منتديات الملاحم و الفتن  

العودة   منتديات الملاحم و الفتن > المنتديات العامة > نزهة الأخوان > تجربة من حياتي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #16  
قديم 05-03-2011, 07:09 PM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
Lightbulb رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

أختي أمولة..أعدك أني سأجيبك في نهاية الرواية عن سؤالك..

رد مع اقتباس
  #17  
قديم 05-03-2011, 07:13 PM
شموخ النسر شموخ النسر غير متصل
رحالة المنتدى
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 3,156
معدل تقييم المستوى: 13
شموخ النسر will become famous soon enoughشموخ النسر will become famous soon enough
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

الأخت الفاضله الهاشميه سلمت هذه الأنامل على هذه الرائعه

ما شاء الله تبارك الله هل هذه القصه من تأليفك ....لقد بدأ يعج هذا المنتدى بالأعضاء الكتاب

المميزين واني في غاية السعاده لذلك لأني حقا أحب أن يتم أثراء هذا المنتدى بالقصاصين المتميزين

حفظك الله أختاه وسلمت اناملك

رد مع اقتباس
  #18  
قديم 05-03-2011, 07:29 PM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

أخي شموخ النسر والله كلماتك أثلجت صدري ومنحتني قليلا من الثقة .....جزاك الله خيرا

رد مع اقتباس
  #19  
قديم 05-03-2011, 07:55 PM
شموخ النسر شموخ النسر غير متصل
رحالة المنتدى
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 3,156
معدل تقييم المستوى: 13
شموخ النسر will become famous soon enoughشموخ النسر will become famous soon enough
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الهاشمية مشاهدة المشاركة
أخي شموخ النسر والله كلماتك أثلجت صدري ومنحتني قليلا من الثقة .....جزاك الله خيرا
أختاه أنت تستحقين كل الثقه وليس القليل وواجب علينا تقدير كل قلم مبدع في هذا المنتدى المبارك

واصلي أختاه تميزك ونحن في شغف للمزيد

بارك الله فيك وجعل التوفيق حليف دربك اللهم أمين

رد مع اقتباس
  #20  
قديم 05-03-2011, 08:35 PM
امل امل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 5,103
معدل تقييم المستوى: 15
امل will become famous soon enoughامل will become famous soon enough
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الهاشمية مشاهدة المشاركة
أختي أمولة..أعدك أني سأجيبك في نهاية الرواية عن سؤالك..
هل هذا لي اختي الهاشمية
فانا في الانتظار
ولا اقول هنا الا ماشاء الله صفحة تزخر بالطاقات
وبالتلقائية ادام الله هذه النعمة والف بين القلوب
اللهم امين

رد مع اقتباس
  #21  
قديم 05-03-2011, 08:51 PM
ام فهد ام فهد غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
المشاركات: 7,881
معدل تقييم المستوى: 20
ام فهد has a spectacular aura aboutام فهد has a spectacular aura aboutام فهد has a spectacular aura about
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

ما شاء الله
ما زلت متابعه لروائع قصصك اختي الهاشميه

__________________
اللهم إرزق ذريتي صحبة الأخيار وخصال الأطهار وتوكل الأطيار
اللهم وبلغني فيهم غاية أملي ومناي بحولك وقوتك
اللهم متعني ببرهم في حياتي وأسعدني بدعائهم بعد مماتي
اللهم إني إستودعك لاإله إلاالله فلقني إياها عند الموت.
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 05-03-2011, 08:57 PM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

ذات يوم حار ذهبنا سويا إلى الشاطئ، أخذتهم إلى الموقع ذاته الذي سكن فيه جزء من طفولتي، شاهدوا القارب فحكيت لهم أساطيره بانفعال, كنت متحمسا وكأني أتحدث عن بطولاتي وفي طريق العودة همست لأحمد ببقية تفاصيل القصة أخبرته بتلك الأحلام التي تراودني، هواجسي بأن ذلك الشخص يسكن داخلي قال عبد الله وهو يبتسم وقد سمع جزئا من الحديث أخشى أن مسا قد أصاب عقلك أو أنك أصبحت مؤمنا بتناسخ الأرواح، حين عدنا إلى منزل بكر كنا نتحدث وإذ بأحمد يناديني أبو الحسن نظرت إليه بدهشة فقال هذا هو اسمك منذ اليوم ألا يعجبك، أجبت لا أدري ولكن شيء جميل أن يكون للإنسان اسم آخر، ثم قال عبد الله: ما رأيك (أبو الحسن المجاهد) ابتسمت موافقا وأنا مندهشٌ من هذا الأمر الذي لم أتصوره يوما, أحمل اسما آخر وهل ذلك يعني أن حياة أخرى تنتظرني أنا الذي لم أتشبع حتى تلك اللحظة بأفكارهم ولكنني أمضي في ذلك الطريق لأنه لا شيء آخر في ذلك المكان كان يثيرني، ثم استمر الحديث وأخذ عبد الله يطلق النكات والأسماء على كل واحد وكانت أسماء مضحكة وكان نصيب محمود هو أبو الهول.
ذات يوم وأثناء حديثنا وقد اجتمع الجميع سألني عبد الله وهو يغمز لي بما أنك عشت زمنا وأنت بريطاني (وكنت قد أخبرت أصدقائي بقصتي كاملة وبجنسيتي البريطانية بعد أن أخفيتها مدة من الزمن بطلب من محمود) فلابد وأنك عشت تلك الحياة بصورتها العريضة, لم أفهم بداية ما يقصده فقلت: ربما، هتف: إذاً حدثني عن تلك الحبيبة الجميلة قطبت حاجبي وأنا أبتسم فقال أقصد الصديقة، شعرت بتململ عادل في مكانه ولكن عبد الله استمر، ما بك ألم تكن لك تلك الفتاة.. أجبت: حسنا ربما أستطيع القول لا، قال وهو يضغط على كلماته كناية عن عدم التصديق: أنا مضطر لتصديقك لأنه لا يجدر بك الكذب ولكني أرى أنهن فتياتٍ عديمات الحصافة فإنك جذاب بما فيه الكفاية، قلت له وأنا أختلس النظر إلى عادل الذي بدأ يتنحنح صدقني لم تكن لي صديقة بالمعنى الذي تقصده ربما (كاتي) كانت زميلة مثيرة ومخلصة ولكنها زميلة دراسة لا تعدو ذلك وهي المرأة الوحيدة التي
لاحقتني وكانت تعاملني كرجل ولم أشعر يوما أنها امرأة، صاح عبد الله عظيم هيا هيا صفها لنا وعند هذا الحد قام عادل من مكانه غاضبا وهو يقول موجها كلامه لعبد الله أحفظ لسانك عن هذا المنكر الذي لم تسأم من الحديث عنه إنك تستحق الطرد ونظر إلى بكر الذي كان منشغلا في حديث مع محمود ثم قام تاركا المكان فضحك عبد الله وهو يهمس وماذا أحدثت أنا من منكر ثم تابع وقد غير مسار الحديث إلى وجهة أخرى ألم يكن لك إذا أصدقاء، أجبت: يبدو أني لا أحث الآخرين على الاقتراب مني كثيرا وهذا شيء مزعج لم أعرف كيف أتخلص منه، تحدث صالح ولكن بصوت خفيض، أمن الممكن أن تعيش كل هذه الفترة بدون أصدقاء قلت: في الحقيقة لي صديق هو أعز شخص عرفته، رفع أحمد حاجبيه مبتسما وهو ينظر إلي ... تابعت, أرجو أن تعذروني إنه صديق الحياة بيتر ويليامز، كان الاسم بمثابة صدمة لمحمود الذي تابع طرف حديثنا فقال غاضبا لعنة الله على الكفرة صعقت وأنا أسمع ذلك كنت أريد التحدث ولكن أحمد الذي كان بجواري ضغط على يدي محذرا فصمت شعرت بغصة وتابع كلامه عن أولئك الكفرة الذين ما يزالون يخدعوننا بوجوه كاذبة وألسنة تنضح نفاقا وأن الغدر يملأ قلوبهم.. لم أستمع لبقية حديثه كنت أفكر في بيتر وقد وجهت إليه كل هذه الاتهامات وأنا لا أستطيع حتى الدفاع عنه ألم يخبرني بيتر يوما وقد تملكه الغضب حين سألته هل أنت مؤمن فأجابني بأنه أكثر إيمانا مني ربما كان يومها صبيا لم يدرك حقيقة عقيدته التي يصفها محمود بالكفر والخيانة, حين غادرنا المنزل كان أحمد في صحبتي كنت صامتا قال لي بعض الكلمات مواسيا, لا تلم أحدا فما تراه أنت قد لا يراه الآخرون وما عرفته أنت وتعلمته لم يتح للآخرين أن يعرفوه نحن رأينا وجها واحدا وأنت رأيت الوجه الآخر في صديقك أرجو أن لا تغضب من أحد وأن تفكر مليا في كلام محمود لأن فيه جزءا من الحقيقة.
جزء من الحقيقة هذا يزعجني هل من المكن أن يكون بيتر شخصاً كافراً ومخادعاً, هل يستطيع يوما أن يوجه سلاحه في وجهي في أول فرصة كما يدعي محمود ما هذا الهراء حقا إنها عقلية متعسرة.
قال محمود بأننا نحتاج كميات من السلاح المتميز والمطور، لذلك تم البحث عن ذلك الخائن الذي يترصد للشعوب في كل مكان فيعطيها خنجر الموت، قال إن مهمتي أساسية فالرجل المطلوب أجنبي ولذلك فأنا الشخص المناسب والذي سيقوم بالاتفاق، أدهشني ذلك ولطالما كنت في دهش مما يجري قلت له إن هذه عمليات تتطلب أموالاً ضخمة ابتسم وهو يقول إنك ترغب في معرفة كل شيء، وردد إن المال لم يكن يوما يعيق إرادة أمة، عبارات فضفاضة لا تفهمني شيئا ولكن كان المال متوفرا عند هؤلاء الفقراء، أخبرني عبد الله ألم تسمع يوما عن كلمة فاعل خير إنهم كثيرون وخصوصا في أرض البترول فهناك الطيبون الذين يعطون بدون سؤال.
صرفت تلك الهواجس التي أصابتني وصممت على أن أقوم بالمهمة لا أدري لم كنت أفكر بأبي،
بعد رحلة طويلة وشاقة وصلت إلى صنعاء كان مرافقي شخصان لا أعرفهما ولكنهما كانا ودودين، وصلت صنعاء ثم وصلنا للمكان المقصود، وفي شقة صغيرة وأنيقة انتظرنا قليلا ثم جاء رجل ذو لون واحد إنه أشقر من رأسه إلى قدميه كان يبتسم ابتسامة عريضة حالما رآنا هتف بعربية جيدة نوعا ما صباح الخير أهلا وسهلا بكم، شعوري بالقلق جعلني أخفي ملامحي بقدر ما, لحيتي التي طالت بشكل ملحوظ ونظارات يميل لونها إلى القتامة ذات إطار أسود وعريض وكذلك كاب صغير وضعته على رأسي كان مظهري يبدو غريبا وعجيبا وربما ذلك الذي أثار الرجل فقد أظهرت له جيدا بأني لا أريد إظهار ملامحي بشكل واضح ، تحدث الرجل بلغة عربية مكسرة عن حبه للعرب وخاصة لهذا البلد، عن بساطة الإنسان العربي وشفافيته وإحساسه المرهف, عن أشياء كثيرة ثم حول حواره فجأة وهو يتحدث بالإنجليزية نحن طيبون إننا نحاول مساعدة الثوريين في كل مكان أنا أعلم جيدا بأنكم أناس وطنيون لذلك فأنا سأساعدكم كثيرا ولن أطلب سوى الشيء البسيط، ثم بدأ يخاطبني عن أنواع الأسلحة وأفضلها وأهدافها وأشياء كثيرة لم أفهم شيئا منها بينما كان أحد مرافقي يهز رأسه موافقا دون أن يهمس بكلمة ففكرت ربما هو يفهم كل كلمة وهذا يعني أنهم لم يكونوا بحاجة لي وربما هو مدعي أحمق قلت له بأنني لا أفهم شيئا عن السلاح ولكن جئت فقط لإتمام الصفقة المتفق عليها، ابتسم وهو ينظر إلي نظرة ذات مغزى يبدو أنك عشت طويلا في بريطانيا إن لغتك إنجليزية خالصة، لم أجب على استفساره وشعرت بأني قد تورطت في جريمة، تمت كل الإجراءات بسرعة وتحدثنا حديثا وديا وأظهر نفسه كصديق مخلص ولكني كنت أشعر بضيق شديد ونظراته الغريبة تلاحقني كما أني ظننت بأنه يستدرجني للحديث في مواضيع أخرى ويحاول كسب ودي، لم أجاريه في ذلك ولكن كان مرافقي أكثر انبساطية وكنت أتولى مهمة الترجمة بهدوء ثم دعانا لتناول وجبة الغداء رفضنا ولكنه أصر على ذلك وفي نهاية اللقاء قال لي: أبو الحسن أنت شخص رائع أتمنى أن نصبح أصدقاء وأن تصبح الثقة بيننا أكثر من ذلك.
سأكون كاذبا إذا قلت أن لاشيء تغير في ذاك الإنسان الذي كنته كانت روحي تتوق لشيء لم أتبينه تماما وقتها ولكن حانت ساعة الصفر, قال لي أحمد يوما إنه راحل، بيأس سألته إلى أين؟
- إلى الشيشان أشعر بأن سفوح تلك الجبال تناديني هناك أخوة يبذلون الروح مع كل حلم ما زلنا نتخبط به هنا، أنا لا أريد المزيد من الوقت يكفيني ما مضى.
- وماذا يعني ذلك وهل يرحل الإنسان بحثا عن الموت ابتسم وهو يقول بل الشهادة،
- وما الفرق كلاهما يعني شيئا واحدا هو الموت نظر إلي بتمعن وهو يقول لماذا تسير في طريق لم تؤمن به بعد إنك ستقاسي كثيرا لأنك لم تفهم بعد ما تراه وتسمعه... أتمنى أن تصعد روحي إلى خالقها هناك،
- وهل يجلب ذلك النصر،
- دماؤنا التي تروي الأرض ستنبت جيلا يملك ثمار النصر وعندها تحرر الأرض وينتشر عدل الإسلام كما كان ذات يوم.
خرج أحمد من حياتي كما دخلها، وانساب جدول الماء بهدوء ورحل حيث الجبال الشامخة رحل دون كلمة وداع كنت يومها قد غادرت المنزل إثر إصابتي، كنت أعاني حينها من ألم الإصابة ولم يكن هناك مكان لألم الروح فتركني، لم يزل يسكن في أعماق قلبي كأصدق إنسان عرفته، نزع حياته من الضياع والكلمات الجوفاء ورحل بعيدا, حيث لغة الجسد والنضال هي التي تنطق..
.................................................. .....
عدت ذات مساء متأخرا كعادتي حين وضعت رأسي على الفراش سمعت أنين أمي فنهضت بسرعة اتجهت نحوها ناديتها ففتحت عينيها قبلت يدها وأنا أقول ما بك يا أمي مسحت رأسي وهي ما تزال مستلقية
- أشعر بألم في قدمي ناولني ذلك المصحف يبدو أن النوم سيفارقني الليلة ناولتها، قالت: إنك تجهد نفسك كثيرا يا بني، روح عن نفسك قليلا، انقضى النهار كله وأنت في طلب العلم، كم جزءا حفظت يا حبيبي حين تحفظ القرآن كاملا سأصنع لك وليمة كبيرة بإذن الله، ابتسمتُ بمرارة وأنا أسمع ذلك الوهم الذي تظنه بي، تابعت حديثها ما أطيب إيمان إنها دائما تسأل عنك تسليني في أكثر الأوقات، إنها ذكية وجريئة بالأمس سألتني هل أختي أمل أكبر أم عمر أجبتها أمل بعامين فردت بحزن خسارة إذن لن يتزوجها، ضحكت إنها تفكر كالكبار. سرحت بعيدا تلك الحياة أصبحت بعيدة بعيدة جدا كدت أنساها، أيقظتني من الماضي بسؤال ندمت كثيرا على تلك الإجابة التي أدليت بها، ما رأيك بأمل؟ فأجبت: إنها فتاة متحررة،
- أهذا رأيك بها، تنظر إلى عيني وكأنها تسبر أغوار قلبي خفضت عيني
- هناك أشياء أخرى أفكر بها ما زلت غير مؤهل للتفكير بهذا الأمر، ردت بحنان عد إلى فراشك يا بني انسحبت من جوارها وأنا أسمعها تدعو لي بالزوجة الصالحة التي تسعدني.
..............................................
ما تزال الأيام ترينا ونحن في لهوها وجوها ووجوها ذلك اليوم أحزنني وذلك فاجأني وذلك أفرحني وذلك كاد أن يقتلني هكذا هي الأيام تدور كما يشاء القدر، هل بإمكاننا أن نخترق الماضي فنخوض الأحداث التي مضت بوجه آخر وضمير آخر إنه حلم فما مضى لن يعود وما سيأتي لن نتنبأ به مهما ادعى المتحذلقون.
.............................................
أخذني والدي بالأمس إلى إحدى حفلاته العملية قدمني والدي إلى إحدى الفتيات و طلب مني الاعتناء بها جيدا ثم تُركت وحيدا أنا وهي على طاولة واحدة تعرفت عليها وعرفتها على نفسي بصورة دبلوماسية خالية من كل مشاعر, قالت اسمي ماري ثم ابتلعت باقي الجملة وابتسمت بصبيانية كمن يخفي سرا، جميلة بمعنى الكلمة عيناها خضراوان وفمها صغير وجميل وشعرها الكستنائي المتموج وتلك الخصلات الشقراء التي تتسلل ثناياه المتناثرة كلها تثير الإعجاب وأجمل من ذلك كله تلك البراءة الظاهرة في عينيها إنها تبدو مختلفة, شعرت أن هناك ما يشدني نحوها رغم تظاهري بالنفور، تساءلت هل تكون هذه الفاتنة التي وعد أبي بتزويجي إياها، ابتسمت وأنا أفكر إنها حقا جميلة ولكنها لن تروق لي، حاولت تجنب الحديث معها كنت أنظر هنا وهناك أراقب أبي الذي كان يتنقل برشاقة من مكان إلى آخر كأكثر الشباب فتوة يضحك ملأ فمه وكأنه قد خلق بدون أحزان ولكن ما أدهشني أنها هي أيضا تشاركني تلك النظرات فهي تراقبه أيضا وتبتسم وكأنه يعني شيئا بالنسبة لها حين التفت إليها كانت تهز أحد كتفيها وهي تبتسم بمرح، مرت دقائق شعرت أنها طويلة جدا كنت فيها صامتا تماما بينما بدأت أشعر بتضايقها ومللها وهذا ما كنت أريده لعلها تسأم فتغادر الطاولة، ولكن ما حدث كان مفاجئا اقتربت بكرسيها أكثر بصورة غير لائقة في احتفال كهذا ثم سحبت يدي بسرعة وضمتها بيديها وهي تقول بكل حب وشوق لماذا أنت جاف هكذا، شعرت بارتباك شديد سحبت يدي بلطف وأنا ابتسم ابتسامة أظنها كانت شاحبة ومميتة، ولكنها لم تيأس بدأت تتحدث بكل صداقة وحب عن نفسها هي في السادسة عشر وتهوى الرسم تعيش وحيدة مع والدتها والدها عربي مهذب تراه من حين لآخر وهي تحبه كثيرا وتود لو أن بإمكانها العيش معه ورؤية أخوتها من والدها العربي كنت أستمع دون تفكير فشعوري بالقلق أعماني عن ربط الأحداث، ثم بدأت تقترب بوجهها نحو وجهي بصورة مثيرة وهي تنظر إلى عيني بمرح وكأنها تود أن تعرف هل يعني ما تقوله شيئا بالنسبة لي ولكن كنت كطير بائس يفكر بهذا المأزق الذي وضع فيه، ما أفكر فيه كان كيفية التخلص منها لذلك حالما رأيت شابا تبدو عليه ملامح عربية يمر بجوارنا حتى أسرعت نحوه وأنا أحدثه كأحمق رجل وربما كانت المرة الوحيدة التي أبادر فيها بالتعرف على شخص ما، كان لطيفا جدا معي واستطعت خلال حديثي معه أن أتجاوز تلك المنطقة ثم اتخذت موقعا لا تستطيع رؤيتي فيه بتاتا، في الحقيقة تمنيت في تلك اللحظة لو أتمكن من مراقبتها من بعيد لأعرف كيف ستتصرف ولكن لم يكن بإمكاني ذلك، مضى الوقت وأنا أفكر بما كان سيحدث لو استمر الوضع كما كان عليه، فكرت في عبد الله ربما ستنعشه حكاية كهذه ثم فكرت بهذا النوع من النساء الغير متحفظ إنه مزعج تماما لماذا يريد أبي تعريفي بنوع كهذا، كنت في أعماق نفسي أشعر بنوع من الود اتجاهها كانت تبدي براءة حقيقية، إنها بسيطة وتلقائية تحتاج إلى رعاية واهتمام وتوالت الأفكار والأسئلة ورأيتها بعد ذلك عدة مرات دون أن تراني وشعرت أنها تبحث عن شيء ما وأنها تبدو حزينة بالفعل ثم التقينا مجددا في نهاية السهرة، كانت تتأبط ذراع أبي وهي تلتصق به بصورة أذهلتني حتى أني حقدت على أبي واتهمته بكل الفظاعات وودت لو أنقض عليه وأقوم بحماية هذه الصغيرة البائسة كما تصورت وأول ما رأتني أقترب والشرر يتطاير من عيني تركت أبي واتجهت نحوي مسرعة وهي تبتسم ابتسامة ماكرة وتقول: أتمنى أن نلتقي كثيرا، وبسرعة ارتفعت على رؤؤس أصابعها وطبعت قبلة على وجنتي أصبت بالذهول وشعرت بأن الدم تدفق إلى رأسي ووجهي بصورة سريعة ولم أعرف ماذا أقول أظن أن مظهري كان مضحكا لأنهما كانا يضحكان كليهما بصورة غامضة، عدت وحيدا إلى البيت وحيدا وكل المشاعر الغريبة والمزعجة تنتابني وقضيت أسوأ ليلة على الإطلاق فكرت في أمل كثيرا وتساءلت فيم يفكر أبي وأي نوع من الرجال هو ثم أدركني النوم.
ولكن ما حدث مساء اليوم كان مثيرا للدهشة والسعادة أيضا، حين قابلت أبي كنت مشتت المزاج ولم أحدثه بطريقة جيدة وكانت نظراتي تنم عن شيء من الاشمئزاز ذلك أن والدي العزيز حالما رآني اختفت الابتسامة عن وجهه وقال: إني أصنع منك شابا بريطانيا أصيلا وأنت كالأحمق كان من الأفضل لك أن تتشرف بهذا التعارف الذي أردته لك بالأمس ولكنك تتصرف كبدوي جلف، لم أجب ولكن كانت نظراتي تتهمه بأفظع التهم، نظر إلي طويلا ثم قال لمَ لم تجب ألم تعجبك تلك الحسناء، ثم تابع ولكنها بالنسبة لي هي أفضل امرأة على وجه الأرض وأحبهن إلى قلبي, بوغت بتلك الكلمات التي تنبع بحنان من نوع أعرفه جيدا أحسست أن هناك سرا، لذلك سألت بسرعة وأنا لا أفكر بإجابة محددة: ومن تكون تلك الفتاة قال وعلى شفتيه ابتسامة عريضة إنها ابنتي ويعني ذلك أنها أختك أيها الجاحد، لقد أخجلْتني كنت قد تحديتها أنك لابد وأنك ستكتشف ذلك،
أما أنا فحالما استيقظت من تبلدي لدى سماع تلك الكلمات انفجرت ضاحكا كمجنون وأنا أتحدث بصوت عال وهستيري أحقا تلك أختي أيمكن أن يكون ذلك ولكن كيف ومن أين أتت هذه الأخت العجيبة لم أنتظر إجابة فقد قال قبل مغادرتي إنه يمكنني أن أوجه لها ذلك السؤال ثم ناولني العنوان وتركني مشدوها حائرا.
................................................
قبل نحو أربعة أشهر من اكتشافي لتلك الأخت اللذيذة كان اليأس والإحباط قد دفعاني إلى قضاء جل وقتي على شاشة الكمبيوتر، كنت عضوا في كثيرا من المنتديات ثم أعجبتني أفكار طرحت على موقع معين وانضممت إلى جماعة تدعو نفسها (النخبة) كان لابد علي أن أحضر اجتماعها السنوي وذلك من أجل مناقشة بعض الأفكار وربما للتعرف على الأعضاء الجدد وبما أني كنت من الوجوه الجديدة فقد وجهت لي دعوة خاصة ثم حدث ما كان من انقلاب في حياتي بظهور ماري لذلك فقد تخلفت عن حضور الاجتماع النصفي ونسيت الموضوع بالكلية، واليوم وبعد مرور ما يزيد على الشهرين فتحت بريدي كانت هناك العديد من الرسائل الموجهة لي وآخر رسالة كانت بأني قد منحت بطاقة الخروج النهائي نظرا لأنه لم يصلهم مني أي رد وبالتالي لم يعلم مصيري، ابتسمت وأنا أستمتع بكتابة كلمات تفيض بالاعتذار ثم قصصت عليهم أسباب عدم حضوري الاجتماع السابق وهكذا نجوت من الفصل.
أجد أنه من الممتع أن أصف أول لقاء جرى بيني وبين العزيزة ماري، وصلت المنزل في الخامسة مساء كانت السيدة التي فتحت لي الباب هي والدة أختي كنت مرتبكا وقلقا وندمت كثيرا في تلك اللحظة التي سألتني فيها من الزائر فكرت كان من المفترض أن أتحقق من الموضوع أكثر وأن أتأكد من والدي عن حقيقة ما قاله, ولكنني أتسرع وأذهب من غير موعد مسبق كأي رجل خالي من كل ذوق, تماسكت وأنا أطلب الآنسة ماري ثم جاءت ماري وصاحت منبهرة حالما رأتني.. أمي أمي هذا هو أخي عمر, طوقتني بذراعيها وهي تقفز كصبي صغير وكانت في غاية السعادة, أجلستني وهي تقول إذاً قد علمت أخيراً أن لك أخت تعيسة ووحيدة تتمنى رؤيتك, وحين جلست والدتها أخذت تسرد ما حدث في ذلك اللقاء الذي جرى بيننا أثناء الحفل, كانت تصف كل شيء بدقة حتى مشاعري الخاصة التي ظننت أني قد أخفيتها كانت تضحك بطفولة عذبة وهي تصف كيف احمر وجهي حين قبلتني كنت أضحك وأنا خجل من تصرفي, ولكن كل ذلك لم ينتزع من تلك المرأة سوى ابتسامات قليلة وجافة وكأنها قد سمعت ما سرد عشرات المرات، في الحقيقة كانت تبدو أكبر من والدي بسنوات ورغم شيخوختها التي لم تستطع إخفائها إلا أنها كانت أنيقة وجميلة وتبدو عليها سيماء امرأة محافظة وجليلة.
أصبحت ماري مرافقتي الدائمة وربما لا أجد الوقت الكافي للكتابة وأحيانا أحاول كتابة ما تبقى من أحداث في تلك الأرض البعيدة حيث ودعت أمي للأبد لكن أشعر أن الحزن يأبي أن يداهمني في هذه اللحظات السعيدة، ماري تختلف كثيرا عن أسماء إنها تشعرني بحاجتها المستمرة لي فأشعر أني أمثل دور الأخ الأكبر بكل ثقة، تقول لي أنا فخورة لأني سأسير مع شاب بوسامتك وتهذيبك، تتأنق كل يوم بأبهى زينة وأروعها ثم تتأبط ذراعي لنسير ونتنزه حيث يحلو لنا, نتحدث كثيرا ونضحك بكل عذوبة ومرح، أشعر أن الجميع يراقب هذه الحسناء الشقراء التي تسير مع هذا الشاب الذي يبدو عربيا أنيقا، أحيانا أتمنى أن أهتف بكل ثقة إنها أختي إنها الآن كل حياتي، كل النظرات تلاحقنا تحاول سرقة تلك السعادة التي تبدو على سيماها المشرقة العذبة ولكنها لا تلتفت إلى أحد سواي وكأنني الشاب الوحيد الذي يقف على هذه الأرض.
.................................................. ........
لا يمكنني أن أمقت تلك المرأة التي أنجبت لي تلك الأخت الرائعة، ومهما كان الألم الذي عصف بي اليوم وأنا استمع للحقيقة التي لم تتضح لي سنين عديدة فإن الحياة لابد أن تسير وأن لا تتوقف لمجرد أن ذكريات مؤلمة تعاودنا مجددا. قالت ماري بأن أبي تزوج والدتها منذ قدومه لندن قبل ما يزيد على العشرين عاما، لا أدري إن كان زواج مصلحة أو كان عن حب حقيقي، ثم قالت إن والدتها كانت تعلم بوجود زوجة سابقة له وتعلم بحبه الذي كان يكنه لتلك المرأة وقد صارحها والدي بضرورة أن يستقدم زوجته وطفليه ليعيشا بالقرب منه في هذا الوطن وافقت والدتها على مضض وهي تعلم أنها لن تقدم بصفتها زوجة ولكن بصفة أخرى ربما تكون وضيعة وغير لائقة لمكانة والدتي التي ربما فهمت كل شيء فأصرت على عدم الرحيل معه، وفهمتُ أنا ذلك اللغز المبهم الذي لم أفهمه طيلة سنوات عديدة والذي جعلني ألوم أمي كثيرا ولا أستطيع الوقوف في صفها ضد والدي الذي اعتقدت أنه كان ضحية عناد والدتي التي رفضت المجيء معه بدون أي عذر، تذكرت كلمات والدتي وهي تقول إنها تمقت تلك البلاد التي تسرق بنسائها الحسناوات رجالنا وأبناءنا، لقد كانت تحبه ولكنها كانت تحافظ على كرامة ما زالت كل رصيدها في تلك الحياة البائسة. هل يفيدنا شيئا أن نفهم الحقائق بعد مضي الزمن الذي كان يحتاجها, ربما نعم حتى يمكننا فهم المستقبل القادم بروية وإدراك واعي وعميق.
.................................................. .........

حضرت الاجتماع السنوي لفريق النخبة وقد اعتذرت من ماري كثيرا في ذلك اليوم إذ لا يمكنني الالتقاء بها، كان الاجتماع غريبا فهو يضم كل الأعراق والأجناس والصور وكل الأفكار أيضا، تقوم فكرة هذا الفريق على أن يكون خليطا من كل شيء يدب على قدمين، لذلك شعرت بالقلق وأنا أحضر تلك الجلسة فقد صنفت كل مجموعة على حدة وبما أني كنت جديدا على هذه الاجتماعات فقد بقيت لفترة لا بأس بها استمع وأراقب فقط لعلي أميز مجموعتي، ثم ما جرى بعد وما يجري دائما كما علمت أن متحدثا أو أكثر من كل مجموعة يقوم بإلقاء جميع أفكار هذه المجموعة التي انضم إليها ولا يحق لأي شخص ازدراء تلك الأفكار أو السخرية منها مهما كان شذوذها وغرابتها ولكن يحق للجميع مناقشة تلك الأفكار وذلك عن طريق توجيه أسئلة تطرح بكل تهذيب لمعرفة التفاصيل ولمناقشة بعض الأفكار وهكذا يحق لأي شخص في نهاية كل اجتماع أن يبدل مجموعته بالمجموعة التي لاقت أفكارها قبولا لديه، وذلك دون أي اعتراض أو مناقشة ويوقع الجميع في نهاية الاجتماع بحيث تعد الأسماء المنضمة تحت راية كل مجموعة ويحق لهذه المجموعة الفائزة أن تعد الصفحة الرئيسية للموقع وأن تعد الاجتماع السنوي المقبل، طرحت الأفكار وسمعت كل ما قيل كان هناك الرائع والمثير وكان هناك بعض المجموعات التي تثير الاشمئزاز وتدعو لأفكار غريبة وعجيبة منافية للفطرة وبعضها منافي للذوق والخلق ولكن لا يحق لأحد الاعتراض أو السخرية حتى طرحت الأسئلة التي جعلت العديد ممن يتبنون بعض تلك الأفكار يلجمون دون أن يستطيعوا الرد بواقعية
وهكذا بدا الجو ممتعا ومثيرا ثم انتهى ذلك الاجتماع, ووجدت نفسي وبلا أي تردد ودون أي تفكير أضع اسمي تحت مجموعة الحواريين وذلك ما أدهشني.
عندما جلست مع نفسي فكرت في ذلك الاختيار، ربما يمكنني القول أن حياتي اتخذت اتجاها لا تستطيع الرجعة عنه، لقد صممت ذات يوم وأنا أغادر أرض اليمن أن أنسى الماضي بكل ما فيه من عيوب وحسنات ولكنني للحظة واحدة لم أستطع ثم قررت أن تمحى من أحلامي وآمالي جميع تلك الأفكار التي اعتقدت أنني أرغمت عليها إرغاما ولكن الزمن والحقيقة بداخلي تثبت بأن ذلك مستحيل, إنني جزء من الماضي وأنا من عليه أن يكمل ويتم ما عجز عنه الرفاق ولكن بصورة أقل تخبطا وأكثر انضباطا مما جرى، هذا الموقف الذي وضعت فيه نفسي يجبرني على تذكر ما حاولت تناسيه وإغفال قلمي عن معرفة تفاصيله ربما غدا سأتابع.
.................................................. .....
رحب بي الجميع في مجموعة الحواريين وتعرفت على مجموعة منهم وتمكنت من الالتقاء بعدد منهم ممن يعيش في بريطانيا وخاصة في قلب لندن بعدما حددنا المكان المناسب قائد الفريق أبو البراء محمد وربما كان لزاماً علي أن أذكر أني لم أستخدم اسمي الحقيقي مطلقا لقد كنت دائما حريصا على ذلك فهناك شعور ينتابني بأنني في خطر وأن اسم عمر علي لا بد أن يكون نظيفا ولامعا لذلك لم أخيب ظن المجموعة التي ربما كانت متأكدة من التحاقي بها وذلك من خلال الاسم الذي اتخذته والصورة التي ظهرت بها خلال اللقاء بشارب ولحية مستعارين، كان ذلك وفاء لذكرى شخص ما زال يقف بين عيني في كل ماضي يلوح لي إنه الاسم الذي اختاره لي أحمد (أبو الحسن المجاهد)، وهكذا أصبحت عضوا فاعلا في فريق النخبة وبالتحديد في مجموعة الحواريين ويحق لي طرح أفكاري وعرضها على أفراد مجموعتي وبالتالي طرحها على بقية الفريق بكل ثقة وفعالية.
مجموعة الحواريين هي صورة منسقة ومهذبة لما عاصرته هناك مع رفاقي السابقين ربما هي تخفي الكثير من أفكارها كي تبدو منطقية في مجتمع كهذا ولكن ما ظهر لي أنها مجموعة جهادية مناضلة تدعو إلى تحرير الأمة من الفساد وأهله كما أنها تدعو إلى تحريرها من الطغاة بحيث تعود الأمة واحدة قوية، إنها تناهض إسرائيل علانية دون أن تجرح مشاعر الإنجليز الذين صنعوا تلك الأمة، إنها لا تصور شيئا مقززا كإراقة دماء ولكنها تدعو إلى الجهاد، ضد من؟ نعم ذلك ما تدعيه كما يبدو لي وكما يبدو لائقا بين هذا الجمع المجتمع على أرض الحرية ضد الحكام, قد لا يستطيع شخص هنا أن يقول ضد الكافرين أو ضد كل من أغضب الأمة، إنها الحرية المحرفة التي نزعم بوجودها ونحن نأخذ كل احتياطاتنا حين نتحدث عما يقلق الآخرين.
سأعود إلى تلك الأحداث القديمة، لأن ذلك ضروري الآن بما أن حياتي تعود لذلك الخط الضيق الذي عاهدت نفسها ذات يوم أن يحرق تماما بحيث لا يمكن المرور فيه مجددا ولكن الأرض المحروقة لا تجبر على التوقف أبدا.
.................................................. ..
لم أكن من الأشخاص الذين يسمح لهم بالتعرف على التفاصيل، حيث انتهت مهمتي بتلك المهمة الغريبة التي أثارت لدي الكثير من التساؤلات، هل يباع ويشترى السلاح بهذه الطريقة اليسيرة، لماذا توجد تلك الفئة التي تفتح لها كل الأبواب الممنوعة والمتاحة، المال ذلك الشيء المقيت الذي تشترى بها كل الضمائر وتقف عنده كل اللاءات، إنهم يفكرون في الجهاد وقتل الأعداء بينما العدو الحقيقي هو الذي ليس له صديق يخلص له, إنه يعيش بين ظهراني أولئك إنه يدفع الشباب للانتحار على بوابات الشرف المزعومة ويعطي الجميع الجميع بلا استثناء كل ما يمكنه أن يقتل الأمة وكل ما يمكنه أن يجعله أكثر غنى وسعادة, كل الدماء التي تسيل ليس لها قيمة أمام بريق المال وسطوته إنهم يرحلون بسرعة حين تأتي ساعة الصفر وحين تفلس الأمة من كل شيء,
نشاط المجموعة كان ملحوظا فنحن لم نعد نلتقي إلا نادرا وكلما سألت عن أحدهم كان الجواب بأنه غائب في مهمة، ما علمته حقيقة أن تلك المجموعة التي انضممت إليها والتي ظننتها رائدة هذه الأفكار ومسيرتها إنما هي عبارة عن خلية واحدة من خلايا متعددة منتشرة في مجموعات صغيرة وتمتد إلى دول أخرى لا أدري إن كان هناك تنسيق بمعنى الكلمة ولكن ما علمته أن رأس هذه المجموعة وقائدها يقطن بالسعودية، يقول محمود إننا سنستطيع تهريب الأسلحة التي كانت تجمع بأعداد كبيرة إلى فلسطين وكنت أكتم رأيي بأن ذلك ربما يكون مستحيلا، كنت أحدث نفسي بأن ذلك لا يعنيني فما علي إلا تنفيذ ما يطلب مني بصورة صحيحة، لم يكن هناك شيء يعنيني ولم أدري لم كنت أسير في طريق لم أفهمه بعد، حذرني أحمد من ذلك ولكن ماذا علي أن أفعل كنت أشعر أحيانا أن الأمة كلها فوق كاهلي وأتحمس بطريقة تفضي أخيرا إلى أن أرى أننا لم نفعل شيئا فيدفعني ذلك إلى الانتكاس والشعور بالوحدة، نعم كنت أشعر بالوحدة وفي أحيان كثيرة فرغم كل المحبة الظاهرة لي إلا أني شعرت بأن هناك الكثير من الأمور التي لا تطرح في وجودي ولا حتى يسمح لي بالسؤال عنها, لا أعلم إن كان من يوحي لهم بأن هناك احتمالا ولو كان ضئيلا جدا يدعوا للحذر مني, إن ذلك شيء مقيت ولكنه حقيقي فأنا القادم من هناك المتشرب بكل تلك الأفكار الغربية فجأة أظهر في الطريق ويدعوني محمود إلى الاجتماعات ويثق بي بدون ضمان ثقة وبدون تضحية واحدة لم أعد أفهم شيئا وأشعر أن اختياري للالتقاء بذلك التاجر مجرد مسرحية لا أدري ما الذي قصد منها، كان علي أن أقوم بزيارة خاصة لبكر إنه رجل يظهر كثيرا من الصدق والإخلاص، في البداية لم أعرف ماذا أقول شعرت بالحرج إذ أني أدعوه إلى لقاء انفرادي دون أن أعرف ماذا يمكنني قوله، سألته أخيرا عن هذا السلاح الذي يقال بأنه جمع بأعداد كبيرة كيف يمكنه العبور إلى دولة مجاورة دون مخاطر كبيرة ودون اكتشاف لهكذا عملية فأجابني بهدوء إذا أمكنني التحدث عن كميات صغيرة كسلاح واحد فقط مفكك ومخبأ داخل الأمتعة يقوم كل شخص بحمل قطعة واحدة وبعبور خمسة أشخاص للحدود خلال شهر فإنه يمكننا جمع خمسة قطع وفي سنة يمكننا جمع 5×12= 60قطعة
وفي 3 أعوام 3×60=240 قطعة وذلك أيضا من أي مادة قابلة للانفجار نظرت إليه بدهشة وهو يحسب ويضرب وكأنها عملية حسابية بسيطة حين نظر إلي ورأى انعقاد حاجبي في تفكير قد يبدو عميقا ولكنه يحاول جمع الموضوع بطريقة يمكن استيعابها ضحك بصوت مسموع وهو يقول لا تنظر هكذا يا رجل ولكني أردت أن أخبرك أنه يمكننا استخلاص أفكار ومقترحات عديدة لتحقيق أهدافنا ولا يعني ذلك أننا سنفعل ذلك, هناك الحدود والجبال المكشوفة والمهربين وصور عديدة يمكننا القيام بها، انتهزت الفرصة فوجهت سؤالا مباشرا, لماذا الجميع لا يثق بي ابتسم وهو يقول هل هذا شعور أم أنه حقيقة أجبته أنت أقدر مني على الإجابة عن هذا السؤال, خفض رأسه دون أن يجيب وبعد فترة صمت قال بصوت واضح: إن هناك كثير من الأمور التي نعتقد أنها سيئة وتجلب لنا التعاسة وفي الواقع وعلى المدى البعيد سنرى أن ذلك هو الأفضل، ومن الأجدر بنا أن لا نفكر كيف يرانا الآخرون, ولكن ما علينا فعله هو العمل الحقيقي والتفكير في كيف سننجز ما هو من مهامنا التي أوكلت إلينا، علينا أن نثبت صدق نوايانا بالعمل المثمر.

رد مع اقتباس
  #23  
قديم 05-03-2011, 09:06 PM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

لقد علمت من ماري اليوم أن والدتها كانت ترفض بشكل مطلق تعرفها علينا وخاصة بعد أن انفصلت عن والدي قبل سنوات عديدة، إن ما تخشاه هو أن تنفصل ماري عن دينها المسيحي الذي عمقته بداخلها، والدتها مسيحية متشددة وكما فهمت فإنها لم تكن كذلك قبل سنوات ولكنها اليوم متدينة وتريد لابنتها نفس الدين، أنا ألوم والدي كثيرا إذ أنه المسئول عن هذه المشاعر الذي تكنها هذه المرأة للإسلام لعله لم يفكر يوما أنه يمثل فئة دينية تعبر عن نفسها بتصرفاتها اليومية، أنا موقن أن هذه المرأة كانت يوما ما باحثة عن حقيقة لم تجدها حيث تتلاطم الأمواج في ذاتها لا يهم إن كان ذلك ما شجعها على الارتباط بأبي أو شيء آخر ولكن المهم أنها ارتدت يائسة حين رأت أن هذا الإنسان لا يملك شيئا, ربما هو في نظرها مسخ مادي، ثم عادت حيث هي، هل من الممكن أن نقول بأن حقيقة مشوهة أفضل من لا شيء وأن خيطا مهترئا نتأكد من انهياره في لحظة ما أفضل من أن نكون بلا خيط من أمل، إنها ضحية وأنا لست مسئولا ولكنني مسئول عن هذه الأخت التي أراها كل يوم دون أن أعرف ماذا يمكنني قوله في هذا الموضوع واليوم تمكنت من ذلك ولكن بصورة سيئة، فحين كانت تتحدث عن والدتها تحت دفعات من الأسئلة كنت أوجهها لها قلت أخيرا لها بكل صدق وحب بأنها في خطر قلت كلمات كثيرة وفظيعة إنها لابد أن تكون مسلمة إن الإسلام هو خاتم الأديان وإن مصير أي شخص يموت على غير هذا الدين الخاتم والجامع لكل الأديان هو الجحيم والعذاب الخالد لأنه يعصي إرادة الله بأن تتدرج البشرية في خط ثابت من التشريع يمنحه كل دين لقومه ثم تختتم كل هذه الشرائع بالشريعة الأمثل والأفضل لهذا الإنسان الذي يعلم الله مكنوناته وقدراته، وإن رفض الإسلام هو في الحقيقة رفض لكل الشرائع السابقة التي بشرت به وإنكار لما دعت له, وعلينا جميعا أن نكون مسلمين ما دام هذا الدين قد وصل أسماعنا ,إن عيسى وموسى قد أخبرا قومهما ذلك صراحة, إنه سيأتي هذا النبي الموعود وإن على الجميع اتباعه، كنت أتحدث بصوت منفعل لا يفكر في وقع كلماته ولكنه يفكر في شيء واحد فقط،, يفكر في هذه الإنسانة التي تعني له الشيء الكثير، كلماتي كانت بسيطة ولكنها مرعبة أنا لم أعرف كيف يمكنني أن أنقذ شخصا ما وأرشده إلى الحقيقة وكذلك وقفت عاجزا أمام جاك حين كان يعذبني بنظراته، ما أعرفه اليوم هو فقط ما يمكنني قوله وهو ما أخبرتني به ذات يوم والدتي حين كنت صغيرا وانغرست تلك الكلمات في ذاكرتي, ما قالته لي كان يعني أن الله يغفر الذنوب جميعا إلا ذلك الشيء الذي يسمى الكفر وهذا ما أراه حولي في هذا المجتمع الذي يتخبط في عدد من الآلهة بينما الله إله واحد، ما أعلمه بديهة أنك إذا لم تكن موحدا فأنت حتما من الكفرة وما تراه عيناي هو إما شخص قد برئ من كل دين ومن كل إله فهو يسير بلا أي علاقة روحية وآخر يتمسك بدين مشوه قد انفصل عن كل منطق وعقل يثير الريبة وإذا تجرأت فإني سأقول أنه يثير الضحك أي أنه يرتبط بعلاقة روحية مشوهة، وآخر يذكرني ببيتر إنه يقول بأنه مؤمن ولا أعرف كنه هذا الإيمان ولكنه حتما الفريق الأكثر صدقا، قد يؤمن بحقيقة لا يستطيع التحدث عنها بصوت عال إنها حقيقة تكمن في قرارة الذات لذلك لم يستطع بيتر أن يشرحها لي ولكنه اكتفى بالقول بأنه مؤمن هذا ما يعلمه ولكن لا يعلم كيف، كما لم أعلم أنا كيف يمكنني أن أشرح له بأن ما يؤمن به هو بداية الطريق وأننا على خط واحد هو بدايته، وحيث الإسلام نهايته يمكن أن يقف بكل ثقة، وحين لا يجد هذا الفريق الإجابة الصادقة فإن الإلحاد وإنكار كل الروحانيات هو النهاية الأخيرة، أنا مسلم ربما يكفيني ذلك إذا كنت هناك في بلادي حيث يعيش الكل مسلما، ولكن أنا هنا بلا تفكير وبلا أسس تساعدني على إنقاذ أحب الناس إلي سوى بهذه الكلمات التي تتردد في بلاد الإسلام النار والعقاب وإنقاذ النفس وهذا ما يمكنني قوله لهذه الأخت الشقراء التي لم تستوعب هذه الكلمات مطلقا، ولكن ما أقوله هو الحقيقة وكيف يمكنني تزويق الحقيقة, إن ذلك ما لا أمتلكه الآن على الأقل، إنها الكلمات التي تعلمتها في صغري هي ما يمكن لي أن أرددها، يجب على كل الناس أن يكونوا مسلمين وهو السبيل الوحيد لإنقاذ أنفسهم فمهما كانت قوتهم وحجتهم فلن ينفعهم ذلك حيث يقف الجميع للحساب، وعليهم أن يدركوا ذلك من خلال الحقيقة التي طمست في كتبهم، إن على أولئك الذين يدعون المبشرين أن يتوقفوا قليلا أمام الحقيقة قبل أن يهتفوا بأنهم أصحاب حق،لأنهم سيصدمون يوما ما حين يعلمون أنهم كانوا يدعون إلى تدمير العقل بتلك الأوهام التي تتعلق بالمسيح الذي هو أول المستاءين من أفعالهم، إنه بشر أوتي الرسالة، إننا نتعدى على الله إذ نقول بأنه لا يمكن له أن يخلق بشرا بدون أب بينما يمكن للبشر القليلي الحيلة أن يخترعوا ما يشاءون وأن يدعوا أنه يمكنهم السعي لولادة مولود من دون أن يكون له أب، هذا ما قلته لماري وقلت أشياء كثيرة وما قلته أيضا وكان مخالفا لحقيقة رأيتها حيث عشت لسنوات في اليمن وحيث سمعت الكلمات القاسية المدمرة ضد أولئك الكفرة، قلت لها ما أعتقد به الآن إننا وإن أسميناهم كفرة لأنهم كفروا بالحقيقة الساطعة فإنهم ليسوا لنا أعداء إنهم يثيرون في قلوبنا الشفقة لذلك نحن نحاول هدايتهم، والأمة الإسلامية لم تحارب سوى من كال لها العداء وحاربها وسعى إلى طمس الحقيقة بأفعال ماكرة وعدائية للإنسانية وروحها وسعادتها، إن الهدف الأساسي طوال قرون هو أن تنعم القلوب حيث كانت بسعادة الإسلام ووضوحه وروحانيته وإن كان لكل قائد مسلم أهدافه فإن ذلك لا يمس الهدف الأسمى لنشر دين الإسلام. شعرت أن كلماتي أصبحت أكثر توازنا في آخرها كانت صامتة وكانت تنظر لي بعينين بائستين ثم قالت, ما تقوله رائع ولكنها الآن في السادسة عشر من عمرها، وإذا تكلمت في هذا الموضوع أمام والدتها فلن تراني بعد اليوم وهذا أكثر ما تخشاه، ثم جذبتني إلى أحاديث أخرى ولم أدري ماذا يدور بخلدها بخصوص ما قلته وذلك ما يزعجني الآن.
.................................................. ...
إنه لا يستطيع الكتابة إنه ....... يحتــــــــــــرق
إنه لا يستطيع الكتابة............ إنه يموت
إنه لا يستطيع الكتابة.......... إنه يتلاشى
.................................................. .......
1/1/2000
اليوم وبعد شهرين من الحادثة ذلك الذي بداخلي لم يمت إنه ما يزال يتنفس ويعيش كسائر الحيوانات، اليوم هو يعلم أن الحياة ستسير وتركض مسرعة دون أن تنظر إلى الخلف وبما أننا ما زلنا نتنفس هواءها فإنه لزاما علينا أن نتبعها راغمين أو راضين، ماذا سأكتب في هذه الليلة الحزينة الصامتة لقد ماتت الحبيبة لقد ماتت وانتهت كما تنتهي كل ومضة جميلة في حياتنا، مجرد صفحة قطعت من دفتر حياتي حين كتبت في غفلة مني, هل هذا صحيح ما أتعسني إذ توهمني هذه الكلمات القاسية وما أفظعني وأنا أقول لماذا ظهرت لماذا اقتحمت سكوني بضحكتها وبراءتها لتقول يوجد لك أخت تحبك لسنوات بينما أنت لا تفكر بها وتقسو عليها.
كنت في برمنجهام مع تلك الرفقة الجديدة التي أخرجتني من تلك الحياة القصيرة التي تلونت بكل مباهج ماري وابتساماتها، صممت في لحظة حين ظننت أن الحياة طويلة ولا يجدر بنا أن نقضيها في مجرد الضحك والابتسام، فهناك مستقبل يرسم وأحلام نسعى لتحقيقها لذلك علينا أن نضحي بذلك اللهو، التقيت بماري وأخبرتها بأنني سأقضي مدة من الزمن لم تحدد في برمنجهام وذلك ضروري الآن، ربما علي أن أتذكر التفاصيل الآن وأنا أسرد آخر لقاء .. لا أستطيع أشعر بغصة حادة تخنقني، ربما علي أن أذرف الدموع مجددا وأخلف ما وعدت نفسي به بالأمس، قالت ماري بكل ثبات إنه قد مضت سنين عديدة وهي تحاول الالتقاء بإخوتها وهي تواجه رفض الأم الحاد واستسلام الأب البعيد، قالت إن لكل منا أحلامه وقد تحقق جزء من حلمها إذ أنها لم تر أسماء بعد وإذاً كما قالت علي أن أحقق أنا أحلامي أيضا ثم انصرفت دون دمعة واحدة أو ابتسامة خاطفة، صممت في تلك اللحظة أن نلتقي بأسرع مما تظن وأن تكون رحلتي قصيرة جدا كي تضحك من أفكارها السوداوية حيث لا لقاء بعد أي وداع.
لا أدري ماذا حدث ذلك اليوم إنه مظلم في ذاكرتي ولكنني أتذكر جيدا يدها التي ما زالت دافئة حين قبلتها لقد رحلت تلك الروح قبل دقائق من وصولي إذاً هو الخصام الأبدي, لم تودعني ولم تنتظر حتى ترى بؤسي وحبي لها، نعم رحلت ماري كما يرحل الكثيرون ولكنها أختي لذلك فأنا أتألم اليوم، إن جزءا من قلبي كان مودعا لديها لقد أخذته لتترك لي قلبا ناقصا يلم أشتاته المهترئة بالقسوة والحزن,
حادث تصادم مروع قالوا ذلك وأسهبوا في الوصف، أبي صامت لا دمعة واحدة ولا كلمة وداع تخرج من حلقه المتيبس، والدتها منكبة على يدها الرقيقة الناعمة تقلبها وتضعها على خدها الدامع، كنت أبكي وأنشج وأنا أنظر إلى جبينها الدامي وألتفت إلى حضن أبي لعله يضم أشتاتي فأرى عينيه المتحجرتين وقد جحظتا وهما تنظران إلي بذهول، أمسكت بيديه وهززته بقوة وأنا أقول ماذا قالت قبل أن تموت أصرخ بصوت أعلى لأعيد السؤال على هذا الجسد المتيبس فتجيب الممرضة بهدوء حزين يا إلهي يا إلهي هذا ما قالته.
كم أمقت ذلك البائس وهو يقول لي معزيا قبل عدة أيام عليك أن تنساها إنها ليست أختك، إنها مجرد أخوة دنيا انتهت بوفاتها، أنت مسلم، أخوة الدين أقوى من كل رباط لقد ماتت على غير الإسلام فلا فائدة من الدعاء ولا فائدة من البكاء، لم أنظر إلى وجهه وهو يتحدث إذ كان عليه أن يرى أقسى نظرات الكون قسوة ومقتا شعر عبد الصمد بما أعانيه فقال مدافعا وما يدريك بأنها لم تكن موحدة لقد كانت تناجي إلهها في آخر كلماتها ولا يحق لك أن تقول عنها ذلك إذ ليس كل من دفن في مقابرنا هو منا وليس كل من دفن في مقابرهم هو منهم، أجاب ذلك المتحجر: لقد ناجت إلهها الذي لا نعرفه، إن لهم آلهة عديدة بينما لنا إله واحد نعرفه جيدا.
لن يفيدني التفكير في كل ذلك الماضي لن يعود كما لا تعود الابتسامات الصادقة حينما تختلج المصالح، أرى الموت يركض ورائي أينما حللت، كل من حولي يتخلص من هذه الحياة، لا أدري كيف سيمضي بي هذا المستقبل الغامض وإلى أين، أتعلم الآن دروسا صعبة، علينا أن لا نفكر بأي لحظة لم نعشها بعد، إن كل لحظة قادمة قادرة على أن لا تكون كسابقتها لأنها قدرة الله، خططت ماري كثيرا قبل أن أفاجئها بسفري إلى برمنجهام لاحتفالات رأس السنة الألفية، كانت ماري تلقائية ولا يهمها كل ما قيل عن هذه اللحظة الحاسمة قالت إنها تعتقد بأنها ستكون لحظة سعيدة رغم كل شيء وحين أخبرتها بسفري لم تتفوه بكل الأحلام والخطط التي رسمتها لتقضيها معي خلال تلك الاحتفالات لا أدري كيف كانت تفكر ولكن ما كنت متأكدا منه أنني سأفاجئها بقدومي السريع ولن تقضي يوما بدوني، ولكنها الآن رحلت، إنني هنا وحيد، لا أدري كم نفسا تقاسي مثلي اليوم وتغلق قلبها وبابها عن كل بهجة يستمتع بها الآخرون في مثل هذا اليوم، أنا أعلم أنني لست وحيدا في بؤسي الآن, أعلم أن العالم يمتلأ بأقسى مما أعاني, أعلم أن هناك من لا يعلم حتى أن هناك قرونا تمضي وأياما تسير، وليلٌ ونهارٌ فلون الحياة واحد كلها جوع وكلها ألم وكلها موت،
إلهي إن كنت لا أستحق الرحمة فإني لا أسألها لي فحسب ولكني أسألها لأولئك الذين يعانون في كل مكان، إني أسألها لكل جائع ومريض ومبتلى وبائس ويتيم ، لقد رحلت صغيرتي قبل أن تعانق أنفاسها هذا القرن الجديد قبل أن تضع فيه ضحكة واحدة أو بسمة تزيده صفاء وبهجة وكذلك رحل الكثيرون، ولكنها أختي التي ملئت حياتي ذات يوم بكل بهجة ومرح،
.................................................. .............
يتبع إن شاء الله

رد مع اقتباس
  #24  
قديم 05-03-2011, 09:12 PM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

أخوتي شموخ النســـــــــــــــــــــر...........أمـــــــــل. ..............أم فهد........
مزيد من التشجيع= مزيد من العطـــــــــــــــــاء
:

رد مع اقتباس
  #25  
قديم 05-04-2011, 10:08 AM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

سأعود للماضي، لا أستطيع سوى أن أغلق باب حجرتي لأكتب كيف تتشابك المأساة وكيف يتلقاني الألم والموت حيث ذهبت بذراعين قويتين
بدأت الأحداث تتسارع ففي ذلك اليوم الذي لن تنساه أحلامي قرر لي السفر إلى السعودية، ربما كنت سأرفض ولكن حين قيل لي بأني الوحيد القادر على أداء تلك المهمة إذ أني الشخص الذي تتوفر لديه كل الميزات وبكلمات منمقة قليلة بدوت مستعدا لأي شيء، ما كنت أعتقد أني سأقوله حين تطلب مني مهمة بهذا الشكل أني لن أستطيع التحرك من فوق هذه الأرض ولو أنملة فهناك قلب يحيا لوجودي ولكنني صمت ونسيت كل شيء كنت جاحدا فنسيتها و حين رأيت عينيها الذابلتين تنظران لي وكأنهما تسبران أغوار قلبي كانت تخاطبني بصمت ،أعلم كل شيء،
قبلت يدها وهمست أمي هل أستطيع أن أسافر فقط لمدة أسبوع إنني لن أسافر بعيدا.. لدولة عربية مجاورة ثم أعود بسرعة..
لا تخشي شيئا سأتصل بك يوميا، بل كل ساعة سأوصي علياء، ستأتي هنا لترعاك وقت غيابي ...تحدثت كثيرا بكل ما يعينني على منحها بعض الثقة، علمت بأني هذيت كثيرا حين رأيتها صامتة لا تجيب سوى بعينين حائرتين تدوران حولهما وعندما انتهيت من كلماتي البائسة أخذت يدي وضمتهما وهي تقول حفظك الله.
انتابتني مشاعر كثيرة وأنا أعد نفسي للسفر، كانت أمل تقتحم أفكاري لقد نسيتها تماما ولكنها تعود وبقوة، نظرات أمي تلاحقني وكأنها تحرق جزأ من قلبي المتيبس، سأكون صادقا إذا قلت بأنني كنت أشعر أن القدر يخبئ لي شيئا لم أكن لأعرف كنهه.
الذكريات تزدحم ولا أعرف من أين أبدأ أشعر برحمة الله وقد تجلت لي واسعة حين ظننت أن القدر يكشر عن أنيابه بقسوة، لكنه كان رغم كل شيء يضمني مبتسما حانيا يحملني بتلك الأنياب إلى شاطئ النجاة، ربما أصابني بخدوش ولكنه أنقذني من مصير مظلم لا نور فيه ولا أمل.
حين كنت محلقا بكل مشاعري في ذلك العالم الذي أنا راحل إليه دون أن أفهم شيئا وقد توقف بصري عن رؤية كل شيء حولي حتى عن تلك الشفتان اللتان كنت أراهما تدفقان بدعوات صادقة لم تكن لتشعل في بريق أي سؤال ...إلى أين أنت ذاهب وماذا ستفعل؟ ربما كنت خائفا لكنه خوف العاشق، كل ذلك القلق الذي انتابني في بداية اتخاذ هذه المهمة تلاشى بمجرد اقترابها ولم أرى سوى المستقبل الذي ربما ظننته منعشا بغموضه وفي غمرة ذلك الحلم جاء صوتها يوقظني، في لحظة صفاء جاءتني إيمان راكضة تخبرني بابتسامة غامضة وهي تلهث: أمل على الهاتف تريد محادثتك، صعقت وترددت ماذا أفعل أنا لم أسمع صوتها منذ غادرت لندن، ظننت حينها أني أصبحت شخصا آخر ولكن نبضات قلبي أكدت لي بأني عمر وأن تلك هي أمل ماذا سأقول وكيف سأحدث هذه المرأة وماذا تريد وقررت أن أكون صارما اتجاه شيء كهذا ولكن قلبي كان يخفق، فكرت في ذلك الشقي عبد الله ماذا لو عرف بما حدث كنت أفكر كطفل ساذج أحسست أن عمرا طويلا مر ولكنها كانت لحظات وإذ بي أمسك الهاتف، صوتها يفيض بؤسا سألتني عدة أسئلة عن سبب سفري ولماذا ثم قالت إنها عائدة إلى الوطن بمجرد انتهاء هذا العام، كعادتها لم تتفوه بأي كلمة تشجعني على قول كلمة رقيقة ولم أكن مستعدا في ذلك الوقت لذلك أجبت بطريقة آلية عن كل أسئلتها دون أن يتلعثم لساني لقول كل الكذبات التي رتبتها في عقلي أياما طويلة ورددتها كثيرا بصوتي الساكن وطالما أجبت بها على أسئلة أمي، كنت بارعا في إخفاء أدق مشاعري لذلك ما زلت أعاني، ربما صدمها أسلوبي في الحديث لذلك أنهته بطريقة صارمة وهي تقول آسفة لأني أخذت من وقتك الكثير، وصمت دون كلمة واحدة،
ثم ودعتني، وتجرأت أن قلت صاحبتك السلامة، وضعت السماعة وأنا ذاهل من كل ما حدث كنت مصدوما لا أرى شيئا ولكنني استطعت أن أتبين صوت إيمان التي يبدو أنها سمعت كل شيء وكانت تراقبني بتوجس قالت بقرف.. غبي، وخرجت وأنا أحمل قدمي حملا على النزول وبعد عدة درجات لا أدري ماذا حدث لقد تعثرت وانزلق جسدي بقوة مصطدما بكل زاوية كنت أتدحرج وأحسست بظلام الموت يخترق أعضائي ثم انتهى كل شيء عندها فتحت عيني ورأيت الجميع فوق رأسي كانت أمي تبكي بصمت وهي تحاول تحريك رأسي وخالي يصرخ بها دعيه ربما تكسرين له عظما آخر وعندما فتحت عيني صاح الجميع واختلطت أصواتهم عمر ما بك كيف حالك هل تشعر بشيء، واقتربت إيمان من أذني وهمست حرك قدميك ورجليك هل تستطيع ذلك وفعلا نفذت الأوامر وبدأت بتحريكها وتحركت يداي بصعوبة ثم حركت قدمي وشعرت بألم شديد في رجلي اليمنى فلم أستطع رفعها ثم رفعت من المكان بمساعدة الجميع وحين خضعت للعلاج كانت محصلة هذا الحادث المفاجئ كسر في الساق اليمنى مع وجود تمزق في العضلات والأعصاب هذا أخطر ما في الموضوع وذلك باستثناء الرضوض والكدمات والجروح التي عانيت منها كثيرا، خضعت لعلاج طويل في مستشفى قليل الإمكانات ولفت ساقي في كفنها الذي بدا لي وأنه حتما سيأخذها إلى القبر. كانت تلك الحادثة هي بداية الطريق الموصل لجزء آخر من الحياة، اختلطت المذاقات في روحي فطعم الأمل مع الألم والرحمة مع اليأس، لا أدري إن كان المرء يستطيع أن يعبر عن كل ما يختلط في أعماقه في فترات معينة، ربما لا أستطيع، أشعر أن أطرافي تبرد في هذه اللحظة التي أمسك فيها بهذا القلم وأني سأفقد جزءا منها، كل ما يمكنني قوله حين يختلج جسدي بهذه المشاعر أن أقول الحمد لله فهذه الكلمة تسكن شيئا من روعي، لا أدري إن كنت سأستطيع أن أوجز أياما مرت كدهر طويل في أسطر قليلة. أصبحت بعد ذلك الحادث شبه مقعد ولكن لم يكن ذلك ليزعجني كثيرا بما أني سأتخلى عن هذه الصخرة التي تلازم ساقي بعد وقت من الزمن مهما طال. بالطبع لم أستطع متابعة المهمة التي أوكلت إلي ولكن وصلتني رسالة بأن المجموعة تنتظر شفائي لأن هناك مهمة أخطر ستوكل إلي، كانت تمر أيام تلو الأخرى وأنا حبيس المنزل دون أن يطرق الباب وبدأت بعد أيام أجد أسلوبا آخر للترويح حيث كنت أتخذ مكانا لي بجوار المنزل أجلس على كرسي مريح لأستنشق بعض الهواء، وهذا الأسلوب دفع الأصدقاء الذين حرمت من رؤيتهم لمدة بالمجيء لزيارتي في بعض الأحيان ولكن كانت زيارات خاطفة وسريعة تنتهي بالقول أن هناك أمور خطيرة تجري وتحتاج منا كل الوقت.. نحن بانتظارك .. وعندما سألت عبد الله عن أحمد في أول زيارة لي قال بأنه قد رحل فجأة دون أن يخبرنا عن وجهته ويومها دخلت المنزل وبقيت ليومين لا أغادر فراشي حتى زارني صالح وألهمني معنى الصبر فاحتقرت ذاتي الساخطة
في عصر ذلك اليوم الذي لا أستطيع نسيانه كانت الرياح العذبة التي تنعش وجوهنا ونحن نجلس متقابلين تشعرنا بمذاق الحياة الجميل وبأن السعادة لا يحدها مكان ولا زمان
قال لي بأنه تمنى أن يكون في صحبتي في هذه الرحلة ولكن شاءت الأقدار أن يكون عادل بدلا عني ثم تحدث عن عادل بكلام جميل وثناء بعد أن أحس بأنه قد يكون معنى كلامه أنه يتأفف من صحبته.. حاول ألا يقول الكثير عن أحمد فكلما سألته سؤالا عنه كان يقول ادعوا له، ثم حدثني عن الصبر كان يتلو لي آيات الصبر بصوته الجميل وكأنه يهيئني للمستقبل الذي يحتاج ذلك الصبر الذي يتحدث عنه، ووعدني بأنه حال عودته فإن سباقا بيني وبينه سيثبت إذا كنت قد عوفيت تماما أم أني أصبحت كالعجائز المنهكين، كان يحاول إشعاري بأني معهم حيثما ذهبوا ويحاول إضحاكي بأي طريقة وأنا أعلم أنه لا يحب أن يمثل هذا الدور ولكن من أجلي سيفعل وبعد أن ضحكنا وتكلمنا في كل شيء وشربنا الشاي صببت له كوبا آخر وأصررت على أن يشربه ولكنه كان قد اعتدل قائما وهو يقول خبئه لي حتى أعود ضحكت وأنا ابتلع فنجانه الذي كان آخر أثر منه وقد سكبته في أعماق قلبي.
في أحيان كثيرة كنت أفكر في أحمد لو كان هنا لما تركني للحظة واحدة، إنه مختلف، إنه يشعر بالجميع، ولكن هل كنت محقا لا أدري، ليس هناك ما يدعو للوم فأنا لا أستطيع آداء مهامي لذلك أنا الملام ولا يحق لي أن أطالب أحدا ما بأن يلزم نفسه بالجلوس بجواري وهو يستطيع في وقت كهذا أن يمارس ما يشاء، كانت كل أفكاري وحديثي مع ذاتي ينتهي بالعفو عن الجميع فلا أستطيع لومهم وأحمل نفسي المريضة كل لوم وعتاب. فكرت كثيرا في الاتصال ببيتر ولكن كيف, كنت عاجزا لا أستطيع التفكير بشيء ومهما كانت بساطة الأمر فإني أشعر به ثقيلا ومستحيلا, هل مازال يذكر هذا الوجه البائس لقد خذلته في أصعب اللحظات وغادرت لندن لا أدري كيف يفكر بي الآن، ثم توالى شريط الذكريات تلك الحياة التي ودعتها بدون مصافحة وداع وبدون مقدمات، أسماء، أنور، وحلم بيتر وأحزانه، وأمل ووجه أمل الحزين وهي تنظر لي في آخر مرة التقيتها ثم أمي نعم لقد تركت الجميع من أجلها ولكني لم أكن يوما معها حتى وأنا بتلك الحال كنت أفضل البقاء خارج المنزل لماذا هل كنت أخشى نظرات عينيها ولكنها كانت تفيض حبا وصدقا ربما كنت أخشى أن أخبرها بكل الأمور التي أمنت على كتمانها مهما حدث، كنت في كثير من تلك اللحظات ضعيفا وبائسا لا شيء يمنحني القوة، إنني حتى لا أملك الإيمان الذي سمعت عنه الكثير، لقد توهمت أنه بداخلي ولكن لحظات اليأس الحادة تؤكد غير ذلك، ففي لحظة اسود العالم وأصبح كل شيء بغيضا مكروها فكرت بقنوط لماذا لا يحق للمرء أن ينهى حياته في اللحظة التي يشاءها أليس هو من يعاني ويتحطم، ألست أعلم بحالي، وفي تلك اللحظات البائسة تناسيت أن هناك من هو أعلم بحالي ومآلي يدبر الكون بتصريف عجيب ورهيب بينما نحن نفكر بيأس إذ برحمته تتجلى من وراءه مشرقة مضيئة منقذة حكيمة، أشعر بدموعي تأبى إلا وأن تفلت من مكمنها كلما تذكرت جحودي أمام رحمته ويأسي أمام حكمته، فك الرباط ورأيت قدما باهتة اللون وكأنها فقدت كل طعم للحياة وتمتمات الطبيب ونظراته الزائغة، هناك أمر خطير ينبع من تلك الشفاه وفهمت الكلمات التي قيلت بلغتي التي تركتها في لندن وعرف الطبيب بأني فهمت كل شي فقال بصوته المتلون كل ما يمكن أن يقال تفسيرات وتبريرات وتحليلات ولكنه لم يقلها لم أسمع شيئا، كنت أفكر هل ما سمعته كان حقا لماذا لا يتفوه هذا القاتل بالحقيقة هل حقا ساقي ستبتر، فسألته بصوت متهدج مرتعش خافت فأجاب بنعم ميتة مقيتة عندها صرخت وألقيت عليه أقرب شيء وصلته يدي, خرج مذعورا وتلفظت بكل ما أعرفه من سباب أحقا تبتر الساق لأنها فقط كسرت لماذا لماذا وصرخت أيها الأوغاد أيها المحتالون لن تبتر ساقي مهما حدث سأموت واحدا أو أعيش واحدا.
ومضت الأيام الأليمة وتبين لي كل شيء واستسلمت للحقيقة ولم أرى أحدا سوى أمي تخفي دمعاتها الحارقة وتزرع في الأمل، كم تحدثت عن القوة التي تمنحها لحظات ضعف، وهل بتر ساقك نهاية العالم، تقول تلك التي لم تر شيئا من العالم لقد تقدم العلم وهناك العديد ممن يعيش بساق اصطناعية ويعيش مبدعا مميزا، كلما سمعت ذلك خنقتني العبرات. أليس هناك حل سوى ذلك ألا يمكنني إيجاد علاج في مكان آخر فكرت بالاتصال بأبي ويسارع خالي باستعجالي لإجراء عملية البتر فالتعفن سينتشر، فإما أن أعيش بساق واحدة وإما أن أموت أبشع ميتة، ورأيت الدنيا سخيفة حقيرة إنها لا تساوي شيئا، في لحظة يمكننا أن نسقط ونحن في قمة تشبثنا بها، وفي لحظة يمكن أن يداهم ابتساماتنا ومرحنا ذلك الشيء البغيض الموت، ما أتعس الحياة وما أهونها، وقررت الاستسلام. ثم هبت نسمات الرحمة، في تلك الليلة سمعت أمي التي تشجعني على الإسراع بإجراء العملية تشهق بدموعها وهي تتلوى وتتضرع بين يدي من يملك كل شيء، أتذكر كلماتها ولن أنساها، اللهم إني استودعك ساق ابني اللهم لا تحرمه منها اللهم اشفها واحفظها له، كان تدعو وكان قلبي يتمزق لا أدري هل لألمها أم لما سأعانيه، ملئت دموعي الفراش وخشيت أن أنشج أمامها بالبكاء وأن أصرخ مبتهلا مفجوعا، في تلك الليلة رأيت كيف يكتسب الضعف قوة رهيبة واليأس أملا بديعا، في الصباح الباكر كان العم موسى يجر قدميه نحو منزلنا، دخل علي متهلل الوجه وهو يعاتبني ماذا تقول هل ستبتر ساقك هل توافق على هذا الهراء هذا خطأك لأنك لم تأتني، ستأتي معي من الآن وسترى كيف تقوم كالحصان إنشاء الله، نظرت إليه وأنا مقطب كنت أتساءل هل يهذي هذا أم يظنني جاهلا أحمق ومرت بعض دقائق سرد فيها بعض حكايته وإبداع دوائه، قال بصوت واثق قليل من العسل وبعض الأعشاب وهواء نقي وطعام صحي سترى كيف سيتغير الحال، كان من المحال أن أوافق على هذا الجنون، هل أسلم روحي لهذا العجوز الأخرق، وتمنيت لحظتها لو تتحدث أمي ولكنها كانت صامتة، استحثها العم موسى على إقناعي ثم غادر المكان وهو ينبهني أنه في انتظاري وأن التأخير ليس في صالحي،خرج وسألت طالبا رأيها, قالت بهدوء الشفاء بيد الله وقد يجعله في أيدي ضعفاء كالعم موسى، ثم تركتني وبعد قليل سمعت نشيجها لماذا؟ هل لأنها سترى ابنها القوي يعيش تحت رحمة ذلك العجوز كما هي منذ سنين، أم لأنها تشعر بأن هناك أمل يقترب وهي لا تعرف كيف السبيل إلى إقناع هذا المتأجنب،
ثم جاء المساء بهدوئه وأحلامه، لم أستطع النوم تلك الليلة، بدأت الأفكار تراودني بجدية، لماذا لا أذهب إلى العم موسى، أليست أمي ما زالت تقاوم المرض بفضل أدويته، وماذا سأخسر إذا فشل هو، سيبتر المزيد من جسدي، لا فرق فالكثير يساوي القليل العاهة واحدة والألم سيكون واحدا، ثم فكرت أن النتيجة الحتمية ربما تكون الموت وهذا ما تمنيته، الانتحار بيد أخرى لا يعذب الضمير ولا يجلب السخط،، ثم استقر رأي على الذهاب منذ الغد، كنت أطلب شيئا واحدا هو الموت فكيف لي أن أعيش ثلاثين أو أربعين سنة قادمة بساق واحدة وبنفس منكسرة،
ربما علي أن أوجز تلك الفترة، فعيني علياء تقتحم أفكاري، تشعرني بأن اللعنة ستلاحقني ما حييت، لقد كانت رقيقة ولطيفة ساعدتني بكل ما تستطيع كانت أما وأختا وصديقة كان حياؤها يخجلني وثباتها يبهرني، لقد قضيت في ذلك البيت ما يقارب الثلاثة أشهر، في كل صباح كنت أشعر أن الحياة أفضل وأنقى، بدأت كوابيس اليأس تتلاشى من رأسي والأمل يحبوا نحو قلبي بكل ريعانه وجماله، وهي تقف هناك، أعلم أن العبارات لم تكن لتسعفها لتقول الكثير أو ربما الحياء يمنعها لتفضي عن شيء قليل، أنا لا أدري ولكن ما أعلمه أني كنت بعد ذلك جاحدا وناكرا، لقد تركتها دون كلمة اعتذار ، لطالما فكرت في الآخرين ولكن في تلك اللحظات الحاسمة البائسة لم أفكر في شيء، لقد كانت أختا رائعة، ولكن لم يمكنني أن اعتبرها زوجة ، أنا أعلم أنها لن تكون أكثر سعادة معي وربما سأقتل فيها كل مشاعر صادقة منحتها لي ذات يوم، هي لن تكون لي يوما، إن هناك أمورا حتمية تقف فوق رأس كل قرار قد نتخذه، لقد ظننت في لحظات أنها رائعة وربما يمكنني أن أحبها بصدق ولكن أيقنت في لحظات أخرى أكثر وضوحا وإشراقا أن حياتي معها ستكون مستحيلة لذلك حاولت أن أغير من طريقتي الانبساطية معها لتكون أكثر رسمية ولكن كان الوضع الذي أعيشه يمنعني، لقد كنت أحلق طائرا فأبواب السعادة كلها فتحت، هل يمكنني أن أنسى تلك اللحظات التي رأيت فيها الموت وهو يخر منهكا أمام روعة الحياة وأنا أرى تلك الساق الباهتة تزهر بألوان الزهور وتنتعش بأغاني الطيور، رأيتها وهي تلفظ آخر خنجر للموت ورأيتها وهي تسقى ينبوع الحياة، كان لزاما علي أن أضحك وأمرح لا مكان للبؤس بعد اليوم، لم أؤمن ببراعة هذا الرجل ولكن آمنت بقدرة خالق هذا الكون وأيقنت أن دعوات أمي الصادقة قد أجيبت من رب رحيم ، في تلك الأيام استشعرت طعم الحياة الحقيقية, لها طعم لن نتذوقه إلا إذا عانينا يوما وانتظرنا النجاة لماذا نعيش أي لحظة بلا جدوى، إنك تضع المواثيق الغلاظ بأنك لو منحت فرصة أخرى فإنك لن تكون ذلك المتخاذل ستجعل من كل لحظة تمر فيها حياتك منعشة بالصدق والعمل ستكون وستفعل وستنشر الروح التي لم تفكر فيها يوما ،فأنت لن تكون هو بل ستكون كائنا مشرقا، ولكن أرى في هذه اللحظة أن الأمور أصبحت أسوأ مما كانت عليه وأن كل المواثيق التي ألزمت بها هذه النفس الضعيفة تسخر مني ، أليست لي ساقان سليمتان ونفس سوية ولكني لا أستطيع سوى الحراك إلى حيث لا أشاء، أفكر أحيانا أن ما ينقصني هو أعظم ما يُمتلك، ولكن حتى هذه اللحظة أنا لا أعلم عنه شيئا سوى أني أتمنى أن يتقدم نحوي بهدوء ليمنحني حياة هادئة،
في تلك الأيام التي لم أتبين فيها حقيقة الشفاء بعد وكان اليأس لا يزال يرسم خطوطه على وجهي، منحني القدر رؤية أختي أسماء وأنا على تلك الحال البائسة، لقد عرفت قبل مدة أنها تزوجت من أنور، وفكرت حينئذ لو أن بيتر يعاني كما أنا، أم أن الأمور قد اتخذت مسارا آخر خلال غيابي فتبدلت القلوب والأحلام، كنت وقتها أتمنى المباركة لأختي، لقد كانت تصر على حضوري حفل زفافها هذا ما أخبرتني به أمي كلما عدت إلى المنزل فأسماء لم تستطع التقاط صوتي منذ عامين بما أني لم أتواجد في الأوقات التي كانت تحادث فيها والدتي، لم أكن مهتما بشيء كان كل تفكيري منغمس في تلك الحياة التي تلقتني بذراعين قويتين شديدتي البأس، كانت مشاريعي في أوجها كنت أهم بالسفر كما خطط لي إلى أن أدركتني رحمة الله وسقطت حيث لا يتعثر إلا الغافلون على درجات ذلك البيت، عندها تغير مسار حياتي وسكنت عند العم موسى وأجلسني القدر مقعدا في ذلك البيت أنتظر الرحمة بالشفاء أو الموت،
لا أستطيع نسيان ذلك اللقاء الذي جمعنا، جاءت أسماء، كنت مستلقيا على سرير قديم، اعتقدت وقتها بأني في أحسن مظهر فثيابي وإن كانت قديمة، فهي للتو قد جفت بعد أن غسلتها علياء جيدا وقد اغتسلت بالأمس، ربما لو كنت أعلم بمجيء أسماء لاعتنيت بنفسي أكثر، دخلت علياء وبصوتها المنخفض قالت لقد جاءت أسماء وهي الآن تحدث والدي، استعد ستدخل الآن، قالتها دفعة واحدة ولم استوعب كنت مشدوها ولم أتحرك من مكاني ودخلت أسماء ورأيتها وهي تقترب نحوي تنظر لي بعينان مفعمتان بالحب والخوف اعتدلت جالسا سحبتُ يدها وقبلتها لم تقل شيئا ولكن عيناها بدأتا تغوصان في الدموع كانت تنظر لي وكأني وحش خرج من غابة ولكنه وحش تحبه وتعرفه نظرت لكل جزء مني ثم أخفت وجهها ونشجت بصوت أدمع عيني الوارمتان، صارحتني بعد أيام عن سبب بكائها، لقد أحزنها كيف غدا ذلك الشاب البريطاني المدلل، أدهشها طول شعري ولحيتي الكثة التي لم أتذكر يوما أن أنسقها، يداي الخشنتان ووجهي المسمر كلها كانت سهام أصابتها بالكآبة كيف يكون هذا هو ذاك، ألست رجلا ولكن ما قيمة كل ذلك هل بتلك المآسي غدوت رجلا حقا، أنا هو هو، اليوم وجهي الناعم وثيابي الأنيقة لم تغير في شيئا، أشعر أن ذلك البائس ما زال في قلبي ذلك الذي خسر أولى جولاته من أجل البطولة خسر بل غدا مجرما أخرقا إنه يقتل وهو لا يدري أين قتل وماذا فعل، الهي إني بائس لا أدري هل كانوا محقين، ألست ابن هذا البلد الذي قسم أوطاننا واحتل أرضنا واغتصب قدسنا، سأكون لمن هل سأثئر لشرف وطني الذي انتهك أم أن معروف هذا الوطن سيخنقني حتى أموت حاسر الرأس،
مرت الأيام عجلى بعد أن منحتنا قليلا من الابتسامة، في الأيام التالية كانت أسماء تزورني بشكل يومي هي وأمي رغم طول المسافة وفي بعض الأحيان كانت لا تسمح الظروف بعودتهما فتقضيان عدة أيام معنا، تأكد شفاء ساقي وقال الطبيب بأنها معجزة ورأيت أن قدرة الله فوق كل شيء وندمت كثيرا على اليأس الذي أصابني وأيقنت أني قد فشلت في أول امتحان إلهي مررت به، كنت أفكر دائما وما زال ذلك هاجسي كيف يمكنني أن أكون بطلا في صبري وتحملي كذلك المؤمن الذي طالما تردد في حكايات بكر، هل هو حقيقي، قرأت ذلك بعيني ولكن هل ما يكتب حقيقي أليس البشر تواقون لوضع لمساتهم المثالية في كل ما يسرد، ففي حين يرفض الواقع وجود أشخاص كهؤلاء يمكننا أن نصنع ذلك بقليل من الوهم فلعل وعسى من يصدق ذلك فيكون كما أريدَ أن يكون، أنا حقا لا أعلم كيف كان يمكن لي أن أبتسم أو أن أرضى حين يقال لي ستبتر ساقك، لدي قلب لأحزن وعينان لتبكي ولسان ليشكو فكيف باستطاعتي أن أكبح الجميع وأنتهز الفرص كما يقال،
هناك حملت ذلك الكتاب الذي رأيته سرا غامضا في حياتي وتمنيت لو كنت سألت أبي ذات يوم عن تلك المرأة التي استضافتني وعن تلك الصورة الدامية لذلك الشاب الذي أعتقد الآن أنه قد يكون ابنها, ولكني كنت صغيرا يحمل هموما تنسيه كل الماضي وقد يأتي اليوم الذي أستطيع أن أسترجع فيه الماضي من شفاه أبي,
قرأت كيف يختبأ الإيمان في مكنونات قلوبنا وكيف نستطيع أن نصل إليه حين نتدرج في مسالك المعرفة ونرتقي في مراتب الفلسفة فإننا حتما سنصل إلى شيء واحد هو وجود الله ووحدانيته, لا يمكنني كتابة ما قرأته بشكل جيد ولكن يمكنني قراءته بروية إنه يحوي أسرارا غريبة لحقيقة الإيمان ويصم كثيرا ممن اعتقدناهم رواد كفر وإلحاد يصمهم بالإيمان حين يبحر في مكنونات ما قصدوه وما استعصى على الناس فهمه.
.................................................. .
عدنا إلى منزلنا وأقامت أمي وليمة كبيرة صنعتها بيديها،أتذكر وجهها الذي زاد إشراقه برؤية أسماء بدت وكأنها لم تعاني من مرض يوما من الأيام كانت قوية ونشيطة بشكل أدهش الجميع، وتذكرت أول يوم قدمتُ فيه وكيف أن رؤيتها لي أكسبتها طاقة جعلتها تبدو معافاة تماما، ولكن ما لبثت أن سُرقت منها الابتسامة حين تركتها وحيدة تنتظرني صباح مساء تنتظر عودتي بوجه مرهق تعب فتطعمني بهدوء وتستمع لأكاذيبي التي حفظتها، كانت تعتقد أني أسعى لهدف وهي لا تريد أن تعيقني عنه بعد أن أنبها ضميرها كثيرا وهي تراني قد تركت كل شيء في لندن من أجلها ، كان أنور متعاونا جدا فلم أره يتأفف يوما من مرافقة أسماء، يحدثني دائما بلباقة وأدب حتى أني اضطررت إلى أن أكن له الود بعدما ظننت أني سأحقد عليه إذ ذلك ما توجبه صداقتي لبيتر كما اعتقدت، لم أرى في عينيه نظرة شفقة أبدا وهذا أشد ما أثار إعجابي به، ولقد سعدت بذلك واطمأن قلبي على مستقبل أسماء فهي تستحق ذلك،
مرت الأيام سريعة ورائعة حتى أني نسيت الأصدقاء القدامى ، فكرت هل أربعة أشهر كافية لتنتهي المهمة التي وعدت بها حين شفائي، لقد كنت لا أرغب بشيء وربما تمنيت كثيرا أن لا أرى أحدا منهم في هذه الفترة، تجرأت ذات مساء اجتمعنا فيه سويا بسؤال أسماء عن بيتر، فأخبرتني بهدوء بأنها لا تعلم عنه شيئا وشعرت بغصة، ثم خفق قلبي وأنا أسألها عن أمل فقالت وهي تبتسم إنها في شوق للعودة، وربما سيكون ذلك في نهاية العام، أصبت بإحباط قليل وأنا أرى الجميع وقد تجاوز الطريق وبنا جزءا كبيرا من أحلامه بينما لا أدري أنا إلى أين وصلت،،
بعد تلك الأيام الحانية أكملت أسماء رحلتها وكان عليها هذه المرة أن تذهب إلى العراق حيث هناك ستستقر مع زوجها، وكما لكل شيء نهاية فقد بدأت النهاية تقترب لذلك العمر الذي هرولت به في تلك الأرض، انهارت الأيام السعيدة وانهار معها قلب أمي، في ذلك اليوم ودعنا أسماء وداعا حارا ، رحلت ودعوات أمي الملهوفة تلاحقها بحياة سعيدة وذرية بارة، ولم تخفي أمي قلقها على أسماء إذ هي تعلم ما تعيشه تلك المنطقة من ويلات، وسرد خالي نصائحه لأنور وأسماء بأن لا يتدخلا في شؤون السياسة أبدا ونصح أنور بالالتزام بالصمت دائما حيال أي موضوع فهو وإن كان من غير المغضوب عليهم فإنه قادم من الخارج والرقابة ستكون مستمرة عليه، سمعا النصيحة التي لم يكونا بحاجة إليها فهما يعلمان كل شيء كما الجميع، أتذكر أسماء وهي تقول لي اعتني بأمي جيدا لقد كنت أتمنى أن أكون في مكانك وأن أعتني بها ولكني أثق بك ثم همست في أذني في آخر كلامها لي أتمنى لو تزورني هناك أنت والعروس السعيدة، ضحكتْ وانتابتني مشاعر يائسة بأني لن أرى هذا الوجه المشرق ثانية،
في ذلك المساء وأنا أحاول النوم سمعت نشيج أمي المنخفض، هممت بأن أواسيها وأخفف عنها ولكن ليس لدي ما أقوله ثم استغرقت في نوم عميق، وقبيل الفجر استيقظت على أنين أمي الملتهب، أسرعت نحوها وأنا مبهور الأنفاس، ناديتها كانت لا ترد، درجة حرارتها عالية جدا، كنت أسمع صوتا يتحشرج من صدرها تقول بيقين يا الله يا الله، شعرت وقتها بأني وحيد في هذا العالم شعرت بضعفي وعجزي، وأنا أحملها إلى المستشفى انتابني سيل من الأفكار والآلام، لقد تركت كل شيء من أجلها ولكن لم أكن يوما معها، اعتقدت وأنا أعلم أنها مريضة أن في العمر بقية لإصلاح كل الأخطاء، كنت أسوف، سيأتي اليوم الذي سأسعدها فيه سيأتي اليوم الذي سأعوضها فيه، ولكن ذلك اليوم لم يأتي ولن يأتي، كانت تئن ولم تستجب للدواء الذي تناولته بقيت بجوارها ولم أحاول الاستفسار عن حالتها،
أخذت أقرأ سورا من القرآن بجوارها وهي تئن ثم هدأت وبعد مدة من الزمن لم أدركها فتحت عينيها فخفق قلبي ولكنها أشارت إلي بأن أتابع، حاولت أن أتابع ولكني شهقت بدموعي وبكيت كطفل صغير، أخذت يدي وقبلتها فاندفعت نحو يديها ورأسها ورجليها كنت أقبلها بكل ما انتاب قلبي من حرقة وألم فأنا الذي آذيت هذه الحبيبة، نادتني بصوتها الضعيف عمر فجلست بجوارها وأنا أمسك يدها ودموعي تنهمر، قالت كلمات حانية هي التي تدفعني اليوم لأعيش دون أن يهلكني لوم نفسي وعتابها قالت: لا تبكي يا عمر أنا راضية عنك، سامحني لأني حبستك كصبية لتبقى معي، لطالما دعوت الله أن يقبض روحي ورأسي بين يديك كنت أخشى أن أموت دون أن أراك، ثم ختمت كلماتها الضعيفة ، لك الحمد يا الله، بعد دقائق همست بصوت منخفض: لا تخبر أسماء بشيء إلا بعد دفني، سلم عليها كثيرا ، قل لها بأنها أغلى عندي من كل شيء، ثم شخصت ببصرها وكأنها تخاطب نفسها: لقد أسعدتني في أيامي الأخيرة، شعرتُ بالرهبة فأمسكتُ ذراعها ولكنها التفتت إلي وهي ترسم على وجهها ابتسامة شاحبة، حاولتْ أن تقول شيئا ولكنها لم تستطع، بعد ثواني من الصمت صدح أذان الفجر كان له في ذلك اليوم صدى لم أسمعه يوما شعرت بالصوت يخترق الجدران بقوة ويستقر في قلبي خاشعا ساكنا لم أشعر بشيء خفضت بصري وأخذت أردد، حين رفعت عيني وجدت الطمأنينة قد سكبت عطرها على كل شيء حتى على وجه أمي الذي بدا لي حينها أجمل من أي وقت، قالت لي بصوت خال من كل ألم أحضر لي ماء لأتوضأ حاولت الاعتراض بأنها الآن مريضة ولكني لم أتم حديثي بعد أن رأيت بريق عينيها، خرجت وبعد دقائق رجعت بإناء في يدي حين دخلت وجدت بصرا شاخصا نحو السماء اقتربت بفزع وضعت الإناء, جلست بجوارها, رفعت رأسها ووضعته على صدري ناديتها أمي أمي لم ترد قبلت رأسها وضممته إلى صدري وأنا أسمع صوتا يتحشرج في صدرها, لسانها بدأ يتحرك بصوت منخفض ثم ما لبث الصوت أن ارتفع كانت كلماتها قوية وواضحة لا إله إلا الله أخذت ترددها وقد تيقن في قلبي أنها النهاية وبعد ثواني كانت كالزمن الرهيب انتهى كل شيء وانتهت معها أنشودة الحياة وفصل من حياتي بدأ بالتسارع لينتهي حيث انتهى عمرٌ مضى من قبل.
سمعت عبراتها وشهقاتها وهي تذكر أيامها التي رحلت دون أن تكون بجوارها, أسماء الواثقة انهارت تحت سياط ذلك الخبر الذي لم تتوقعه لقد رأتها صحيحة معافاة وحين تمنحنا السعادة المؤقتة وقودا من القوة الطارئة فإنها تكون خادعة وذلك ما جعل أسماء لا تصدق كيف يغدو ذلك الجسد القوي الصحيح في لحظة فانية كقطعة من الأرض الجامدة ولكنها الحقيقة التي رأيتها بعيني ولم تدركها أسماء في لحظات الفرح الماكرة .
يتبع إن شاء الله

رد مع اقتباس
  #26  
قديم 05-04-2011, 02:43 PM
امل امل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 5,103
معدل تقييم المستوى: 15
امل will become famous soon enoughامل will become famous soon enough
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

جزء يبكي بكل معنى الكلمة
وكاني انا في ذلك الموقف وبالايام الاخيرة
في حياة والدتي رحمها الله

رد مع اقتباس
  #27  
قديم 05-04-2011, 03:26 PM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

أختي أمل أسأل الله أن يرحم والدتك وأن يسكنها فسيح جناته وأن يجمعكما في جنات عدن...

رد مع اقتباس
  #28  
قديم 05-04-2011, 03:29 PM
امل امل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 5,103
معدل تقييم المستوى: 15
امل will become famous soon enoughامل will become famous soon enough
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الهاشمية مشاهدة المشاركة
أختي أمل أسأل الله أن يرحم والدتك وأن يسكنها فسيح جناته وأن يجمعكما في جنات عدن...
شكرا لدعائك وجزاك الله خيرا ورحم الله اموات المسلمين
ومتابعة لك ان شاء الله وحين تتم القصة
يمكن يكون هناك تعليق هذا باذن الله

رد مع اقتباس
  #29  
قديم 05-04-2011, 06:36 PM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

تسارعت الأحداث بعد ذلك ولكن شيء منها ظل يؤلمني ففي تلك الأيام حيث كنت أتقبل العزاء بدا لي أن الجميع سعيد بما جرى أو أنهم يعتقدون أن ذلك هو الأفضل بالنسبة لي تلك الكلمات التي ترددت كانت تزيد ألمي وما زالت كلما تذكرتها كانت مريضة ارتاحت وأراحت هذا الشاب المسكين، إنهم يعتقدون أني ضحيت بالكثير من أجلها حين بقيت بجوارها ولكن ما يحزنني أني لم أكن يوما معها ولم أقدم لها شيئا، لقد كنت عبئا طالما سبب لها القلق والألم والحزن, لم تصرح يوما بذلك ولكن نظرات عينيها ظلت تخترق أعماقي وتقتحم أفكاري كنت أظن ويا سذاجتي أن اليوم الذي سأخبرها فيه بأني نصرت هذه الأمة واستعدت لها بعض كرامتها أصبح وشيكا، وجاء ذلك اليوم دون أن تكون معي لترى دموعي وقسوة الألم والحلم الجميل حين يصبح كابوسا يلاحق ما تبقى من عمري، بدا لي للحظات أن الجميع اختفى من حياتي في ذلك الوقت الذي كنت أحتاج فيه الجميع ولم أكن لأتكدر لأني كنت أعلم أن هناك أمورا تشغل المجموعة أهم بكثير من الاطمئنان على صديق عابر، كنت أنظر في الوجوه المعزية تمنيت لو أرى وجه أحمد، كان الأمل المستحيل يتراءى لي بين تلك الوجوه، هل عاد..هل علم بما جرى .. هل سيأتي ليمحو بصوته الهادئ كل آلامي..كنت أعلم أنه الوحيد القادر على فهم عمر الذي يسكن بداخلي، ولكن يبدو أن الآمال قد سميت بذلك لتبدو مستحيلة رغم كل شيء، لم أره ولم أرى أحدا وحين خلوت بآلامي في ذلك البيت الذي لم أجمع بداخله ذكريات كثيرة مع تلك الراحلة الحبيبة طرق الباب وظهر عبد الله، حياني بحب وجلس بهدوء ونسي أن يقدم واجب العزاء كما نسي أشياء كثيرة فلم أرى ابتسامته الصبيانية ولم أسمع تعليقاته المشاكسة كان صامتا وكنت الوحيد الذي يتحدث طارحا العديد من الأسئلة لأجد إجابات مقتضبة تنبئ عن بال مشغول، همست وكأني أسترجع الماضي، هل يمكنني زيارة صالح فأنا بحاجة إلى صوته العذب، لم أفهم حينها لما خفض عبد الله عينيه بألم ولم تهرب من الطلب كانت عيناه تنبئان بالكثير ولكنه فضل الصمت، سألته هل كانت المهمة ناجحة نظر في وجهي مليا ثم قال يبدو أنك لم تتابع الأخبار ثم ابتسم ابتسامة ساخرة قصيرة وهو يقول لقد كانت ناجحة وبشكل مذهل لقد اقتلعت من أفواه الصغار أنفسهم البريئة وبكل شجاعة, ارتعش جسدي وأنا لا أكاد أفهم شيئا فسألته بحدة أين صالح الآن.. زفر زفرة حارة وتمتم إنه الآن يداوي تلك الجراح النازفة بيديه الباردتان, لم أفهم شيئا أو أني أردت أن لا أفهم شيئا, سألته التحدث بوضوح ولكنه وقف ببطء وهو ينظر إلي بألم ثم ولى ظهره مغادرا وهو يهمس أخشى أن يروق لك ما سأقوله وحينها سأصفعك بقوة, انتهت الزيارة ولكنها تركت في قلبي خوفا مزلزلا، كنت قد عزمت على زيارة محمود وبسرعة ارتديت لباس الخروج وأثناء ذلك وأنا أهم بالخروج طرق الباب كانت الساعة الثامنة مساء ولم أتوقع أن يطلبني أحد في هذا الوقت المتأخر فتحت الباب فإذا بها إيمان تخبرني أن والدتها تريد رؤيتي لأمر هام، لم أتريث فصعدت مع إيمان الدرجات بسرعة وقلبي يخفق فهذه أول مرة تريدني فيها الخالة وبشكل مباشر وقبل أن نهم بالدخول قالت إيمان أرجو أن تتنبه هذه المرة أثناء نزولك لأنها ربما ستكون سقطة مميتة نظرت إليها متسائلا وأنا أهمس لماذا؟.. لم ترد ودخلت مسرعة وهي تنادي على والدتها جلسنا وبدأت حديثها بذكر فضائل أمي وطيبة قلبها وأنها لم تر منها إلا كل خير كنت أستمع وأنا متحفز للشيء الهام الذي ستقوله ثم قالت تعلم يا ولدي معزة الوالدة عندي لقد أوصتني بشيء وهو كالدين في رقبتي وعلي تنفيذه، لقد كانت تتمنى أن تزوجك وأن تراك أبا ولكن القدر لم يمهلها ولقد أوصتني وشددت علي بتنفيذ رغبتها في أن أقوم أنا بذلك إن لم تستطع هي القيام به ولقد استحلفتني أن أجعلك كابني وأحقق لها أمنيتها..وأخذت تسرد المزيد من العبارات التي لم يلتقطها سمعي لأني كنت أترقب ذلك الاسم الذي ستنطق به مرشحة عروس المستقبل كنت أخشى أن تنطق به شفتاها، ثم شعرت أن الدنيا أظلمت وأن الكوابيس تفضل اقتحام حياتي بدلا من الأحلام الرائقة، قالت: علياء فتاة طيبة تحب والدتك وأنت تعلم وقفتها معك والجميع يعلم ما تكنه لها من احترام ولقد حدثتني أمك كثيرا عنها وأعلم أنها كانت تود لو كانت من نصيبك، وأنا اليوم كأمك وسأتم لك هذا الموضوع بكل ما أستطيع ولكن أريدك الآن أن تبحث عن عمل حتى يحين موعد الزفاف، كانت تهذي بكلمات كثيرة وبجمل محددة ودقيقة واكتشفت في نهاية اللقاء أن موعد الخطبة قد حدد في الغد وأن روح أمي ستسعد حين يتم هذا الموضوع بأسرع ما يكون، استيقظت من هذا الحلم الكبير ومضيت مترنحا كنت أبحث عن شيء يخلصني، عن إنسان يخبرني بالحقيقة هل كنت واهما طوال هذه المدة لقد كانت تسكن في عقلي وقلبي ولكن كنت أحاول التجاهل والتأجيل ويبدو أنني لم أكن كذلك بالنسبة لها، فهل يعقل أن تخطب لي والدتها فتاة أخرى وهي تعلم أنها تكن لي ولو جزءا يسيرا من المشاعر، أحسست بغبائي وفكرت أنها طالما عاملتني كأخ صغير ساذج ولكن حين تشطح الأحلام فلا يمكن إيقافها، تمنيت في تلك اللحظة أن تلتقي عيناي بإيمان، إنها تعلم كل شيء وللأسف لم أرها،وحين هممت بالنزول تذكرت كلماتها فابتسمت رغما عني، تلك الفتاة استطاعت أن تعرف كل ما يكنه قلبي لأختها ولكن للأسف لم يكن ذلك مفيدا. نمت ذلك المساء نوما عميقا فربما كانت الصدمة أكبر من أن أفكر فيها وربما أن حملا ثقيلا قد انزاح عن كاهلي، ذلك أني كنت دائم التفكير في كيف يمكنني أن أوضح مشاعري لأمل ولم يعد ذلك ضروريا بعد الآن،
تهيأت في ذلك المساء كما يفعل أي شاب مقبل على خطبة كنت كالمخدر ولم يعد قلبي يسمح بالمزيد من التوقف عند أي مشاعر أو أحاسيس، تم كل شيء بسرعة وكانت الخالة في غاية الطيبة وعاملتني كابنها، ظهرت علياء بأجمل صورة وكأنها ليست تلك الفتاة التي عرفتها على مدى أربعة أشهر، لم أكن متحفظا بالمرة وحاولت تجاذب الحديث معها بكل بساطة كما كنت أفعل ولكن وجنتاها كانتا تزدادان احمرارا كلما تحدثت معها لذلك فضلت بعد ذلك الصمت لأنني شعرت أني أتصرف بغباء في موقف كهذا، ربما الأفكار الوحيدة التي طرحت على عقلي في ذلك المساء حين عدت هي كيف يمكني التعايش معها وهل ستكون حياتي هنا بجوارها هي آخر فصل من الحياة، تخيلت نفسي وقد ارتديت الملابس التقليدية أعيش في تلك القرية حولي العديد من الأبناء وقد نسيت تماما أني أحمل في جيبي هويتي البريطانية ثم طردت تلك الأفكار، لماذا لست أنا الذي سيغيرها، تكمل تعليمها نسافر إلى لندن تعيش هناك كأرقى امرأة وعندها شعرت بصعوبة الأمر ففضلت التوقف عن التفكير.
كانت الزيارات تتوالى ولم أكن أنا الذي يرتبها بل الخالة، لم أكن أفكر في أي شيء حتى أني تناسيت زيارتي لمحمود، كنت أخشى أن استرجع أي ذكريات ماضية فأتوقف أمام الحقيقة، لذلك فضلت الصمت طويلا، أتمنى أن تأخذني قدماي لمنزل صالح أتساءل هل عاد لقد مرت ستة أشهر ولكن في داخلي خوف يمنعني، هناك أمور عديدة تمنيتها ولكن لم أجرؤ على القيام بأي خطوة غير أني كنت أزور علياء على مضض، حين أراها أشعر بمزيج من الشفقة واليأس، لم تعد تلك المشاعر التي طغت على قلبي يوما ما نحوها تجد طريقا إليه بعد اليوم فهي ليست تلك الأخت التي حدثتها ليال طويلة عن قسوة الحياة بينما هي صامتة تهز رأسها وتؤنسني دموعها التي تذرفها رحمة بي لتشعرني أن هناك من ينبض قلبه لألمي، أما عندما ستكون زوجة فذلك ما يدفعني لبث مشاعر جديدة نحوها ولكنها كانت مشاعر مستعصية لذلك فضلت الصمت وبدت تصرفاتي غريبة مما أوجد الحزن في عينيها البريئتين،
كل شيء كان سيمضي كما رسم له، وحدد يوم العقد بعد شهر بحيث يمكنني إتمام جميع المتطلبات وترتيب كافة أموري لحياة جديدة، وحين لم تكمل خيوط القدر نسجها وصلت أمل، في ذلك اليوم حضرتُ من القرية متأخرا من زيارة للعم موسى للاتفاق على كافة الأمور، حينما وصلت ترددت في الصعود كنت أريد إعلام الخالة بكل ما اتفقنا عليه كما طلبت مني، وحين فتح الباب وهممت بالدخول لمحتها كانت تهم بالدخول لإحدى الغرف رأيتها دون أن تلتفت نحوي أحسست برعشة تتسلل إلى أطرافي كانت إيمان تقف تنظر إلي بطريقة غريبة هل هي تحدي أم تأنيب لا أدري، جاءت الخالة وهي متهللة الوجه وأجلستني وهي تسرد الأحاديث عن أمل ووصولها وكيف تغيرت وبدت أكثر جمالا وأحاديث أخرى كنت مشدوها وكأن صفعة قوية سددت لي تجبرني على الاستيقاظ من ذلك السبات الطويل، وحين سألتني عما جرى معي تلعثمت ثم أخبرتها أن لا شيء بهزة من رأسي وخرجت منهارا وأنا أنظر جيدا إلى درجات السلم المتموجة، في ذلك المساء اندفع نحوي الماضي بكل آلامه وآماله حتى كاد يخنقني وتذكرت أدق التفاصيل التي لم أفكر بها يوما والورقة التي وجدتها في جيبي حين وصلت هذه الأرض، لقد كانت أمل، وتراءى لي حبها حقيقة كبيرة لا لبس فيها والوهم أصبح من الماضي واجتاحت قلبي كل المشاعر, الحب, الألم, الحزن والغضب، حين استيقظت في الصباح الباكر اقتحمت عقلي صورتها وبقوة، فكرت أن هناك شيئا علي فعله ولكن لا أدري ما هو، ثم انتابتني موجة من الضحك المر وسخرت من نفسي لماذا يصيبني كل هذا القلق والألم هل هناك ما هو جديد؟ هل يعنيني أنها عادت ؛ ليست هناك أي بادرة منها تدفعني إلى كل هذا الارتباك، قررت التحدث معها ربما ذلك سيوضح لي كل شيء، وبدوت شخصا عاقلا وحكيما حين سحرت عيني أشعة الشمس المشرقة بعد أن تلون عقلي بكل ألوان السخط والغضب في ليلة مظلمة سوداء قررت فيها الكثير من القرارات المظلمة.
لم تفلح كل محاولاتي للالتقاء بها، فزيارة خاطفة ادعيت فيها أني أريد التحدث معها عن الجامعة وأحوال الدراسة لم تفلح وكان ذلك بعد زيارة سابقة كنت أظن أنه من الطبيعي أن تراني فيها للسلام عليها والاطمئنان ثم أخيرا قررت أن أكتب لها ورغم سخافة هذه الفكرة كما شعرت إلا أنها كانت الحل الأخير فقد كتبت في ورقة صغيرة أنه من الضروري أن أتحدث معها في شيء هام متحملا كل نظرات إيمان التي رمقتني بها وأنا أسلمها الورقة، باءت آخر المحاولات بالفشل ولم أعد متمالكا لأعصابي فقد طلبت نزول إيمان لأمر ضروري وحين فتحت الباب قلت لها بغضب لماذا لا تريد تلك مقابلتي هناك أمر ضروري لا بد من إخبارها به، باستغراب متصنع قالت كلماتها الكبيرة: لماذا تطلب منها ذلك، لابد أن تتذكر أنك شخص مرتبط وأن أي مشاعر كان من الممكن أن تحتفظ بها يوما ما قد تبخرت الآن، صدمت وكأني لأول مرة أدرك ذلك, تابعت قائلة وبتحدي: أنت ببساطة خائن, خائن وترددت الكلمة في رأسي, لقد كانت محقة إذ من الصعب أن تكتشف في لحظة أنك كنت تعيش سنوات من الوهم وأن الشخص الذي ارتبطت بك روحه كل تلك الفترة خائن ولم يقدر ذلك يوما، ... كيف لي أن أعلم، ألم تدفعني والدتها لهذه الخطبة دفعا، ألم تكن تلك هي وصية أمي التي يجب أن أنفذها كما هي، لماذا أنا الملام دائما لماذا أنا المخطئ دائما لماذا أفقد خيط السعادة كلما أمسكته، تركتني إيمان وكل تلك الكلمات تتردد في رأسي، وانتابتني الأفكار السوداوية لقد كانت الخالة تقوم بمكيدة إنها تعلم بحقيقة مشاعر ابنتها ولكنها كانت تريد أن تخلصها من حياة كهذه مع رجل فاشل لم يكمل تعليمه، ترك عمله الذي لم يمكث به سوى عدة شهور, قتل والدته بإهماله, ليس له من عمل سوى التسكع. بدوت كوحش شرس كسرت كل أنيابه ومخالبه، غادرت المنزل مسرعا مشيت هائما كنت أنظر إلى لا شيء حتى قادتني قدماي إلى منزل صالح، لم يفتح الباب، وبدأت أفيق قليلا مما أنا فيه ..أين هو, أين الجميع؛ ذهبت لمنزل محمود لم يكن موجودا وعندما هممت بالعودة رأيته مقبلا، حين رآني تهلل وجهه واحتضنني بحب صادق، مر ما يقارب العام عندما رأيته آخر مرة، كنت وقتها أخطط معه التفاصيل الصغيرة للمهمة التي سأقوم بها، وبعدها كسرت قدمي ولم أره أبدا سوى أني تسلمت سلامه في المرة الوحيدة التي زارني فيها صالح والمرات القليلة التي قابلني فيها عبد الله خارج المنزل مقدما لي أسف الجميع ودعواتهم لي بالشفاء العاجل مفضلا الصمت حيال أي سؤال أطرحه قائلا إن الجميع ينتظر عودتي وهم الآن خارج المدينة،
لقائي بمحمود حطم آخر حلم ووضع حدا فاصلا لأربع سنوات مضت من عمري على هذه الأرض، أول كلمة تفوهت بها حين رأيته أين صالح؛ ولكنه أغلق فمي بإشارة وأدخلني على عجل, قبل أن يجيب نظر إلى وجهي كثيرا شعرت وكأنها سنين, لا أدري فيم كان يفكر, أجاب أخيرا لقد استشهد, صدمتني الإجابة وارتعشت يداي وهمست بصوت مخنوق أين وكيف قال إنه لن يخفي عني شيئا لأني جزء من المجموعة ولكن علي أن أنسى كل كلمة بمجرد سماعها لأني في حالة تذكرها في وقت ما حين يحتاج هذه المعلومة فئة من الأعداء فإن حياة الجميع معرضة للخطر، استمعت لكلماته الجافة وأنا متماسك، وبصوت منخفض تابع حوصر الجميع في المقر وهي إحدى الاستراحات في السعودية حيث كان يجمع سلاح الجهاد وقاتل الجميع ببسالة حتى آخر رجل منهم،ولقد أوقعوا من الأعداء الضالين عددا لا بأس به, لم يؤسر أحد وذلك من فضل الله وإلا كان الجميع الآن خلف القضبان، ولكن المقر الآخر لم يكتشف وقد ناضل الشباب وقاموا بمهمتهم على أفضل وجه وقمنا بقتل عدد من الخونة, لم أفكر في شيء ولم أفهم شيئا كان أمامي يقطر جبينه المشرق دما أغمضت عيني بشدة لعل تلك الصورة تغير لونها الدامي إلى ألوان الحياة المشرقة فإذ بتلك الدماء تنسكب دموعا, وضعت رأسي بين يدي وانهرت باكيا وأنا أتذكر أحلام صالح سيقتل على أرض فلسطين أقسم أن يسفك آخر قطرات دمه هناك، ثم ابتسمت بمرارة وأنا أتمتم بصوت ينشج استشهد، يهذي هذا المتحجر،
نعم إنه خير شهيد لقد قتله رجال الأمن عملاء أمريكا الخونة والمارقون عن دين الله،
سألته بحدة أبناء البلد غدو خونة! أين المعركة في أرض السعودية في أرض الإسلام أليس أولئك الأعداء المزعومين مسلمين أليس في صدورهم ذلك القرآن الذي طالما تلاه صالح كيف لي أن أفهم بعد اليوم.. أين هي معركتنا.. من سنقاتل أين هو الجهاد من هم أعدائنا ألم تكن فلسطين هي محطة اللقاء ألم نتعاهد يوما على ذلك وأقسمنا الأيمان الغليظة, تذكرت صالح وصوته الندي وتخيلته مضرجا بدمائه بكيت بحرقة وألم، لم تكن تلك قضيتي, لم يكن ذلك طموحي إن عدوي الذي غرسته في قلبي وصممت على نزعه بقوة ذات يوم لم يكن هو ذلك الإنسان الذي قتلوه إن دماءنا تختلط ونحن نسدد السهام نحو صدورنا العارية تذكرت كلمات عبد الله وضغطت على أسناني بقوة هل حقا نزعنا الأنفس البريئة من غير ذنب هل كنت سببا في خطف روح بريئة طاهرة طالما احتوت كل العالم بابتسامتها العذبة المشرقة, جف دمعي وأنا أسأله عن التفاصيل وسرد الشيء الكثير وتداخلت كلماته المقيتة وهو يترحم على الصغار الذين كان عليهم أن يرحلوا مع ذويهم إلى العالم الآخر حتى لا يكون هناك مزيد من الخونة وتكسرت أمام عيني كل الصور التي رسمتها للبطل الذي عشقته وتربى داخل دهاليز ذاتي الضعيفة وبدت الأيام السالفة وصوت صالح الباكي صراخا يصم أذني, وقفت مترنحا وأنا أهذي ماذا أريد لقد غدا الحلم الرائع الذي تمنيت أن أراه حقيقة جميلة كابوسا يطارد أيامي, لم تثنني تلك الكلمات البراقة التي كان يحاول بها محمود أن يخفف عني،
روحه الطاهرة تنعم الآن في جنات النعيم،... وأين روح الأبرياء الذين قتلهم هؤلاء المجاهدون هل هي في الجحيم ، لم أعد أفهم شيئا إلا شيئا واحدا الجميع خونة وهذا الذي يقف أمامي هو أكبر خائن إذ لم يحفظ أمانة الروح التي أودعها صالح والبقية بين يديه، حين لم أستجب لكل توسلاته بالكف عما أنا فيه أخذ يتلو علي آيات الجهاد تلك الآيات التي زادت قلبي حرقة على ذلك الصديق الذي طالما شغفته هذه الآيات فتمنى وتمنى حتى انهارت كل الأمنيات، خرجت وقد صممت على شيء واحد لم يعد لي مكان هنا، كنت أردد وأنا أسير إنني أجوف أنا لا شيء أنا تافه سافل ثم أتذكره ويبح صوتي، أين أنت يا أحمد إلى أين مضيت وكيف انتهيت، كان ذلك هو السؤال الذي ظل عالقا ولم أجد له إجابة.
انتهى كل شيء ذلك ما تيقنت منه في آخر لحظة, تلك العبارات وذلك الطموح الذي تبناه عقلي علمت أخيرا أني لم أكن جزءا منه يوما ولكن حين فرض علي ذلك استجبت بانشداه، حين تنتابني فكرة أني ربما أكون خائنا للجميع حتى لتلك المبادئ التي ظننت أني تشربتها كنت أهم بالبقاء ولكن كيف, كيف وقد سفك دم صالح, لا لشيء، لما لا أضحي كما ضحى الجميع ولكن فيما أضحي ولم ومن أجل أي شيء، أنا لن أموت كما مات الجميع لأني ما زلت أعشق ما لا يعشقون، أفكر في امرأة تسحقني بكبريائها بينما هم يفكرون بكبرياء في طريق الشهادة وحين أعلم الآن أن كلانا قد خسر المعركة تسحقني ابتسامة اليأس لأني وقفت في منتصف الطريقين وحطمت قلوبا عدة وتركت الجميع ليذكروا كل سيئاتي ببغض وندم.
لا أتذكر كم يوما مضى وأنا حبيس ذلك المنزل طرقات الباب تعلمني أن يوما ربما قد مر فقد اعتدت منذ وفاة أمي أن يقدم لي الغداء مجانا، في تلك الأيام كان ذلك الصوت يوقظني من حلم كبير شعرت وقتها بأن جلادي ينتظرني لأكفر عن كل الذنوب فلم أكن لأفتح له لأني ما زلت ضعيفا كي أتحمل، فكرت في عادل لأول مرة لم أكن أحبه ولكنه أيضا قتل ألم يكن صاحب أمنيات وأحلام ألم يقتل في لحظة غدر وهو يعتقد أنه على حق ..ما زلت أتساءل هل هم على حق ولكن كيف, كيف يكون الحق سائرا في هذا الطريق الشائك حاملا معه أرواحا طالما عرفت الله وصلت بين يديه, حقا أنا لا أدري لذلك كان علي أن لا أتيه أكثر في دهاليز الشك, من المسئول أنا لست مسئولا كنت سأقذف بروحي كما هم فعلوا، ولكنها رحمة الله تدرك من تشاء، في تلك الظهيرة فتحت الباب وشهقت إيمان حين رأتني، والدتها تريد مقابلتي صعدت معها دون أن أغير شيئا من حالي ، أثناء صعودي مع إيمان كنت أشعر بها تمسح دموعها وتكتم بكائها ما الذي جرى هل الجميع هنا مستاء
حين رأتني الخالة صاحت بصوت مسموع ما الذي جرى يا بني، تكلمت وهي تولول متسائلة عما غير حالي, عرفت ما جرى لي من تغيرات بكلماتها التي وصفتني بها، فأنا لا أملك مرآة في منزلي سوى تلك المخبأة في الخزانة والتي لم أفكر يوما في النظر إليها، سألتني عن كل شيء وعن هذا المظهر الذي أبدو به شعر غير مسرح هندام غير مرتب وجه مصفر وتعبيرات كثيرة تصف سوء حالي كانت إجابتي مقتضبة...سأعود إلى بريطانيا.. نظرت إلي بانشداه متسائلة وعلياء، صمت فليس لدي إجابة، بدأت بسرد عبارات الاستغراب من هكذا عمل وما يصح وما لا يصح ثم ختمت بقولها علياء بنت طيبة وستصدم, رجتني بالعدول عن هذا القرار الغريب وقفت بيأس وقلت لها أرجو أن تبلغي سلامي للجميع ، هتفت وعلياء ما أقول لها هززت كتفي بلا مبالاة أندم عليها اليوم كثيرا، خرجت وبعد أربعة أيام وفي اليوم الموعود الذي ودعت فيه تلك الأرض بكل ذكرياتها التي ردمت بداخلي ألما وحزنا عميقا ما زال يطفو كلما توهمت السعادة، كان آخر ما فعلته رسالة رقيقة سلمتها لإيمان عسى أن تفهم منها أمل عمق ألمي، ودعت تلك الصغيرة التي نضجت كثيرا والتي لم تكن يوما صغيرة بما تحمله من روح وحكمة، سلمتها الرسالة تركتني وهي تحبس دموعها قالت لي إنها ستحتفظ بها حتى عودة أمل من صنعاء، وعلمت أن أمل لم تكن موجودة خلال كل تلك الفترة فقد ذهبت إلى صنعاء عند أخوالها منذ قدومها وكما قالت إيمان إنها لم تكن لترضى عما يحدث الآن، أحسست بمزيج من الفرح والندم الذي لم يكن مفيدا في لحظة حاسمة كهذه.
ربما يمكنني تذكر بعض تلك الكلمات التي كتبتها، كتبت بتلقائية وبدون تفكير
ودعيني إنني أنظم شعرا
إنني أحمل قلبا
يعشق الإخلاص لا يعرف وزرا
ودعيني إنني كنت صغيرا إذ عصيت
وارحمي ضعفي فإني قد بليت
ودعي قلبا حزينا قد فنا
وارتمت أشلائه بين الفلا
ذلك ما تجرأت على كتابته ولم يكن هناك مبرر لإضافة المزيد.
ودعت الحديدة وكل أرض اليمن بكل فقرها وجوعها وبؤسها، ودعت أناسا يسعون لتغيير الأمة بينما أرضهم العطشى وأنفسهم اللاهثة هي أحوج من كل شيء، حين يسيطر البؤس فإننا نبحث عن الحياة الجميلة خارج واقعنا الحقيقي.
................................................
يتبع إن شاء الله

رد مع اقتباس
  #30  
قديم 05-05-2011, 05:23 AM
ام فهد ام فهد غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
المشاركات: 7,881
معدل تقييم المستوى: 20
ام فهد has a spectacular aura aboutام فهد has a spectacular aura aboutام فهد has a spectacular aura about
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

اقتباس:
حين يسيطر البؤس فإننا نبحث عن الحياة الجميلة خارج واقعنا الحقيقي.
حقيقه مؤلمه لواقعنا المرير

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:44 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.