منتديات الملاحم و الفتن  

العودة   منتديات الملاحم و الفتن > الأقسام الشرعية > سير أعلام النبلاء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-21-2010, 10:18 PM
المرابط المرابط غير متصل
ابن المرابط رحمه الله
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,944
معدل تقييم المستوى: 18
المرابط will become famous soon enough
افتراضي من مذكرات الدكتور عبد العزيز الرنتيسى ....

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته...

تحية لكل مجاهد على إمتداد المعمورة قدم لأمته إنجازاً ....هؤلاء المجاهدون من الواجب علينا أن نحجز لهم مكانا هاما فى ذاكرتنا و الله تعالى حسيبهم و هو من يؤجرهم بفضله ...

فى هذه الايام نستذكر مئات من المجاهدين الذين تم إبعادهم إلى مرج الزهور فى الجنوب اللبنانى...

صمد المبعدون و جعلوا من إبعادهم نصرا ....

و قد تعمد اليهود إبعادهم فى قسوة برد كانون لتزداد معاناتهم فى جبال لبنان...

إستمر الصمود لعدة أشهر عاد بعدها المبعدون الى وطنهم مرفوعى الرأس ...

كثير من الناس تابعت المبعدين فى مرج الزهور...

و الكثير شاهد كيف كانت همم المجاهدين من حديد ...

و لاحظ الجميع روح الاخوة التى ربطت بين قلوب المبعدين .....

و جميعنا نذكر أحد أهم رموز المبعدين يومها و هو الدكتور عبد العزيز الرنتيسى و الذى أوكل إليه المبعدون أن يكون المتحدث الرسمى بإسم المبعدين ....

و يومها بدأ العالم يسمع عن أسد فلسطين الرنتيسى....

هذا الاسد الذى قاد حركته فيما بعد و ما لبث أن أستشهد ...

هذا الرجل عرفته منذ طفولتى بفضل السكن المتقارب ....

و أجد من الواجب إحياء ذكرى أبطال مرج الزهور و على رأسهم الشهيد عبد العزيز الرنتيسى...

و ذلك من خلال سرد بعض مذكرات الدكتور و التى يتحدث فيها عن بعض مراحل حياته و صدامه المستمر فى كافة الميادين مع اليهود

و ستكون تلك المذكرات على أجزاء ...

تفضلوا بالبقاء معنا ...

__________________
اللهم ان ذنوبي عظام , وانها صغار في جنب عفوك , فاغفرها لي يا كريم..
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12-21-2010, 10:21 PM
المرابط المرابط غير متصل
ابن المرابط رحمه الله
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,944
معدل تقييم المستوى: 18
المرابط will become famous soon enough
افتراضي رد: من مذكرات الدكتور عبد العزيز الرنتيسى ....

الحلقة الأولى

في هذه الحلقة:
ذبح الصهاينة في خانيونس 525 مدنيًا فلسطينيًا وتركوهم في الشوارع حتي تعفنت جثثهم!!
حفرت بعض المآسي التي عشتها أخاديد عميقة في ذاكرتي
هذه قصة كلية التمريض التي أسستها مع الدكتور محمود الزهار رغم أنف الصهاينة!


الدكتور عبد العزيز الرنتيسي هو أحد أهم رموز وقيادات الإخوان المسلمين في فلسطين بعد عام 67م, وتكشف الأحداث التي مر بها جزءًا مهمًا من تاريخ الشعب الفلسطيني في هذه الفترة بقطاع غزة, وتعكس حياته ملامح العلاقة بين الاحتلال وشرائح المجتمع المختلفة, وتبين سياسة الحكومات الصهيونية المتعاقبة تجاه الشعب الفلسطيني. د. الرنتيسي حاول عصر ذاكرته (رحمه الله) ووضع مشاعره تجاه بلدته الأصلية «يبنا» الواقعة شمال قطاع غزة, والمحتلة منذ عام 1948م, وعراكه مع الإدارة الاحتلالية, ودوره في تأسيس حماس, وحياته في سجون الاحتلال.. وغيرها من الأحداث, ونترك قارئنا العزيز كي يعيش لحظات مع كلام الرنتيسي حيث يقول:
أينما وليت شطر ذكريات مرت بخيرها وشرها, وحلوها ومرها وجدت أن المعاناة الناجمة عن احتلال فلسطين تصبغ كل شيء في حياتنا كشعب فلسطيني, وأجدني مضطرًا إلي العودة إلي أحداث من تلافيف الماضي البعيد التي حتمًا ستسلط بعض الضوء علي حجم الكارثة التي حاقت بالشعب الفلسطيني الذي لم يكن له من ذنب إلا أنه شعب فلسطيني مسلم, وقد غلف اليهود جرائمهم بحق شعبنا المعذب علي أيديهم بغلاف توراتي أسطوري, ولقد حفرت بعض المآسي أخاديد عميقة في الذاكرة فلا يمكن نسيانها ومنها:
مذبحة خانيونس عام 1956
في عام 1956 إبان العدوان الثلاثي علي مصر احتل الصهاينة قطاع غزة, وارتكبوا مجازر بشعة كعادتهم ولكن هذه المرة في مدينة «خانيونس» حيث كنت أقيم في مخيمها منذ أُخرجت مع أسرتي من قريتي «يبنا» التي تقع بين «أسدود» و«يافا» وأنا ابن ستة أشهر لأجد نفسي في معسكر «خانيونس» للاجئين الفلسطينيين. لقد ارتكبت المجازر بحق المدنيين الفلسطينيين, حيث كان اليهود يقتحمون البيوت ويقتلون جميع من فيها من رجال أمام أزواجهم وأبنائهم, وكان لي عم يدعي «حامد الرنتيسي» ولم يكن لأبي إخوة غيره, ولقد اقتحم اليهود بيته كما اقتحموا بيوت الجيران, وكان يجلس مع زوجته وأبنائه, فصوبوا عليه السلاح فما كان من ابن عمي «موفق» ابن تسع سنوات إلا أن ألقي بنفسه علي والده, ولكن القتلة اليهود لم يكترثوا لهذا المشهد, ولم يترددوا في إطلاق رصاص بنادقهم فقتلوا الوالد وأصابوا الطفل بجراح متوسطة في ساعده, وبعد أن اقترفوا جريمتهم تلك انتقلوا إلي البيت المجاور بيت آل «السعدوني» حيث كان أربعة إخوة فأمروهم بالوقوف ووجوههم إلي الجدار, ثم أطلقوا عليهم الرصاص فحصدوا أرواح ثلاثة منهم وقفز الرابع عن الجدار فأصابوه في قدمه ولكن تمكن من الفرار ليبقي شاهدًا علي المجزرة حتي يومنا هذا وهو السيد خميس السعدوني.
لقد قتل الصهاينة في مذبحة خانيونس بدم بارد 525 فلسطينيًا جميعهم من المدنيين الأبرياء, ولقد تعفنت جثثهم في شوارع المخيم وكان الأمر لا يطاق فحسبنا الله ونعم الوكيل .
الفقر إحدي جرائم الاحتلال
لقد كنا في وطننا نعيش حياة كريمة ميسورة: بيت جميل في «يبنا» مازال قائمًا حتي يومنا هذا وقد ولدت فيه, وبستان واسع يحيط بالبيت من كل جانب, ولكن الصهاينة الذين اغتصبوا الوطن وشردوا أهله وضعونا بين فكي الفقر يطحننا طحنًا, مما اضطر أخي الذي يكبرني مباشرة أن يترك دراسته ليتعلم حرفة يستطيع من خلالها الإنفاق علينا, وكان الوالد قد توفي عام 1962 ليصبح أخي رب الأسرة, ولكن دخله من هذه الحرفة وهي «الحلاقة» كان زهيدًا جدًا, فأخذ يرنو إلي الذهاب إلي السعودية وهو ابن العشرين من العمر علّه يجد عملاً ينقذنا به من براثن الفقر, وفي عام 1964 عقد العزم علي السفر, وفي هذا العام كنت أشق طريقي إلي الثانوية العامة, فخرجنا لوداعه بعد صلاة الفجر مباشرة نسير علي أقدامنا متجهين إلي محطة القطار, وبينما نحن نسير إذا بالوالدة رحمها الله تقول لي: يا بني اعط حذاءك لأخيك حتي لا يذهب إلي السعودية حافي القدمين, وأما أنت فيرزقنا الله ونتمكن من شراء حذاء لك قبل بداية العام الدراسي الذي كان فعلاً علي الأبواب, وقد فعلت وأعطيت أخي الحذاء الذي كنت قد اشتريته من الأحذية المستخدمة بملاليم قلائل, وعدت إلي البيت حافيًا.
لقد دمر الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة البنية التحتية للشعب الفلسطيني, وانصبّ اهتمام العدو علي نهب ثروات هذا الشعب واستنزاف اقتصاده بالرغم من الضعف الشديد في البنية الاقتصادية للشعب الفلسطيني, ففضلاً عن أن مرتبات الموظفين الفلسطينيين في مختلف الوظائف لا تصل إلي ثلث مرتبات نظرائهم من اليهود مع أن الظروف المعيشية واحدة, إلا أن العدو الصهيوني كان يفرض ضرائب باهظة علي الفلسطينيين من بينها ضريبة الدخل, وكذلك الضريبة المضافة التي تصل إلي 18% من مجمل الدخل. ولقد لاحق العدو الصهيوني العديد من الأطباء عام 1981 بهدف استنزافهم ضريبيًا, مما اضطررنا معه كقيادة منتخبة للجمعية الطبية العربية الفلسطينية -التي كانت بمثابة نقابة الأطباء- إلي إعلان الإضراب العام عن العمل فلا نستقبل إلا حالات الطوارئ, ولقد خضنا إضرابنا الطبي ضد الضريبة المضافة, ثم اتسع الإضراب ليشمل نقابة المحامين, وجمعية المهندسين, وبلدية «غزة» وبلدية «خانيونس», وباقي الجمعيات والبلديات, وتحول الأمر إلي انتفاضة شعبية استمرت لمدة ثلاثة أسابيع, وقد سقط فيها شهيد واحد وعدد من الجرحي. ثم تحركت الضفة الغربية بإرسال الوفود وإصدار بيانات الدعم والتأييد وكادت تتسع رقعة الإضراب لتشمل الضفة أيضًا, ولكننا بعد ثلاثة أسابيع اضطررنا لوقف الإضراب بقرار ذاتي دون إلغاء الضريبة المضافة وذلك رأفة بالوضع الصحي للشعب الفلسطيني, ولقد واصل الأطباء تحديهم من خلال قيامنا بجمع توقيعاتهم علي مذكرة يرفضون فيها دفع الضريبة المضافة, وأثناء الإضراب اتخذ العدو الصهيوني قرارًا بفرض الإقامة الجبرية عليّ, مما حال بيني وبين ذهابي إلي مقر الجمعية الطبية في مدينة غزة لعدة أيام وذلك لأنني كنت مقيمًا في مدينة خانيونس.
وبعد فترة زمنية تصل إلي العام تقريبًا بدأت ملاحقتي من قبل الصهاينة الذين يعملون في الضريبة المضافة, حيث استُدعيت إلي مقر الضريبة وطُلب مني دفع المستحقات فرفضت ذلك, فقاموا بعدها بمداهمة عيادتي الخاصة واستولوا علي جميع محتوياتها, وأخذوا يساومونني علي دفع الضريبة أو أنهم سيقومون ببيع العيادة في المزاد العلني, وكانت محتويات العيادة أغلي ثمنًا من الضريبة المطلوبة, ولكني رفضت لمبدأية القضية» فرفض الضريبة في واقع الأمر يُعتبر رفضًا للاحتلال, ولو تمرد الشعب الفلسطيني عن دفع الضريبة وطوروا الأمر إلي عصيان مدني لضاق الاحتلال بذلك ذرعًا. ولقد حاول الصهاينة بعد ذلك الذهاب إلي بيتي لأخد ما يمكن أخذه من ثلاجة وغسالة وتلفاز, ولقد حضروا إليّ وقت دوامي في عيادتي الخاصة حيث استمر عملي بها دون إعادة إعدادها بأجهزة وأثاث ذي قيمة وطلبوا مني الذهاب إلي البيت فرفضت لأنهم لم يكونوا علي علم بعنوان البيت كرجال ضريبة, وقلت لهم متذرعًا: لن أسمح بالذهاب إلي البيت حتي تحضروا إذنًا من الشرطة بتفتيش البيت, ولكنهم والحمد لله رفضوا, وكان هدفي إخلاء البيت من أجهزة منزلية يمكنهم أخذها, واقتادني الجند إلي سيارة خاصة بالضريبة بينما هم ساروا خلفها بسيارتهم العسكرية, وأخذوا يسألون عن بيتي في الأحياء الراقية في مدينة خانيونس, ولم يخطر ببالهم أنني أسكن في بيت متواضع في المخيم, وكانوا يطرقون أبواب البيوت ويسألون الناس عن بيتي فيقول لهم الناس: لا نعرف أين يقع بيت الدكتور, وبينما هم يبحثون في الشوارع استوقفوا شابًا كان يسير علي قدميه في السابعة عشرة من عمره تقريبًا, وهذا الشاب كان جارًا لي فسألوه: أين منزل الدكتور الرنتيسي? فنظر الشاب فرآني معهم فقال لهم: لا أعرف المنزل, فحاولوا إرهابه إلا أنه أبي أن يدلهم علي المنزل, وبعد ساعتين من البحث عن البيت تبادلنا خلالها الشتائم ذهبوا بي إلي الشرطة, وهناك احتجوا لدي مدير الشرطة متهمينني أني أعطل عملهم, فقلت لمدير الشرطة: هذا قول غير صحيح لأنني طلبت منهم أن يحضروا إذنًا من الشرطة فرفضوا, وسأل مدير الشرطة مسئول الضريبة: هل طلب منك ذلك? فقال له: نعم, فلامه علي عدم استجابته, وبينما نحن كذلك إذ همس في أذني شرطي فلسطيني من خانيونس قائلاً: إن البيت قد تم تنظيفه, وهنا قلت لمدير الشرطة: إذا أذنت لهم فلا مانع لديّ من الذهاب إلي البيت, وفعلاً ذهبنا إلي البيت وعادوا بخفي حنين, ثم بيعت العيادة في المزاد العلني, وقدر الله سبحانه أن يشتري محتويات العيادة رجل فاضل وهو ابن الداعية والمحسن الكبير الحاج «صادق المزيني» فلما علم أنها لي اتصل بي ورد محتويات العيادة إليّ وأقسم أيمانًا مغلظة ألا يأخذ المبلغ الذي دفعه للمزاد, وفعلاً لم يأخذ شيئًا رغم إلحاحي الشديد فجزاه الله من كريم خيرًا.
ثم فوجئت باستدعائي للمحكمة العسكرية, وذلك بتهمة استنكافي عن دفع الضريبة المضافة, ولقد أكدت أمام القاضي العسكري رفضي دفع الضريبة المضافة لقوات الاحتلال, وطعنت في شرعية المحكمة, وبعد ثلاث جلسات حكم القاضي عليّ بدفع الضريبة بالإضافة إلي عقوبة تمثلت بدفع غرامة مالية خلال شهرين أو الاعتقال لمدة ستة أشهر بدلاً من الغرامة, وانقضت المدة الزمنية ولم أدفع الغرامة وعندها قاموا باستدعائي إلي مركز الشرطة ومساومتي علي أن أدفع مبلغًا رمزيًا لكي لا أُعتقل, وكانوا يخشون أن يحرض اعتقالي علي التمرد علي دفع الضريبة, فكان همّهم كسر إرادتي ولو بتقليص المبلغ إلي شيء رمزي, ولكني رفضت مما اضطرهم إلي اعتقالي بعد إعطائي مهلتين إضافيتين للتفكير ولكن لم يتغير رأيي, ودخلت المعتقل وتعرفت هناك علي شباب مسلم مجاهد قد شكلوا نواة لحركة إسلامية في معتقلات العدو, فالتقيت في غرفة رقم «6» قسم «ب» بالمجاهد جبر عمار والمجاهد محمد نصار وغيرهما من الإخوة الأفاضل, وبعد دخولي المعتقل حاولوا مرارًا أن يثنوني عن موقفي لكي أغادر إلي البيت ولكني رفضت, وقد سمحوا لوفود من الجمعية الطبية بزيارتي بهدف إقناعي بدفع المبلغ إلا أني أبيت ذلك, وفوجئت في اليوم التاسع بالإفراج عني, وعندما خرجت اكتشفت أن الجمعية الطبية قامت بدفع الغرامة المالية دون إذن مني .
الاحتلال وكلية التمريض
لقد عمل الصهاينة علي إفساد مهنة التمريض في قطاع غزة, وكان ضابط ركن الصحة يحرص علي تعيين مدراء أقسام التمريض ممن اشتُهروا بأخلاقهم الهابطة إلا ما رحم الله, ولقد فكرنا في إنشاء كلية التمريض في الجامعة الإسلامية, وكنت والدكتور «محمود الزهار» من وراء هذه الفكرة, ولكن الأمر لم يرُق لليهود الذين لا يريدون أن ينهض التمريض نهضة أخلاقية قيمية, فبدأت المعركة التي استمرت خمسة وأربعين يومًا, بدأت باستدعائنا من قبل مكتب الحاكم العسكري الصهيوني كلى في مدينته -فبينما كنت أقيم في «خانيونس» كان الدكتور الزهار يقيم في مدينة «غزة» -ليطلبوا منا عدم فتح هذه الكلية, وعندما قوبل هذا الطلب بالرفض القاطع, أرسل العدو الصهيوني قوة عسكرية لتحاصر عيادتي الخاصة في «خانيونس» وكذلك عيادة الدكتور «الزهار» في «غزة», ويستمر الحصار طوال ساعات العمل. أثناء الحصار كانوا يرهبون المرضي ويطالبونهم بإظهار البطاقات الشخصية ومن لم يكن حاملاً بطاقته الشخصية كالنساء مثلاً يردونه ويمنعونه من دخول العيادة. وبما أنني طبيب أطفال فمعظم الحضور كانوا من النساء بأطفالهن, فكانوا يردونهن وأطفالهن رغم أن عددًا كبيرًا منهن كان يأتي من مدن أخري كمدينة «رفح» مثلاً, أو من قري بعيدة نسبيًا عن خانيونس. وعند نهاية الدوام في العيادة كنت أركب سيارتي عائدًا إلي المنزل فتقوم القوة العسكرية المحمولة بسيارة عسكرية ناقلة للجنود بمتابعتي حتي أصل البيت, ورغم أنني كنت أشعر بضيق لا يعلمه إلا الله إلا أنني والدكتور «الزهار» لم نستسلم. وبعد حوالي الشهر من هذه المضايقات اليومية استُدعيت من قبل الحاكم العسكري الذي قال لي إن هذه المضايقات لن تتوقف إلي أن تغلق كلية التمريض, فقلت له: إنني لا أريدها أن تتوقف فيكفيني أن الناس وهم يرون ما تفعلون بي يرفعون أكفهم قائلين: اللهم انصر الدكتور عليه. وبعد قولي هذا توقفوا لمدة ثلاثة أيام شعرت خلالها بأن كابوسًا قد أُزيح عن صدري, ولكنهم عادوا ثانية إلي ما كانوا يقومون به من مضايقات فكانت عودتهم أشد همًا وكربًا, إلا أننا صبرنا حتي فشلوا في حملتهم وانتهت دون أن يحققوا هدفهم, ومازالت كلية التمريض قائمة حتي يومنا هذا والحمد في ذلك لله وحده.
ومن عجائب القدر أن ضابطًا يهوديًا كان يعمل في شرطة «خانيونس» قد مرضت ابنته, وعالجها داخل الكيان الصهيوني ولكنه لم يُكتب لها الشفاء, فنصحه ضباط الشرطة الفلسطينيون الذين يعملون معه أن يذهب بها لعيادتي الخاصة قائلين له ليس لهذا الأمر إلا الدكتور «الرنتيسي», وعندما وصلت إلي مدخل عيادتي في ذلك اليوم رأيت ضابطًا صهيونيًا شرطيًا يقف علي قارعة الرصيف المقابل للعيادة, فقلت في نفسي: ربما تريد الشرطة الصهيونية أن تنضم إلي عملية الحصار التي يقوم بها الجنود, خاصة أنه كان يقف وحده أي لم تكن معه طفلته, ولكن بعد قليل دخل العيادة موظف مسئول في دائرة إصدار البطاقات الشخصية في الداخلية وهو فلسطيني من عائلة كبيرة في خانيونس وأخبرني أن في الخارج ضابط شرطة صهيونيًا ابنته مريضة ولقد عالجها لدي أطباء صهاينة ولكن عبثا, فقلت له: ألم تر كيف يحاصر الجنود العيادة ويحرمون أطفال المسلمين من العلاج, فكيف أعالج أطفالهم في الوقت الذي يحرمون فيه أطفالنا من العلاج?! ورفضت بشدة, وألح عليّ إلا أنني أبيت, فخرج ولكن لم يكن راضيًا, وبعد حوالي نصف الساعة جاءني ضابط فلسطيني يعمل في الشرطة وهو رجل دمث الخلق ومواظب علي الصلاة في المسجد الذي أصلي فيه, وطلب مني أن أعالج الطفلة فرفضت فألح عليّ فأبيت, فأقسم ألا يخرج من العيادة حتي أعالجها, فلم أستطع المقاومة, وقلت له: اذهب فأحضرها ولا تحضر والدها معها, وقدر الله أن يُكتب لها الشفاء في أقل من 24 ساعة والحمد لله, وبعد خمسة وأربعين يومًا توقف الجند عن الحصار فجأة, وانتصرت الإرادة وانكشفت الغمة وبقيت كلية التمريض والحمد في ذلك لله وحده.

يتبع إن شاء الله....

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 12-21-2010, 10:41 PM
أبو ذر الشمالي أبو ذر الشمالي غير متصل
مشرف
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 18,526
معدل تقييم المستوى: 38
أبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to behold
افتراضي رد: من مذكرات الدكتور عبد العزيز الرنتيسى ....

سامحك الله يا أخي المرابط
مثل هذا الموضوع ليس محله نزهة الإخوان إنما مكانه سير أعلام النبلاء ويثبت كمحاولة ضيئلة لإظهار الجميل والعرفان من الأمة لهذا الطود الشامخ رحمه الله وأسكنه فسيح جناته
السلام عليكم

__________________
اللهم إني استودعتك المسلمين والمسلمات وأنت خير الحافظين
لا إله إلا الله العظيم الحليم
لا إله إلا الله رب العرش العظيم
لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم

http://shemalyat.blogspot.com/
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 12-21-2010, 10:43 PM
شموخ النسر شموخ النسر غير متصل
رحالة المنتدى
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 3,156
معدل تقييم المستوى: 14
شموخ النسر will become famous soon enoughشموخ النسر will become famous soon enough
افتراضي رد: من مذكرات الدكتور عبد العزيز الرنتيسى ....

الأخ الحبيب المرابط ....أسعدت هذا القلب المشتاق والله يا أخي

عودة محموده بعد غياب أقلقتنا عليك يا أخي ...حمدا لله على عودتك سالما غانما

رحم الله الشهيد الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي ....أذكر تلك الأيام وكيف كنا نتابع أخبار

نفيهم الى مرج الزهور عبر التلفاز ..... حقا أنهم من رحم أمة الأبطال أكمل أخي ونحن متابعين

بارك الله فيك وثبتنا وأياك على طريق الحق ..... وأؤيد رأي الأخ الحبيب أبو ذر فيما أقترحه

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 12-21-2010, 10:58 PM
المرابط المرابط غير متصل
ابن المرابط رحمه الله
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,944
معدل تقييم المستوى: 18
المرابط will become famous soon enough
افتراضي رد: من مذكرات الدكتور عبد العزيز الرنتيسى ....

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو ذر الشمالي مشاهدة المشاركة
سامحك الله يا أخي المرابط
مثل هذا الموضوع ليس محله نزهة الإخوان إنما مكانه سير أعلام النبلاء ويثبت كمحاولة ضيئلة لإظهار الجميل والعرفان من الأمة لهذا الطود الشامخ رحمه الله وأسكنه فسيح جناته
السلام عليكم
جزاك الله خيرا أخى أبا ذر

لا بأس بالنقل ....

و قد وضعته فى نزهة الاخوان لعلمى أن قسم سير النبلاء هو قسم مسكين لا يستقبل الكثير من الاخوان !!

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 12-21-2010, 11:00 PM
المرابط المرابط غير متصل
ابن المرابط رحمه الله
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,944
معدل تقييم المستوى: 18
المرابط will become famous soon enough
افتراضي رد: من مذكرات الدكتور عبد العزيز الرنتيسى ....

اقتباس:
الأخ الحبيب المرابط ....أسعدت هذا القلب المشتاق والله يا أخي
جزاك الله خيرا أخى شموخ

و جعلك من سعداء الدارين

بارك الله بكم

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 12-21-2010, 11:19 PM
أبو ذر الشمالي أبو ذر الشمالي غير متصل
مشرف
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 18,526
معدل تقييم المستوى: 38
أبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to beholdأبو ذر الشمالي is a splendid one to behold
افتراضي رد: من مذكرات الدكتور عبد العزيز الرنتيسى ....

خلاص أخي المرابط ولا يهمك نعمل له دعاية بإذن الله
السلام عليكم

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 12-21-2010, 11:28 PM
المتأملة المتأملة غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
الدولة: كل يوم .. كل أرض .. قادسية
المشاركات: 6,650
معدل تقييم المستوى: 17
المتأملة will become famous soon enough
افتراضي رد: من مذكرات الدكتور عبد العزيز الرنتيسى ....



الإصرار يحقق المعجزات
وحياة الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي رحمه الله فيها من الإصرار مافيها
لأنه صاحب حق وسبحان الله كيف لا يدوم شيء على حاله

اقتباس:
إذا بالوالدة رحمها الله تقول لي: يا بني اعط حذاءك لأخيك حتي لا يذهب إلي السعودية حافي القدمين, وأما أنت فيرزقنا الله ونتمكن من شراء حذاء لك قبل بداية العام الدراسي
الحمدلله الذي آتاه من فضله وكرمه ورفع قدره وجعله رمزا للأمة وشهيدا
من شهدائها.

__________________
الْلَّهُم ارْضَى عَنِّي وَعَن وَالِديَّ
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 12-21-2010, 11:42 PM
ابومروان الحربي ابومروان الحربي غير متصل
Banned
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 756
معدل تقييم المستوى: 0
ابومروان الحربي is on a distinguished road
افتراضي رد: من مذكرات الدكتور عبد العزيز الرنتيسى ....

جزاك الله خيرا أستاذنا

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 12-21-2010, 11:45 PM
المرابط المرابط غير متصل
ابن المرابط رحمه الله
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,944
معدل تقييم المستوى: 18
المرابط will become famous soon enough
افتراضي رد: من مذكرات الدكتور عبد العزيز الرنتيسى ....

الحلقة الثانية


في هذه الحلقة:
استجاب الله لدعائنا وأنزل المطر في يوم شديد الحر
عوقبت بثلاثة أشهر حبس انفرادي لرفضي الوقوف لمدير السجن

كنت أحد قياديي حركة الإخوان المسلمين السبعة في «قطاع غزة» عندما حدثت حادثة المقطورة, تلك الحادثة التي صدمت فيها مقطورة صهيونية سيارة لعمال فلسطينيين فقتلت وأصابت جميع من في السيارة, واعتبرت هذه الحادثة عملاً متعمدًا بهدف القتل مما أثار الشارع الفلسطيني, خاصة أن الحادثة جاءت بعد سلسلة من الاستفزازات الصهيونية التي استهدفت كرامة الشباب الفلسطيني خاصة طلاب الجامعات الذين كانوا دائمًا في حالة من الاستنفار والمواجهة شبهاليومية مع قوات الاحتلال, وقد خرجت علي إثر حادثة السيارة المتعمدة هذه مسيرة عفوية غاضبة في جباليا أدت إلي سقوط شهيد وعدد من الجرحي, فاجتمعنا نحن قادة الإخوان المسلمين في قطاع غزة علي إثر ذلك وتدارسنا الأمر واتخذنا قرارًا مهمًا يقضي بإشعال انتفاضة في قطاع غزة ضد الاحتلال الصهيوني, وتم اتخاذ ذلك القرار التاريخي في ليلة التاسع من ديسمبر 1987, وقررنا الإعلان عن «حركة المقاومة الإسلامية» كعنوان للعمل الانتفاضي الذي يمثل الحركة الإسلامية في فلسطين, وصدر البيان الأول موقعًا بـ«ح.م.س», هذا البيان التاريخي الذي أعلن بداية انتفاضة سيكتب لها أن تغير وجه التاريخ بإذن الله, وبدأنا الانتفاضة انطلاقًا من المساجد, واستجاب الناس, وبدأ الشعب الفلسطيني مرحلة من أفضل مراحل جهاده, ولقد كنت مقيمًا في مخيم «خان يونس» في ذلك الوقت.
وفجأة بعد منتصف ليلة الجمعة الخامس عشر من يناير 1988 أي بعد 37 يومًا من اندلاع الانتفاضة إذا بقوات كبيرة جدًا من جنود الاحتلال تحاصر البيت, بعض الجنود تسوروا جدران فناء البيت بينما عدد آخر منهم أخذوا يحطمون الباب الخارجي بعنف شديد محدثين أصواتًا فزع بسببها أطفالي الصغار وقد كانوا في غرفة مجاورة لغرفتي, فنهضت علي الفور من الفراش, وخرجت من غرفة النوم لأتترس ببابها كي أمنع الجند من الدخول إلي الغرفة, ولما حاول ثلاثة من الجنود اقتحام الغرفة عنوة وحاولوا الاعتداء عليّ لإبعادي عن بابها دخلت معهم في اشتباك بالأيدي جُرح علي أثره أحد الجنود, وهنا ارتفع صوت الضابط وهو يأمرهم بالابتعاد عن الغرفة والإقلاع عن الاشتباك, ثم طلب مني ارتداء ملابسي ففعلت, وخرجت معهم فعصّبوا عيني وكبلوا يدي من الخلف بعنف شديد تورمت علي أثره يداي, وفقدت الإحساس في أجزاء من يدي لمدة زمنية طويلة, وكان ضابط الأمن الصهيوني المُلقب «بأبي رامي» وهو اسم أمني حركي يعاني جنون العظمة, فبعد اعتقالي تناقل الناس فيما بينهم أنني ضربت «أبا رامي» ضربًا مبرحًا, فكان يتحرك في الشارع برفقة جنوده المدججين بالسلاح ويقول للناس: انظروا إليّ فأين آثار الضرب وأنتم تزعمون بأن الدكتور قد ضربني? والواقع أنه كان بعيدًا عندما اشتبكت مع الجنود ولم يشارك في العراك.
كرامات في المعتقل
كنا في المعتقل الصحراوي في النقب وذلك عام 988, وكنا في فصل الصيف حيث الحرارة الشديدة, وفي اخر ليلة من رمضان استيقظنا لتناول السحور فإذا بالحرارة لا تطاق, وشعرنا بأننا أمام يوم صعب, وانتظمنا في صلاة الفجر, وصلي بنا إمامًا طالب من طلاب الجامعة الإسلامية, وقد حباه الله سبحانه صوتًا نديًا في تلاوة القرآن, وبعد القيام من ركوع الركعة الثانية رفع إمامنا أكُف الضراعة باكيًا يدعو الله ونحن نؤمّن من خلفه, وألهمه الله فقال في دعائه: اللهم سق إلينا الغمام, وأسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين, وألح في الدعاء وكان الواحد منا يقول في نفسه: ومن أين سيأتي الغمام في يوم من أيام الصيف كهذا اليوموفي مكان صحراوي كصحراء النقب? وتنفس الصباح, واشتعلت الأرض, إندخلنا الخيام فكأنها حمامات شمسية, وإن خرجنا من الخيام شعرنا كأن جهنم تحيط بنا من كل جانب, وما هي إلا لحظات بعد ارتفاع الشمس قليلاً فإذا بغيمة تتهادي من بعيد لتستقر فوق المعتقل مظللة جزءًا من خيام المعتقلين فلم نصدق عيوننا, ثم تبعتها أخري, ثم جاء الغيم تباعًا حتي ظلل المعتقل كاملاً ومساحة حوله, فكنا نشاهد علي الأرض حدود ظلال الغيوم من حولنا وبعدها تبدو أمام ناظرينا شمس تلفح سطح الأرض, ثم تساقط المطر وتساقطت معه دموع المعتقلين الذين اعتبروا ذلك آية ورحمة من الله سبحانه, وخرجنا علي الفور من الخيام وأخذت أدعو ويؤمّن المعتقلون من خلفي, ثم تناوب الإخوة الدعاء والحمد والتسبيح تغمرنا فرحة استجابة الله لدعائنا في صلاة الفجر.
ثلاثة أشهر في زنزانة انفرادي
في عام 1991 كنت في معتقل النقب أقضي حكمًا إداريًا لمدة عام, وكان المعتقلون منذ افتتاح هذا المعتقل عام 1988 حتي ذلك الوقت محرومين من زيارات ذويهم, ومع إلحاح المعتقلين واحتجاجاتهم المتكررة بدت هناك استعدادات لدي إدارة المعتقل بالسماح للأهل بالزيارة, وقام مدير عام المعتقل وهو صاحب رتبة عسكرية رفيعة ويدعي «شلتئيل» يطلب عقد لقاء مع ممثلي المعتقلين, ولقد اجتمع ممثلون عن مختلف الفصائل في خيمة من خيام المعتقل في أحد أقسامه لتدارس الأمر قبل انعقاد اللقاء مع الإدارة, وأحب المعتقلون أن أرافقهم وقد فعلت, وأثناء لقائنا في الخيمة سمعت بعض الشباب يحذر من «شلتئيل» ويضخم من شأنه ويخشي من غضبه, فشعرت بأن له هيبة في نفوس بعض الشباب وهذا لم يرُق لي ولكني لم أعقب بشيء, ثم جاءت حافلة في يوم اللقاء لتقلنا إلي ديوان «شلتئيل» وأخذت وأنا في الحافلة أفكر في استعلاء هذا الرجل وهيبته في نفوس الشباب وكيفية انتزاع هذه الهيبة من نفوسهم, ولقد وطنت نفسي علي فعل شيء ما ولكني لا أعلمه, ولكن كان لديّ استعداد تام أن أتصدي له إذا تصرف بطريقة لا تليق, ووصلت الحافلة ودخلنا ديوانه فكان عن يميننا داخل القاعة منصة مرتفعة حوالي 30 سنتيمترًا عن باقي الغرافة, وعليها عدد من الكراسي, وعن شمالنا كانت هناك عدة صفوف من الكراسي المعدة لنا, فجاء رؤساء الأقسام لمختلفة وجميعهم من الحاصلين علي رتب عسكرية في الجيش, ومن بينهم مسئول أحد الأقسام قد كان في الماضي نائب الحاكم العسكري لمدينة «خان يونس» وكان يعرفني مسبقًا, وكان نائب «شلتئيل» أيضًا يجلس المعتقلون الممثلون لكافة الفصائل علي الكراسي المعدة لهم وجهًا لوجه مع رؤساء الأقسام تفصلنا عنهم مسافة لا تزيد علي مترين, ولقد جسلت في الصف الأول في الكرسي الأول الأقرب إلي باب الديوان, ثم بعد وقت قليل دخل «شلتئيل», وكان رجلاً طويل القامة ضخم الجثة فالتفت بطريقة عسكرية إلي المنصة وأشار بيده يدعوهم إلي القيام له فقاموا, ثم التفت إلينا بطريقة عسكرية وأشار بيده فوقف الشباب وبقيت جالسًا, وكان هذا اللقاء هو اللقاء الأول بيني وبينه فلا يعرفني, فاقترب مني وقال: لماذا لا تقف? فقلت له: أنا لا أقف إلا لله وأنت لست إلهًا ولكنك مجرد إنسان وأنا لا أقف للبشر, فقال: يجب عليك أن تقف فأقسمت بالله يمينًا مغلظًا ألا أقف, فأصبح في حالة من الحرج الشديد ولم يدر ما يفعل, حاول التدخل أحد قادة فتح في المعتقل وهو العقيد «سامي أبو سمهدانة» ليخبره أنني إذا قررت لا أتراجع فرفض الاستماع إليه وأصر علي موقفه, ولكني أبيت بشدة, فقال نائبه: يا دكتور هنا يوجد بروتوكول يجب أن يحترم, فقلت له: ديني أولي بالاحترام ولا يجيز لي الإسلام أن أقف تعظيمًا لمخلوق, فقال: وما الحل? قلت: إما أن أبقي جالسًا أو أعود إلي خيمتي, فقال «شلتئيل» عد إذن إلي خيمتك فخرجت من الديوان ولم يخرج معي إلا الأخ المهندس «إبراهيم رضوان» والأخ «عبد العزيز الخالدي», وكلاهما من حماس, وبعد أيام قلائل كان قد مضي علي اعتقالي تسعة أشهر ولم يتبق إلا ثلاثة أشهر فقط للإفراج عني, فإذا بهم يستدعونني ويطلبون مني أن أن أجمع متاعي وهذا يعني في مفهوم المعتقلات ترحيل ولكن لا ندري إلي أين, وكانت تنتظرني حافلة, فما أن ارتقيتها حتي وجدت كل الأخوين فيها وقد أُحضرا من قسميهما فأدركت أنها عقوبة ولا توجد عقوبات سوي الزنازين, وانطلقت بنا الحافلة إلي «معتقل سبعة» حيث توجد خمسون زنزانة, وما أن وصلنا حتي تسلمنا مسئول الزنازين ويدعي «نير» الذي أخبرنا وهو ممتعض بأننا معاقبون بوضعنا في زنازين انفرادية لمدة ثلاثة أشهر, وتبين لنا فيما بعد أن سبب امتعاضه اعتباره أن العقوبة كانت لأسباب شخصية, أي أنه لم يرُق له أن ينتقم «شلتئيل» لنفسه بهذه الطريقة خاصة أن أقصي عقوبة من العقوبات اليومية الروتينية لا تصل إلي سبعة أيام, ولذلك لم يكن سيئًا في استقبالنا كما يفعل مع الشباب, وربما أن السن والدرجة العلمية لعبت دورًا في التأثير عليه, وأُخذنا إلي الزنازين المخصصة لنا كلى في زنزانته وحيدًا, وكنا نخرج يوميًا لمدة ساعة ما عدا يوم السبت في ساحة محاطة بالأسلاك الشائكة حيث الدورة والحمامات, لأن الزنازين لم تكن بها دورة مياه ولا حمام, وبدأنا رحلتنا مع القرآن أما أنا فأراجعه بعد أن منّ الله عليّ بإكمال حفظه من قبل عام 1990 حيث كنت والشيخ أحمد ياسين في زنزانة واحدة في معتقل «كفاريونه», وأما المهندس فبدأ بحفظ القرآن في الزنزانة وكان رجلاً ذكيًا جدًا ويجيد العبرية بطلاقة, وقد تمكن من حفظ القرآن قبل انقضاء الثلاثة أشهر والحمد لله رب العالمين.

رد مع اقتباس
  #11  
قديم 12-21-2010, 11:57 PM
المرابط المرابط غير متصل
ابن المرابط رحمه الله
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 6,944
معدل تقييم المستوى: 18
المرابط will become famous soon enough
افتراضي رد: من مذكرات الدكتور عبد العزيز الرنتيسى ....

الجزء الثالث


عندما يستجاب الدعاء

لقد أحاط الصهاينة المعتقل بخيامه وزنازينه بمكبرات صوت وُضعت علي أعمده, من فوائدها سماع نشرة الأخبار وإن كان ذلك من مذياع العدو الصهيوني الذي ينقل بعض الصورة أو ينقل الصورة مشوهة, إلا أننا كنا نتعرف علي بعض ما يجري خارج أسوار المعتقل في الضفة الغربية وقطاع غزة خاصة أننا حُرمنا من زيارة الأهل, وأما من شرور مكبرات الصوت أنها معظم الوقت تنقل إلي مسامعنا أغاني صارخة مصطحبة بموسيقي صاخبة مما كان يؤذي مسامعنا إذا قمنا إلي الصلاة أو أخذنا في مراجعة القرآن, خاصة أن الصوت كان يعبر من نوافذ الزنازين إلي داخلها فيدحث ضجيجًا هائلاً لا نستطيع معه النوم ولا التلاوة, فما كان منا إلا أن فزعنا إلي الدعاء كي يخلصنا الله من هذه المكبرات, وما هي إلا أيام قلائل وبينما كنت واقفًا مع المهندس «إبراهيم» في الساحة خارج الزنزانة أثناء الساعة المقررة لنا, وكنا نصغي إلي نشرة الأخبار, فإذا بمدير هذا القسم من المعتقل يشاهدنا, فسأل «نير» ونحن نسمعه: ماذا يفعل الدكتور والمهندس? قال له «نير»: يستمعان إلي نشرة الأخبار, فغاظه ذلك وقال له: اقطع أسلاك مكبرات الصوت المقابلة للزنازين ظنًا منه أننا سنأسف لذلك وأنه سيؤلمنا, ففعل «نير» واستجاب الله دعاءنا, وأراحنا من الضجيج, مع العلم أننا كنا نتمكن من سماع الأخبار عن بعد من خلال مكبرات الصوت في الأقسام المجاورة.
وذات يوم سمعنا صراخًا ينطلق من إحدي الزنازين, فنظرت من نافذة الزنزانة, لعلي أري مصدر الصوت فإذا بأحد الحراس واسمه «عمير» يخرج من إحدي الزنازين ويقوم بتمثيل أمام «نير» كيفية ضرب الشاب في الزنزانة, لقد كان مزهوًا وهو يمثل الدور مما أثار مدامعنا, لقد كان الشاب يصرخ ويستغيث ولا نستطيع أ نفعل له شيئًا, ثم قدر لنا أن نري هذا المشهد الذي قام به «عمير» وهو لا يعلم أننا نراه, فانصرفت لأصلي ركعتين ودعوت الله أن ينتقم من «عمير» وفوجئت بعد ذلك مباشرة أن «عمير» قد تغيب لعدة أسابيع, وظننا أنه قد تم نقله, ولكنه جاء بعد ذلك وفي مشيته عرج, فسألته: هل بساقك ألم? فقال: لا ولكن هناك شيئًا برأسي, وهذا يعني ورمًا خبيثًا في المخ, فحمدت الله علي استجابة الدعاء, ولا غرابة في ذلك والرسول صلي الله عليه وسلم يقول: «اتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين الله حجاب».
ومن يُهن الله فما له من مكرم
لقد مضت الثلاثة أشهر وجاءت الليلة الأخيرة في المعتقل, وفي بعض الزنازين غير الملاصقة لزنازيننا كان عدد من العملاء الذين فروا م المعتقل وسلموا أنفسهم لإدارة المعتقل بعد أن انكشف حالهم للمعتقلين, وفوجئت في آخر ليلة بمجئ «نير» إلي زنزانتي ليقول: يا دكتور أنت غدًا سيتم الإفراج عنك, ثم قال: لقد طلب مني «المفوكسين» -وهو مصطلح كان يطلقه المعتقلون علي العملاء- أن يسلموا عليك فماذا تقول? ففكرت قليلا وجال بخاطري أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء, وقلت: لعل موافقتي بالسلام عليهم توقظ ضمائرهم فيحدثوا توبة, فقلت له: موافق, فتغير وجهه وقال: يا دكتور هؤلاء «زبل» كيف تسلم عليهم? فقلت بعفوية: لعل الله يهديهم, فقال: تفضل وفتح باب الزنزانة حيث كان يتحدث إليّ من كوة في الباب, وخرجت لنسير حوالي أربعين مترًا هي المسافة بين زنزانتي وزنزانتهم وفجأة توقف «نير» في منتصف الطريق وقال: يا دكتور هؤلاء «مفوكسون» هؤلاء «زبل» كيف تسلم عليهم? ولكني عزمت فمضي حتي إذا وصلنا إلي زنزانتهم فتح كوة صغيرة في أعلي الباب وطلب منهم أن يمدوا أيديهم للتسليم عليّ ففعلوا, ثم طلبوا منه أن يدخلني عندهم وكانوا من النصيرات, وهنا لم يترك كلمة سيئة في القاموس إلا قالها لهم رافضًا فتح الباب, ثم عدت إلي زنزانتي لأغادر المعتقل في الصباح بعد أن أمضيت عامًا كاملاً بدون محاكمة في اعتقال يطلق عليه اعتقال إداري.


يتبع إن شاء الله....

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 12-22-2010, 12:12 AM
فارس الخلا فارس الخلا غير متصل
Banned
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 56
معدل تقييم المستوى: 0
فارس الخلا is on a distinguished road
افتراضي رد: من مذكرات الدكتور عبد العزيز الرنتيسى ....

أســــأل الله أن يجمعنا به في جنات الــخــلد بصحبة الأنبياء والصحابة


أمين

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 12-22-2010, 01:27 AM
شموخ النسر شموخ النسر غير متصل
رحالة المنتدى
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 3,156
معدل تقييم المستوى: 14
شموخ النسر will become famous soon enoughشموخ النسر will become famous soon enough
افتراضي رد: من مذكرات الدكتور عبد العزيز الرنتيسى ....

أخي المرابط الله يعطيك العافيه

مجهود تشكر عليه وأن شاء الله في ميزان حسانتك

فهذا الجيل الشاب بحاجة لمعرفة تفاصيل سيرة أعلام

النضال في العالم الأسلامي .... واصل ونحن متابعين

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 12-22-2010, 02:24 AM
حصان رزان حصان رزان غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 4,030
معدل تقييم المستوى: 15
حصان رزان will become famous soon enoughحصان رزان will become famous soon enough
افتراضي رد: من مذكرات الدكتور عبد العزيز الرنتيسى ....

أســــأل الله أن يجمعنا به في جنات الــخــلد بصحبة الأنبياء والصحابة


أمين



جزاك الله خيرا أخي الكريم المرابط

__________________
يا الله التقوى
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 12-22-2010, 03:06 AM
همام30 همام30 غير متصل
Banned
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 88
معدل تقييم المستوى: 0
همام30 is on a distinguished road
افتراضي رد: من مذكرات الدكتور عبد العزيز الرنتيسى ....

الشكر الجزيل

تابع أكرمك الله

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:05 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.