منتديات الملاحم و الفتن  

العودة   منتديات الملاحم و الفتن > الأقسام الشرعية > سير أعلام النبلاء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #16  
قديم 12-22-2012, 12:25 AM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !

العرس



فيم كان مقدم الضيوف يا ترى ؟!!

لم يطل بآمنة الوقت .. لتعرف الخبر السعيد ..
فلقد أقبلت عليها أمها (برة) بعد قليل ..
متهللة الوجه .. مشرقة الأسارير ..
لتحدثها عن (عبد الله) .. كيف افتدي من النحر ...

وبينما كانت الأم الكريمة .. تقص على ابنتها تلك الأخبار ...
راحت تراقب أسارير ابنتها (آمنة) في لهفة ..

لكن الفتاة ...
أفلحت في أن تخفي رغبتها .. في معرفة بقية الحديث ..
وراء قناع من المداراة ..
بعد أن دلها قلبها .. على أن أمها ما جاءت تقص عليها قصة الفداء ..
إلا تمهيدا لشأن آخر ..

وفجأة ..

يأتي الأب .. (وهب) ..

ليقول لابنته في رقة وحنو ..

"إن شيخ بني هاشم قد جاء يطلبك ِ زوجة لفتاه عبد الله"

ثم عاد لضيوفه ..

!!!!

تاركا (آمنة) في شبه ذهول ..
مالبثت أن أفاقت منه على صوت قلبها .. يخفق عاليا ..
حتى ليكاد يبلغ مسمع أمها الجالسة إلى جوارها ..

أ حقا آثرتها السماء بفتى هاشم زوجا ؟!

ثم توافدن سيدات بني زهرة .. الواحدة تلو الأخرى ..
مهنئات مباركات ..

وأحطن بالعروس .. يتحدثن عما ترامى إليهن من تعرض نساءٍ من قريش .. لعبد الله..
ووقوفهن في طريقه بين الحرم .. وبين دار (وهب)..
يعرضن أنفسهن عليه عرضا صريحا ..

وسمعت (آمنة) من حديثهن ذلك عجبا .. !

سمعت أن بنت نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية
استوقفت (عبد الله) قريبا من الكعبة ..

فقالت له .. أين تذهب يا عبد الله ؟!

قال في إيجاز ... مع أبي ..

قالت.. لك مثل الإبل التي نُحرت عنك اليوم ..
إن قبلتَ أن أهب لك نفسي الساعة !

فرد عليها معتذرا في تلطف .. أنا مع أبي ولا أستطيع خلافه ولا فراقه.. !

وقيل إن (فاطمة بنت مرة) ... وكانت من أجمل النساء وأعفهن
كما ذكر الطبري وابن الأثير .. كاهنة من خثعم ..
دعته إلى نكاحها فنظر إليها وقال ..

أما الحرام فالممات دونه
والحِلُّ .. لا حل فاستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه


وقيل .. أن ليلى العدوية عرضت نفسها عليه يومئذ..
فلم يستجب لها ..

ولانكاد نشك في أن (آمنة) سمعت كثيرا .. وهي على وشك الزفاف ..
عن تطلع غيرها من القرشيات إلى فتاها المرموق ..
وأنها تلقت التهنئة الحارة بزواجها من الشاب الهاشمي
الذي ملأ الاسماع بقصة فداءه ..
كما ملأ الأعين بسحر فتوته ونضارة حيويته ..

فأطالت التفكير في فتاها الذي لم يكد يُفتدى من الذبح
حتى هرع إليها خاطبا ..
زاهدا في كل أنثى سواها ..
غير ملقٍ أذنية إلى ما سمع من دواعي الإغراء .. !

فبدأت تتأمل ..

هل فكر فيها عبد الله ؟!

هل عانى وهو صامت ينتظر ؟!

ولقد كانت قصة الفداء .. أمرا يهز قلوب أهل مكة ..
تعلقا بالشاب الذي مسّت الشفرة منحره وهو صابر مستسلم لأمر الله ..
راضٍ بقدره ..
حتى إذا لم يبق بينه وبين الموت إلا قيد شعرة ..
أنقذه الله بأغلى فدية عرفها العرب .. !



ولقد أضيئت المشاعل في شتى أرجاء البلد الحرام الآمن ..
وحفلت دار الندوة بوجوه قريش وساداتها ..
وسهرت مسامر البلدة المقدسة .. تسترجع قصة الذبيح الأول .. إسماعيل عليه السلام..
حين مضى به أبوه إبراهيم .. عليه السلام .. لكي يذبحه طاعة وتعبدا ..
فافتداه الله بكبش .. بعد أن كان من الموت قاب قوسين أو أدنى ..

لكن المفتدى هذه المرة .. هو حفيد أصيل من ذرية إسماعيل ..
التي انتشرت في الأرض وتوارثت مجد الجدود ...

واستغرقت الأفراح ثلاثة أيام بلياليها ..
كان (عبد الله) اثناءها يقيم مع عروسه في دار أبيها على عادة القوم ..

حتى إذا أشرق اليوم الرابع ..
سبقها إلى داره ليهيئها لاستقبال الوافدة العزيزة ..

وتم زف العروس ...



ولم يكن البيت كبيرا ضخم البناء ..
لكنه إذا قيس ببيوت مكة يومئذ ..
عُدّ رحبا مريحا لعروسين يبدآن حياتهما المشتركة ..

إذ كان كما وصفوه .. ذو درج حجري ..
يوصل إلى باب يفتح من الشمال ..
ويدخل منه إلى فناء يبلغ طوله نحو 12 مترا في عرض 6 أمتار ..
وفي جداره الأيمن باب .. يدخل منه إلى قبة ..
وفي وسطها مقصورة من الخشب .. أعدت لتكون مخدع للعروس ..

وترك (عبد الله) عروسه في مخدعها مع رفيقاتها .. من سيدات آل زهرة
ثم خرج إلى رحبة الدار الواسعة .. حيث الضيوف الكرام ..
الذين صحبوا العروس إلى بيتها ..

ومضى القوم .. يباركون العتبة الجديدة التي انتقلت إليها ..
زهرة قريش ..

ويدعون للزوجين الكريمين ..

أعز من عرفت الحجاز .. حسبا ..

وأعرقهم نسبا ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

__________________
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 12-22-2012, 01:51 AM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !

البشرى



عاد الضيوف إلى منازلهم ..

وهجع الكون .. وسكنت الدنيا ..

وكان (عبد الله) يحدث (آمنة) .. عما رأى في رحلته إلى كاهنة الحجاز..

ثم سألته (آمنة) .. هلا حدثتني ياعبد الله عن أولئك النسوة ..
اللاتي شغلنك في أيامك هذه ؟

فقال .. ما شغلني عنك قط يا آمنة .. ولكنه الذي سمعت ِ من تعرضهن لي ..
وانصرافي عنهن إليك وحدك ِ .. على أن للقصة بقية لمّا تسمعي بها ..
حدثت في يومنا هذا .. إذ كنت ُ عائدا من بيت أبيكِ لكي أهيء داري لاستقبالكِ ..
وشغلتُ بهذا يومي كله .. فلم أكد أحدث أحدا بما كان .. !


فسألته .. أ خاطبات جديدات ؟!

قال.. كلا يا آمنة .. بل زاهدات منصرفات عنه ..
كأنه لم يكن هو نفسه الذي تعلقن به منذ أيام .. !

فأومأت له أن يمضي بقصته .

فقال ..

أجل يا ابنة وهب ..
زاهدات في فتاك ِ كأنه أبدل خلقا جديدا ..
مررتُ بهن اليوم في طريقي بين دار أبيك ودارنا هذه ..
فأشحن عني بوجوههن معرضات .. !
إلى حد ٍ أثار عجبي وفضولي لمعرفة سر هذا الإنقلاب..!


فسألت ُ إحداهن .. وهي بنت نوفل ..

مالك ِ لاتعرضين علي اليوم .. ما كنت ِ تعرضين علي بالأمس ؟!


قالت .. فارقك َ النور ُ الذي كان معك بالأمس .. فليس لي بك اليوم حاجة !!!

واكمل عبد الله القصة ...

وكذلك أعرضتْ عني (فاطمة بنت مر) .. فقالت ..

"قد كان ذلك مرة .. فاليوم لا ..
وإني والله ما أنا بصاحبة ريبة .. ولكني رأيت ُ في وجهك نورا
فأردتُ أن يكون لي .. فأبى الله إلا أن يجعله حيث أراد ..
فما صنعتَ بعدي ؟"


فقلت لها .. زوجني أبي آمنة بنت وهب ..

فانشدت ..

لله ما زُهرية ٌ سلبتْ - منكَ الذي استلبتَ وما تدري !

ثم قالت في تحسر ..

ولما قضت منه أمينة ما قضت - نبا بصري عنه وكلَّ لساني

واكمل عبد الله ..

وسألت ُ ليلى العدوية .. ما صدك ِ عني ؟

فأجابت ..

"مررتَ بي وبين العين3 عندك... غرة بيضاء ..
فدعوتك فأبيتَ علي
ودخلت على آمنة فذهبتْ بها"


وراح العروسان .. يفكران في ذلك الموقف الغريب
الذي وقفته نسوة قريش .. من (عبد الله) ..!

لكن .. استدركت (آمنة) أمرا .. فسألته .. هلا أعدت علي ما قالته بنت نوفل ؟!

فقال .. ولماذا تسألين عن بنت نوفل دون سواها؟

قالت .. ستعرف بعد .. فهلا أعدت لي ما قالت؟

قال .. سألتها مالك ِ لاتعرضين علي اليوم ما كنت ِ عرضتِ علي بالأمس؟
فأجابت .. فارقك النور الذي كان معك .. فليس لي بك اليوم حاجة ..


فسكتت (آمنة) لتفكر .. ثم قالت ..

والله يا ابن العم .. إني لأرى لهذا الأمر ما بعده
فهذه المرأة أخت (ورقة بن نوفل)
وهو كما تعلم وأعلم .. قد تنصّر وأتبع الكتب
وبشّر بأن سيكون في هذه الأمة .. نبي !


ثم استطردت .. تقول بعد صمت قصير ..

تراني نسيت أن فاطمة بنت مر ..
قرأت الكتب كذلك وهي بعد كاهنة خثعم ..


وسكت العروسان .. وهما يفكران بما يمكن أن يحدث ..
ثم ناما .. واستيقظت (آمنة) عند الصباح ..
تحدث فتاها برؤيا عجيبة ..



إذ رأت كأن شعاعا من النور ينبثق من كيانها اللطيف
فيضيء الدنيا من حولها ..
حتى لكأنها ترى به قصور بصرى من أرض الشام ..

وسمعت هاتفا يهتف بها ...

إنك ِ قد حَمِلتِ بسيّد هذه الأمة


ولقد بقي (عبد الله) مع عروسه أياما .. لم يحدد لنا التاريخ عددها ..
ولكنها عند جمهرة المؤرخين لم تتجاوز عشرة أيام ..
إذ كان عليه أن يلحق القافلة التجارية المسافرة إلى الشام .. مع قريش ...

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

رد مع اقتباس
  #18  
قديم 12-22-2012, 02:42 AM
حصان رزان حصان رزان غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 4,030
معدل تقييم المستوى: 15
حصان رزان will become famous soon enoughحصان رزان will become famous soon enough
افتراضي رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !

جميل جدا
أكمل بارك الله فيك
اني أقرأها بصوت عالي لأسمع بناتي

__________________
يا الله التقوى
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 12-22-2012, 03:59 AM
راوي2 راوي2 غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Sep 2009
المشاركات: 1,671
معدل تقييم المستوى: 12
راوي2 will become famous soon enough
افتراضي رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !

بارك الله فيك أخي الكريم يوسف عمر

عصر الخروج من الضلمات إلا النور

بداية أحسن عصر عرفه الثقلين و الخلق أجمعين


زدنا زاد الله زادك

قصة عبدالله والد النبي :: الشيخ عثمان الخميس

رد مع اقتباس
  #20  
قديم 12-22-2012, 04:05 AM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حصان رزان مشاهدة المشاركة
جميل جدا
أكمل بارك الله فيك
اني أقرأها بصوت عالي لأسمع بناتي
وفيكم بارك الرحمن أختي الكريمة
وإني لوددتُ صادقا أن أكتب أكثر .. لكن المعلومات كثيرة ..
وأمامي كتابين بصيغة الـ PDF .. علي أخذ أحسن ما فيهما ..
ثم كتابة المقطع حرفا بحرف .. ثم البحث عن صورة إن وجدت ..
فأرجو المعذرة .. سأحاول جاهدا أن أستعجل ..
رغم أن هذه القصة .. هي القصة الوحيدة في العالم .. التي لايُمل منها ..

صلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

رد مع اقتباس
  #21  
قديم 12-22-2012, 04:08 AM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة راوي2 مشاهدة المشاركة
بارك الله فيك أخي الكريم يوسف عمر
وفيكم بارك الرحمن الحبيب أخي الكريم ..

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة راوي2 مشاهدة المشاركة
عصر الخروج من الضلمات إلا النور
بداية أحسن عصر عرفه الثقلين و الخلق أجمعين
لم يشأ الرحمن أن نكون من أصحاب عصر النور القديم ..
فلعله يلحقنا بعصر النور الجديد ...
وما ذلك عليه بعزيز .. اللهم آمين ..

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة راوي2 مشاهدة المشاركة
زدنا زاد الله زادك
ما أصدق دعائك .. وما أصفاه ..
زادك الحبيب من كرمه ومحبته ما تقر به عينك في الدنيا قبل الآخرة
اللهم آمين ..

رد مع اقتباس
  #22  
قديم 12-22-2012, 04:44 AM
راوي2 راوي2 غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Sep 2009
المشاركات: 1,671
معدل تقييم المستوى: 12
راوي2 will become famous soon enough
افتراضي رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !

و فيك بارك الله أخي الكريم اللهم زيد و بارك

لمشاهدة القصة كاملة

رد مع اقتباس
  #23  
قديم 12-22-2012, 05:00 AM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !



حانت ساعة الفِراق ...

فودع (عبد الله) زوجته الحبيبه ....حين أذن المؤذن برحيل القافلة ..
فتشبثت به (آمنة) .. وقد ساورها هاجس .. من قلق وتوجس ..

فيربت الزوج الحنو على يدها .. ويقول ..

لاتحزني .. إن هي بضعة أسابيع .. ثم اعود إليك ِ

قالت في يأس ... لكن ليالي سفرك طويلة ياعبد الله ...

فقال ..

يا آمنة .. أ فنسيت ِ حديث بنت نوفل .. وفاطمة بنت مر .. ورؤيا الأمس القريب ..
اشغلي نفسكٍ بالرؤى المؤنسة ... وبتلك المبشرات .. حتى أعود ..


وإذ بلغ (عبد الله) الباب ..
انفلت مسرعا قبل أن تخونه شجاعته وتغلبه عواطفه



على حين بقيت (آمنة) واقفة بباب مخدعها الموحش..
وقد وضعت يداها على قلبها .. تترقب عودته .. حتى من قبل ذهابه ..

وأدركتها بعد ساعة .. جاريتها (بركة أم أيمن)
فقادتها برفق إلى فراشها ..
ثم جلست إلى جانبها ترعاها .. مشفقة عليها مما تلاقي ..

ومرت أيام وليال ..



و (آمنة) في فراشها لا تبرحه ..
تجتر أشجانها وترسل قلبها في أثر الحبيب الراحل ..

وقد حاول أهلها .. كما حاول (عبد المطلب) .. أن يصرفوها عن وحدتها ..
حرصا على صحتها ..
لكنها آثرت العزلة على الأنس بالأهل والصواحب ..
بل لعلها كرهت أن يفسد أحد عليها هذه العزلة ..
لما كانت تجده في مسامرة طيف الغائب .. من شجن ٍ وشجوّ ..

ومضى شهر ... لا جديد فيه ..

سوى أن (آمنة) شعرت بالبادرة الأولى للحمل ..
وكان شعورها به رقيقا لطيفا ... ليس كباقي النساء ..

فقد روى الحافظ ابن سيد الناس من طريق الواقدي بسنده
إلى وهب بن زمعة عن عمته .. قالت ..

كنا نسمع أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما حملت به أمه ..
كانت تقول ..

"ما شعرتُ بأني حامل به
ولا وجدتُ له ثقلةً كما تجد النساء
إلا أني أنكرت رفع حيضتي على أنها كانت ربما ترفعني وتعود
فأتاني آت وأنا بين النوم واليقظة ..
فقال .. هل شعرت ِ أنكِ حملتِ ؟
فكأني أقول .. ما أدري ..
فقال: إنك حملت ِ بسيد هذه الأمة ونبيها ..
وذلك يوم الاثنين .. فكان ذلك مما يقّن عندي الحمل "


وعن الزهري .. قال ..
قالت آمنة ..

"لقد علقت ُ به فما وجدت مشقة حتى وضعتُه"

وكانت (آمنة) تود لو طارت بالبشرى إلى (عبد الله) ..
واستعادت شيئا من إشراقها ..

وقد هون عليها مرارة الفراق .. أن أكثر أيامه قد تصرمت
وأن كل يوم يدنيها من اللقاء المنتظر
ويزيدها يقينا من الحادث السعيد .. الذي ترجو أن تلقى به زوجها ..
في اللحظة التي يؤوب فيها .. !

وجاء الشهر الثاني ....!

ثم مضت قطعة منه ..

وآن للقافلة أن تعود ..

فتهيأت الحبيبة الغالية .. للقاء الوشيك ..

وراحت تعد ما بقي من أيام وليال ..

وتتمثل زوجها وقد عاد إليها متلهفا .. يحدثها عن رحلته ..

فهل تراها تستطيع أن تصبر ... فلا تفاجئه ببشرى الحمل ؟!

أم هل تراها قادرة على أن تكتم عنه .. ماتراه من رؤى وبشريات ؟!

بهذا شغلت (آمنة) نفسها .. في الفترة التي سبقت عودة القافلة ..

ثم لما لاحت طلائعها ..
خفق قلبها ووقفت في ساحة الدار ..
تنتظر أن يفتح بين آونة وأخرى ..
وتشرق منه طلعة الحبيب ..

وطال الانتظار ..

حتى ساورتها شكوك مبهمة وخوف طاريء
فتنبهت فجأة إلى غيبة جاريتها (بركة)
وكانت قد ذهبت منذ شاع خبر قدوم المسافرين ..
كي تعجل بالبشرى .. إلى سيدتها ..

ثم سمعت (آمنة) .. ضجيج لقاء جيرانها .. بمسافريهم في الرحلة ..



فأين عبد الله ؟

ما الذي أخّره ؟!

هل هو في الكعبة يطوف ؟!

أو لعل أباه الشيخ آت في صحبته .. فانتظر أبيه على مهل ؟!

أو لعلّ ... ولعلّ ..

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

رد مع اقتباس
  #24  
قديم 12-22-2012, 05:37 AM
حصان رزان حصان رزان غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 4,030
معدل تقييم المستوى: 15
حصان رزان will become famous soon enoughحصان رزان will become famous soon enough
افتراضي رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة يوسف عمر مشاهدة المشاركة

وفيكم بارك الرحمن أختي الكريمة
وإني لوددتُ صادقا أن أكتب أكثر .. لكن المعلومات كثيرة ..
وأمامي كتابين بصيغة الـ PDF .. علي أخذ أحسن ما فيهما ..
ثم كتابة المقطع حرفا بحرف .. ثم البحث عن صورة إن وجدت ..
فأرجو المعذرة .. سأحاول جاهدا أن أستعجل ..
رغم أن هذه القصة .. هي القصة الوحيدة في العالم .. التي لايُمل منها ..


صلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم
جزاكم الله خيرا ,وأعانك الله على اتمام ذلك بما يرضيه سبحانه ...
لا تستعجل ابدا بل خذ راحتك !
ان تتم القصة على مهل وتأني وتكون قيمة ومفيدة , خير من ان تنهيها على عجل !
وفقك الله .

رد مع اقتباس
  #25  
قديم 12-22-2012, 05:46 AM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !

رسول إلى يثرب



سمعت (آمنة) خطوات .. تدنو من الدار ..
فتعلقت عيناها بالباب وهي لاتكاد تتماسك من انفعال ..
حتى إذا فتح الباب بعد لحظة ... طالت كانها دهر ..
خذلتها قدماها ..
فوقفت حيث هي .. واجمة خائفة ...!

لم يكن (عبد الله) هو القادم ..

وإنما جاء (عبد المطلب) الشيخ .. في صحبة أبيها ..
ونفر من أهلها المقربون ..
وقد غشيت وجوههم غاشية من القلق ..

وكانت "بركة أم أيمن" تمشي في أثرهم متخاذلة مُطرقة ..
تحاول أن تخفي دمعة ً .. أفلتت من مقلتيها ..

قال (وهب) .. والد (آمنة) .. متحاشيا النظر إلى وجه ابنته ..

"بعضَ الشجاعة يا آمنة ... فما في الأمر ما يدعو إلى مثل ذلك الجزع ..
لقد عادت القافلة وكنا في انتظارها بالحرم .. فلما افتقدنا (عبد الله)..
أخبرنا رفاقه أن وعكة طارئة ألمّت به وهو في طريقه إلينا ..
وعما قريب يبرأ ويعود سالما إليك ِ .. وإلى مكة وقريش .. "


وانحلت عقدة .. ربطت لسان (عبد المطلب) .. فعقّب قائلا ..

"هو ذاك يا آمنة .. وعكة بسيطة ولا شيء أكثر ..
وقد قال الرفاق .. خلّفناه بيثرب عند أخواله ..
فبعثتُ إليه أخاه الحارث .. كي يكون معه .. ويصحبه في طريقه إلينا ..
فثوبي إلى صبرك ِ .. وأدعي له ... "


قالت في ضعف ... أفعل يا عم ..!

وانصرفت من فورها إلى الابتهال والدعاء
فلم تكد تشعر بالقوم حولها
حتى غادروا إلى الكعبة خاشعين ضارعين ...

وأتم الشهر الثاني دورته ..
و (آمنة) على حالها تجاهد ما استطاعت أن تذود عن قلبها اليأس ..
وتلوذ بالدعاء ..
لعل الله يرد عليها ذاك الغائب الذي أفتُدي بالأمس .. أغلى فداء ...!



وكانت تعاودها .. في لحظات نومها القصيرة .. رؤيا مُلحّة ..
عن جنين ٍ عظيم تحمله ..
وتسمع الهاتف يبشرها بأمجد بنوّة ..
فإذا عادت إلى يقظتها .. شق عليها ألا تجد (عبد الله) بجانبها
تُفضي إليه بالذي ترى وتسمع ُ ...

وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

رد مع اقتباس
  #26  
قديم 12-22-2012, 05:50 AM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !

ووفقكم الرحمن أختي الكريمة رزان .. وجزاكم من لدنه خيرا
اللهم آمين ..

رد مع اقتباس
  #27  
قديم 12-22-2012, 06:14 AM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !

الغائب الذي لم يأت



بعد فترة ..

عاد (الحارث بن عبد المطلب) ... وحده !!!

عاد .. لينعى أخاه الشاب .. عبد الله .. إلى أبيه الشيخ ..
وزوجه العروس ..
وبني هاشم والقرشيين جميعا ....!!

لقد اختطف الموت (عبد الله) وهو بين أخواله بين بني النجار ..
أثر رحيل القافلة التي تخلف عنها ..

ودُفن هناك .. على أرجح الأقوال ..
ولم يُقبل فيه هذه المرة .. أي فداء ...!!!

ووجمت (آمنة) للخبر.. وقست عيناها فما تسعفانها ببكاء ..
وأعفاها ذهولها من الانهيار والتصدع ..
فلبثت أياما لاتكاد تصدق النعي ..
حتى إذا تيقنت من الكارثة .. فاضت عبراتها ..

وحزن عليه (عبد المطلب) وإخوته وأخواته .. حزنا شديدا ..

ولبست مكة كلها .. ثوب الحداد على فتاها الذي غالته المنون ..

رحل (عبد الله) .. بعمر .. ثمانية عشر عاما فقط .. !

وترملت العروس الشابة .. وما يزال في يديها .. خضاب العرس .. !



وصلى الله على محمد صلى الله عليه وسلم

رد مع اقتباس
  #28  
قديم 12-22-2012, 03:16 PM
ام فهد ام فهد غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
المشاركات: 7,879
معدل تقييم المستوى: 20
ام فهد has a spectacular aura aboutام فهد has a spectacular aura aboutام فهد has a spectacular aura about
افتراضي رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !

بارك الله فيك وزادك من فضله
كأني أعيش الأحداث معهم تصوير مبدع لتفاصيل القصة
نقل موفق

__________________
اللهم إرزق ذريتي صحبة الأخيار وخصال الأطهار وتوكل الأطيار
اللهم وبلغني فيهم غاية أملي ومناي بحولك وقوتك
اللهم متعني ببرهم في حياتي وأسعدني بدعائهم بعد مماتي
اللهم إني إستودعك لاإله إلاالله فلقني إياها عند الموت.
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 12-22-2012, 04:46 PM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي رد: الحبيب الأول ... والأخيـــــر ... !

وفيكم بارك الرحمن أختي الكريمة أم فهد ..
وأجزل لكم من عطائه ..
اللهم آمين

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ام فهد مشاهدة المشاركة
كأني أعيش الأحداث معهم
كان هذا هو الغرض من كتابة الموضوع ...
فالحمد لله رب العالمين ...

رد مع اقتباس
  #30  
قديم 01-05-2013, 11:21 PM
رند الناصري رند الناصري غير متصل
(يوسف عمر) سابقا
 
تاريخ التسجيل: Feb 2012
المشاركات: 21,091
معدل تقييم المستوى: 32
رند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the roughرند الناصري is a jewel in the rough
افتراضي عذرا عن الانقطاع .. أسأل الله لكم ولنا العافية .. اللهم آمين

الخوف



انفضّ المأتم ..

لكن القوم لم يفرغوا .. من صاحبه الثاوي في لحده ..
بعيدا عن يثرب ..

كانوا في حيرة من أمره ..

ما دام الله قد كتب عليه الموت هكذا سريعا ..
ففيم كان الفداء .. ؟!!

ومن كان يظن .. حين نُحرت له الإبل المائة بالحرم ..
وتُركت لايُصد عنها إنسان ولا سبع ..
أن المنايا واقفة بالمرصاد للذبيح المفتدى .. على قيد خطوات معدودات ..؟!!!

وفي مثل هذا ..

كانت تفكر الغالية (آمنة) ..
وهي في وحدتها تجتر أحزانها ..
وتكابد الذي تجد من لوعة المَصاب .. حتى خيف عليها ..

فتتابع أهلها يحاولون أن يعزوها ..
وهي تأبى أن تقبل .. في (عبد الله) .. عزاء .. !

وناشدوها الصبر الجميل ..
فأنكرت على نفسها الصبر ..
ووجدت فيه غدرا .. بالحبيب الذي رحل ..

وأوجس (آل هاشم وزهرة) في نفوسهم خيفة ..
أن تشتد وطأة الحزن على (آمنة) فتذهب بها ..

ولبثت (مكة) شهرا .. وبعض شهر ..
وهي ترقب في قلق .. إلى أين تنتهي الأحزان بالأرملة العروس ...

حتى كانت ليلة من ليال شوال ..
أحاط فيها العوّاد بفراش (آمنة) .. وهي في غمرة أحزانها ..
لاتفتأ تسائل كل وافد ووافدة من أهلها ..

فيم كان فداءه إذن .. مادام الله قد كتب عليه الموت العاجل ؟!

وفيم كان العرس الحافل .. ويد القدر تحفر له لحده في يثرب ؟!

على أنها ... ما لبثت أن أُلهمت في نجواها ..

"كأني عرفت ُ سر الذي كان ..
إن عبد الله لم يُفتد من الذبح عبثا .. !
لقد أمهله الله ريثما يودعني هذا الجنين ..
الذي أحسست به اللحظة يتقلب في أحشائي ..
والذي من أجله يجب أن يعيش.."


ومن تلك اللحظة الحاسمة .. أنزل الله سكينته على (آمنة) ..
فطوت أحزانها في أعماقها ..
وبدأت تفكر في ابنها الذي يحيا بها .. ويحييها ..

وبعد أن انقضت أشهر الحمل .. وحانت وقت الولادة ..
تسامعت بيوتات مكة بالنبأ السعيد ..
فتوافدت عقائل قريش على دار عبد الله .. يهنئن آمنة ..
ويصغين إلى ما كان من بشريات المولد المبارك ..

وكانت بلاد العرب آنذاك .. تموج بأقوال مرهصة بنبيّ منتظر .
قد تقارب زمانه ...
يتحدث بها الأحبار من يهود .. والرهبان من النصارى .. والكهان من العرب ..!

ولعل العرب لم يلقوا بالا أول الأمر .. إلى هذا الذي ذاع وانتشر..
غير أننا نطمئن إلى أن (آمنة) ..
قد ألقت كل بالها إلى تلك المبشرات ..
فما نسيت قط أن زوجها هو الذي أستأثر من دون شبان قريش ورجالها .. بمجد الفداء ..
الذي لم يحدث منذ افتدى إسماعيل .. عليه السلام ..

وقد بقي في مسمعها .. صدى قوي مما ذكرته أخت ورقة بن نوفل ..
وفاطمة بنت مر .. وكاهنة من خثعم ..
عن النور الذي انتقل من (عبد الله) إثر زواجه ..
والغرة التي ذهبت بها (بنت وهب) ..
فلم تدع لغيرها من النساء في (عبد الله) مأربا ..

ثم هي قبل هذا كله ..
سيدة من صميم البيئة الرفيعة الحاكمة في مكة ..
ومن شأن نساء هذه البيئة .. أن يرنون إلى بعيد ..
وأن يرجون للأجنة في بطونهن مجدا .. لم يسبق إليه أحد ...!

وفي يوم من الأيام ..
جاءها (عبد المطلب) .. يطلب إليها أن تتهيأ للخروج من مكة مع قريش..
حيث رأى لهم أن يتحرزوا في شعف الجبال والشعاب
تخوفا من الجيش .. الذي جاء به (إبرهة الحبشي) من اليمن ..

وكانت (آمنة) .. قد سمعت بقدوم (إبرهة) هذا في جيش عرمرم
لكنها لم تقدّر أن الأمر قد بلغ من الخطر حدا ..
يدفع قريشا إلى الخروج من بلدهم الأمين ...
فسألت (آمنة) ... عبد المطلب ...

"علمتُ يا عم أن قريشا وكنانة وهذيلا ومن بالحرم من سائر الناس
قد أجمعوا على قتال الطاغية..
فما الذي جدّ في الموقف.. حتى يتركوا الكعبة لايقاتلون عنها؟"


أجاب ..

"عرفوا ألا طاقة لهم بإبرهة .. فكرهوا معركة غير متكافئة ..
تذوب فيها قريش أمام العدو .. ثم تؤوب بعار الهزيمة"


وسكتت (آمنة) برهة ..
ثم تذكرت ما سمعت عن لقاء ٍ كان ..
بين شيخ مكة وطاغية الأحباش ..

فعادت تسأل عما تم في هذ ذاك اللقاء ..

فأجابها (عبد المطلب) ..

"أجل كان بيننا لقاء
سعى إليه إبرهة ولم أسع إليه..
ذلك أنه حين بلغ مشارف مكة ..
بعث (حناطة الحميري) وقال له ..
اسأل عن سيد أهل هذا البلد وشريفها
ثم قل له إن الملك يقول لك.. إني لم آت لحربكم ..
إنما جئت ُ لهدم هذا البيت ..
فإن لم تعرضوا دونه بحرب .. فلا حاجة لي بدمائكم ..
فإن هو لم يُرِد حربي .. فائتني به"


ثم أكمل الشيخ ..

"وجاءني حناطة .. فابلغني برسالة إبرهة .. وقلتُ له ..
والله ما نريد حربه .. وما لنا بذلك من طاقة ..
هذا بيت الله الحرام .. وبيت خليله إبراهيم عليه السلام..
فإن يمنعه فهو بيته وحرمه ..
وإن يُخلِ بينه وبين إبرهة .. فوالله ما عندنا دفعٌ عنه"
قال حناطة ..

"فانطلق معي .. فإنه قد أمرني أن آتيه بك"
ففعلت ُ .. ومعي بعض أبنائي ..
وهناك .. مضى بي إلى إبرهة أحد رجاله ..

فقال له ...

"أيها الملك .. هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك
وهو صاحب عير مكة
وهو يُطعم الناس في السهل .. والوحوش في رؤوس الجبال"

فأكرمني إبرهة .. أن أجلس دونه ..
وكأنما كره في الوقت نفسه .. أن تراه الحبشة معي على سرير ملكه ..
فنزل عن سريره ..
وجلس على بساطه .. وأجلسني إلى جانبه ..

ثم قال لترجمانه ..

"قل له .. ما حاجتك ؟"

فقلتُ.. حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي..

فبدا على الملك كأنما صغرتُ عنده .. وخيبتُ ظنه فيّ..

فقال لترجمانه في جفوة ..

"قل له .. قد كنت َ أعجبتني حين رأيتك .. ثم قد زهدتُ فيك حين كلمتني ..
أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك .. وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك لاتكلمني فيه؟

فقلت على الفور ..

"إني أنا رب الإبل .. وإن للبيت ربٌ يحميه .."

فقال إبرهة متفاخرا .." ما كان ليمتنع مني ..!"

أجبته .. "أنت وذاك" ..

وكان معي سيد هذيل ..
فعرض على إبرهة ثلث أموال تهامة .. على أن يرجع ولايهدم البيت ..
فأبى متكبرا .. وأكتفى بأن أمر برد إبلي إليّ ..

وانصرفنا .. فحدثتُ قريشا بالخبر .. وأمرتهم بالخروج من مكة ..
ثم قمت ُ وأخذتُ بحلقة باب الكعبة ..
وقام معي نفر من قريش .. يدعون الله ..
ويستنصرونه على إبرهة وجنده ..

وقلت ُ ..

إلاهُمّ (اللهم) إن العبد يمنع رحله فامنع حلالك
جروا وجموع بلادهم .. والفيلَ .. كي يسبوا عيالك
إن كنت َ تاركهم وكعبتنا .. فأمرٌ ما بدا لك ؟
يارب .. لا أرجو لهم سواكا
يارب .. فامنع منهم حِماكا
إن عدو البيت ِ من عاداكا
امنعهمو أن يخربوا فناكا ..


فرددت آمنة من بعده ... يارب .. لاأرجو لهم سواكا ..

وودعها الشيخ وخرج ..
على أن يبعث إليها في غد .. من يصحبها في خروجها ..
لتلحق بالجمع الراحل ..

وبقيت آمنة.. مختلية بنفسها .. تفكر في الجنين الغالي ..
الذي قاربت أن تضعه ..
فعز عليها أن تلده بعيدا عن البلد الحرام ..
وفي غير دار أبيه عبد الله ...

وكان هذا الخاطر يقلق مضجعها .. ويسهر ليلتها ..
لكنها أوت إلى فراشها .. وما يتخلى عنها إيمانها ..
بأن الله مانع بيته ..
ومتى كان للطاغين والجبابرة على البلد الحرام .. سبيل ؟!

نامت (آمنة) مطمئنة .. حتى انبلج الصبح ..
وهي تتمنى ألا تبرح مكانها من جوار الحرم ..
إلى أن يقضي الله أمره ..

وارتفعت شمس الضحى .. دون أن يأتي من قومها أحد ..!!

ثم مضى النهار إلا أقله .. وهي في عجب .. !

لِمَ لم يبعث عبد المطلب رسوله إليها؟

وفيم هذا الصمت المريب الذي يخيم على أحياء مكة..
كأنما قد أمسك كل حي فيها أنفاسه؟!

ثم تناهى إليها من بعيد .. من أقصى الجنوب..
ضجيج مبهم مختلط ..
لاتكاد تميزه .. أ هتافٌ هو ودعاء .. أم صراخ وعويل ؟!

إلا أن وراء ذلك كله أمرا ..
وأقامت السيدة (آمنة) تترقب ..
حتى إذا آذنت الشمس بمغي ..
جاءتها الرسل من قومها تسعى .. لا لتطلب إليها الخروج إلى شغف الجبال..
ولكن لتبشرها بالنجاة ..

فقالوا لها ..
إن (أبرهة) كان قد تهيأ لدخول البلد الحرام ..
وهيأ فيله وعبّى جيشه مجمعا لهدم البيت العتيق ..
ثم الانصراف لى اليمن ..
فلما وجهوا الفيل من معسكره في ظاهر البلدة من ناحية الجنوب..
برك .. وأبى أن يتحرك ..
فضربوه في رأسه بآلة من حديد ..
ثم أدخلوا محاجن لهم في أسفل بطنه ..
وهو بارك لايقوم ..
فوجهوه راجعا إلى اليمن .. فقام يهرول ..
ووجهوه نحو الشام .. ففعل مثل ذلك ..
ووجهوه إلى المشرق .. فتهيأ للانطلاق ..
ولما عادوا يوجهونه نحومكة .. برك .. !

ثم كان أن سلط الله نقمته على أصحاب الفيل
فانتشر فيهم فجأة وباء مهلك ..
رمتهم بجراثيمه طير أبابيل .. فجعلتهم كعصف مأكول ..
وجُنّوا من خوف ورعب ..



فولوا مدبرين يبتدرون الطريق الذي جاءوا ..
ويسألون عن (نفيل بن حبيب الخثعمي)..
وكان قد خرج مع قومه لقتالهم حين مروا بأرض خثعم ..
فلما أسره أبرهة ..
افتدى نفسه بأن يكون دليل الحبشان بأرض العرب ..

فما كان نفيل يسمع صياحهم وضراعتهم ..
حتى رد عليهم بأعلى صوته ..

أين المفر والإله الطالبُ ؟
والأشرم المغلوب ليس الغالبُ !


ونُسب إليه قول ..

وكل القوم ِ يسأل عن نفيلٍ
كأن عليّ للحبشان ِ ديْنا !


فخرجوا يتساقطون بكل طريق
ويهلكون بكل مهلك على كل منهل ..
وأبرهة معهم ينتثر جسمه وتسقط أنامله أنملة أنملة ..

ولم تكن أرض ارب قد شهدت الحصبة والجدري..
قبل ذاك العام المشهود ...

وأقبلت قريش على كعبتها المقدسة تطيف بها حامدة شاكرة
وتجاوبت أرجاء البلد الأمين بدعوات المصلين .. وأناشيد الشعراء ..

وبلغت الأصداء مسمع الحبيبة (آمنة)..
فقامت تصلي وقد أشرق وجهها بنور اليقين والإيمان..
وأحست بغبطة غامرة أن استجاب الله لدعائها ..
فلم يكتب لولدها (ابن عبد الله) الولادة بعيدا عن البلد الحرام ..

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:14 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.