته دون تفكير وأنا أطالع الكتاب في يدي ولا أكاد أراه قتلت.. قبض على كتفي بقوة ماذا تقول هل قتلت أوجعتني قبضته فسألته بغباء من؟ هل قتلت أسماء؟ بل قتلت ماري في حادث تصادم كنت أفكر كيف يمكنني إسعاد أمل وأنا في هذه الظروف الصعبة وماذا يمكنني أن أقول لها هتف بغضب أرجوك انتبه لي للحظة, أغمضت عيني بهدوء وتذكرت ملامح ماري وأخذت أتذكر الماضي البعيد وأتذكر تلك اللحظات السعيدة التي اقتطفتها من عمرها لتهبها لي بصدق وحب ثم فتحت عيني وأنا أسأله أين هي الآن ثم انتبهت لسؤالي الفظيع فتوقفت عن الأحلام سألني إذا أسماء بخير هززت رأسي بنعم ثم سألني عدة أسئلة عن هذه الأخت الغريبة التي لم يسمع بها قبل ذلك, هممت أن أحدثه عن ماري وعن كل أوجاع الماضي ولكنه نظر إلي وكأني شخص مجنون وتركني وهو يقول أرجو أن يعود إليك وعيك بسرعة قبل أن أجن.
.................................................. ......................
أشعر في هذا الصباح باختناق وضيق لقد فقدت كل شي، لا أدري كيف تفكر بي أمل الآن ماذا يمكنني أن أقول إنها امرأة مجروحة وكل الكلمات لن تجدي في التئام قلب امرأة تظن بأنها خدعت ببساطة, هل أخبرها بالقصة الطويلة كي تصدقني هل أقول لها بأني أرغمت على هذا الزواج، سأكون مضحكا وسخيفا وسيزداد ازدراءها لي ولكني حقا لم أرغم على شيء، علي أن أتحدث إليها يجب أن أفعل ذلك وإن كان ذلك لن يغير شيئا فإن أقل ما أطمح إليه أن لا تتحطم تلك الكلمات التي أنعشت بها قلبي وأن لا تكون مجرد أوهام غاصت فيها لسنين لتكتشف أن ذلك الفتى غدا وحشا بشريا يلتهم النساء بقسوة...
.................................................. .........................

يتبع بإذن الله

رد مع اقتباس
  #44  
قديم 05-06-2011, 07:31 PM
ام فهد ام فهد غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
المشاركات: 7,879
معدل تقييم المستوى: 20
ام فهد has a spectacular aura aboutام فهد has a spectacular aura aboutام فهد has a spectacular aura about
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

رد مع اقتباس
  #45  
قديم 05-06-2011, 08:32 PM
امل امل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 5,103
معدل تقييم المستوى: 15
امل will become famous soon enoughامل will become famous soon enough
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية




اعجبتني الصورة فاستسمحك فيها اختي ام فهد لاهديها لاختنا العزيزة الهاشمية

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:14 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.