منتديات الملاحم و الفتن  

العودة   منتديات الملاحم و الفتن > الأقسام الشرعية > سير أعلام النبلاء

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #11  
قديم 02-18-2017, 07:30 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,313
معدل تقييم المستوى: 6
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النميري الحراني (661هـ/1263م حران-728هـ/1328م دمشق) المشهور بابن تيمية، فقيه وعالم مسلم مجتهد شديد التأثر بأصول مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وتميزت أعماله باعتماد نص الكتاب والحديث وترجيحه على العقل والقياس، وربط قيام الدين بالإمارة وعدّها من أعظم واجبات الدين.[2] ساهم ببلورة عقيدة الجهاد وأعلى من شانها لمنزلة الأركان،[3] فتركت آثاره صدى واسع في القرن العشرين لدى من انتسبوا إلى "الإسلام السياسي" أو الحركي، [4] وميز بين ما أسماه "الجهاد المكي" الذي يتم "بالعلم والبيان" والجهاد المدني"، الذي يتم "باليد والحديد"؛[3] وقسم الجهاد إلى قسمين هما جهاد الابتداء أو الاختيار و عدّه فرض كفاية وجهاد الدفع أو الاضطرار وعدّه فرض عين، ورأى وجوب قتال كل من بلغته الدعوة ولم يستجب لها؛ فشارك في قتال التتار الذين ظهرو في فترته بالمشرق، كما قاتل الطوائف الشيعية والإسماعيلية وأفتى بوجوب قتال كل طائفة "ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام" وهاجم الطريقة الصوفية الرفاعية وآخرون إعتبرهم من "أنصار البدع" وعارض بشدة علم الكلام كما تطور في ذلك الحين في سوريا ومصر، ووقف ضد أنصار "وحدة الوجود" لإبن عربي وشكل جماعات تدعو إلى "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". توفي في سجنه بقلعة دمشق.



نشأته

ولد في مدينة حران في الجزيرة الفراتية في 10 ربيع الأول سنة 661 هـ لأسرة اشتغل أبناءها بالعلم وتتبع المذهب الحنبلي، وعند بلوغه السابعة من عمره في سنة 667 هـ انتقل مع عائلته من مسقط رأسه حران إلى مدينة دمشق وذلك بعد إغارة التتر عليها. فترعرع في دمشق حيث درس علوم اللغة والدين والحساب. وبدأ اهتمامه بالدراسة والعلم منذ صغره فأخذ عن أكثر من مائتي شيخ، وكان أول سماع له من ابن عبد الدائم المقدسي وهو في السابعة من عمره، كما حفظ القرآن الكريم في صغره، وأتقن عدداً من العلوم منها التفسير والحديث والفقه والعربية وغيرها من العلوم، ويذكر بعض المؤرخون أيضاً أنه أجاد ثلاثة لغات غير اللغة العربية وهي العبرية والتركية واللاتينية. وشرع في الإفتاء وهو في سن السابعة عشرة من عمره أي سنة 677 هـ وقد بدأ بالتأليف في هذا السن أيضاً، وبدأ في التدريس وهو في الحادية والعشرين من عمره في سنة 681 هـ بعد موت أبيه في المدرسة السكرية، وتولى مشيختها في يوم الاثنين 2 محرم 683 هـ، وبدأ بدرس التفسير بالجامع الأموي في 10 صفر 691 هـ وكان يبلغ من العمر ثلاثين سنة، واستمر فيه سنين طويلة. ودرس بالمدرسة الحنبلية في 17 شعبان 659 هـ.


خلفية

الحالة السياسية

إن العصر الذي ولد فيه ابن تيمية عصر يتسم بحوادث خطيرة، وقلاقل كثيرة، وهو عصر ذو أهمية كبيرة من النواحي السياسية والاجتماعية الخُلقية والعلمية والدينية، واتسمت الحالة السياسية في عصر ابن تيمية بالاضطراب والتفكك، فقد انقسمت البلدان الإسلامية إلى عدة دويلات وممالك صغيرة، وكان من أشهر حوادث ذلك العصر خروج الفنرج من المغرب إلى الشام كما ذكر ابن الأثير، وكان خطر الفرنجة قد انتهى على يد الملك الأشرف خليل بن المنصور الذي انهى الوجود الصليبي من آخر الحصون حين فتح عكا وبقية الثغور التي كانت بأيديهم في سنة 690 هـ. وكان الخطر الثاني، هو أن التتر الخارجين من المشرق اجتاحوا البلدان الإسلامية، واسقطوا الخلافة الإسلامية وتم قتل الخليفة العباسي من قبلهم. وولد ابن تيمية بعد سقوط بغداد بخمس سنوات وبعد دخول التتر إلى مدينتي حلب ودمشق بثلاثة سنوات. وعندما كان عمره سبع سنوات شن التتر حملة على مسقط رأسه مدينة حَرَّان.[5] فخرجت أسرته منها فراراً من التتر الذين كانوا إذا دخلوا دمروها وأبادوا معظم سكانها، وتوجهت العائلة إلى مدينة دمشق.[6] وكان المماليك يحكمون مصر والشام من قبل مولد ابن تيمية بثلاث عشرة سنة، وقد كان المماليك أتراكاً أسكنهم الملك الصالح نجم الدين أيوب آخر ملوك الأيوبيين اعترافاً منه بشجاعتهم ووفائهم، وكان من بين الحكام رجل اسمه عز الدين أيبك التركماني الذي اغتال توران شاه خليفة الملك الصالح ينة 647 هـ واستولى على الحكم، وتلقب بلقب الملك المعز، واغتيل في سنة 655 هـ فخلفه ابنه نور الدين علي. وفي سنة 657 هـ استولى سيف الدين قطز على الحكم وهو الذي انتصر على التتر في واقعة عين جالوت، ولم تمض سنة واحدة على تربعة على عرش الحكم حتى قتله ركن الدين بيبرس واستولى على الحكم، واستمر فيه مدة ثمانية عشر عاماً. ولد ابن تيمية في أيام الملك الظاهر بيبرس، الذي كان يحكم آنذاك مصر والشام، وعند وفاة بيبرس كان ابن تيمية يبلغ من العمر 15 عاماً.[7] ومنذ نهاية حكومة الملك الظاهر الذي توفي في سنة 676 هـ إلى 709 هـ تربع على عرش مصر تسعة حكام من المماليك في خلال 33 عاماً فقط. وفي خلال هذه الفترة تمتعت دولة المماليك بحاكم قوي اسمه سيف الدين قلاوون عمل على تنظيم أمور الدولة، وقام بشن غارة على التتر في 678 هـ وهزمهم فيها، وقام أيضاً بفتح طرابلس الشام التي كانت بيد الصليبيين منذ 185 سنة. حكم بين سنة 678 هـ - 689 هـ مدة اثني عشر عاماً. وبعد وفاته اضطرب أمر الحكم حتى تقلد زمامه ابنه الملك الناصر محمد بن قلاوون للمرة الثالثة استمر في في فترة حكمه هذه مدة 32 سنة. وقد كان الملك الناصر هو المعاصر الأصيل لابن تيمية، ويشتهر هذا الملك بسمعته الجيدة وقد نالت الدولة في عصره ازدهار ووحدة وقوة.[8]

الحالة الاجتماعية

وكان الوضع الاجتماعي للبلاد انعكاساً للوضع السياسي، فقد إتصف بالاضطراب وعدم الاستقرار وامتلأت الحياة الاجتماعية للمسلمين في ذلك العصر بالفساد، وأدت غارات التتر والصليبيين إلى فقدان الأمن، واضطراب النظام وانتشار الفزع والخوف بين السكان المسلمين، وأدى هذا إلى نقص الأموال والزراعة نتيجة لعدم اهتمام الناس بها والعمل، مما أدى إلى كساد الحالة الاقتصادية، وانتشار الفقر والغلاء، واحتكار السلع لبيعها بأثمان باهظة. وأدى اختلاط أهل البلاد بعضهم بالبعض الآخر إلى تفكك في الروابط الاجتماعية والأسرية، وانتشار عادات وتقاليد وأفكار جديدة.[9] وبالنسبة لوضع الحكام فقد كانت البلاد نحكم من قبل أتراك، ويذكر المؤرخون أنهم كانوا يعيشن بشعر الأفضلية وتمتاز عن المجتمع العام في الدولة في كل شيء، وتتكلم بلغتها الأم التركية، عدا مناسبات العبادة أو الخطاب مع العلماء أو الحديث مع الجماهير، وكان بعض الملوك لا يتقنون العربية إلا بالقدر القليل الذي يؤدون به الواجب، وكانوا مع ذلك يقدرون العلماء والمشايخ ويحبونهم، ويقبلون على تأسيس المدارس وبناء المساجد، ولم يكونوا يتحيزن في تقسيم المناصب فئة دون فئة، إلا أن المناصب الإدارية والعسكرية كانت تتحول إلى الرؤساء الأتراك، وكان الأتراك والتتر هم أصحاب الحكم والإقطاعات الذين يستغلون المزارعين والعمال. وفي سنة 697 هـ حينما حاول حسام الدين لاجين في أيام حكمه توزيع الأراضي بطريقة تنفع المزارعين، وإصلاح أحوالهم، لم يرض به الحكام وثاروا عليه.[10]

الحالة العلمية

شهد العصر الذي عاشه ابن تيمية نهضة علمية كبيرة بالرغم من الأحداث الحاصلة من انعدام للأمن واضطراب الأحوال. وخرج من ذلك العصر علماء وأئمة كبار.[11] ونهض في أوساط هذا القرن أئمة كبار كتقي الدين أبي عمرو ابن الصلاح (577 هـ - 643 هـ) ومحيي الدين النووي (631 هـ - 676 هـ). وظهر في أواخر هذا القرن علماء كبار تقي الدين ابن دقيق العيد (625 هـ - 702 هـ)، والأصولي المتكلم علاء الدين الباجي (631 هـ - 714 هـ). وكان من معاصريه كبار المحدثين والمؤرخين مثل جمال الدين أبي الحجاج المزي (654 هـ - 742 هـ) وعلم الدين البرزالي (665 هـ - 793 هـ) وشمس الدين الذهبي (673 هـ - 747 هـ) ويعد هؤلاء الأربعة أركان الحديث والرواية في عصرهم. ونبغ أيضاً علماء ذوو كفاءات علمية عالية وكانوا مراجعاً للناس، مثل كمال الدين ابن الزملكاني (667 هـ - 727 هـ) وجلال الدين القزويني (666 هـ - 739 هـ) والقاضي تقي الدين السبكي (683 هـ - 756 هـ) وأبي حيان النحوي (654 هـ - 745 هـ). وكان انتشار العلم في تقدم مطرد، فكانت مصر والشام تحتويان على مدارس كبيرة ودور للحديث، التي أسسها الأيوبيون والمماليك. وكانت هذه المدارس ملتقى للطلاب من أنحاء العالم. وكانت المكتبات منتشرة في كل مكان، وكانت المكتبة التابعة لمدرسة الكاملية التي أسسها الكامل محمد الأيوبي في سنة 621 هـ تحتوي وحدها على مئة ألف كتاب.وفي هذا القرن ألفت كتب أصبحت مرجعاً للعلماء المتأخرين مثل مقدمة تقي الدين ابن الصلاح، وكتاب القواعد الكبرى المُسمى بقواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز الدين بن عبد السلام، وشرح مسلم للنووي، وكتاب الإمام في معرفة أحاديث الأحكام، وإحكام الأحكام في شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد، وكتاب تهذيب الكمال لأبي الحجاج المزي، وميزان الاعتدال وتاريخ الإسلام للذهبي.[12] ويقول أبو الحسن الندوي في وصف حال العلم والتأليف في هذا القرن: «كان يتسم العلم والتأليف في هذا القرن بالسَّعة وقلة التعمق، ويغلب طابع النقل والاقتباس على التفكير والدراسة والتعمق في العلم، باستثناء عدد من الشخصيات والمآثر العلمية. وتكونت للمذاهب الفقهية قوالب من حديد لا تتقبل المرونة والتسامح، وإن كان القول السائد أن الحق دائرٌ بين المذاهب الأربعة، ولكن أتباع كل مذهب يحصرون الحق في مذهبهم في الواقع، ولا يزيدون إذا توسعوا كثيراً على أن يقولوا: «رأي إمامنا صوابٌ يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب». لقد كان أتباع كل مذهب يرجحون مذهبهم الفقهي على سائر المذاهب الفقهية، ويعتبرونه مقبولاً ومؤيداً من الله، كانوا يبذلون كل ذكائهم وقوة بيانهم وتأليفهم في ترجيحه وتفضيله على غيره. أما النظرة التي كان أتباع المذاهب ينظرون بها إلى مذاهبهم، والعقلية التي تسودُ أهلها، فيمكن تقدير ذلك بأن الملك الظاهر بيبرس لما نصب لكل مذهب قاضي للقضاة خاصاً به، خلافاً للعادة المتبعة في زمنه، وهي ألا يكون قاضي القضاة إلى شافعياً، استنكر ذلك فُقهاء الشافعية، إذ كانوا لا يرضون إلا أن يروا مصر خاضعة للقاضي الشافعي، ظناً منهم أن مصر أحقُّ بالمذهب الشافعي لأنها مدفن الإمام الشافعي، ولما انتهى حكم الملك الظاهر، وانتقلت المملكة من أسرته إلى غيرها، رأى ذلك بعض الشافعية نقمة إلهية، وعقاباً لفعلته التي فعلها.»[13]


بداياته

نسبه

هو:«تقي الدين أبو العباس أحمد بن شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن أبي محمد عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر [بن إبراهيم[14]] بن علي بن عبد الله الحراني.» ابن تيمية النميري الحراني، ثم الدمشقي الحنبلي.[15][16][17]

ونسبته "النميري"، نسبة إلى قبيلة "بني نمير" فهو عربي الأصل، وأثبت هذا النسب القاضي نور الدين محمود العدوي الصالحي المعروف "بالزوكاوي" المتوفي في سنة 1032 هـ في كتابه الزيارات، وابن ناصر الدين الدمشقي المتوفى في سنة 842 هـ في كتابه التبيان لبديعة البيان. وقال محمد أبو زهرة في كتابه "ابن تيمية" بأنه كردي فقال: «بأن شيخ الإسلام لم يكن عربي، وأنه كان كردياً، بدليل أو المؤرخين لم يذكروا قبيلته.» وقد رد على قوله هذا إبراهيم محمد العلي في كتابه "شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رجل الإصلاح والدعوة" بالنفي واستدل بالكتابين السابقين لتأكيد أصله العربي.[18]

وسبب تسميته بابن تيمية، فقد جاء في سبب هذه التسمية عدة أقوال: فقيل أن جده محمد بن الخضر حج وله امرأة حامل، وعندما كان على درب تيماء، رأى جارية طفلة خرجت من خِباء، فلما رجع إلى حران وجد امرأته قد ولدت بنتاً، فلما رآها قال: يا تَيْمِيَّة يا تَيْمِيَّة، فلُقب بذلك.[15][19][20] والقول الآخر هو أن محمد بن الخضر هذا كانت أمه تسمى تيمية وكانت واعظة، فنُسب إليها، وعُرف بها.[18][21][22]

ألقابه

تلقيبه «شيخ الإسلام»: أثنى عدد كبير من العلماء على ابن تيمية وأشادوا به، وهؤلاء هم من الذين عاصروه أو جاؤوا بعده، وأطلقوا عليه لقب «شيخ الإسلام». وجاء في معنى هذا اللقب من قاله ابن ناصر الدين الدمشقي: «منها: أنه شيخ في الإسلام قد شاب ، وانفرد بذلك عمن مضى من الأتراب، وحصل على الوعد المبشر بالسلامة: "أنه من شاب شيبة في الإسلام فهي له نور يوم القيامة". ومنها: ما هو في عرف العوام أنه: العُدَّة، ومفزعهم إليه في كل شدة. ومنها: أنه شيخ الإسلام بسلوكه طريقة أهله، قد سلم من شر الشباب، وجهله؛ فهو على السنة في فرضه، ونفله. ومنها: شيخ الإسلام بالنسبة إلى درجة الولاية، وتبرك الناس بحياته، فوجوده فيهم الغاية. ومنها: أن معناه المعروف عند الجهابذة النقاد، المعلوم عند أئمة الإسناد: أن مشايخ الإسلام، والأئمة الأعلام، هم المتبعون لكتاب الله عز وجل، المقتفون لسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين تقدموا بمعرفة أحكام القرآن، ووجوه قراآته، وأسباب نزوله، وناسخه ومنسوخه، والأخذ بالآيات المحكمات، والإيمان بالمتشابهات، قد أحكموا من لغة العرب ما أعانهم على علم ما تقدم، وعلموا السنة نقلاً، وإسناداً، وعملاً بما يجب العمل به، وإيماناً بما يلزم من ذلك، اعتقاداً، واستنباطاً للأصول، والفروع من الكتاب والسنة، قائمين بما فرض الله عليهم، متمسكين بما ساقه الله من ذلك إليهم، متواضعين لله العظيم الشان، خائفين من عثرة اللسان، لا يدعون العصمة، ولا يفرحون بالتبجيل، عالمين أن الذي أوتوا من العلم قليل، فمن كان بهذه المنزلة: حُكِمَ بأنه: إمام، واستحق أن يقال له: شيخ الإسلام.»[23][24] وقد اورد ابن ناصر الدين الدمشقي أيضاً في كتابه الرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر سبعة وثمانين ترجمة لأكابر العلماء في عصر ابن تيمية وبعد عصره ممن أطلقوا هذا اللقب عليه.[25] وسبب تأليفه لهذا الكتاب بسبب أن هناك من قال: «من سمّى ابن تيمية شيخ الإسلام كان كافراً، لا تصح الصلاة وراءه».[26]

وذكر ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب، قصيدة أبي حيان النحوي التي أنشدها لابن تيمية لما دخل مصر واجتمع به وأشار فيها أنه أحد المجددين[27][28]:



لمَّا رأيْنَا تَقِيَّ الدينِ لاحَ لنَا داعٍ إلى اللهِ فردٌ ما له وَزَرُ
على مُحَيَّاهُ مِنْ سِيْمَا الأُولَى صَحِبُوا خيرَ البَرِيَّةِ نُوْرٌ دُوْنَهُ القَمَرُ
حَبْرٌ تَسَرْبَلَ مِنْهُ دَهْرُهُ حِبرًا بَحرٌ تَقَاذَفُ مِنْ أمواجه الدُّرَرُ
قامَ ابنُ تَيميَّةٍ في نَصْرِ شِرعَتِنَا مَقَامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إذْ عَصَتْ مُضَرُ
فأَظْهَرَ الدِّينَ إذْ آثارُهُ دَرَسَتْ وأَخْمدَ الشِّرْكَ إذ طارَتْ لَهُ شَرَرُ
يامَنْ تَحَدَّثُ عن عِلْمِ الكتابِ أصِخْ هذا الإِمامُ الذي قَدْ كان يُنتظر

وقال أيضاً أنه ممن صرح بذلك عماد الدين الواسطي الذي قد توفي قبل ابن تيمية[29]

أسرته



شجرة لأعلام ومشاهير آل تيمية من القرن السادس إلى التاسع الهجري.
إن أسرة ابن تيمية كانت إحدى أسر مدينة حران المشتهرة بالعلم والدين وكانت هذه الأسرة منذ أن عرف تاريخها حنبلية المذهب وتتزعمه في تلك الديار، وعمل أكثر رجالها العلماء بالتدريس والإفتاء والتأليف.[30]

أبوه: (عبد الحليم ابن تيمية) هو شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني. كان عالماً ومحدثاً، وفقيهاً حنبلياً. ولد في مدينة حران في سنة 627 هـ، وتلقى العلم على يد والده وغيره من العلماء، ورحل في صغره إلى حلب وسمع من شيوخها وأهل العلم فيها، حتى أصبح مدرس ومفتي، ثم صار شيخ مدينته حران وخطيبها. وعند انتقاله إلى مدينة دمشق قام بالتدريس بصورة منتظمة في الجامع الأموي، وولي مع ذلك مشيخة دار الحديث السكرية بالقصاعين، وسكن بها حتى وفاته في سنة 682 هـ، ودفن في مقابر الصوفية.[31] قال الذهبي : «قرأ المذهب حتى أتقنه على والده، ودرس وأفتى وصنف وصار شيخ البلد بعد أبيه، وخطيبه وحاكمه، وكان إماماً محققاً كثير الفنون له يد طولى في الفرائض والحساب والهيئة، ديناً متواضعاً، حسن الأخلاق جواداً، من حسنات العصر، تفقه عليه ولداه أبو العباس وأبو محمد، وإن قدومه إلى دمشق بأهله وأقاربه مهاجراً سنة سبع وستين، وكان من أنجم الهدى، وإنما اختفى من نور القمر، وضوء الشمس. (إشارة إلى والده وابنه).» ويقول علم الدين البرزالي: «كان من أعيان الحنابلة، باشر بدمشق مشيخة دار الحديث السكرية، وكان له كرسي بالجامع يتكلم عليه أيام الجمع من حفظه.»[32]

أمه: هي ست النعم بنت عبد الرحمن بن علي بن عبدوس الحرانية، والدة تقي الدين ابن تيمية، عمرت فوق السبعين سنة (أو التسعين سنة[33]) يقول المؤرخون: «كان لها المكانة العظيمة في نفس شيخ الإسلام رحمه الله، يدل على هذه المكانة تلك الرسالة التي أرسلها إليها من سجنه في القاهرة، والتي امتلأت بالمشاعر الجياشة، والمحبة العظيمة التي كان يكنها لها رحمها الله تعالى.» وكانت أمه ست النعم على قيد الحياة عند عودته من مصر في سنة 712 هـ. وتوفيت في يوم الأربعاء 20 شوال سنة 716 هـ، ودفنت بالصوفية، ويقال أنه حضر جنازتها «خلق كثير، وجمع غفير».[34]

جده: عبد السلام مجد الدين أبو البركات، هو محدث ومقرئ ومفسر، وأحد فقهاء عصره. ولد بحران سنة 590 هـ، وحفظ القرآن بها وسمع من عمه الخطيب فخر الدين ومن غيره. ورحل إلى مدينة بغداد لطلب العلم وأقام بها ست سنين يشتغل في الفقه وغيره من العلوم، ثم رجع إليها بعد عودته إلى حران ومكث فيها بضع عشرة سنة. قال عنه حفيده تقي الدين ابن تيمية: «كان جدنا عجباً في حفظ الأحاديث وسردها، وحفظ مذاهب الناس وإيرادها بلا كلفة.» وقال الذهبي: «حكى لي شيخ الإسلام ابن تيمية بنفسه أن الشيخ ابن مالك كان يقول: لقد ألان الله الفقه لمجد الدين ابن تيمية كما ألان الحديد لداود عليه السلام.»[35] وقال الذهبي: «كان الشيخ مجد الدين معدوم النظير في زمانه، رأساً في الفقه وأصوله، بارعاً في الحديث ومعانيه، له اليد الطولى في معرفة القرآن والتفسير، صنف التصانيف، واشتهر وبعد صيته، كان فريد زمانه في معرفة المذهب، مفرط الذكاء، متين الديانة، كبير الشأن.» له من المصنفات كتاب الأحكام الكبرى، وكتاب المنتقى من أحاديث الأحكام. توفي يوم عيد الفطر بعد صلاة الجمعة من سنة 652 هـ بحران.[36]


مولده ونشأته

مولده

تتوزع بلاد ما بين النهرين بين جزأين، الجزء الجنوبي الذي يسمى العراق العربي وهو يتضمن بغداد والبصرة، وأما الجزء الشمالي فيسمى في الأدب العربي القديم ديار بكر وديار مضر، ويسميه الجغرافيون العرب باسم الجزيرة، ويقع في شرقها كردستان وفي غربها آسيا الصغرى وبادية الشام، وفي جنوبها العراق العربي، وفي شمالها أرمينية. وتقع في هذه المنطقة مدينة الموصل والرقة البيضاء، والرها وغيرها. وفي جنوب مدينة الرها (أورفة) تقع مدينة حران إحدى المدن الشهيرة وهي موطن ابن تيمية القديم حيث كانت أسرته تسكن فيها منذ قرون.[37] وهي المدينة التي ولد فيها ابن تيمية. وولد تقي الدين ابن تيمية في يوم الإثنين 10 ربيع الأول سنة 661 هـ، وقد اتفق جمهور من ترجم له على الشهر الذي ولد فيه والسنة التي ولد فيها، ولكن الاختلاف جاء في تحديد اليوم فذكر آخرون أنه ولد في يوم 12 ربيع الأول.[38] وسماه والده بأحمد تقي الدين، واكتني بأبي العباس وهو يافع، ولكنه اشتهر بابن تيمية، وغلب هذا اللقب على اسمه، وعرف بين الناس به.[31]

نشأته

كان عصر ابن تيمية عصراً مليئاً بالقلاقل والفتن والاضطرابات. وكان العالم الإسلامي كله خائفاً من التتر، الذين كانوا إذا أغاروا على مدينة؛ خربوها ونهبوها، وقتلوا سكانها وسلبوا أموالها وسبوا نسائها كما يذكر المؤرخون. وما إن بلغ ابن تيمية السادسة أو السابعة من عمره، حتى أغار التتر على بلده حران، فالتجأت أسرتُه إلى الفرار منها بجميع ما كان لديها. وبما أن العراق كان مركز غارة التتر ونهبهم لم تفكر الأسرة في الهجرة إليه، وكانت بلاد الشام أقرب بلد لم يصل إليه الدمار، حيث كانت تحت حكم ملوك مصر المماليك، فاتجهت أسرته إليها، وقصدت مدينة دمشق. ويذكر المؤرخون قصة والد ابن تيمية عبد الحليم، أنه عندما خرج مع أسرته للطريق أخذ معه كتبه - يقصد المؤرخون ذكر هذه القصة لإثبات محبة الأسرة للعلم بالرغم من من ظروفهم الصعبة التي مروا بها - على عجلة يجرها لعدم توفر الدواب ويعينه على جرها أبناء بلدته الذين خرجوا معه، وكاد التتر أن يلحقوا بهم في أثناء الطريق لتوقف المركبة عن السير. إلا أنهم قاموا برفع أيديهم للدعاء حتى نجوا كما يذكر المؤرخون، وتمكنوا من الوصول إلى دمشق، واستقروا بها.[39][40]

وما أن استقرت الأسرة في دمشق حتى شاع خبرها في أوساط الناس، وقد كان أصحاب العلم يعرفون والد ابن تيمية أبي البركات مجد الدين عبد الحليم ابن تيمية وأعماله، ولم تمر إلا فترة قصيرة حتى بدأ في التدريس والوعظ في الجامع الأموي، وفي مدرسة الحديث السكرية، وصار مرجعاً للطلبة وعلماء المذهب الحنبلي. يقول شمس الدين الذهبي: «وكان قدومه إلى دمشق بأهله وأقاربه مهاجراً سنة سبع وستين (667 هـ)، وكان من أنجم الهدى، وإما اختفى من نور القمر، وضوء الشمس - يشير إلى أبيه وابنه -.» ويقول علم الدين البرزالي: «كان من أعيان الحنابلة باشر بدمشق دار الحديث السكرية بالقصاعين وبها سكن وكان له كرسي بدمشق يتكلم عليه أيام الجمع من حفظه.» ويقول ابن كثير: «كان له فضيلة حسنة، ولديه فضائل كثيرة. كان له كرسي بجامع دمشق يتكلم عليه من ظاهر قلبه، وولي مشيخة دار الحديث السكرية بالقصاعين، وبها كان سكنه، ثم درس ولده الشيخ تقي الدين بها بعده.»[41][42]


طلبه للعلم

يُجمع معظم المؤرخون على أن ابن تيمية نشأ في عفاف وتصون، وعود نفسه على الاقتصاد في الملبس والمأكل، وأيضاً كان باراً بوالديه، ومحباً للعلم والبحث. فيقول الحافظ الذهبي في ذلك: «نشأ في تصون تام وعفاف وتأله وتعبد، واقتصاد في الملبس والمأكل، وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره، فيتكلم ويناظر ويفحم الكبار، ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم؛ فأفتى وله تسع عشرة سنة؛ بل أقل. وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، وأكب على الاشتغال. ومات والده - وكان من كبار الحنابلة وأئمتهم - فدرَّس بعده وقام بوظائفه وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر، وبَعُدَ صيته في العالم، فطبق ذكره الآفاق.»[43]

رد مع اقتباس
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:04 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.