منتديات الملاحم و الفتن  

العودة   منتديات الملاحم و الفتن > المنتديات العامة > نزهة الأخوان > تجربة من حياتي

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-01-2011, 09:44 PM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

هي حقيقة أم خيال ..هذا لا يهم فالخط الفاصل بينهما لم يعد موجودا ..هي عبارة عن مذكرات ذلك الشاب ولم يقم هو بنشرها ولكن شخص آخر ... تلك كانت البداية وللرواية بقية سأوردها كما كانت ستكون بكل دموعها وآلامها وآمالها وبكل بساطة...
بسم الله الرحمن الرحيم
أنا بيتر ويليامز إن أغلى ما أملكه اليوم هو مذكرات صديقي عمر حينما وصلتني أحسست بدموع تجري من عيني، دون وعي قبلتها عشرات المرات وتراءت لي صورته بين الصفحات حاولت رسمها ولكنها كانت تتلاشى وتهتز الكلمات أمام عيني وتمر سلسلة من الذكريات هي أنيسي وأنا أجلس على هذا الكرسي الأصم
وها أنا ذا بعد فترة من الزمن أقرر نشر هذه المذكرات ربما يراها القارئ غريبة بعض الشيء إذ أنها لا تحوي أي تواريخ تدل على وقت كتابتها ولكننا نستطيع التنبؤ بوقتها من خلال الأحداث البارزة التي مرت عليها, ربما هي بالنسبة له مجرد بوح بما يعتلج بداخله لذلك كانت على فترات متباعدة, وليسمح لي القارئ بالتدخل في بعض الأحيان فقد حاولت كتابة بعض السطور وأنا أعيد كتابتها لأن الحقيقة قد تكون غائبة عنه في بعض الأحيان.
*كانت عيناي متورمتان وصداع يملأ رأسي الصغير لقد كانت الدموع قاسية على ذلك الطفل الذي طالما تدفأ بأحضان والدته قبل أن يخطفه النوم سعيدا مطمئنا
ولكنني في تلك الليلة كنت أنام في مكان بعيد بعيد يفصلني عن وطني كل الأرض التي طويتها وأنا أعبر السماء المشمسة راحلا إلى أرض الضباب، مدني والدي الذي لا أعرفه على ذلك السرير الناعم بعد أن ضمني إليه بقوة ليطفأ قليلا من لوعتي وشوقي لأمي وأختي وأرضي تركني وحيدا في غرفتي أغمضت عيني ونمت وبعد وقت مر صحوت حاولت فتح عيني اللتين بدأتا تلهبهما حرارة الحمى وشعرت أن الدنيا تدور وأني لن أقوى على الحراك كنت أسمع صوتا غريبا يخترق أذني المستيقظتان صفحات تقلب بسرعة وبعجلة ثم صرير القلم يخترق سكون الحجرة حاولت الالتفات ولكن رأسي الصغير كان مثقلا بالحمى وأخيرا رأيت في ذلك الضوء الخافت تلك المرأة الملتحفة بالسواد تجلس في مكاني وعلى مكتبي الذي همس والدي لي في أذني بأنه قد أعده خصيصا لي كنت أراها من الخلف ولا أستطيع النظر إلى وجهها, تململت دون أن أقوى على التحرك وأخيرا خطر على عقلي الساذج بأنها من المؤكد أمي وكانت هذه الفكرة كفيلة بأن تجعلني أقفز من مكاني بسرعة وأشعل المصباح ، لم يكن هناك أحد, بهرني ذلك وخفق قلبي الصغير وهمست أين أمي ومضيت نحو مكتبي لأجد كراسا ضخما مفتوحا على أولى صفحاته والقلم بداخله وقد كتبت عبارة واحدة قرأتها بوضوح بسم الله الرحمن الرحيم
علمت لاحقا بأن ذلك الكراس والقلم كان والدي قد وضعهما هناك ولكنه لا يذكر بأنه قد كتب تلك العبارة.
تركت ذلك الكراس الضخم ولم أستخدمه ولكنني عندما احتجت اليوم للكتابة خطر في عقلي بقوة وتذكرت العبارة وتذكرت أمي التي كانت تقول إن بسم الله هي أفضل ما تبدأ به أي عمل.
انتقلت إلى مدينة لندن العريقة. تبدو واسعة وكبيرة جدا مقارنة بالريف الهادئ حيث قضيت ما يقارب الست سنوات وذلك منذ قدومي إلى بريطانيا، ذات يوم جئت إليها وحيدا وها أنا ذا اليوم أعود وحيدا كما كنت بعد أن ودعت صديقي الذين بالكاد تعرفت إليهما سوزانا وآلان، توقعت أن أذرف دموعا غزيرة حال وداعهما كما كنت أفعل كل ليلة حين أتخيل نفسي مودعا، ولكني كنت جافا وصلبا وابتسمت ابتسامة هادئة وهما يتمنيان أن يلحقا بي في يوم قريب، ازدادت وحدتي وأنا أرى هذا الكم الهائل من الطلبة، لذلك لم أجد أفضل من أقوم بكتابة بعض السطور لعلها تخفف شيئا من وحدتي فمن الصعب علي إيجاد صداقات بالسرعة المطلوبة كما أني مجبر على قراءة كتابين أسبوعيا بالإضافة إلى ما تقرره المدرسة علي من قراءة واطلاع، وذلك وفق رغبات والدي الذي يقول دائما بأني لن أكون مواطنا بريطانيا صالحا إلا بذلك,
يملي علي والدي يوميا أشبه ما يكون بالوصايا العشر في فن التعامل مع الآخر وخاصة إذا كان أشقر الشعر ملون العينين فأبي أشد ما يكون معجبا بهذا الوطن وشعبه ولو كان بوسعه أن يتخلص كونه من أصول عربية لفعل ذلك دون ريب, ورغم أن هذا البلد حرمني من أعز الناس علي فإني أكن له الكثير من الاحترام وأنا مدين له بالاحترام الذي سيمنحه لي الآخرون كوني حصلت على جنسية هذا البلد كما أني مدين له بالتعليم المتميز والراقي الذي أحصل عليه، ربما أبدو كببغاء وأنا أردد كلمات أبي ولكنها الحقيقة عل كل حال.
.................................................. ....

حدث اليوم ما لم أكن أتمناه أبدا فدخولي في عراك مع شخص آخر هو أبرز ما كان يحذرني منه والدي ومن أبرز الوصايا القيمة فحتى هذه العضلات التي سعى والدي لتنميتها لي منذ الصغر لم أعرف ما هي قيمتها بالنسبة لشخص مثلي يسعى ليكون مهذبا للغاية. كنت كعادتي اليوم أحمل كتابي المخصص للقراءة أجلس في تلك الزاوية أقرأ كتابي وأنا أسمح لنفسي باختلاس النظر على الآخرين كلما سنحت الفرصة، لم يؤلمني كثيرا أني تقريبا الوحيد من بين الطلبة الذي لا يتمتع بأوقات الاستراحة ولكن ما آلمني أني أصبحت في دائرة الخطر فذلك الصبي الذي يبدو شخصا مشاكسا يصوب نظره نحوي، وكلما رفعت رأسي عن الكتاب التقت عيناه بعيني البائستان، شعرت بعظم الورطة التي أنا بها لذلك حاولت قدر الإمكان تجاهل كل شيء والانغماس أكثر في القراءة وبعد فترة اعتقدت فيها أن الخطر قد زال رفعت رأسي كان يبتعد عني مسافة لا بأس بها ولكن بمجرد التفاتي التقت عيناه بعيني لم أشعر بالخوف كما ظننت فعيناه تشعرانك بالوقار رغم أفعاله الصبيانية الشرسة ولكني شعرت بالارتباك وهكذا مضى اليوم بسلام.
........................................

تبدو آثار الضربات على وجهي مخيفة، أشعر بالخزي ماذا سيقول أبي لو رأى ذلك. بدا لي أن ذلك الصبي سيشاجرني اليوم ولكنني اندفعت في هذا الشجار دون إرادتي . بعد نهاية دوام ذلك اليوم جلست قليلا فتحت كتابي حاولت القراءة لا أدري لم فعلت ذلك كنت أقلب صفحاته وأنا أتلفت رأيته يقف في مواجهتي تماما مع مجموعة من الصبية نظراته تلاحقني كما اعتدت منذ فترة، فوجئت عندما سمعت اسمي يتردد على ألسنتهم, هناك صبي كالهيكل يردده وهو يشير إلي، نحافته بقدر قبحه، حينها شعرت بالخوف وحاولت النهوض فلم أستطع،كانوا يقتربون مني، بدا الصوت واضحا ذلك الشخص يستفزه للنيل مني، عند اقترابهم تظاهرت بالقراءة أكثر، من مسافة حيث يقف الجميع سمعت صوته أخيرا, رأيته وأنا أرفع رأسي بين فترة وأخرى، كان هادئا طوال الوقت يكتفي بالالتفات إلي بين حين وآخر ناداني بصوت حازم.. عمر.. تجاهلته تماما ارتفع صوته بغضب, لم أجب ولم أرفع رأسي، صوت خطواته يقترب ودقات قلبي ترتفع وبسرعة ومرة واحدة سحب الكتاب من يدي وقبضت يد قوية على ياقتي شدني إلى الأعلى وأوقفت مرغما، في تلك اللحظة رأيت وجهه مباشرة كان ينظر إلي بغضب هازئ عيناه الواسعتان بلون البحر تشعرانك بالقوة والرهبة, أخذ يهزني بقوة.. لمَ لم تجب أيها العربي السافل؟ اختنقت من هذه الكلمة ولكني صمت، كان يدفعني وهو يكيل لي الشتم وكنت أضغط أسناني وأنا صامت وقد تشربت أفكار أبي الذليلة فكيف لي أن أرفع يدي على هذا الشخص الراقي، ركلت وتوالت لكمات على وجهي وأخيرا ركض الجميع،كان أحدهم قادماً، تركني وركض، كذلك فعلت أنا، لم أشعر بشيء حتى وصلت لأحد السلالم جلست تحته بصقت، كانت الدماء تملأ فمي مسحت شفتي، رأيتها تنزف وعلمت بأنها مصدر الدم، تمنيت في تلك اللحظة مرآة، شعرت بالقلق كيف سيراني أبي.. أسمع فوق رأسي مباشرة شخصا يلهث أحاول رؤيته ولكني لم أستطع، خرجت من مخبأي وحين وقفت التقت عينانا مجددا كان هو، نظر إلي بهدوء لم يكن هناك أحد بالجوار, كان يجفف عرقه ويمسح شعره الأشقر الطويل شعرت بالدم يتدفق في عروقي، للحظات فكرت هذه فرصتي لاسترداد كرامتي وما يفيدني إن أنا تنازلت فهذه الكدمات على وجهي لن تشفع لي عند أبي ليصدق بأني لم أعتد على أي أحد، كل شي سواء بالنسبة لي الآن، اقتربت منه وهو ينظر تحدثت وأنا أشمر عن عضلاتي: لست سافلا أيها الخنزير النجس ,رفع حاجبيه، وإن كنت لم أرد عليك فإن اللوم يقع على والدي الذي يتحفني بنصائحه القيمة فحتى أكون مواطنا بريطانيا صالحا علي أن أكون مثقفا ومهذبا للغاية وأن أقدم خدي الآخر لمن يصفعني ألا ترى أني أطبق التعاليم المسيحية أكثر منك وبما أني لست مسيحيا فإني غير مضطر لذلك، اقتربت منه حاولت شده ولكنه دفعني وأراد أن يوجه لي صفعة قبضت على يده ودخلنا في عراك قوي ولن أكون كاذبا إذا قلت أني كنت المنتصر فطول قامته لم يساعده على تجنب لكماتي وأخيرا أسقطته أرضا كان يختنق ويطلب مني الابتعاد لم أشعر بشيء كنت غاضبا ولكني تركته أخيرا وجلست لاهثا بجواره نظرت إليه كان وجهه ملطخاً بالدماء وبه جرح واضح ومنظره يبدو مروعا, نهضت وحاولت مساعدته على الجلوس وهو يسعل بشدة، لا أستطيع وصف مشاعري تلك اللحظة ولكني أمسكت بيده وسألته هل أنت بخير حين هز رأسه بنعم لا أدري لما عانقته ،همست في أذنه أرجوك سامحني ثم هرولت مسرعا.
بيتر (بالنسبة لي وربما للكثيرين كان عمر شخصا ساحرا ومميزا فمن أول يوم قدم فيه إلى المدرسة سمعت اسمه يتردد ربما تكون طريقة إمساكه للكتاب وربما تكون تلك العينان السوداوان الكحيلتان اللتان تنظران بعمق لكل الأشياء، وجهه المضيء يلفت الانتباه بدا لي ولآخرين أن مظهره الساحر يخفي شخصية فذة، كان يظهر الشموخ والعزة وكأنه الغصن الوحيد المخضر بين كومة قش يابسة, لم يستطع أحدٌ الاقتراب منه, إذ أنه كان يبدو صعبا ولا يستسيغ الصداقات، ربما كان ذلك سببا في تحريض الآخرين لي بمهاجمته لقد أوعزوا لي بأنه عربي متكبر، لم يكن ذلك رأيي ولكن بحكم سني حينئذ استمعت لنصائحهم. ندمت كثيرا على تصرفي منذ تلك اللحظة التي رأيت الدموع في عينيه حين رآني منهارا أمامه، اعتذر بألم، لم يكن مضطرا لذلك ولكن كان ذلك عمر الذي أصبح أعز صديق لي وبتعرفي عليه تخليت عن كل الصداقات الأخرى التي كانت ستوصلني إلى طريق آخر)
وللقصة بقية

.................................................. .

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 05-01-2011, 11:52 PM
شموخ النسر شموخ النسر غير متصل
رحالة المنتدى
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 3,156
معدل تقييم المستوى: 13
شموخ النسر will become famous soon enoughشموخ النسر will become famous soon enough
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

الأخت الفاضله الهاشميه حياك الله يا أختاه على نقلك لهذه القصه

واللتي من الواضح أنها مؤثره وفيها عبره ولكن فقط أردت أن أشير

أن موقعها من الأفضل أن يكون في نزهة الأخوان ....لانها ليست تجربه شخصيه

وحياك الله مرة أخرى وجهدك مشكور بارك الله فيك

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 05-02-2011, 12:46 AM
امل امل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 5,103
معدل تقييم المستوى: 15
امل will become famous soon enoughامل will become famous soon enough
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

من البداية تبدو شيقة وتشد القارئ
ولو انها تحوى معاناة والام
جزاك الله خيرا اختنا الفاضلة الهاشمية
ومتابعة لك ان شاء الله

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 05-02-2011, 02:27 AM
ام فهد ام فهد غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jun 2009
المشاركات: 7,881
معدل تقييم المستوى: 20
ام فهد has a spectacular aura aboutام فهد has a spectacular aura aboutام فهد has a spectacular aura about
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

يبدو أننا على موعد مع التشويق والاثارة
نتابع باهتمام يالهاشميه وأرحب بك بين اخوانك واخواتك


__________________
اللهم إرزق ذريتي صحبة الأخيار وخصال الأطهار وتوكل الأطيار
اللهم وبلغني فيهم غاية أملي ومناي بحولك وقوتك
اللهم متعني ببرهم في حياتي وأسعدني بدعائهم بعد مماتي
اللهم إني إستودعك لاإله إلاالله فلقني إياها عند الموت.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 05-02-2011, 10:47 AM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

شموخ النسر ...أمل .....أم فهد.. أشكركم جميعا على المتابعة وأتمنى من الجميع متابعتها فلن يندم من يقرأها .......دمتم بخير

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 05-02-2011, 10:56 AM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

نجوت بالأمس من تأنيب أبي كان منشغلا فلم يرني وأظن أن ذلك سيستمر لعدة أيام أرجو أن تكون كافية لإخفاء ما أصابني من كدمات. كان اليوم مثيرا، في صباح اليوم وبعد ذلك العراك الذي جرى بالأمس كانت أفكاري ومشاعري مشتتة، لا أدري ماذا سيحدث كنت أترقب بحذر وأخيرا رأيته يقف بعيدا ، اجتمع حوله مجموعة من الصبية لم أتعرفه بداية إذ أن هذا الشخص الواقف بينهم قد حلق رأسه تماما ولكنها حتما هيئته التي أعرفها، اقتربت كثيرا لأتبين ملامحه وكانت المسافة كافية ليراني ، نظر إلي فعرفته، إنهما نفس العينان، حاولت الابتعاد مسرعا أخذ يناديني, لم يطلب مني التوقف ولكنه مشى خلفي وبسرعة حتى استطاع اللحاق بي، مشى بجواري تماما، ألا تعرفني على نفسك أيها الشقي؟ تجاهلته، كان ذلك قراري حتى أتجنب المزيد من المشاكل ولكنه استمر أنا بيتر وليامز في الصف التاسع وأنت؟ في الصف الثامن أليس كذلك؟ لم أرد، قبض على يدي بقوة خفق قلبي بشدة إنها معركة جديدة، ولكن حين وقف في وجهي تماما كان يبدوا هادئا وسعيدا، قال بهدوء أرجو أن تعذرني فأحيانا نحتاج نحن الصبية إلى بعض العجرفة ليقدرنا الآخرون، مد يده ليصافحني مددت يدي، ابتسم قائلا: أنت تلميذ جديد ربما تحتاج لبعض الأصدقاء أرجو أن أكون أول صديق لك، مضينا وهو يمشي على يميني نظرت إليه ورأيت خده الأيسر وبه جرح واضح وكدمة فأحسست بالخجل وخفضت عيني، أكمل حديثه
ـ أرجو أن تستطيع مسامحتي حقا تبدو طيبا وذا قلب رقيق، ابتسم كلما أتذكر ما حدث بالأمس أنت رائع حقا تضربني ثم تطلب عفوي، أليس هذا مضحكا. ابتسمت أخيرا . فكرت البارحة أني شخص سخيف أحتاج إلى تغيير كنت قلقا ماذا أفعل، مسكين شعري وقع اختياري عليه في لحظة حيرة, ربما كان تغييرا مضحكا إنها فكرة مبتكرة لتأنيب الذات قد يلومني عليها كل حليقي العالم فقد اتبعت نهجا جديدا أحلق شعري لأني هزمت أو لأني أحاول التغيير أو لأني نويت أن أكون شخصا مختلفا. استرسل في حديثه بينما طغت على رأسي أفكار سخيفة شعرت بالنشوة والفخر هذا الأجنبي يطلب صداقتي ويقدرني ربما لم أشعر بتميزي كهذه اللحظة، خفق قلبي بسعادة غامرة، أكثر صبي في المدرسة جرأة يطلب مني الصفح ماذا سيقول أبي حين يعلم ذلك حتما سيكون فخورا بي. استيقظت من أفكاري حين أمسك يدي وصافحني مجددا وهو يقول أرجو أن نتقابل في آخر هذا اليوم، ودعني ..إلى اللقاء أنا في انتظارك.
تجنبت رؤيته وعدت إلى المنزل مسرعا، وأنا في طريقي انتابتني مشاعر الذل والمهانة, لمت نفسي كثيرا على مشاعر الفخر والسعادة التي غمرتني حين تحدث إلي، حقا أنا عربي سافل وكل شيء قبيح, ليس باستطاعتي سوى أن أسامح ذلك الأزرق العينين وإنه لفخر لي أن يطلب عفوي ذلك الأجنبي وأنا العربي الساذج، شعرت بالهوان ونزعة الانتقام. ولكن هذه المشاعر تبددت الآن، الدماء العربية التي تجري في رأسي تجبرني على التفكير بهذه الطريقة.
..........................................

أشعر هذا المساء بسعادة حقيقية أتمنى أن أكتب بطريقة سليمة، تساءلت كثيرا ما قيمة الصداقة وما لونها، أعرف اليوم أنها بقيمة الشخص الذي تصادقه وأنها بلون الهدف الذي من أجله ستكون، فحين تكون أهدافنا متلونة كحرباء فإنها ستفقد لونها حتما وستتلاشى ككل الأشياء، ولكن حين تكون بلا لون وبلا هدف إنها كجدول ماء يتدفق ويسري حيث يشاء، سطحه يعكس كل ما يراه, يشوه صورته حجر بسيط يلقى في جوفه ولكن ما تلبث الصورة أن تعود كما كانت نقية صادقة.
حاولت تجنبه صباح اليوم، ولكنه وجدني أخيرا، كان ينظر إلي دون أن يقترب يضم يديه إلى صدره وينتظر, توجهت نحوه لم يتكلم وهو يعاتبني بعينيه، شعرت أني قد أثرته كثيرا بتهربي وبتصرفاتي الطفولية، وأخيرا نطق لساني كيف حالك يا بيتر هل أنت مستاء مني أنا مشتت المزاج، صمتْ, رفعت صوتي هلا سامحتني ؟ ابتسم ابتسامة عريضة قائلا لا عليك سأسامحك هذه المرة شرط أن لا تكررها أيها الشقي. كان يوما واحدا ولكني أشعر بأني عرفته منذ مدة فحديثه الانبساطي لا يعطيك مجالا للتكلف في الحديث وهكذا أصبحنا أصدقاء بعد لحظات.
....................................
منذ عرفته وأنا لا أشعر برغبتي في الكتابة، أستطيع البوح بمكنونات صدري دون حاجة لورقة وقلم فما علي إلا أن أتحدث ويستمع هو بكل صدق. أرجو أن لا تعتبرني خائنا أيها القلم ربما عاهدت نفسي أن أبوح بكل شيء هنا حين اعتقدت أني وحيد أفكاري وأحلامي ولكني وجدت صديقا رائعا فليغفر لي الجميع. حدثت بيتر عن كل حياتي السابقة حدثته عن والدي الذي لم أستطع فهمه حتى الآن يبدو أحيانا بأنه يحبني بالقدر الذي لا أحبه به. إنه شخص يعشق هذا البلد وكل ما يمثله، عقدته هي كونه بريطاني من أصل عربي، يعتني بنفسه غاية الاعتناء فرغم كونه تجاوز الأربعين فهو يبدو كشاب في الثلاثين، لا ألومه على قسوته التي يظهرها بعض الأحيان فربما تكون بيئته الجبلية التي ترعرع بها بقسوتها وكبريائها قد جعلت ذلك القلب الغض صخرة بين صخورها، ربما يبحث هنا عن قلبه الغض،أتساءل هل سيجده رغم هذا الضباب.
حدثته عن أمي التي أشتاق أليها، هي في قلبي رغم تلك الأرض والبحار الشاسعة التي تفصلني عنها، لم تستطع السنوات الست أن تنسيني ملامح وجهها المشرق ولا ابتسامتها الهادئة، لم أنسى أسماء التي تكبرني بأربع سنوات كانت ملاكا في جمالها وهدوئها وطيبة قلبها، أخبرته عن بلدي اليمن الذي كان يوما يلهو على بعض شطآنه طفل صغير لا يأبه لشيء إلا أن تصحبه أخته التي يحبها، كانت يدي الصغيرة لا تفارق يديها الناعمتين منذ أدركت هذا العالم، تحبني كأم وتلاعبني كأفضل صديقة وتحنو علي كأرق أخت، أمواج البحر تتردد في أذني، ما زال يغمر قلبي بسحره وجماله وبريقه، ذكرياته ترسم طفولتي، طالما وقفت أمامه بصحبة أسماء كانت تحدثني عن أبي الذي لم أكن أذكر ملامحه، إنه كهذا البحر في هدوئه وغضبه ثم تشير نحو الجبال البعيدة وكهذه الجبال التي جاء منها في قوته وصلابته، في ذلك اليوم الحزين وأنا أرى وجه أبي في ذلك البحر الهائج أرسم ملامحه كما يحلو لي جاءت أختي مسرعة ضمتني بقوة وهي تبكي، خلفها كان يمشي ذلك الرجل الأنيق بخطوات واسعة وسريعة، أختي تردد في أذني وهي تضمني لقد جاء أبي ليأخذك، هل هو حقا هذا الرجل، تركتني لأذوب في أحضانه الجامدة قبلني قبلة واحدة، ثم مضى بي إلى مكان لا أعرفه، أريد أن أسأله ولكني خائف أسئلتي تتردد في صدري دون أن أجرؤ على البوح بها كيف سأتحدث مع هذا الغريب الذي يدعي بأنه أبي أريد البكاء تدمع عيني خلسة والمرأة العجوز التي استضافتني تراقبني، تركني عدة أيام في ذلك المنزل لم أكن أراه إلا قليلا لم يكن يشعر بي وكنت أظنه لا يهتم بي. كنت في الثامنة أو السابعة مازلت صغيرا، بعد يومين حاولت أن أوجه سؤالا لتلك المرأة التي لا تخلو يديها من عمل تقوم به، نظرت إلي برهة ثم هزت كتفيها وتركتني دون إجابة كانت تقدم لي الطعام كهر بائس، أحاول عمل أي شيء حين وجدت ورقة قلبتها وأخذت في قراءتها. نظرت إلي بتمعن وكأنها فوجئت بمقدرتي على القراءة رغم صغر سني، اتجهت نحو صندوق قديم ذو صرير ومن تحت كومة ملابس أخرجت كتابا ناولتني إياه، كان يبدو جيدا رغم آثار بقع داكنة تناثرت على غلافه وبين أوراقه، شدني عنوانه الكبير (قصة الإيمان) قلبت صفحاته قرأت هنا وهناك لم أفهم أي كلمة كنت أرى وجه أمي بين صفحاته تنتظرني بوجه حزين، رأيت دموع أختي الصافية وهي تضمني، أغوص في أفكاري لماذا تخلى عني الجميع لماذا لا يأتون لأخذي من هنا. قلبته مرة أخرى فوجدت صورة يظهر أنها انتزعت بصور رديئة من صحيفة إنها لفتى يافع ملقى على ظهره وقد تضرج بدمائه يضم بين يديه كتابا ظهر بشكل واضح عنوانه الكبير (قصة الإيمان). أصابتني حينها رعشة أغلقت الكتاب ناولتها إياه وأنا أرتعش، كانت تراقبني أخذته ضمته إلى صدرها ثم وضعته في مكانه لم تحرك شفتيها بكلمة واحدة وكأن شيئا لم يكن. على متن الطائرة التي أخذتني بعيدا عن أرضي وأهلي استسلمت للنوم كما استسلمت للخوف والألم وأنا لا أهمس بأي أنين. عندما تتراءى لي تلك الأيام أعلم أني كنت طفلا شجاعا بمعنى الكلمة، كان من حقي أن أبكي وأصرخ كأي طفل ولكن كنت أظنه حلما سينتهي في الغد، حين حدثني والدي في أحد الأيام عن المدرسة التي سألتحق بها كان يملي توجيهاته كيف سأتصرف وكيف سأتعامل مع الآخرين، لابد أن أكون مجدا كي ألتحق بالآخرين. سألتزم بدورات مكثفة لإجادة لغتي الجديدة التي ستجعل مني مواطنا بريطانيا شريفا، وعلي دائما تذكر تبعات هذا الالتزام الذي لم اختره لنفسي القراءة أولا وأخيرا هي من سمات هذا الشعب الراقي، كان يهذي بتلك المثالية التي لم أجدها حتى الآن في هذا الشعب اللاهث، كان يتكلم وكنت أشعر بحرقة تخنقني إني أبحث عن عالمي الذي اختفى وهو يهذي، في تلك اللحظة شعرت بدوار واختناق ارتميت على الأرض صرخت وبكيت أخرجت كل ما بداخلي من ألم، أين أمي أين أسماء ، أنا أريد العودة إلى هناك، كنت أموت فعلا، اختنقت من البكاء الذي استمر حبيسا في جوفي طوال تلك المدة، شعرت به أخيرا كأب، لن أنسى كيف ضمني بقوة وهو يمسح رأسي، ربما كانت عيناه تدمعان لم أكن أرى شيئا، قال لي كلمات قوية هي التي تجعلني صامدا حتى اليوم، إنه عاش وحيدا من أجلنا ليؤمن مستقبلا زاهرا، قال لي هنا يصنع الأقوياء وهناك يعيش المنهزمون، لا أتذكر كلماته كما قالها ولكني أعرف جيدا ما زرعه تلك الليلة في ذاتي الضعيفة هنا سأعيش إنسانا لي اسم وهوية لي هدف يمنحني الجميع الثقة لتحقيقه، وهناك أنا أيضا سأكون إنسانا ولكن بلا اسم ولا هوية هدفي ضائع وحلمي يثير السخرية. حين نظرت إلى عينيه كان ينظر بعيدا صوته الحزين يتردد في أذني, لست أنا المسئول عن وحدتك، أختك وأمك هما من رفضتا المجيء معي، قاسيت كثيرا يا عمر كنت أريد إسعادكم جميعا، ثم قال بتصميم لن أترك هذه البلد أبدا، هنا تعلمت الحرية والانطلاق، أحببت شوارعها النظيفة وتهذيب أهلها، لن أعود إلى ذلك البلد الخرب مهما حدث.
حدثني بيتر عن نفسه قليلا كان يفضل الصمت حيال حياته ولم أجبره على التحدث بشيء، ولكنه أخبرني ذات يوم أنه يعيش هو وأخوه جاك مع والدتهما ثم ابتسم وهو يقول لا أعرف عن والدي شيئا ولكنه حتما يعيش في هذا العالم لأن والدتي لم تخبرني بعد بأن المنية وافته، أمي تقول أشياء كثيرة جدا ولكني لا أصدقها بشيء رغم أنها امرأة مخلصة وحنونة، تختلف إجابتها بمرور الوقت ، فالإجابة التي تلقيتها قبل خمس سنوات تختلف عن إجابتها الحالية، كان بيتر لطيفا حين أخبرني ذات مرة أنه طلب من والدته أن تدون إجاباتها حتى تعود إليها في حال طُرح السؤال مرة أخرى، نظرتْ إليه ثم قالت بجدية إنها فكرة جيدة.
يتبع.....
........................................

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 05-02-2011, 06:38 PM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

بعد مرور خمس سنوات
سنوات خمس مرت على آخر مرة خط بها قلمي كلماتي الرديئة على هذا الورق البائس، كنت في الرابعة عشرة حينها وأبدو كصبي صغير وفي الحقيقة أعجبتني كلماتي التي كتبتها إنها ليست رديئة بما فيه الكفاية، فهي جيدة من ذاك الطفل المتعالي ولكن حين قرأتها عدلت الكثير فيها هذا شيء مؤسف ولكن كنت أغيرها وأنا أقول لنفسي كيف وضعت هذه الكلمة هنا أو هذه العبارة ليست جيدة مبررا تصرفي, إني أمارس الديكتاتورية حتى على كلمات صبي ولى تاركا لي الحياة الجديدة.
حين ودعني بيتر صباح اليوم وهو ذاهب إلى جامعته أخبرني بأنه يفكر في كتابة مذكرات طالب جامعي وأنه سيبدأ في ذلك فعليا، تذكرت أيامي السابقة فابتسمت ألح علي بيتر لمعرفة سبب ابتسامتي, أخبرته أني كنت بدأت بهذه المهمة الشاقة قبل سنين وذلك حين اعتقدت أني سأعيش وحيدا في هذه المدينة وأن هذا هو السبيل لعتق روحي ولكن حين تعرفت عليه فإن شعوري بطعم الصداقة الحقيقية لم يعد يشجعني على المزيد من الكتابة، أمسك يدي بقوة أرجوك أيها المتهور أن تستمر في الكتابة، إنها أفضل طريقة لتخليد بعض ذكريات ممتعة، أضفت والبائسة أيضا، أجابني: مهما تكن فإني أطلب منك وعدا بأن تتابع ما بدأته، أسعدني اهتمامه ذلك ولكني قلت له واثقا ولكني أعدك أيضا بأنك لن تتمكن من قراءتها أبدا، هز رأسه موافقا وهو يكتم ابتسامة ساخرة.
( لا أتذكر ذلك جيدا ولكنه القدر أراد تلك الابتسامة فأنا اليوم أقرأها وأني لأشعر أن روحه الطاهرة ترمقني من بين الصفحات، فلتسامحني )
أحاول كتابة بعض ما أتذكره من أحداث تلك الفترة، بعد أكثر من عام من تلك الأحداث وفي بداية العطلة أصبت بحمى شديدة أقعدتني الفراش عدة أيام وأجبرتني على تناول ما لذ وطاب من الدواء ولكني ما زلت ممتنا لتلك الحمى فهي التي عمقت صداقتي ببيتر وجعلته يبدو كفرد من العائلة، كان بيتر يزوروني يوميا ولفترات طويلة يقرأ لي بعض الكتب ونتناقش في مواضيع كثيرة، بيتر أثار إعجاب أبي ففي أكثر من مرة كنت أسمعه يتمتم بعد خروج بيتر بكلمات تنبئ عن اعتزازه بهذه الصداقة، قال في مرة فتى بريطاني أصيل وفي مرة أخرى: ما أجمل أن يكون للإنسان صديق مخلص من هذا الجنس العظيم. لم يكن أبي مبالغا في وصف بيتر بذلك فهو رغم ما كان يظهره من رعونة في بعض الأوقات فإنه شخص ملتزم أخلاقيا وبدأ سلوكه يتغير بشكل واضح إلى الأفضل، قلبه قوي ولسانه صريح إنه بالفعل فخر لأمته. ذات يوم سأله والدي عن طموحاته المستقبلية، اعتدل بيتر في جلسته وأجاب بثقة إني عازم على أن أكون مراسلا صحفيا مرموقا أتجول في هذا العالم أنقل الحقيقة كما هي دون تزييف, أخوض التجارب أفتش عن الخبر المثير والجاد، استرسل بيتر بكلمات حماسية جعلت أبي يصغي إليه بانتباه، حالما انتهى بيتر من حديثه تكلم أبي بصوت مبحوح : إنها مهمة صعبة تجلب.. ووضع يده على رقبته كناية عن الموت كان منظر أبي مثيرا أثار ضحكاتنا، شعر أبي بسلوكه العفوي الذي يراه غير لائق فغادر المكان محرجا. في تلك الفترة أيضا كان أبي يجهز حجرة داخل المنزل رأيتها تحوي سريرين، يبدو أنهما لضيوف قادمين لم أحاول سؤال أبي عن شيء فأنا واثق بأن ما لم يقله أبي بنفسه لن يخبرني إياه إذا حاولت سؤاله, ولكنه كان ينظر إلي بصورة غريبة تظهر الفرح والسرور، على كل حال إنها أخلاق مدعي الحضارة والتطور. خطر في بالي كل الاحتمالات ولكن ما حدث لم أكن أتوقعه.
ذات يوم وأثناء زيارة بيتر لي كنا نتحدث، قدم أبي من الخارج دخل أولا وهو يبتسم لي ابتسامة عريضة ثم تبعته فتاتين، الأولى ترتدي حجابا ورديا بلون خديها، نظرت إلى عينيها إنها تشبه عيني تماما سوداوان كحيلتان، كنت مندهشا وشعرت بالارتباك، نظرت إلى بيتر كان ينظر بانتباه لقد عرفها لاحظ الشبه قبل أن أدرك ذلك، توجهت نحوي بهدوء همست بصوتها الناعم عمر أيها الفتى ألا تذكرني جلست على ركبتيها أمامي وأخذت يدي وقبلتهما وأنا أرى الدموع تجري من عينيها، كان موقفا صعبا حاولت التماسك بوجود بيتر نظرت إليه محرجا كان أكثر إحراجا مني فهو ينظر إلى طرف حذائه بارتباك, حين انتبه أني أرمقه وقف قائلا: أرجو المعذرة أراك لاحقا وهم بالانصراف ولكني اندفعت نحوه أمسكته وأنا أوجه حديثي للفتاتين أعرفكم على أعز صديق، تكلم بيتر: بيتر وليامز أتشرف بمعرفتكن، أشرت إلى أسماء قلت بارتباك وأنا أسمع اسمها يتردد على فمي أختي أسماء (احترت أي صفة سأمنحها العزيزة أم الحبيبة أم التي اشتقت لها كثيرا ولكني في الأخير قلت أسماء مجردة)
أشرت إلى الأخرى قلت بتردد وهذه..مطت شفتيها ثم قالت بهدوء أمل عارف ابنة خالك (قفزت إلى ذهني صورتها القديمة إنها تكبرني بعامين كانت صبية مثيرة تظهر الكثير من التعالي، أتذكرها كانت لا تلعب معنا مهما حدث تنظر إلينا على الدوام بازدراء وكأنها شابة يافعة أرى عينيها ما زالت تحتفظ بتلك النظرة ولكنها الآن أقرب إلى الامبالاة بالآخرين، حين قدمت كانت تضع حجابها على كتفيها وقد أظهرت شعرها البني الذي ربطته بعناية إلى الخلف لينسدل متموجا على ظهرها وكتفيها، تقريبا كلها بلون واحد فلونها النحاسي أقرب ما يكون إلى لون عينيها، ولولا أهدابها السوداء الطويلة لبدت كتمثال من البرونز، بعد دقائق كان بيتر قد غادر المكان. اقتربت مني أمل قليلا وجهت إلي نظراتها اللا مبالية وقالت بسأم: ألا تخبرنا عن مكان حجرتنا أيها الصبي, قطبت حاجبي إنها تنعتني بالصبي وأنا أعتقد أني أصبحت رجلا، ابتسمتْ وكأن غضبي ذلك قد راق لها، أخذتني أختي بذراعها وهي تقول: إنه يبدو كفتى وسيم، في تلك اللحظة نهض أبي الذي كان قد ارتاح على أريكة، هيا يا عمر أرهم حجرتهم ثم دخل حجرته ليجعلني وحيدا مع هاتين الفتاتين، أشرت إليها بلا ذوق ثم دخلت حجرتي وأغلقتها، كنت أشعر بالارتباك وبعد قليل حين حل المساء شعرت بوحدة وغصة مؤلمة، تلك الأحلام التي رسمتها لأول لقاء بيننا كانت مجرد أماني، شعرت ببرودها نحوي، لا تزال صورة تلك الأخت الحبيبة وهي تأخذني من يدي إلى حيث أشاء هي التي أبحث عنها، استمرت الأفكار تزدحم في رأسي حتى انفجرت باكيا، ليتها لم تأتي (كم كنت مضحكا)، طرق باب حجرتي أخيرا، كانت هي بشعرها الأسود وعينيها الحنونتين، تلك الليلة وجدت أختي التي انتظرتها كثيرا رأيت دموعها الصادقة وهي تحكي عن سنوات الفراق تلك، حدثتني عن أمي كثيرا، عن آلامها ودموعها عن صبرها وشجاعتها عن دعائها المستمر لي بالتوفيق، إنها لا تريد تنغيص حياتي تريدني أن أعيش كأفضل إنسان، كل منا أفضى بكل مشاعره الحبيسة كنت أذرف دموعا حارة حين تحدثني عن أمي ولكن ليس بيدي شيء. سألتها عن كل شيء، سألتها عن ذلك القارب الذي يقبع منذ مدة على شاطئ قريتنا، حفر عليه بخط واضح اسم (أبو الحسن)، طالما استوقفني منظره الرهيب حيث يرقد منذ وعيت هذا العالم مقلوبا على رأسه فوق الشاطئ وكأنه جزء منه، ما زلت أتذكر تلك الحكايات التي نسجت عنه رغم صغر سني حينئذ، لقد شدتني تلك الحكايات فحفرت في ذاكرتي، قيل أنها لشاب جريء مقدام كان يخاطر دوما بنفسه لمساعدة الآخرين وفي إحدى الأيام العاصفة طرقت بابه امرأة عجوز تولول وتصرخ ابني في عرض البحر سيقضى عليه, قاربه صغير ورديء أرجوك ساعده ثم أخذت تنتحب أمامه، ركض ذلك الشاب بسرعة كما يقولون نحو البحر الهائج وفي الطريق قابله فتى صغير فسأله عن وجهته أخبره بسرعة عن وجهته وعن سبب ذلك، وفي الصباح الباكر وحين هدأت العاصفة وُجد القارب مقلوبا على رأسه ساكنا بدون روح على ذلك الشاطئ، وقيل أنه وجد اسم ( أبو الحسن) محفورا عليه ولم يرى قبل ذلك وحين قص الفتى الصغير ما حدث في مساء ذلك اليوم لم يصدقه أحد فكل عجائز القرية أنكرن أنهن ذهبن إليه أو أن إحداهن قد خرج ابنها مساء ذلك اليوم العاصف ولم يعرف عن تلك العجوز شيء وحيكت بعدها الحكايات والقصص، فقيل أنه قد شوهد نور يلمع في ظلمة تلك الليلة يشق عباب السماء، وقيل أن روحا طاهرة ما زالت تحلق فوق سطح الماء منذ ذلك المساء، قصص كثيرة وغريبة ولكن ما يهم في هذا الأمر أني كنت في تلك الطفولة المبكرة مغرما بذلك الشخص وما زال ذلك الاسم يلوح في سماء أحلامي يقطر دما أحمر قانيا.
بعد فترة من الزمن دهشت حين علمت أن أختي تهوى الصحافة وتتمنى لو تكون مراسلة صحافية، ربما رددت على مسامعي نفس الكلمات التي سمعتها من بيتر ولكن بأسلوب آخر، لم تلتحق أختي وأمل بالجامعة فعليا إلا بعد ما يزيد على العامين قضتاها في تعلم اللغة بصورة جيدة ثم كان أن التحقتا بالجامعة مع بيتر . مرت الأيام بصورة ممتعة فقد كنا نتنزه نحن الأربعة كلما سنحت الفرصة، لاحظت منذ البداية اهتمام بيتر الشديد بأختي رغم أنه كان يحاول إخفاء ذلك، كانت في البداية عطوفة عليه تعامله كأخيها الصغير ولكنه بعد ذلك أصبح أكثر نضجا وربما شعرت باهتمامه بها فأصبح تعاملها معه أكثر تحفظا، كنا نطرح في اجتماعاتنا كثيرا من المواضيع نناقشها كدبلوماسيين، الشيء المشترك فينا نحن الأربعة كان اهتماماتنا المثالية، لقد كان من حسن حظنا أن جمع بيننا القدر، ربما لو كنا في أوضاع أخرى وفي أماكن متفرقة لكان مصيرنا الانحطاط في التفكير كما هو حال الكثيرين وهذا ما سمعت بيتر يدندن به أكثر من مرة، في المرات القليلة التي حدث فيها بعض الاحتكاك بيننا كان ذلك حين دخل بيتر وأسماء في نقاش طويل عن أحوال الصحافة الراهنة، أسماء كانت تتحدث بحماس وهي تتناول ما آلت إليه الصحافة العربية العميلة كما تقول، فإن لم تكن عميلا للسلطة وإن حاولت إظهار بعض الحقيقة فأنت منبوذ وخائن حتما، ولكن حين تظهر الحقائق المكبوتة في صدور الشرفاء وغير الشرفاء فإن اللوم يقع أولا وأخيرا على الذين جعلوا الأمور تستفحل دون أن يقولوا كلمة حق، أي عليك أيها الإعلامي، على كل حال فإن الصحفي ملام في كلا الحالتين سواء أكان شريفا أظهر الحقيقة أو كان غير ذلك فتستر عليها حتى يظهرها الزمن الفاضح، كانت أحداث العراق هي موضوع النقاش، وقائد الأمة كما قالوا يصبح محاصرا وتنهار الدولة العظيمة بسبب عجرفة شخص، لا يهم ولم أفكر في هل صدام بطل أم لا؟ هل يريد تحرير أمة أم هو هذيان السلطة فمن صميم قناعاتي الشخصية أن لا أحكم على شخص حتى أستمع حديثه وجها لوجه وأرى عينيه بعيني هاتين, لست مغرورا إذا قلت أني لا أقتنع إلا برأي الخاص، اتخذ النقاش منحى آخر حين تكلم بيتر عن طموحاته وأحلامه رسم لذاته صورة بطل يخوض التجارب ينتزع الحقيقة وإن كانت بين أنياب أسد استرسل في قراءة مستقبل عظيم ، حين انتهى تكلمت أسماء بكلمات بدت قاسية نوعا ما رغم أني أعلم أنها كانت تريد مجرد لفت انتباهه لشيء ما، نظرت إلى أناقته المبالغ فيها كان معنى حديثها أن تلك الأحلام تحتاج إلى شخص أكثر جدية وذو اهتمامات أوسع مما كانت تراه في بيتر، حقيقة كانت أسماء تجهل كثيرا من جوانب شخصية بيتر، فهو باستطاعته أن يكون كما أراد، وهو ذو شخصية طموحة ومثابرة يتغلب على المصاعب بتفكير حكيم وربما من الصعب سبر أغوار شخصيته ببساطة، ولكن بيتر استفز أسماء بكلمات جارحة جعلتنا نرى وجهها الغاضب لأول مرة قال لها وهو ينظر إلى حجابها باستفزاز: أشك في أنك قادرة على تحقيق شيء ذي قيمة، احمر وجه أسماء وتكلمت بصوت حاد لن يعيقني حجابي الذي أعتز به كثيرا وإن لم يكن لي فرصة بأن أقول ما أشاء بكل صدق وحرية فإني أعدك أني لن أضطر لأكون رقما باليا في أي وسيلة تخون المهنة، وفي تلك الحالة فإن مكوثي في بيتي أشرف لي وللجميع، جلست أختي بعدها صامتة، اعتذر بيتر كثيرا أحزنني وضعه، أعلم أن أسماء تتألم من هذا الاعتذار المتواصل الذي يبديه بيتر ولكن ماذا بوسعها أن تفعل، ولكنها أثارت إعجابي حين قالت بمرح : لقد كانت صفعة بصفعة، ابتسمنا بينما مطت أمل شفتيها بنفاذ صبر، لا أدري كيف أصف هذه الفتاة تبدي كثيرا من الضجر اهتماماتها علمية، تحاول قراءة آخر الأخبار العلمية تشعر بأن خديها يتوردان حين نناقش موضوعا علميا وتتكلم بحماسة، الفلسفة والسياسة الشعر والكتابة كلها تصيبانها بالضيق وهي أغلب ما نطرحه في ساحتنا المتواضعة لذلك فهي عادة ما تصطحب كتابا علميا في حقيبتها تسلي نفسها أثناء حديثنا الأجوف كما تعتقد، مظهرها الرقيق وحجمها الصغير لا يتلائم مع تلك الشخصية فرغم أنها تكبرني بعامين فهي تبدو اليوم وكأنها تصغرني بسنوات، أشعر في الفترة الأخيرة بارتياح فنظرتها الغير مبالية بي والتي كانت تثير استيائي كثيرا تلاشت تماما، بل أشعر أحيانا أني بدأت أثير اهتمامها، عندما يأتي دوري في الحديث أشعر أنها تصغي إلي رغم أنها لا تلتفت نحوي إلا نادرا وتزيح عينيها كلما التقت نظراتنا، أرجو ألا أكون واهما، أحاول معرفة تفاصيل أكثر عن حياتها ولكن توقفني نظرة أختي حاولت مرة وبعد طول تفكير الاستفسار عن حياة أمل نظرت لي أسماء نظرة طويلة متسائلة، عندما شعرتْ بحرجي أصبحت تتحدث عنها بعد ذلك دون أن أبادر بأي سؤال، علمت منها أن هذه القوة التي تمتلكها ولدتها قسوة شديد من إخوة متعجرفين كان أكبرهم سيف أذكره جيدا كان يزورنا في القرية مع والده، كان فتى ضعيف البنية ولكني كنت أفر منه ولا أستطيع التحدث معه فهو برغم الطيبة التي يظهرها يسخر منك من أول كلمة تخرج من شفتيك، قالت إنه يكره النساء عامة ويظن أنهن بالجملة فاسقات وهو ما جعله يصب كل عقده الجنونية على الأخت التي ظلت وحيدة بين إخوتها الستة قبل أن تخلق إيمان الصغيرة، ورغم حماية الوالد لها فإنها كانت تعاني بشدة وخاصة عند سفرياته المتواصلة، أحدهم طويل اليد وقد نالت منه ما يكفي والآخر انتهازي والآخرون يهتمون بشئونهم الخاصة وعلاقتها بهم تبدو معدومة الوحيد الذي يبدو أخا مثاليا هو سليمان لقد كان يدافع عنها باستمرار ورغم أنه يعاني أيضا بحكم أنه الأصغر سنا بينهم، قالت أسماء : كانت أمل تلتزم بحجابها بصورة جيدة، ربما هي اليوم تتمرد على الماضي بأسره، سألتها يوما عن سبب نزعها الحجاب هنا، قالت بعزيمة سأثبت للجميع أن المرأة الشريفة ستظل كذلك وإن لم يجبرها شيء على ذلك، تظن أسماء أنها مجرد عقدة ستكون التجربة كفيلة بحلها، أما كيف استطاعت المجيء إلى هنا فقد كانت فكرة والدها الذي صمم على ذلك حين علم أن أسماء ستغادر إلى أبيها الذي طالما دعاها لإكمال تعليمها في لندن وتحت إصرار والدتها وافقت أسماء على ذلك ورغب خالها في أن تصحبها أمل في هذه الرحلة وواجه الجميع بهذا القرار الذي جعل الأخ الأكبر يقرر السفر إلى مدينة أخرى ويقطع الصلة مع العائلة.
رغم تعرفي على القليل من حياتها الماضية فقد وجدت بذلك التبرير لكثير من تصرفاتها نحوي، أعجب كثيرا من قوتها وتصميمها كنت أظن أن الضغوط تولد شخصا انطوائيا فاشلا ولكن هاهي تثبت لي العكس.
خلال هذه الأعوام عرفت بيتر أكثر، ففي مواقف إنسانية كثيرة اعتقدت للوهلة الأولى أنه أكثر الناس قسوة ولكننا حالما نكون بعيدا يظهر وجهه الإنساني وهو يتحدث بكل ما يحمله قلبه من صدق وعاطفة، أفكر أحيانا سيكون بارعا في عمله فحسه المرهف يجبره على تتبع الحقيقة وكشفها وبرودته الظاهرة تساعده على قول الحقيقة بكل جرأة، كثيرون هم من نعتقد أننا نعرفهم حق المعرفة ولكن يكشف لنا الزمن جوانب مجهولة ومطمورة من شخصياتهم،
هناك أشخاص كثيرون لن أحاول الكتابة عنهم أشعر بالغثيان حين أحاول الكتابة عن أي شخص خارج هذه الأسرة الصغيرة التي صنعتها، الزمن كفيل بتغيير هذه الأفكار العدوانية، لست أعادي أحدا ولكن إجبار نفسي المشمئزة على التحدث معهم فيه الكفاية، ربما كاتي تختلف قليلا، روحها المحبة المرحة لا تخفيها بدانتها الظاهرة، تعجبني تعليقاتها ربما لأنها عادة ما تكيل لي المديح، في مرة قالت: ألا تشعر بوسامتك الظاهرة إنك لا تستغلها بصورة جيدة، إنها تعاملني كأخ عزيز فهي تخبرني بتعليقات الآخرين ونبذة مبسطة عن شخصياتهم دون أن تحاول إملاء انطباعاتها الشخصية على عقليتي البريئة كما تقول، لن أكون قاسيا إذا قلت إنها تسليني كزميلة عزيزة، راجو ذلك الشاب الهندي يبدي إخلاصا صادقا نحوي، ولكني أتهرب منه بخجل، في مرة حاولت استقباله في بيتي كان رد أبي قاسيا: هل ستتخذ صديقا من هذا الجنس القذر الذي يقدس روث الحيوان، لأول مرة أعلم أن لوالدي اهتمامات دينية فهو لا يتكلم في هذا الموضوع أبدا، بعدها وأمام والدي سألت بيتر من هو إلهك أيها القديس؟ نظر إلي بريبة ثم قال: هو نفس إلهك أيها المتحذلق،، كنت أريد إحراج أبي فكما أعرف أنه من المفترض أن يعبد المسيح كونه مسيحيا، وكنت سخيفا حين اعتقدت أن إجابة بيتر التي توقعتها ستحرج أبي كوني أصادق كافرا فلا فرق بين الكفر وإن اختلف المعبود. رد بيتر أفحمني وأدهشني. حاولت أكثر من مرة أن أفاتحه في هذا الموضوع ولكن أخشى أن أثير استيائه.
.......................................
أضحكتني كاترين اليوم كثيرا حين أخبرتني عما يدور في رأس راشل الهادئة ولكنني الآن أفكر كيف لصبية رقيقة مثلها أن تفكر بتلك الطريقة هل من الممكن أن أضع قاعدة وأسير بها في هذه الحياة، المظاهر خادعة ولا توضح الصورة الحقيقة لتلك النفس المختبئة خلف خيوطها المتشابكة قالت بأن راشل تعشق ممثلا مشهورا وتتمنى أن لو يكون زوجا لها وبما أن ذلك مستحيل فهناك فكرة بدأت تسيطر عليها بشدة ستقتحم أحد المراكز أو الأماكن المهمة وهي مسلحة وتحت تهديد السلاح ستخضع الجميع لطلباتها بأنها لن تفرج عن هؤلاء المحتجزين إلا بشرط واحد فقط هو أن يحضر هذا الممثل ومعه القس ويعقد القران قبل أن تفرج عن أي شخص ثم بعد ذلك ستطلق سراحهم جميعا بعد تحقيق هدفها، من العجيب أن تختبئ كل هذه الأفكار الغريبة خلف قناعها الهادئ الخجول, قد تكون هذه بعض أحلامها وهي تفضي بها لتتخيل الوهم وقد أصبح حقيقة تحت الاندهاش الذي يملأ عيون محدثها.
يتبع إن شاء الله

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 05-02-2011, 08:30 PM
امل امل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 5,103
معدل تقييم المستوى: 15
امل will become famous soon enoughامل will become famous soon enough
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

اتابع ان شاء الله

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 05-02-2011, 11:14 PM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية


التقيت اليوم بجاك الأخ الأكبر لبيتر وكانت هذه من المرات القليلة التي تحدث فيها معنا، جاك شخص غريب الأطوار، عندما رأيته لأول مرة اعتقدت جازما بأن هذا الشخص لا يمت بأي صلة لبيتر فشعره الشديد السواد وعينييه السوداوان الحادتان تنظران بريبة تشعرانك بالنفور، ذقنه الدقيق وطوله الفارع يشوهه جسد هزيل، حديثه اليوم معنا جعلني أشعر نحوه بقليل من الود، رأيت في ابتسامته العريضة التي أظهرها خلال حديثه مرة واحدة ابتسامة بيتر الساحرة، بدا قديسا وهو ينظر إلى الأفق خلال حديثه وكأنه يرى شيئا لا نراه، حين يتحدث حديثه الذي يبدو عزيزا على قلبه فإن عينيه تكتسبان بريقا لامعا، يبدو معلقا بالسماء ينتظر منها شيئا، يقول بنشوة: هناك الحقيقة وهناك من يهب الحقيقة أعلم أنه سيلهمني إياها يوما ما فأنا إنسان فقير إلى كل علم ينجدني أرى الخير ورائي والشر أمامي حيث أسير، يهرب مني السعداء لأني إنسان ظلامي كما يقولون ولكنهم حتما مخطئون فما يعتقدونه سعادة هو رسم خاطئ لهاوية الشقاء الحتمية، لم أرى السعداء بعد ولكن حتما حين ألهم مكان وجودهم سأكون صديقا مخلصا لهم... حديثه الروحاني التائه أقلقني كثيرا، أتذكر الآن كلمات أسماء حين جاءتني ذات مساء بوجه حزين ثم تكلمت بصورة مباشرة وبصوت حنون أراك لا تصلي يا عمر، تفاجئت حينها فلم أجب، امتلأت عيناها بالدموع وهي تقول وأبي أليس كذلك؟ أجبت بسرعة لا أعلم عنه شيئا ولكنه رجل مهذب ومحترم وأظنه لا يشرب الخمر، كانت تحدثني كنهر جار يتدفق بهدوء حاملا الأمل والخير.. كيف يعيش الإنسان بلا إيمان كيف يشعر بطعم الحياة كيف سيتحمل الظلم وكيف سيكون طعم النجاح! ولكني مؤمن أنا أعلم ذلك وإن لم أفكر يوما في مذاق إيماني إنه حتما ليس كذلك الذي تتذوقه أسماء وهي تحدثني، أعلم اليوم أني مدعي أحمق فعيني جاك المتوهجتان تتهمني إنني منهم أولئك الموهومون وإن اختلفت الأوهام فأنا أملك شيئا ولكنه مختبئ في وجداني كشاب مدعي وهو أشقى الناس، إيماني تاه بين جنبات نفسي اللاهثة لو كنت هناك حيث كنت أرى تلك الأم الحنون تمسح دموعها ساجدة راكعة, أصحو من نومي لأرتمي في أحضانها وتحت قطرات دموعها وهمسات صوتها تدعو يارب ارحم هؤلاء الضعفاء وكن لهم عونا ونصيرا فليس لهم إلا أنت، يسألها ذلك الطفل البريء الذي كنته؟ أمي ماذا يؤلمك؟ كنت طفلا يومها، وماذا يؤلم غير الجسد،
عيني جاك ودموع أسماء تخبرني أن آلام الروح أقسى وأوجع، مسكين جاك لو رآني تلك الليلة حين انغمست في صلاة عجيبة بعد سنوات من القطيعة، وقتها سمعت صوت أمي وتذوقت حلاوة دموعها، أسمع صوت أسماء: إليه وحده ستشكو وحينها ستهدأ نفسك وسيخضع الكون كله، أشتاق اليوم إلى تلك اللذة الروحية، كنت يومها في الخامسة عشر، أرى السنوات كبركان تحيل قلبي الغض إلى صخور متفحمة، ليتني اليوم لم أستمع إلى جاك، أعلم أين خلاصه ولكني ضعيف القلب خائر القوى.
.......................................
اليوم تحدثت مع بيتر عن جاك، إنه تلميذ فاشل لقساوسة بلا قلوب لا يمكنه الصمت على لاءات كثيرة تصفع بها أسئلته المتواصلة، كان يتردد على الكنيسة باستمرار ولكنه في كل مرة يعود زائغ النظرات، يقول بيتر: لسنا بحاجة إلى من يملي علينا كيف نؤمن وكيف نفكر. أعلم أن إيماني الذي يحويه صدري ينبع من نقطة مستقرة في هذا القلب إنه لا يملى علي ولكن أنا الذي أرجوه أن يبادر نحوي فيلهمني الهدوء، آه يا بيتر إنك تعيش في وهم فرضه عليك واقعك السقيم ولكن ماذا عساي أن أقول وأنا لا أعرف ماذا سأقول.
بيتر (سأسمح لنفسي بالكتابة عن أخي جاك قليلا، فهذه فرصة جيدة لأعرض رسالته التي أحببتها كثيرا ولتظل محفوظة بشكل جيد، شعوري بالذنب اتجاهه ما زال يلاحقني، فلم أكن أستحق محبته التي أفضى بها لي في إحدى رسائله أظن أني كنت أنانيا طوال الوقت فلم أمنحه أخوة صادقة، اعتقدت وقتها أنه لن يسمح بذلك ولكني علمت بعد ذلك أني كنت مخطئا، كان أخي جاك بائسا بمعنى الكلمة، رأيته في مرات قليلة يبدي سعادة مشوهة بنفس قلقة حيرى, كان متدينا ومخلصا، أمضى حياته في البحث والتدقيق بين الكتب، يبحث عن شيء لم أعره اهتماما فترة لا بأس بها من حياتي، حقيقة الله والإنسان والحياة، إنه الإيمان الذي اعتقد عمر أنه متناهي في داخله دون أن يستخدمه، لقد قتلته كل خزعبلات القساوسة والرهبان، سمعته يوما يقول: أعلم أنهم يخونون الله في كل لحظة ثم وضع رأسه بين كفيه باكيا، اعتدت على ذلك المنظر كما اعتدت على عيني أمي الدامعتين إنها تحبه بإخلاص وبألم، فبينما كنت أتباهى بفتوتي وطموحي كان هو هزيلا يذبل بسرعة، اعتقدت يومها أننا ضدان لا يلتقيان ولكن علمتني السنوات أني كنت بحاجة إلى ذلك الإيمان الذي وجده أخيرا, قد يكون شعوري الفطري (الذي تخليت عنه بعد نضوجي) بوحدانية الله كان يعصمني من أن أغمس ذاتي في كل تلك الخزعبلات، سأكون كاذبا إذا قلت بأني أمضيت حياة هانئة بذلك الشعور وحده، ذات يوم وأثناء تعلمي اللغة العربية بمساعدة عمر أهداني نسخة مترجمة للقرآن قلت له يومها بأنني أفضل قراءتها بالعربية احتفظت بها دون أن أحاول قراءتها (وفي يوم عيد ميلاد جاك وحين كنت مقيما في سوريا أهديت له تلك النسخة التي لم أقرأها بعد) كان يغادر البلاد عازما على الرحيل إلى أرض قد تمنحه الحقيقة أهديته تلك النسخة، كنت أظن أنه سيجد فيها شيئا مميزا، جاءني الرد مدهشا وبعد أقل من ثلاثة أشهر من سفره كانت رسالة قصيرة * أخي بيتر أعتقد أني أصبحت مسلما، سلامي الحار لك وللأرض التي تحمل قدميك، بعد ذلك بعام ، كتب لي جاك آخر رسالة منه وأكثرها تأثيرا في نفسي أخي العزيز بيتر أشتاق إليك كثيرا لم أقل لك يوما بأني أكن لك كل حب وتقدير أتذكر كلماتك ذلك اليوم حينما كنتُ تحت وطأت العذاب النفسي: ما الذي يجبرك على اعتقاد شيء لا تؤمن به فالحياة أبسط وأجمل من كل ذلك، يومها وصفتك بأنك تفكر كسائر الحيوانات التي تسير على اثنين والتي يمتلأ بها العالم، تبحث عن متعة رخيصة لا نهاية لها، قلتَ لي يومها: لا أقل إيمان عنك ولكن بينما تبحث أنت عنه على شفاه الرهبان الذين لا تتحرك شفاههم إلا بما يريدون هم وليس ما تبحث عنه أنت فإني أبحث عنه في قرارة نفسي وفي ضميري الذي ما زلت أملكه، لم أنسى قولك الذي أثر في كثيرا: لن تجعلني الكنيسة إنسانا شريفا فأنا خلقت كي أكون إنسانا شريفا، لست أحتاج إلى شروطهم وأوهامهم الخالية من طموح العقل كي أكون مؤمنا، أحتاج إليه عندما أتألم، أطمئن إليه عندما أخاف، ربما أحتاج يوما أن أتيه في هذه البحار الشاسعة كي أدعوه وحده. قبل ذلك كنت أظنك ملحدا ولكن علمت يومها أنك أكثر إيماناً مني فأحببتك، اعتنقت الكاثوليكية فوجدت أني بين ثلاث من الآلهة فزاد يأسي وقنوطي، ولم تكن ألأرثوذكسية لتمحني اليقين فالإله الذي يتحول من مرحلة إلى أخرى من (أقنوم الأب) إلى (أقنوم الابن) إلى (أقنوم الروح المقدس) كيف سيشعرني بالطمأنينة والسلام، أعلم أن الدم اليهودي يجري في عروقي، فكما تقول لي أمي دائما كان أبوك شخصا يهوديا متزمتا وها أنت ترثه، ولكن لم أفكر يوما في أن أكون يهوديا فلست قادرا على أن أكون بلا قلب ولا ضمير، إنهم يفكرون بأنانية ويعطون لأنفسهم القدسية التي يحرمون منها جميع البشر بوصفهم شعب الله المختار وهذا ما لا يرضاه عاقل، في الهندوسية رأيتني أمام العديد من الآلهة لا ثلاثة فقط وبينما وجدت البوذية تتفوق في فن التدريبات فإنها خالية من ذكر الله وينقصها وضوح الاتجاه، عقدت العزم على أن أكون بهائيا حينما سلمتني هديتك، لم أفكر يوما في أن أكون مسلما كما لم أفكر يوما أن أكون يهوديا فبينما أنا على يقين من الظلم التي قامت عليه دولة إسرائيل مما جعلني أكره الارتباط بذلك الظلم والاستبداد، كانت نظرتي للإسلام على النقيض فهو دين الضعف والتخلف وهذا ما لا أرتضيه لنفسي، كنت أرى في أولئك المسلمين القادمين من بلاد الشرق حفنة أشخاص قادهم اليأس من استبداد الدين والدولة إلى شم هواء الحرية الذي أتمتع به فكيف لي أن أنضم تحت راية دين يحرمني من بقية حياة ما زالت في صدري، أخي العزيز بيتر لقد وجدت الإسلام مختلفا تماما وأرجو أن تلاحظ ذلك أيضا، ربما أستطيع القول أني كنت مؤمنا ولذلك لم أستطع استساغة أي دين لا يتماشى مع فطرتي التي يفيض بها داخل قلبي، أخي العزيز بيتر أرجو أن تقرأ عن الإسلام كثيرا ربما أستطيع أن ألخص لك بعض ما وجدته في هذا الدين، الإسلام دين لا أساطير فيه فتعاليمه البسيطة الواضحة تمنحك هدوءاً عقليا وروحيا وليس فيه مجال للاختيار بين أن تكون ماديا أو روحيا لأنه يجمع بينهما بصورة لا مثيل لها في أي دين مما يكفل للجميع العيش بكل طمأنينة وهدوء وسعادة إنه يجعل البشر جميعا كأسرة واحدة ربها الله، لدي الكثير والكثير ولكن سأحدثك عنه حينما أراك. أريد أن أخبرك عن شيء هام بعد نحو عام من إسلامي تعرفت على مجموعة من المناضلين إنهم من مختلف الأجناس عندما رأوا حماستي للإسلام بدءوا بإشراكي في بعض اجتماعاتهم السرية لقد علمت أنهم بحاجة لشخص أشقر العينين يقوم بعمل كبير في قلب إسرائيل وأنت تعرف ماذا أعني بذلك فكرت كثيرا في أن أقدم على ذلك ولكن عيناي ليستا شقراوان، ربما ستظنني جبانا إذ أتعذر بأعذار واهية فأنا بريطاني على كل حال، بيتر أنا جبان فعلا فليس بإمكاني أن أقطع جسدي الذي اعتنيت به كثيرا من أجل قتل حفنة أوغاد حقا إني أتوق لما يسمونه الشهادة ربما سأحدثك لاحقا عن هذا السر العجيب في الإسلام، أتمنى أن يمنحني إياها القدر بصورة أفضل من هذه، أتألم لكل ما يجري في هذا العالم المتخاذل أشعر أن الظلم يحول بيننا وبين الشعور بالسعادة الصافية أسمع الكثير يتساءل بربك أخبرني ماذا أفعل وأنا شخص وحيد؟
بيتر إني أتوجه اليوم بكليتي إلى الله ولست بحاجة وساطة أي مخلوق
أتمنى أن ألقاك في أقرب فرصة جاك

لقد قضى جاك في تلك الأرض التي يبدو أنه تألم كثيرا من أجلها، كان يناضل هناك لم تشفع له تلك الراية التي رفعها (نحن نريد السلام لجميع أهل ألأرض) أصابته رصاصة جندي غادر في إحدى التظاهرات، ربما هو راضي عن تلك الميتة الشريفة التي منحته الخلود الأبدي، رأيت وجهه المشرق لقد كان يكسوه البهاء والشموخ، شهدت تلك الصلاة الرهيبة التي أقيمت على روحه دفن هناك في مقابر المسلمين، حين أسلمته للأرض علمت أني دفنته في أعماق قلبي، لم يمهله القدر كي أرى وجهه المطمئن الساكن، اسمه ما زال جاك لم يتغير فكما قال لي أحد أصدقائه أنه لم يرضى تغيير اسمه كان يقول ( ليس هذا الدين حكرا على اسم دون آخر إنه للجميع لكل الأسماء ولكل الأجناس) تركت تلك المرأة البائسة تبكيه بهدوء، وقلت في نفسي لا أظنها ستعيش بعده كثيرا.) بيتر
.................................
تمر الأيام على صورة واحدة رتيبة ومملة منذ التحاقي بالجامعة، أشعر أن الملل يطاردني وحدي، بيتر وأسماء التحقا سويا وكانا في القسم ذاته أرى أنهما أصبحا أكثر انسجاما، فالأفكار تكاد تسير في نسق واحد عندما تطرح أمامهما، ربما يصيبني بعض الضيق وأنا أرى شخصية بيتر تذوب في هدوء أختي الصارم، إنه يكاد يوافقها في كل شيء، وودت لو أستطيع لفت انتباهه ولكن أخشى أن أثير استيائه، ربما يزعجني ما يسعى أبي إلى تحقيقه كيف لي أن أكون طبيبا كما يريد، العقلية العربية تطاردني في وسط لندن أشعر كثيرا بالغثيان عندما أفكر بذلك، بيتر ينصحني دائما بالتفكير الجدي في المستقبل ربما أسماء تطلب منه تنبيهي على ذلك أخبرته ذات يوم: هل تسحق الأحلام بقرار واحد، لم يرد، تابعت الحديث: هكذا نحن كل أحلام الطفولة تظل رغما عنا مجرد أحلام لأن الواقع يفرض علينا أن نكون أكثر جدية، كنت أرى نفسي وأنا أجلس على كرسي بالي حزين وطاولة مهتزة أكتب وأكتب ويصرخ القلم في يدي وتدفق الكلمات من جوفي سأكون شاعرا وأديبا ورساما وكل شيء ذا فن وقيمة وإحساس ثم أموت فقيرا بائسا فذلك هو عربون أدبي الصادق ليبكي علي الباكون ويندبون يوما لم يقبلوا الأرض التي خطوتها، ابتسم بيتر باستنكار، قلت له لا تستغرب إنها أحلام طفل قضى طفولته بين بؤس هيجو وعبقرية دستوفسكي، أنى له بحلم أفضل من ذلك، وحينها بدا لي أن والدي سيسعى لتحقيق حلمي فتلك المكتبة التي سعى بتزويدها باستمرار بروائع الأدب وصنوف الثقافة وحثي دائما لأن أكون فتى بريطانيا مثقفا كان يوهمني بذلك لقد كنت عاشقا ولكن يبدو أن أيام العشق انتهت فعلي أن أكون جادا بما فيه الكفاية فالمستقبل يأتي مرة واحدة كما يقولون. أعلم أن بيتر هو الوحيد الذي يتفهمني ولكنه يتمادى في إزعاجي قال ببراءة مصطنعة: من الأفضل أن تكون قائدا شجاعا أو جنديا محاربا فهي أيضا تمنحك شهرة ربما تفوق الشهرة الأدبية، يهذي هذا البيتر إنه أكثر الناس معرفة بي فأنا لا أجرؤ على قتل ذبابة، أخذ بيتر يتمادى في الوصف المزعج: سترى الدماء تتفجر بين يديك من الصدور، وبإمكانياتنا المثيرة سترى قطع اللحم تغطي سطح الأرض وأنت لا تبالي تقاتل بكل شجاعة، لوحت بيدي في وجهه: أرجوك يا بيتر أصمت إنك تصيبني بمزيد من القرف.
ربما سأكذب إذا قلت أن تلك الأحلام لم تراودني يوما، فباستطاعتي أن أحلم كثيرا إنها هوة مفتوحة لمن أراد أن يغوص داخلها ولكن ليس بإمكاني أن أفعل إلا ما أعتقد أني سأستطيعه.
.......................................
جاءتني اليوم أسماء طلبت التحدث معي في موضوع وكعادتها طرحت الموضوع بكل ثقة وهدوء قالت: لقد طلب مني بيتر أن أدرسه اللغة العربية حاولت إخباره بأن ذلك يحتاج إلى متخصص ولكنه ألح على ذلك (رفعتُ حاجبي باستغراب) ولكني تنبهت إلى نظرتها العاتبة نحوي وتابعت: أرجو أن لا يذهب ذهنك بعيدا أنا أعلم برغبة بيتر الجادة في ذلك ولذلك أرجو أن تقبل القيام بهذه المهمة بدلا عني،(ابتسمت من أعماق قلبي إن أسماء تسدد صفعة قاسية لبيتر إذا كانت له أغراض غير ما يظهر، كم أنا فخور بها) ولكني حاولت الاعتراض على هذا الطلب متعللا بأن بيتر لم يطلب مني شخصيا ذلك ولو فعل لقمت بمهمتي بكل سرور، أجابت: إذا وافقت فأنا سأتدبر الأمر، لم يكن بوسعي سوى أن أوافق على هذا الطلب الذي أسعدني حقيقة.
..........................................
مرت أيام ممتعة، ثلاث ساعات في كل أسبوع أكون فيها مدرسا مثاليا، منحتني تلك الدقائق السعادة كما أعادت لي الأيام السابقة حيث كنت وبيتر نلتقي كثيرا، وأجمل من ذلك أني أصبحت أكثر اختلاطا بأمل، لقد جذبتها هذه الفكرة فكانت في فترات كثيرة تحاول مساعدتي في هذه المهمة، بيتر يتقدم بصورة مذهلة ففي أقل من ثلاث أشهر كان قادرا على كتابة أسماءنا ولكن بصورة تبدو رديئة، تأملت وجه أمل وهي تضحك من أعماق قلبها حين ترى بيتر يحاول الكتابة كان خطه جيدا ولكنه بدأ يخطئ, تصفق أمل بحرارة بينما أشعر بالسرور إذ أدخلت المرح على قلبها، كانت أسماء خارج الساحة تماما فهي لم تحاول التدخل ولو مرة واحدة كما أنها قد لا تخرج من حجرتها بتاتا في الأوقات التي يكون فيها بيتر معنا، كنت أشعر بانزعاجه ولكنه كان مثابرا فلم يثنه هذا عن المواصلة، أثارت ذات مرة أصواتنا العالية أسماء إذ أطلت من حجرتها مستفسرة، هتفت أمل تعالي يا أسماء لتري كيف يكتب بيتر اسمك، شعرت بارتباك بيتر، وقفت أسماء عند رأسه مباشرة بينما كتب بيتر بخط يبدو وكأنه تدرب عليه كثيرا، هتفت أسماء بصدق: رائع بيتر إنك تتقدم بصورة مذهلة، نظر إليها نظرة امتنان ثم تابعنا حديثنا سويا.
...........................................
مر هذا الشهر بسرعة، إنها أول مرة تنتابني هذه المشاعر الصادقة، في الحقيقة أنا لم أفرط في الصوم في السنين السابقة ولكن كان شهر رمضان هذا يختلف قليلا عن بقية الشهور السابقة، وفي هذه السنة يبدو الأمر مختلفا حيث رضخنا جميعا لقرار أسماء، كانت هناك الدروس الدينية والنشاطات الميدانية في إقامة وجبات سحور وإفطار، كنا نتدارس القرآن وأقمنا ليالي رمضان بالصلاة والتسبيح، لا أنسى تلك المسحة الإيمانية التي اكتسى بها وجه أمل وهي ترتدي حجابها، كانت تخرج من المسجد وقد ازدادت بهاء وجمالا، كنت أرى النور يشع من كل الوجوه التي تعمر ذلك المكان، وجه أبي الذي طالما رأيته جامدا هاهو اليوم يكسوه بعض الهدوء، في كل صلاة كنت أتمنى لو يقف بيتر بجواري ولكن أين هو اليوم إني أراه في هذه اللحظات أتعس الناس، أين سيجد طعم الحياة الحقيقي إن لم يجده هنا، إني أعود من المسجد ثابت النظرات قوي الفؤاد طائرا محلقا، لماذا تقسو الكنيسة على جاك فلا تمنحه ما أمنح اليوم من سعادة أليس إلهنا واحداً ولكن حين تشوش الحقائق وتبدو الألسنة زائفة يسري الهذيان في عقول الضعفاء ، كنت أتمنى أن أزور بيتر في كل ليلة ولكنني لا أملك ما أقول لأنني حقيقة لا أعرف ماذا سأقول، اعتقدت أني حين سأراه لن أجد سوى الدموع وسيكون ذلك مدعاة للسخرية، أبي لم يأتي معنا إلا مرات معدودة بحكم عمله ولكنها كانت كافية لرسم نوع من الرضا على وجهه التعب.. كل شيء انتهى عدت كما كنت بلا هدف بلا طموح تسير الحياة بطعم رديء نوعا ما.
.........................................
هاهي الأمور تسير بالصورة التي تصعب على فهمي المتواضع، بالأمس طلب مني أبي أن أستعد فهناك زائر لابد لي من مقابلته سألته من يكون فأشار إلى أسماء، كانت أسماء تعد بعض الأشياء في المطبخ سألتها عن هذا الزائر المهم الذي سيأتي الليلة؟ أجابت دون أن تترك ما في يدها ودون أن تلتفت نحوي: إنه زميلي أنور طلب يدي فأخبرته أن يأتي إلى المنزل ويطلب يدي من أبي بصورة رسمية، لم أستطع إخفاء دهشتي همستُ بصوت مبحوح هل أنت موافقة؟
- ربما نعم فهو شاب محافظ ومتميز ثم ابتسمت بدلال مصطنع وأضافت: لن أجد فرصة أفضل من هذه.
شعرت وقتها برعشة تسري في جسدي، أحتاج إلى من يرشدني، هل كنت واهما في كل ظنوني، هل كنت مخطئا حينما ظننتها وبيتر..أوه لا ربما بيتر فقط، فكرت قبل كل شيء بزيارة بيتر، لابد أن أعرف حقيقة مشاعره اتجاهها، توجهت إلى منزله كان كعادته مرحاً ومتفائلاً، تحدث عن آماله المستقبلية كما يحلو له، كنت أفكر كيف سأبدأ معه، الدماء العربية تسري في جسدي فنحن دائما متوقفون وعند أبسط الأشياء لأننا نخشى الإحراج، ولكنني أخيرا تكلمت: لا تفكر كثيرا في المستقبل فعادة يأتي الواقع بمذاق مختلف جدا، كنت أظن أنني لن أفقد أسماء بعدما التقينا ولكن هاهي تفكر بالزواج وحتما سيأتي اليوم الذي لا أجد فيه أختا بجواري، كان بيتر ينظر إلي وقد اكتست عيناه بنظرة تساؤل إنه لا يفهم شيئا، أخبرته بكل شيء ودفعة واحدة، كان وجهه يتلون ويداه تنقبضان بقوة شعرت أن روحه ستخرج من شفتيه الذاهلتين، إذا لم أكن مخطئا، أعلم أنه لم يسمع حرفا واحدا مما قلته بعد ذلك ودعني كآلة على وشك التوقف، ازدحمت الكلمات في رأسي، ماذا سأقول لها كيف سأجعلها تتراجع عن قرارها، هل سأتحدث عن قسوة قلبها، كيف سأتحدث معها وأنا لا أفهم شيئا, مضى الوقت وأنا أتلوى بين تلك الشوارع التي اكتست مساء رأيته تلك الليلة جامدا بلا ضمير.
كانت أمل تجلس بمفردها تتصفح كتابا وكأنها تنتظر شخصا ما، سألتها أين أسماء؟ أشارت برأسها إلى الحجرة، إذا فقد غادر الضيف،
هل هي نائمة؟ هزت رأسها بنعم, هل تم كل شيء هزت كتفيها بلا أعرف،
لم تنطق بكلمة ولم ترفع رأسها عن الكتاب ما بي أقف كالأحمق أوجه الأسئلة إلى هذه البكماء، أدرت ظهري وأنا أضغط على أسناني يبدو أن مصيري كمصير بيتر، مضيت قليلا ثم بسرعة التفت نحوها تذكرت سؤالا لم أطرحه رأيتها وهي تنظر إلي، نسيت كل شيء عيناها الحزينتان اليائستان أذهلتني قالت بهدوء وهي تقف: عشاؤك بالمطبخ ثم مضت إلى حجرتها: لم أستطع أن أتفوه بكلمة لقد كنت مغفلا كانت تنتظرني تريد أن تقول لي شيئا أنا متيقن من ذلك عيناها اللتان تطفحان بالحزن تؤكدان لي ذلك، ليلة تعيسة قضيتها، ربما بالنسبة لكلينا، ازدحمت فيها الأفكار فلم أستطع النوم إلا متأخرا، فكرت في كل شيء ثم داهمني بيتر في أحلامي، تمنيت أن أسبر أغوار ذلك الفتى إنه يبدو مطمئناً وهادئاً ولكن هاهو اليوم تثار أعصابه، ما نوع الإيمان الذي يزعمه ويمده بكل هذه الطاقة, تذكرت قبل سنين حين تأثرت بكلمات أسماء وعزمت على تغيير حياتي كنت وقتها صبيا ولكن ربما أكثر وضوحا، في صباح ذلك اليوم توجهت نحو بيتر حدثته وأنا قلق عن هواجسي نحو هذه الحياة التي ربما تنقضي في لحظة وأخبرته أني أكثر قلقا عليه لأنه بلا إيمان وبلا عقيدة كانت نظراته غاضبة وتكلم من بين أسنانه المتشنجة أتعتقد ذلك ربما أكون أكثر إيمانا منك ثم تركني مشمئزا، أفكر اليوم، ربما يكون كذلك، إنه يعيش حياة هادئة مطمئنة، تمنيت أن تستمر كذلك ثم غلبني النوم.
............................................
بيتر( كنت في تلك الفترة هادئا راضيا فأنا راضي بتلك الحياة التي أحياها بجوار أسماء غارقا في ذلك الحب، كان هادئا كهدوئها وسامي كسموها رغم أنها لم تكن تبادلني سوى القليل من الكلمات وبتحفظ شديد، لم أفكر لحظة بأن هناك ما سيفرقنا وبعد عامين من الطمأنينة التي كانت تمنحها لقلبي صعقت بذلك الخبر حين أخبرني عمر بموضوع خطبتها من ذلك الشاب، جن جنوني وشعرت بالهلاك يقترب مني، قررت أن أكتب إليها رسالة اعتقدت أن ذلك الأسلوب الذي قد أستطيع القيام به في تلك اللحظات العصيبة، أخبرتها بكل مشاعري اتجاهها، كل ما تمنيت يوما أن أقوله لها كتبته وبانفعال وددت لو أني أستطيع قول ذلك لها دون أن أختبئ خلف شيء ما كما يفعل الجبناء، ولكني لم أستطع، في اليوم التالي وفي الجامعة رأيتها تتجه نحوي مباشرة دق قلبي بقوة وندمت ألف مرة على ما فعلت ولكنها اقتربت بوجه باسم حيتني ثم قالت إنها تود إخباري بشيء ودون أي مقدمات قالت: أشكرك يا بيتر على كل مشاعرك ثم نظرت بعيدا وقالت ولكن هذا الحب لا نهاية له فإن كنت لا تعلم حقيقة أني كفتاة مسلمة لن أرضى أن أرتبط بشخص من دين آخر وهذا قراري اتخذه بدون أية ضغوط سوى أني ألتزم بتعاليم هذا الدين الذي هو نوري في هذه الحياة، ثم وجهت نظرها إلي مباشرة وهي تقول وأنا لن أسمح لنفسي أن ترغم شخصا على اعتناق دين لم يقبل به طوعا ولن أطلب منك أن تعتنق ديني من أجل مصلحة شخصية فهذا ما لا أرضاه لي ولا لك ولا لشرف هذا الدين وعظمته إنه إيمان عن اقتناع وحب، عن رغبة حقيقية تلامس شغاف قلوبنا تدفعنا إلى ذلك دفعا، وفي اليوم الذي تتشرف فيه بإعلان إسلامك سأكون من أسعد الناس بك) انتهى اللقاء كما انتهى كل أمل، كنت تائها لا أعرف ماذا يمكنني فعله ولكن الأمور كانت تمضي بينما أنا في توقف، إنها اللحظات التي يقضيها الإنسان بدون تفكير و أخيرا لم أقدِم على شيء كنت أظن أن قيامي بتصرف متسرع كإعلان إسلامي بدون أي مقدمات وبدون أي تفكير هو مدعاة للاحتقار وتلك هي النظرة التي كنت أخشى أن تحدجني بها ذات يوم)
............................................
سارت الأمور دائما كما لم أتوقع، أشعر أن اللحظات ستنقضي دون أن أراها في صراع مع قسوة الزمن سأحاول إتمام كل شيء والسفر بسرعة إليها، يداي ترتعشان وأنا أمسك القلم لا أستطيع التحدث مع أحد، أمي تموت وأنا هنا أتمتع بالحياة كأقسى ابن عاق لقد قبلت كل تضحياتها بصمت دون أن أفكر يوما بما تعاني من وحدة، تلك الخطوط الباهتة التي طالما رسمتها بين صفحات كتبي كانت وجه أمي كنت أتلمس بها ملامح ذلك الوجه الذي يتراءى لي كلما لاح الماضي بين أحلام المستقبل، هل أنا بهذه القسوة إذ اعتبرها ماضيا بينما تعيش بألم وتتنفس بصعوبة هي هناك وأنا هناك أيضا في قلبها، لم تسمح لي الأحداث بالتحدث في أي موضوع آخر، قبل ثلاثة أيام وحين كنت أفكر في موضوع بيتر وأسماء وأنا لا أعرف كيف سأزيل القلق عن قلبي والألم من عيني أمل إذ بأسماء تطرق باب حجرتي تحمل آخر خبر أتوقعه رسالة من والدتي وبعد كل هذه السنين أنا الذي لم أفكر يوما حتى في مهاتفتها، رضختُ لأوامر أبي بلا أي معارضة سأكون ابنا له فقط لأنه من سيرسم أفضل حياة ومستقبل لي, ادعاءات وأماني أراها اليوم ثقيلة قاسية...أكرر قراءتها
ابني الحبيب عمر يا أغلى ما منحتني الحياة أدعو لك كل ثانية أنت في قلبي أحبك وأشتاق لرؤيتك سامحني إذ أطلب منك ذلك ولكن الموت يسرع نحوي أنا مريضة بالمرض الخبيث وأظن أن أيامي معدودة أرجوك حقق لي أمنية واحدة كنت أنتظرها أن أضمك وأقبلك قد لا يمهلني القدر أن أرى أحلامي فيك تتحقق فأنا أتألم ولا أفكر بغيرك الآن، أرجوك امنحني ولو لحظة واحدة من لحظاتك، ابني أنا صابرة منذ زمن وأعلم أن كل مؤمن مبتلى ولكني أشتاق إليك كثيرا. أمك
ما أقساني ترجوني كل هذا الرجاء، ربما أنا في نظرها وحش بلا قلب، محقة هي إذ كيف تمر كل هذه السنوات دون أن أراها أو أكلمها ولو مرة واحدة، هكذا نحن الزمن لا يمهلنا بينما نحن نتمهل في كل قراراتنا حتى نكتشف أنه قد مضى الكثير مما لا يمكن العودة إليه، ننتظر شيئا ما يحركنا ونحن ننظر إلى الخلف كأطفال صغار يرهبهم التفكير بالخروج من المكمن.
................................................
غدا سأرحل لن أترك أمي وحيدة ستأتي هنا، وافق أبي على ذلك كما وافق على سفري، أنه يتصرف بشهامة في المواقف الصعبة أحبه كثيرا وأتمنى له الخير، ربما شهر واحد سيكون طول غيابي، أخطط بعد عودتي لأمور كثيرة ستساعدني أمي على تحقيقها، قلمي وكراسي الضخم أنتما فقط من سأودعكما، سأخبئ الكثير لكما عند عودتي، أنا هناك لأمي وفقط، لن يشغلني شيء عنها.
يتبع إن شاء الله
.................................................. ................................

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 05-03-2011, 12:07 AM
ياله من زمان ياله من زمان غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: حيث بغلتي العرجاء .. و سيف الخشب ..
المشاركات: 7,718
معدل تقييم المستوى: 21
ياله من زمان is just really niceياله من زمان is just really niceياله من زمان is just really niceياله من زمان is just really niceياله من زمان is just really nice
Smile رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..
أختي الهاشمية ..
جزاك الله خيرا على هذه القصة الرائعة ..
لقد أعجبني هذا المقطع بصراحة .. لا أقصد أن غيره لم تعجبني و إنما هذا أعجبني أكثر ..


أمي تموت وأنا هنا أتمتع بالحياة كأقسى ابن عاق لقد قبلت كل تضحياتها بصمت دون أن أفكر يوما بما تعاني من وحدة، تلك الخطوط الباهتة التي طالما رسمتها بين صفحات كتبي كانت وجه أمي كنت أتلمس بها ملامح ذلك الوجه الذي يتراءى لي كلما لاح الماضي بين أحلام المستقبل، هل أنا بهذه القسوة إذ اعتبرها ماضيا بينما تعيش بألم وتتنفس بصعوبة هي هناك وأنا هناك أيضا في قلبها، لم تسمح لي الأحداث بالتحدث في أي موضوع آخر، قبل ثلاثة أيام وحين كنت أفكر في موضوع بيتر وأسماء وأنا لا أعرف كيف سأزيل القلق عن قلبي والألم من عيني أمل إذ بأسماء تطرق باب حجرتي تحمل آخر خبر أتوقعه رسالة من والدتي وبعد كل هذه السنين أنا الذي لم أفكر يوما حتى في مهاتفتها، رضختُ لأوامر أبي بلا أي معارضة سأكون ابنا له فقط لأنه من سيرسم أفضل حياة ومستقبل لي, ادعاءات وأماني أراها اليوم ثقيلة قاسية...أكرر قراءتها
ابني الحبيب عمر يا أغلى ما منحتني الحياة أدعو لك كل ثانية أنت في قلبي أحبك وأشتاق لرؤيتك سامحني إذ أطلب منك ذلك ولكن الموت يسرع نحوي أنا مريضة بالمرض الخبيث وأظن أن أيامي معدودة أرجوك حقق لي أمنية واحدة كنت أنتظرها أن أضمك وأقبلك قد لا يمهلني القدر أن أرى أحلامي فيك تتحقق فأنا أتألم ولا أفكر بغيرك الآن، أرجوك امنحني ولو لحظة واحدة من لحظاتك، ابني أنا صابرة منذ زمن وأعلم أن كل مؤمن مبتلى ولكني أشتاق إليك كثيرا. أمك
ما أقساني ترجوني كل هذا الرجاء، ربما أنا في نظرها وحش بلا قلب، محقة هي إذ كيف تمر كل هذه السنوات دون أن أراها أو أكلمها ولو مرة واحدة، هكذا نحن الزمن لا يمهلنا بينما نحن نتمهل في كل قراراتنا حتى نكتشف أنه قد مضى الكثير مما لا يمكن العودة إليه، ننتظر شيئا ما يحركنا ونحن ننظر إلى الخلف كأطفال صغار يرهبهم التفكير بالخروج من المكمن.


متابع لقصتك الجميلة و المعبرة أختاه ..
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..

__________________
إن لم يكن ما تريد فأرِدْ ما يكون؛ بطنك بحر لا يملأه إلا التراب‎، فإن كان يُغنيك ما يكفيك فإن أدنى ما في الدنيا يكفيك، ‎وإن كان لا يُغنيك ما يكفيك فليس في الدنيا شيء يكفيك‎
رد مع اقتباس
  #11  
قديم 05-03-2011, 12:30 AM
امل امل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 5,103
معدل تقييم المستوى: 15
امل will become famous soon enoughامل will become famous soon enough
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

اختي الهاشمية جزاك الله خيرا لهذا النقل
قصة اسلام الاخ جاك قراتها في منتدى اخر
وان سمحت لي بنقل القصة اكون لك شاكرة
تحياتي

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 05-03-2011, 10:00 AM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

ارجوكي أختي أمل أنقلي لي قصة إسلام جاك وفي أي منتدى وجدتيها فهي والله العظيم وكنت لا أريد أن أبوح بذلك من صميم تأليفي وروايتي على فكرة مطبوعة منذ فترة وقد كتبت الرواية منذ ما يقارب السبع سنوات ولكنها طبعت قريبا من مؤسسة القلم العربي للنشر والتوزيع وهي بصراحة (رواية دموع رجال) ويبدو أنه تم نقلها من الرواية ......... على العموم سأتابع سرد الرواية

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 05-03-2011, 10:07 AM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

أخي ياله من زمان أشكرك كثيرا وأتمنى من كل من يقرأها أن يبدي رأيه فيها فذلك مهم بالنسبة لي...

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 05-03-2011, 10:18 AM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

مرت أربع سنوات
كل شيء يبدو وقد كساه الزمن والوحدة حتى ذرات الغبار المنتشرة في كل مكان تـنظر إلي بحنين، القلم كما وضعته في نفس المكان لقد تألم دفتري كثيرا كان في خاصرته لمدة أربع سنوات متوالية لقد تيبس الحبر في جوفه هززته كثيرا حتى يفوق من وحدته،
أنا هنا ليصحو الجميع أنا هنا وحيد كما كنت ليس لي إلا أن تعزفوا معي الآن ومعا ما مضى بي من ألم وقسوة وسنين مضت كانت طويلة طويلة لا لشيء إلا لأني كنت هناك بعيدا، هنا لم أشعر بالزمن ولا بقيمة الحياة. وهناك انتهى الزمن فجأة فشعرت بالماضي وقد أصبح بعيداً بعيدا أصبحت لندن خالية من كل حبيب بيتر، أسماء، أمل، الكل انطلقوا وأنا أعود وحيدا هاجرت الطيور وأنا أتيه بين الزمن.
استقبلني والدي بكل ما يحمله من مشاعر، ربما ذلك ما يمليه عليه الواجب، كان كما هو أو أنه ازداد سعادة ومرحا، إنه لا يشعر بأي وحدة، فعالمه يزداد صخبا بازدياد الأصدقاء الذين تتطلبهم ظروف العمل، قال لي ونحن في طريقنا إلى المنزل: أنا سعيد لأنك جئت في الوقت المناسب، قريبا سأشتري فيلا صغيرة ورائعة سيكون لك الدور العلوي كاملا وسأزوجك من امرأة بريطانية فاتنة لا تقلق على المستقبل أتمنى أن تتابع دراستك لا تكن حزينا على ما فاتك ستبدأ من جديد وبقوة أليس كذلك؟ لم أرد لأني لا أملك ردا، كل شيء جميل يدفعني للبقاء رحل هل حقا عدت لأبقى وأبدأ حياة جديدة، حين وصلنا رأيت عينيه بوضوح كانت تحمل حزنا حقيقيا هل كان يحبها هل كان ينتظرها إنه رجل والرجل عليه أن يبقى بلا عواطف وبلا دموع.
تركت هذا المكان وهو مليء بالحيوية واليوم تصبغ الوحدة والكآبة جدرانه وألوانه، أسمع صوت صالح يتردد في أذني, لماذا يموت, لماذا أتمنى أن أنسى كل شيء ، أشعر بوجه أحمد المطمئن يقترب و يقترب لكنه يتلاشى حين أفتح عيني، لماذا الماضي الآن، حينما غادرت لندن كنت في العشرين من عمري، كانت أمي تشغل كل تفكيري، لم أودع أحدا ظننت أنها أيام وربما شهور، أتذكر تلك الأحلام التي كانت تبتسم في وجهي وأنا أرى الأرض بصخبها وكل نشوتها تتضاءل ليتني علمت أنها أحلام فوق السحاب كما الطائرة التي أقلتني، أمي ستأتي معي هنا سأصنع لها السعادة التي أبت عليها، سأعالجها هنا ولن أتركها لحظة واحدة، سنعود أسرة واحدة وسيصفو الجو ستخطب لي أمل وسترقص يوم زفافي ابنتي الصغيرة ستكون فاطمة، سأحقق لأمل الحبيبة كل أحلامها وستغدو أفضل عالمة سأنسيها كل ما قاست وحينها ستعلم أن للرجل قلب يتألم ويحن ويبكي وإن استعصى الدمع على عينيه.
حين وصلت إلى ذلك المكان الذي كان يوما وطنا لي كنت أريد أن أسابق الزمن أتمنى أن أصل بقفزة واحدة فكرت بأني غريب, ولكن لا مكان للغربة, هناك تصبح أخا للجميع بمجرد إلقاء السلام، كان كل شيء فوضويا أناس يذهبون ويروحون أصوات تتعالى وقد خلت من كل تحفظ أتربة, أوساخ, أطفال في الطرقات, سيارات متوقفة وأخرى تصم الآذان, باعة متجولون يفترشون كل مكان، أوداج منتفخة على كل الوجوه، القات هناك هو أكسير الحياة، في كل مكان يشبع الناس رغباتهم وكأي حيوان عاشق، ربما في لندن بطريقة أكثر ذوقا وحضارة، تمنيت في لحظة من اللحظات أن أرتدي تلك الثياب التقليدية وأصيح مع صياحهم وانطلق نحو أمي.
وصلت القرية بعد جهد، لا أتذكر الكثير ولكن أظنها كانت في صغري أكثر فسحة وأكثر اخضرارا ربما ازدادت المنازل بازدياد الأنفاس المتلاحقة، هناك الأطفال توجهت نحوهم رأيت نفسي طفلا بينهم أركض معهم ثم أركض نحو الشط أبلل ملابسي لأغمس جسدي في تلك الرمال الدافئة فأستغرق في الأحلام ويغلبني النوم لأستيقظ في أحضان أمي، في يوم خطفوا كل أحلامي وأنا اليوم رجل ذو جسد كبير لن يسمح له بالغوص في أماني الطفولة وأحلامها تركتهم آسفا وأنا أبحث عن منزل العم سالم. طرقت الباب وطرقات قلبي أشد وقعا في أذني، كان على الباب رجل عجوز ابتسم في وجهي سألته أليس هذا هو بيت العم سالم ؟ وهنا تسكن السيدة فاطمة؟
من أنت يابني، ترددت ثم أجبت أنا ابنها عمر، نظر إلي بدهشة ممزوجة بابتسامة صادقة وهو يصيح هل حقا ما تقول ثم سحبني من يدي وضمني إذا أنت عمر لقد غدوت شابا جميلا أيها الناكر ألا تذكرني أنا العم موسى كيف تذكرني لقد كنت صغيرا ولكنك ذكي تفضل، تفضل أدخل يا بني ثم صاح مناديا خرجت امرأة ما الذي جرى؟ هذا عمر يا أم أحمد توجهت نحوي بسرعة وسلمت علي وهي تظهر حفاوة حقيقية بي, وينك يا ناكر الجميل ولا حتى زيارة واحدة, أمك المسكينة تعذبت كثير، كنت أنظر هنا وهناك وأنا أسأل نفسي إذاً أين هي, صاحت الأم تعالي يا عليا هذا عمر جاء، جاءت فتاة ربما في الخامسة عشر أو أقل كانت تخفض نظرها وتجر ثوبها قال العجوز هذه أصغر بناتنا لم يأتها النصيب بعد ابتسمت باستحياء ثم انصرفت مسرعة، مر وقت وهم يتحدثون اجلس يا بني مالك قلقان أمك بخير، أين هي؟ حلف الوالد ما نخبرك إلا بعد ما تتغدى عندنا وأنا إنشاء الله أوصي من يوصلك شعرت بعدها بقليل من الاطمئنان، تأملت هذه الحفاوة العربية إنها تبدو مكلفة ولكنها ربما تشبع الرغبة الذاتية عندها تذكرت الصرامة البريطانية، من أيهما أنا، ليس هذا وطني غدا سترحل أمي معي وستنتهي كل صلة لي بهذا المكان، شعرت بالرضا فتذكرت القارب الذي لم أره بعد كان جزءا مني، وأحس بثقله قابعا هنا في صدري.
تناولنا الغداء جميعا علياء تبدو محرجة للغاية، يجبرونها على الحديث ويثنون عليها كثيرا، قال الأب: بنتي غير جاهلة تعلمت تقرا وتكتب، كذا يا علياء، تهز رأسها
باستحياء، ثم يسألني عندك ورقة تقراها، كل شيء في الحقيبة أفتش في جيوبي لعلي أجد شيئا أرضي به هذا العجوز، في الجيب الداخلي أجد ورقة لم أتمكن من قراءتها إذ أعطيتها له حالما مد يده مستعجلا، ناولها وإذ بي أرى الحمرة تعلو وجهها، والدها يستحثها: هيا أقري، قالت باستحياء إنه عنوان المنزل ثم نهضت بسرعة، ردد الوالد وهو يناولني هل تأكدت، أخذت الورقة وأنا أتساءل ما الذي تحويه قرأت ما كتب كان بخط عربي واضح [أنا في انتظارك]، أخذت أفكر من كتب هذه الورقة الصغيرة، أسماء لا أظن ولم تفعل ذلك تستطيع أن تقول لي ذلك بوضوح، هل تكون هي.. شعرت بسعادة، لم فعلتْ ذلك، ربما ولكن أنا أعرفها جيدا، تعتقد أن مثل هذه الحركات صبيانية لا يجدر القيام بها، أحيانا يقوم الإنسان بأفعال تجبره اللحظة على القيام بها ولكن ما إن ينتهي كل شيء حتى يمقت ذاته التي دفعته لذلك، لم أحاول التحدث معها مطلقا بعد ذلك المساء، وا أسفاه لو ودعتها ربما أفضت لي بشيء، ولكن أنا عائد وسأعرف كل شيء، أخذني السائق الذي أوكل له العم موسى المهمة إلى الحديدة حيث علمت أن والدتي قد انتقلت هناك حيث انتقل خالي إلى بيته الجديد الذي اشتراه بكل ثروته وبما أنها قد تركت منذ فترة وحيدة بعد مغادرة أسماء وكانت تحتاج للرعاية بعد مرضها الذي مر عليه عام فقد أصر خالي على أن تؤجر بيتها في القرية لتأتي معه، وهكذا عاشت أمي بلا ذكريات وبلا أبناء، وصلت إلى ذلك المنزل الذي بدا لي بسيطا للغاية يتكون من دورين وهناك قال لي ذلك الشخص أن والدتي تسكن، لم يكن شقة بمعنى الكلمة كان عبارة عن باب حشر في زاوية ضيقة وكأنه أعد ليكون مخزنا طرقت الباب، وبسرعة فتح الباب كانت هناك امرأة أفريقية ضخمة علمت فيما بعد أنها خادمة تأتي لساعة واحدة فقط تعد كل شيء وتنظف البيت ثم تذهب، حدثتها وفهمتني هنا تسكن السيدة فاطمة؟ هزت رأسها بنعم وفي عينيها تساؤل أنا ابنها عمر؟ لا أدري لم لوت شفتيها ثم ابتعدت قليلا لتسمح لي بالدخول، البيت خالي من كل حياة، ألقيت سجادة صغيرة في ذلك الممر الذي يؤدي إلى حجرة حيث أشارت الخادمة، كانت هناك خزانة قديمة أتذكرها جيدا وإن بدت أكثر بؤسا وعلى سرير ضيق تجلس تلك الغالية لم تلتفت نحوي كانت تقرأ القرآن وكأن روحها تحلق حيث يصل ذلك الصوت، اندفعت نحوها انهرت بجوار سريرها جلست على ركبتي وأخذت يديها أقبلها والكلمات لا تخرج من فمي كلما أردت قول شيءٍ شهقت بدموعي، لم تبادر بفعل شيء كانت ذاهلة، حين وعت ما يحدث أخذت رأسي وقبلته عشرات المرات وهي تضمني وتشمني، كنت أسمعها تردد معقول هل هذا عمر الحمد لله، لم يتوقف لسانها عن الحمد هل حقا جئت لتودعني نظرت إلى عيني مباشرة وهي تمسح دموعي هل حقا أنا أم لهذا الشاب الجميل ربي كم أنا أسعد النساء لقد زال عني كل مرض أشعر أن الموت يبتعد عني سأقوم الآن من فراشي وأصنع لك كل ما تحبه تعال يا حبيبي اجلس بجواري أخذتني ووضعت رأسي على صدرها وكأنها تعيد الذكريات لم يستطع أحدنا أن يتكلم بعد ذلك كنا نبكي بصوت مسموع كلما أفقنا وأردنا التحدث انتابتنا نوبة بكاء أخرى فتضمني وتمسح رأسي وهي تقبله كنت أفكر ودموعي لا تنقطع كيف تركتها كل هذه السنوات ما أقسى قلبي. أعدنا في تلك الليلة كل الذكريات، حين تلوح لنا كانت أمي تضحك بين دموعها وهي تذكرني بها، ما أرق تلك القلوب وما أقسى قلبي تستقبلني بكل هذا الحب ألست جديرا أن ألام وأوبخ, إني أستحق الضرب والإهانة ولكن هاهي تغفر لي قبل أن أسالها المغفرة, ترضى عني قبل أن أرجوها الرضا، صممت تلك اللحظة، لن أتركها بعد اليوم مصيري بين يديها هي معي وأنا معها، فوجئت أن أمي تعرف عني كل شيء كل تفاصيل حياتي، وعلمت أن أسماء كانت تراسلها وتهاتفها باستمرار فشعرت بحقارتي أمامها، في الأيام التي تلت كان كل هدفي أن أقنع أمي بالمجيء معي ولكنها أظهرت ممانعة شديدة، وفي يوم ألححت عليها كثيرا قالت لي والدموع في عينيها تطلب مني ذلك بعد أن انتهى كل شيء لقد خرجت الحياة من قلبي رفضت تلك الحياة وأنا في ريعان شبابي ضحيت بكل شيء لأبقى على هذه الأرض كنت أخاف تلك البلاد وأنا اليوم أمقتها إنها تملك ذلك السحر الذي حرمني من الجميع نساءها الجميلات قادرات على خطف الرجال ولكنهن بلا قلوب وبلا وجوه، لن أسلم لها روحي وجسدي أنا هنا وسأموت هنا وسأبعث من هنا ثم تلونت عيناها الحنونتان بالغضب وهي تقول لقد رأيتك هيا ارحل لا أحتاج أحدا فلن يخفف سكرات الموت وقوفك بجواري لا أحتاج سوى أن أموت هنا حيث الدنيا ضئيلة والآخرة جليلة،
ماذا سأقول بعد ذلك هل أقول لها إني لا أستطيع فراقها وكيف أستطيع قول ذلك وها أنا اليوم لا أرجع إلا لأشهد دفنها، هل أقول أني احتاجها كم ذلك مضحك وأين كانت طوال تلك السنين ولكني قلت: ستذهبين معي لأن العلاج متوفر هناك، لا أريد أن أرى آلامك, هناك سيزول عنك كل شيء، ولأول مرة أرى ابتسامتها الساخرة
- حقا إذاً إنهم لا يموتون هناك, هنا فقط يكتب الموت، لا تكن ابنا عاقا وتتمنى لي أن أكون فأر تجارب في أيديهم أريد الموت بسلام لا أريد أن أرى جسدي يقطع أشلاء أمامي لست جاهلة أنا أعلم كل شيء عن علاجك الذي ترجوه لي، صمت أمام كلماتها القاسية ليتها تصفعني، ثم تابعت
- لدي طبيب يخفف عني بعض الألم دون أن يمس شعرة مني إنه العم موسى وله ابنة رائعة ولطيفة، يقولون إنه طبيب الفقراء وأنا أرى أنه طبيب العقلاء، إنه يصنع لي مجموعة من الخلطات العشبية التي تخفف عني مقابل ذلك المنزل الذي يسكنه، لقد كنت أريد أن يسكنه بدون أجر منذ البداية فهو رجل طيب ولكن أصر خالك على أخذ الأجر وها أنا أقايضه بصحتي راضية، أتمنى أن تحبه وتساعده.

بعد مرور شهر من تلك الأحداث اتصل بي والدي طالبا مني العودة وبسرعة لقد انتهت إجازتي وكان علي أن أرجع، أصعب قرار واجهني، هل أتركها وأعود إنها تصر على البقاء أم أنتظر أن... آه يا إلهي هل حقا انتظر يوم الفراق، لم أكن لأفكر بذلك أبدا كنت أريدها أن تبقى معي للأبد أحبها بكل إخلاص ولكن أبي يقول ستنتظر لسنوات إنها لن تموت إنها أقوى من أن تموت بهذه السرعة، هيا عد بسرعة، هل يظن ذلك الأب أني أفكر بتلك الطريقة لا لم أكن كذلك، إن عينيها الدافئتين وثباتها المؤمن كان يدفعني للسكون أمام تلك المثالية، لقد قال لي خالي أن مجيئي قد غير حالها كثيرا إنها شفيت تماما كما كان يقول حين أتيت كانت تموت وهاهي اليوم تعمل باستمرار لإسعادي تعمل لي كل المأكولات التي كنت أحبها في صغري حين تطل بوجهها المعروق على الحجرة تكلمني: اصبر قليلا سيأتي الطعام بعد قليل أشعر بغصة ما أسعدها بي كنت إذا سبب الداء وها أنا ذا أملك الدواء ولكن أبخل به على تلك الروح الطيبة إنها لا تقول إلا القليل عن ألمها بفراقي كل تلك السنوات ولكن علمت مقدار ألمها بما رأيته من سعادة فغالبا ما تقاس الأشياء بضدها فمقدار الألم بفقدان شخص يظهر لنا مقدار المحبة لذلك الشخص هكذا تقاس الأشياء بضدها في هذا العالم الغريب، لم تسألني متى ستعود كانت تخشى الإجابة أكثر من خشيتها للفراق ذاته، لقد صبرتْ كثيرا من أجل المستقبل الموعود وربما في تلك اللحظات لم ترى المستقبل لأنه لم يعد بإمكانها أن تراه، أحيانا تقول لنا تلك النفس التي توقفنا على قدمينا كفى لا أتحمل المزيد ليس هناك مجال للتضحية وهذا ما رأيته على وجه أمي، حين علمت باقتراب الرحيل رأيت ذلك الجسد يذبل ويتراقص الموت أمام عينينا إنها ستموت كنت أعلم ذلك لن تبقى بعدي طويلا، فكرت ولكن إذا بقيت هنا ألن تموت, لا أدري ولكن كنت أعلم أن القدر فوق كل أوهامنا.
.......................................
جاءتني ذات يوم كان التصميم يملأ عينيها لقد اتخذت قرارا وهاهي تمضي إليه ساكنة الروح همست لقد حان وقت العودة هيا سأعد لك كل شيء، نظرت إلى عينيها التي حاولت أن تجعلهما متحجرة قاسية فابتسمت، قالت: أعلم أن هذا يكفي وستعود حالا هناك المستقبل والأمل لشاب مثلك أجبت: ولكن ذلك المستقبل الذي تتحدثين عنه لم يرق لي هل أستطيع البقاء، نهضت وهي لا تنظر إلي, هل تظنني ساخرا قلت لها وأنا أرفع صوتي لن أعود لقد اتخذت قراري، وقفت وهي لا تفهم ما أعني, لقد اتخذتُ قرارا نهائيا لن أتراجع عنه لن أرحل ولن أتركك أبداً, اتجهت نحوي جلست وهي تمسك يدي أتذكر في هذه اللحظات عينيها الذاهلتين, عندما يتوقف الألم مرة واحدة يكون قاسيا فنتساءل كيف حدث هذا ربما نصاب بالذهول وربما نصاب بألم أقسى فكيف لنا أن نعيش بعد اليوم بدون ألم ولكن عيني أمي كانتا تعبران عن شيء لم أفهمه ولكنني أكدت لها قراري هل يترك الإنسان سعادته ويرحل مدعيا أن هناك ما هو أفضل,
ـ أنا أعلم أني سأجد طعم الحياة هنا وبجوارك،
همست بصوت مخنوق هناك الأمل وهناك المستقبل لشاب مثلك
ـ لا لا المستقبل هو حيث نكون فحيث نوجد نحن قادرون عل صنع مستقبل مشرف, تركتني ومضت لم تتكلم أي كلمة إنها تتألم لم تتحدث معي طوال اليوم لا أدري فيم كانت تفكر حتى جاء اليوم الذي انتهى فيه ذلك الصمت الخانق قلت لها أخبرت والدي بكل شيء لم يكن بوسعه إلا أن يرضخ, إذا لقد أصبحتُ شابا وهذه هي قيمة الشباب، في تلك اللحظة ضمتني إليها وبكت رأيت صوتها يختنق ودموعها تروي رأسي الذي لم يعد يفكر سوى بسعادة إنسانة ضحت كثيرا وآن لها أن تجد من يضحي لأجلها.
...............................................
فكرت جديا بعد ذلك أنا رجل ويجب أن أكون ذا مسؤولية، خطر في بالي رصيدي في البنك حيث كان يدخر لي أبي، وكما تسول لنا أنفسنا دائما اعتقدت بأبي السوء إنه حتما سينتقم وكان من حقه أن يفعل فها أنا ذا أتخلى عنه حين أصبح بحاجة لي وهذا ثمن الرجولة الفاني، كنت سيء الظن ولكني وجدته وقد تضاعف فأصبحت واثقا من أني لم أفهم بعد هذا الرجل.
هناك أحداث لا أستطيع ربطها أو فهم مغزاها، ذات يوم سلمتني أمي ما أسمته الأمانة، إنه كتاب أتذكره جيدا أعاد لي ذكريات جعلتها كل تلك السنوات الماضية تزداد في مخيلتي قدسية وبريقا، كتاب الإيمان كما هو ببقعه الداكنة تذكرت شيئا قلبت صفحاته أين هي الصورة اختفت، أخبرتني أمي أن شخصا أحضره وقال
ـ إن امرأة عجوز أوصت به لابنك الذي غادر إلى بريطانيا
وحين استفسرت منه عن الموضوع قال إنه لا يعرف شيئا وأن العجوز قد توفيت، وهكذا أيضا أنا لا أفهم شيئا، على كل حال قبلته وأنا أطمح أن أقرأ ما استعصى على فهمي ذات يوم.
زرت الشاطئ الذي كان آخر من ودعني، بجواره انفصلت حياتي وعلى أرضه الدافئة سكبت آخر دموعي يومها اختلطت دموع الفرح باللقاء تلك الدموع التي كانت مستعصية بدموع الوداع التي ما زالت تفيض على قلبي بالرحمة، يومها رأيت أسماء ذات الضفيرتين تلوح لي, إنها دائما تعرف كل شيء، ثم اختفى كل شيء عن عيني البريئتين واليوم أعود بعد أن لفظتني طفولة احتملت كل آلامي، أين أبحث عنه رأيته هناك كما ظل مقلوبا على رأسه لقد أصبح وديعا مستسلما رأيته وقد تسلقته الطحالب لم يعد قاربا إنه شيء آخر اتجهت نحوه أبحث عن ذلك الاسم الذي ظل يطاردني لسنوات أين هو لم أجده، هل عاد أبو الحسن ليخطف اسمه ثم اندس بين هؤلاء البشر كانت الأمواج قوية صفعت القارب بقوة فهمت، لقد حملته أمواج البحر.
لن أنسى الحديث عن إيمان الصغيرة، إنها تشعرني بأن هناك حياة لابد أن نعمل من أجلها، في أول لقاء بيننا كنت خارجا من المنزل، رأيتها تقفز درجات السلم برشاقة توجهت نحوي وأمسكت بيدي خرجنا سويا وهي تقول: إذا أنت ابن عمتي عمر، أجبت نعم وأنت، ألا تعرف أنا إيمان عمري ثمان سنين ألم تحدثك أمل عني أظنها لا تذكرني فهي لم تطلبني على الهاتف أبدا ولا تسأل عني، ألا تبدو مغرورة؟
أجبت: نوعا ما، هتفت آه إذا هي مغرورة، ابتسمت، شعرها الدائري المنساب على وجنتيها الذي يهتز باهتزاز رأسها يمينا ويسارا ونظرتها الجانبية وهي تراقب حركاتي وطريقة إجابتي توحي أن هناك تحقيقا مثيرا، ثم تفكر إم..إم..
و يقفز السؤال وبسرعة هل تعجبك؟ ابتسمت بمرح، ووجهت إليها نفس السؤال وهل تعجبك أنت؟ أجابت: نوعا ما، لم أتمالك نفسي فضحكت ثم نظرتُ خلفي، هيا بسرعة ارجعي إلى المنزل لقد ابتعدنا كثيرا، ضحكت وهي تقول أنا أذهب أبعد من ذلك ولكن حين رأيتك قلتُ ربما يتوه سأحاول مساعدته، أخرجت نقودا من جيبها وهي تقول أنا ذاهبة إلى تلك المحلات البعيدة لشراء بعض الحاجيات لأمي ثم همست تخاف علي إذاً يمكنك أن توصلني، فكرت ما هذه الشيطانة الصغيرة يا ترى هل كانت أمل تشبهها قالت فجأة ألا أبدو أجمل من أختي أمل، ابتسمت وأنا أفكر في إجابة ستغيظها: لا هي أجمل منك صاحت بمكر آه إذا فإنها تعجبك، سأخبر أمي وحين تتصل أمل سأخبرها وداعا أيها الذكي ركضت بسرعة واختفت عن بصري شعرت بالارتباك ولكني ما لبثت أن ضحكت طوال الطريق لقد أثارتني هذه الصبية المشاكسة.

رد مع اقتباس
  #15  
قديم 05-03-2011, 07:00 PM
الهاشمية الهاشمية غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Mar 2011
المشاركات: 59
معدل تقييم المستوى: 9
الهاشمية is on a distinguished road
افتراضي رد: قصة مجاهد من البداية إلى النهاية

قال لي خالي أني سأجد عملا وبسرعة بحكم جنسيتي البريطانية كان ذلك تلميحا غير مباشرا بأن العمل هنا ضروري وعلى الرغم من ندرته فالكل هنا يعمل وبأبسط الأشياء وافق ذلك التلميح رغبة في نفسي فوجدت عملا مناسبا، حيث عملت مترجما في إحدى الشركات وهكذا قضيت بعض الوقت بصورة مفيدة.
اعتدت دائما على زيارة العم موسى أحضر الدواء لأمي ولكن ذلك اللقاء الأسبوعي بدأ يزعجني شعرت أن هناك أمورا ترتب من ورائي وهذا ما أزعجني تلك المسكينة علياء كانت تنظر لي بود وحياء ولم أدري ماذا سأفعل أظهرت الكثير من الصرامة وعادة ما كنت أرفض الدخول للمنزل ولكنها أسلمت أذنيها للعجوزين الذين ولا بد كانا يخبرانها بأني سعيد بهذه الزيارة التي فرضت علي.
.................................................. ........
بعد مرور عام مضى على وتيرة واحدة كنت أفكر ألا يمكنني فقط القيام بنزهة إلى لندن, حين أنظر إلى تلك العينين المعلقتين بي أشعر بصعوبة هذا القرار إنها تتألم ولكنها لم تشتكي أبدا، تحاول إسعادي بأي طريقة وإن كان على حساب كتم آلامها وهذا أقسى من الألم نفسه وها أنا ذا أمنح نفسي فرصة التفكير في موضوع مؤلم كهذا، إذاً لا مجال للتفكير ستمضي الأيام كما هي، منذ قدومي لم أعد طامحا لشيء ولكنها رغبة الحياة تسري في جسدي، كنت أتمنى في تلك اللحظات أن أقرأ كلماتي التي كتبتها حين كنت أفكر في قلب لندن فكرت وقتها ولكنها هناك تسكن بعيدا مع من أحب هي أيضا تخليت عنها لأنها من الماضي شعرت ببرودة الحياة الخالية، أمي المسكينة لم تستطع مجاراة آلمها فكلما أرادت الضحك بلا تحفظ واسترجاع الأحلام والذكريات تذكرها نوبة الآلام بأن الفراش في انتظار جسدها الهزيل وذلك الأجدر أن تفعله فتتركني وحيدا، ذات يوم كان يشعر جسدي الصغير بآلام الوحدة يومها كانت لي روح لذلك قررت الكتابة وفي ذلك اليوم حين شاخت الروح لم أجرؤ على مسك القلم ربما أكتب في هذه اللحظات لأني قرأت وعودي التي أدليت بها ذات مساء لأدوات كتابتي بأني سأفضي لهم بكل شيء، وبيتر العزيز الذي قال ذات يوم استمر لتخلد ذكرياتنا الممتعة ولكنه لم يعد معي ومع ذلك سأفي بوعدي وقد راق لي أن أتم ما بدأته ربما يقرأها ذات يوم ابن لي منحته الحكمة الإلهية نفسا كنفسي فيقرأ تاريخا كان من الممكن أن يرسمه هو لا أنا.
ذات مساء رأيت كيف أن هذه المرأة التي بالكاد تحاول القراءة لديها فلسفة حياة بسيطة ومثالية تشعرك بأن كل ما قرأته إنما هي أوهام متشدقين يعيشون في دهاليز قاتمة قالت لي وقد شعرت ببؤسي ليس المهم أن نجد السعادة فنحن لم نخلق ليضيع وقتنا في البحث عن سعادة لن نعتقد يوما أننا وجدناها ولكن المهم أن نعيش بطمأنينة ورضا حيث ما وضعت أجسادنا وأن نعمل كل ما يمكننا القيام به، تلك المرأة البسيطة تذكرني بأني لابد لي أن أعيش اللحظة بطمأنينة ورضا فقد لا تدركني لحظات أخرى أو قد يكون المستقبل ذا قسوة تذكرني بحلاوة الماضي الذي لم أستطعمه.
..........................................
تأخذ حياتنا منحى لم نتوقعه وهذا ما ندركه بعد حين فالدقائق المتتالية تسرق منا حرية التفكير بواقعية وهناك أشخاص قد نقول إن المكان والزمان هما من فرضاهم علينا ولكن حتما نحن مخطئون لأن هناك نفسا تواقة تدفعنا نحو تلك الأمور التي لم تخطر على بالنا، تداخلت في حياتي الماضية أحداث وشخصيات لن تزول أبدا لأنها ما زالت هنا، حفرت في عقلي الذي لن أستطيع التخلص منه إلا إذا أصبحت مجنونا، إنهم يقولون ذلك هو الماضي تخلص منه وأنى لنا ذلك حتما هو الهذيان بعينه الماضي لن يزول أبدا وإن توارى فستأتي اللحظات التي تحمله بقسوة، تلك النفس التائهة القاتمة التي آلمت جسدي فأصبح كل شيء بلون واحد ومذاق واحد وجدت مستقرا بعد حين لقد ظنت أنها وجدت المكان الذي سيجعلها ساكنة هادئة، فدون استشارة لي قادتني قدماي صوب ذلك الصوت الندي الذي كان يصلني حيث أعيش فتدمع عيناي خلسة صوت الآذان ذكرني بأيام هادئة قضيتها في مسجد لندن في آخر رمضان قضيته هناك، إني لأعجب الآن كيف كان يذكرني ذلك الصوت الإيماني بالحب والحياة والأمل, كنت أرى وجوه أولئك الذين تركتهم هناك تتراقص أمام عيني الدامعتين وأنا أقول لن أستطيع العودة، كانت أمي تحاول إفهامي بأن روحي القلقة ستجد مستقرا هناك فقط في المسجد, كنت كارها لكل شيء ولكني لم أتفوه بشيء سوى أني أركع ركعات خالية من كل حياة أمامها فيرضيها ذلك قليلا فابنها الذي تخشى عليه من العقوبة الأخروية هاهو يؤدي ما سيشفع له، هناك أفكار وكلمات لا نستطيع سوى أن نرددها في ذاتنا لا نستطيع كتابتها فربما هناك من يقرأ، ولا نستطيع التفوه بها لأن هناك من سيسمع، لقد كنت في غاية الشوق لرؤية أمل والتحدث مع بيتر وسماع أسماء واستنشاق هواء لندن الملوث وهذا ما أستطيع قوله. ذات يوم وأنا خارج من المنزل سمعت ذلك الصوت الندي الذي يتردد أخذتني قدماي نحوه كان يبعد مسافة لا بأس بها ولكنه كان يصل قويا وصافيا الشمس على وشك الغروب كما أيامي الماضية دخلت مع مجموعة من المصلين توجهت إلى الصف الأمامي حيث مازال المسجد شبه خالي جلست وأنا أتأمل ذلك الشاب الذي يفيض صوته بالهدوء والسكينة تذكرت بيتر ليته اليوم معي فيسمع ما أسمعه فاضت عيناي حاولت منعهما قمت وتناولت مصحفا وقرأت وأنا لا اعرف ماذا أقرأ كنت أفكر وأفكر حتى بدأت صورة الآيات تتضح أمامي فأقيمت الصلاة وأم ذلك الشاب وانهار قلبي البائس تحت رحمات صوته لا أدري ماذا حدث ولكني بقيت هناك لا أرى شيئا ولا أسمع أحدا خلا المكان سوى من شخصين لم أكن لأراهم حتى جلس بجواري أحدهم بينما بقي الآخر يقف بعيدا دون أن أنظر إليه سألني تبدو غريبا على المنطقة , ربما, وأنا أرفع رأسي رأيت عينيه القويتين اللتين تمتلآن بثقة واعتزاز ولكني شعرت ببعض النفور، كان ذلك هو محمود شاب مصري في الثلاثين من عمره يعيش هنا منذ سنوات بعد أن لفظته بلاده بكل أفكاره وآماله وآلامه ليعيش على هذه الأرض التي لا تسأل أحدا فكل إنسان هنا من حقه أن يعيش كيفما يشاء, تذكرت لندن التي تجمع أطياف البشر فما وجه الشبه، هناك يسمح للجميع بالعيش لأن الإنسان له قيمة والأرض التي تحتضنه تشعر بقيمتها لأنها تحتضن الجميع وهنا يعيش الجميع لأن الجميع بلا قيمة فالأرض بلا قيمة فليتكدس الجميع ،الغابة الكبيرة تحتمل العديد من الحيوانات، محمود شاب ولكنه لا يبدو كذلك إنه لا يشبه شباب لندن ذوو الهيئة المنمقة ضخم الجثة عريض المنكبين أجش الصوت واسع الفم لحيته الكثة وعيناه الحادتان الواسعتان وثوبه القصير كلها أمور لم تجعلني أحبه منذ البداية ولكن حين عرفته وجدت شخصا صاحب قضية يتفانى في سبيلها يستخدم ذكائه وكل قدراته في سبيل تحقيق أمل ما زال يرضخ له, هو من أولئك الأشخاص الذين لا يثنيهم الفشل عن إعادة المحاولة للمرة المائة، إنه من المؤمنين الذين لن تجد سبيلا مهما فعلت بإقناعهم أن هناك نقطة سوداء في تفكيرهم يجب إعادة النظر بها كان نوعا غريبا لم أعتد عليه لن تستطيع استخدام أسلوب النقاش معه لأنه لن يسمع سوى صوته النابع من تلك النفس، لم يكن ليجذبني أبدا ولكن كان هناك ما هو أقوى من نفوري من هذا الشخص إنهم أشخاص يظهرون كومضة نور في حياتنا نشعر عندها بالدفء بينما نحن نشتعل دون أن نعلم, كان هناك من بدا لي أنه سيكون عوضا لي عما فقدته من حياة سابقة أحمد ذلك الشاب النوراني بكل ما فيه ابتسامته الصافية الهادئة وهيئته القوية المتواضعة إنه يبدو للوهلة الأولى وكأنه شخص هزيل بائس ولكن حالما تحدثه وتجلس معه تتأكد أن ذلك قد طرأ عليه حديثا فماضيه لم يكن كذلك أبدا إنه يرضخ تحت مأساة عصفت به وما زالت تفعل ولكنها منحته روحا أخرى كما يقول تجعله يرى كل شيء يبدو على الحقيقة التي هي وليس كما نراها نحن، كان يتألم ألما لم يفضي به لأحد ولكنه الألم الراقي الذي يبعدك عن القنوط ويجعلك تتقدم لست هاربا ولكن لتتصالح مع ذلك الألم وتمضي به حيث تشاء أنت وليس حيث يشاء هو، لم أكن لأنجذب نحو محمود في تلك اللحظة ولكن ذلك الوجه الباسم جعلني أخطو نحو ذلك الطريق.
لا أعرف من أين سأبدأ وماذا سأكتب ولكن كنا خمسة أشخاص بكر قائد هذه المجموعة أكبرنا سنا ولكن حجمه الصغير يجعله يبدو أصغر من سنه فهو يميل إلى القصر, نحيل الجسم, عيناه ضيقتان ذو لحية خفيفة بدا وكأنها لم تظهر إلا عنوة ذات شعرات متناثرة, داكن البشرة ويبدو أن حرقة الشمس قد زادتها سمرة, حكيم وذو لسان فصيح حين يتحدث يتكلم بقوة وصدق دون أن يفقد هدوئه أو أعصابه، وهناك محمود الذي يبدو أنه العقل المدبر، إنه من الأشخاص الذين يملكون الكثير ولكنهم لا يستطيعون الظهور منفردين فلابد من الاختباء خلف آخرين وعادة هؤلاء من الأشخاص الذين لا يميلون إلى السكون إذ أنهم يتجاوزون الفشل بوجوه أخرى وحياة أخرى تساعد على إعادة المحاولة, وها أنا ذا أكرر الحديث عنه، إنه يسيطر على ذاكرتي, عبد الله أصغرنا سنا فتى مشاكس وجريء يضفي على الجو مهما كان كئيبا روحه المرحة كان طالبا في الثانوية ولكنه كان دائم التذمر من حياة الدراسة الرتيبة كما يقول إنه يطمح لفعل شيء يختصر الطريق ولو كان هذا الطريق هو نهاية الحياة، صالح جميل في كل شيء في مظهره في شكله في صوته في حديثه وكأنه خلق ليمثل الجمال المتكامل يبدو أنه عاش حياة رومانسية طويلة ولكنها طاهرة، الكل كان يعرف قصته فهو لا يخفي شيئا كانت له حبيبة ابنة الجيران تربيا سويا لم يفرق بينهما شيء يقول: هي من صنعت مني هذا الإنسان لقد كانت تمثل الطهر والعفة والخلق الرفيع لقد كانت ناضجة العقل منذ نعومة أظفارها لطالما نصحته ووجهته رغم صغر سنها هي من جعلت منه إنسانا راقيا ومثاليا ومحبا، أتذكره وهو يقول بصوته الهادئ الحنون
ـ تركونا ولم يفكروا يوما أن يقولوا احذر فهي لن تكون يوما لك، إنهم يعتقدوننا كصغار نمثل الحيوانات بكل سذاجتها وغبائها وهذا هو الطفل في أعينهم سيأتي اليوم الذي تلجم فيه وتسحب حيث يشاءون، كلنا في نظرهم قطيع كتلك التي تأكل وتشرب لتعيش، ولكني أثبت للجميع أن بين جنبي قلبا لم يسألوه يوما ولم يفهموه وأن هناك حيوانا هو أنا بقلب وعقل لن يتحمل سياطهم ولا صراخهم.
استسلم صالح كثيرا ولكنه هرب ويوم زفافه من ابنة العم المختارة جاء من السعودية فارا من القبيلة ومن الحلم وهاهو يعيش هنا إنها وطن الجميع، عبد الله كان الوحيد الذي يتجرأ فيسخر منه كان يناديه (يا مرة) كلما أراد إغاظته يقول أول مرة أسمع عن هروب رجل وهل يهرب الرجال آه لو كنت مكانك لرأيت كيف يتصرف الرجال، ربما كان عبد الله على حق ولكن صالح من الشخصيات التي تفضل الهروب لا المواجهة وذلك ليس ناجما عن ضعف ولكن عن رقة قلب وإحساس مرهف لا يستطيع معه إغضاب شخص عزيز كوالديه فلقد كان شديد الاحترام لرغباتهم إنه رجل خلوق وحالم. ربما صالح هو الشخص الذي أنساني الماضي ودفعني لأتبنى حلما لم أفكر به، كان هو روحنا جميعا صوته العذب مازلت أسمعه إنه لم يملك يوما تلك العبارات المنمقة والمقنعة والتي لم تكن يوما لتجذبني ولكنه يملك سحرا خاصا فحين تنصت لقراءته وهو يتلو القرآن تشعر بضآلة هذه الحياة وتسأل نفسك كيف أعيش في هذه الحياة المقيتة، إنه يدفعك للتضحية بكل شيء في سبيل الوصول إلى الموعود الذي يتردد على أسماعنا في كل لقاء يضم أحلامنا، نعم ذلك الموعود هو الجنة وكيف السبيل إليها بينما نحن هنا نرضخ تحت وطأة هذا الفساد والوهن والضعف، يستطيع الفرد أن يضحي من أجل أمة هذا ما أيقنته تلك اللحظات.
في أول اجتماع سري حضرته، رأيت هناك الجميع كان أول من استقبلني أحمد كيف لي أن أصفه أنا حقا لا أعرف شيئا عنه أعرف صمته وحبه وابتسامته وهدوئه أعرف غموضه الذي زاد تقديره في قلبي, بعضهم يقول إنه قدم من السعودية ولكن عبد الله يؤكد بأنه إماراتي، حين تجرأت فسألته عن الماضي ابتسم بهدوء ونظر إلى السماء ثم خفض بصره وهو يلهج بالاستغفار، إلهي ما أعظم الإنسان حين يتحمل ألمه لوحده إنه يبدو قديسا وعظيما، في أحد الأيام رأيت في محفظته صورة شخص يحمل صبيا يبدو في السابعة وهو يرفعه عاليا ضاحكا في وجهه بكل حب لم أكن متأكدا من هوية هذا الشخص الذي يظهر بالصورة فهو يشبه أحمد ولكنه يختلف عن هيئته التي أراها أمامي كثيرا, يبدو ناصع الوجه تكسوه حمرة الفرحة ممتلئ الجسم، قوي البنية سألته بصوت خفيض من هذا الطفل وهل هذا الشخص الذي يحمله هو أنت؟ هز رأسه بنعم ،ثم تناولها من يدي بلطف ودسها في جيبه شعرت بالحرج فلم أطرح مزيدا من الأسئلة، همس عادل وهو مقطب الحاجبين من الأفضل أن تمزقها لأنه لا يجدر بك أن تحمل شيئا محرما، لم يجب أحمد وكأنه لم يسمع شيئا بينما رفعت حاجبي مندهشا كانت تلك أول مرة أعرف بأن هناك من يصف الصور بالمحرمات.
قدمني محمود وهو يقول أخوكم في الله عمر عضو جديد ثم ربت على كتفي بثقة وهو يقول إني أثق به تمام الثقة، وكان ذلك إيذانا بترحيب الجميع بي قال محمود لي فيما بعد أرجو أن تعذرني فأنا لم أصرح بهويتك لأن ذلك ربما يقلق الجميع وأتمنى أن لا تصرح أنت بذلك أيضا ولو مؤقتا فأنت هنا يمني وفقط كنت مغتربا وها أنت تعود للوطن، لقد تحدث الجميع بثقة ودون أي تحفظ بحضوري وأنا الشخص الغريب بينهم, حين تساءلت بعد فترة عن هذه الثقة التي منحتها وبسرعة قال لي عبد الله ذلك ما يحدث عادة فمحمود شخص ذكي ونحن نثق به تمام الثقة إذا سألته عن السبب سيقول لقد عرفت كل شيء بخبرتي إن له مقدرة باهرة في معرفة نوعيات الأفراد وحالاتهم إنه عبقري كما يقول عبد الله. خرجت من ذلك الاجتماع مشوش الذهن فكرت يجب علي أن أعود إلى لندن ولكن يداي كانتا موثقتان بهذه الأرض، حين اجتمعنا بعد غروب شمس ذلك اليوم رأيت وجوها لم أعرفها وتحدث بكر قال بصوته العميق ( من أرض مكة والمدينة بدأ الجهاد ومنها انطلقت الفتوحات ومنها سننطلق نحن وسنجمع الأعوان لتحرير الأمة من الكفرة وأعوانهم لن يعيقنا عائق نحن مع الله وبالله سنعيد الخلافة بكل جلالها وقوتها ولنور الإسلام بريقه وهيبته وكل من يقف في طريقنا هو خائن وعميل، إذا سألتم كيف ومتى سنحقق ذلك فأنا أقول لا تسألوا فلو فعلتم فستنهار عزائمكم كما الذين من قبلكم نحن سنعمل وكان الله في عون ضعفنا، وإن هؤلاء الحكام الذين خانوا وبدلوا وهم يتذرعون بمواثيق ضالة وأحلام خانقة ووعود كاذبة فسيعلمون غدا أي جند سيلقون، فلسطين تبكي والعراق تئن تحت الحصار ونحن في يدنا كأس خمر تسكر قلوبنا وعقولنا وأفهامنا عما يجري ثم نقول إن النصر آت لا محالة كيف يأتي ونحن فداء الأمة نائمون، غاية الواحد منا متعة تسكر فؤاده وتخنق دمعه وتميت قلبه فلا يسأل بعدها كيف كنا وكيف أصبحنا......)، قيلت الكلمات واحتدم النقاش وسمعت ما لم أتصور يوما أني سأسمعه أنا الشاب الذي لم يفكر يوما في السياسة ولم أسمع لفظ أمة وما الإسلام عندي إلا صلاة أؤديها إذا رغبت نفسي في ذلك، قالوا نحن مسلمون وعلينا نصرة الأمة الإسلامية تمنيت في تلك اللحظة بيتر لقد كان أكثر مني دراية بهذه الأمور لطالما نهرته عن التحدث في السياسة حينما كان يحاول ذلك كنت أقول لا تلوث مسامعي بهذه الخزعبلات دعهم في أوهامهم ودعنا في آمالنا، إن لفظ سياسة ليست في قاموسهم ولكن أنا لست غبيا هذه هي السياسة التي كنت أمقتها بكل بشاعتها وقسوتها لا للضمير ولا للألم اعمل ما شئت فالمصلحة مقدمة على أي مشاعر تنتابك وتقزمك, تلك الكتب التي لم تثرني لتناولها من مكتبتي الصغيرة حيث وضعها والدي، كنت يومها أتوق لأحاديث الثقافة وأحاديث الروح التي تسمو بي في الفن والأدب والشعر والكتابة. هل هذا يسمى انقلاباً أم أنهم يهذون لقد سمعت الكلمة تتردد الانقلاب والحاكم الخائن وكثيرا الجهاد والجهاد، أظن أني فكرت للحظات بسيطة بأنهم يتألمون لأنهم لا يملكون المتعة الكافية ولا الحياة الرغيدة رغم ثروات دولهم الضخمة إنهم يطمحون أن يعيشوا كما نحن في أوروبا لذلك عليهم التحرر من أولئك الخونة الذين ينهبون الثروات.
كان ذلك ما مضى ولكن الأيام والأحداث أفهمتني ما لم يدركه فهمي المتواضع هم لا يسعون إلا إلى تدمير تلك الحضارة وذلك الإنسان, لا لبغضهم لهما ولكن حين نعيش بشرف وبكرامة وكما نريد يومها سنفكر بحضارة نصنعها نحن كما نشاء لا كما يشاءون، ذلك الإنسان الخانع ليس في نظرهم إنسانا ولكنها دمية وما علينا إن نحن مزقنا الدمى وألقيناها في خضم النفايات، هكذا أفهمني محمود وهكذا عاشت أفكاري لتترعرع.
منحني محمود مجموعة من الكتب أدركت مدى جهلي أنا الذي أعشق القراءة وأتشدق بثقافتي, أي ثقافة هذه التي تجعلك تنظر في اتجاهك الذي تهوى، إن العلم يتسع وكذلك نحن لابد نكون، أنا الذي أكره السياسة ككرهي لسماع الآخرين وهم يتلونون بأحاديثهم ولكنها ليست كذلك نعم هي تختلف فهناك الأنانية وهنا التضحية إذن هو الجهاد فحسب, الصورة المشوشة اتضحت ، وهكذا نحن قد نضع أنفسنا حيث يشاء الآخرون، نعم رغم أصالة ذلك التاريخ لكنه يختبئ في الكتب التي لم يفكر أبي الطامح لقلب كل المفاهيم دسها في مكتبتي أليس من حقي أن أطلع على تلك الحضارة التي ينتمي إليها دمي الذي يضخ لي الحياة لقد كان محمود ذكيا إذ فهم ما ينقص هذه الأبله المتغرب الذي كنته، قرأتها وأنا ألهث، أنا الذي تجاوزت العشرين من عمري أبدو كطفل يبهره مسك القلم لأول مرة قرأت وقرأت لأصل لنهايات شاء القدر أن تكون هكذا، أعلام الأمة، التاريخ الزاهر، الفتوحات، العلم، الأندلس وإشراقة الماضي ثم توالت علي الكتب التي جعلت مني وا أسفاه صاحب قضية، ظلم المستعمر، الاستبداد، القهر،صورة الحضارة الخائنة التي كنت أفخر بها كأبي أصبحت أراها بصورة قاتمة ثم.. ثم ماذا علي أنا الذي أشبعت بثقافة أعلم اليوم أني رأيت وجها واحدا لكلتيهما وأنا كطفل ساذج يتجرع جرعته الأولى دون أن يعرف أنها يوما ستنتهي.
الحديث اليومي عن الجهاد ألهب نفسي فأتساءل وما علي فعله كان يصلنا حديث الأبطال وجهادهم في كل المواقع فأنتشي وتصلني كل الاضطهادات التي ينالها بنو ديانتي في كل مكان فألتهب، أسأل محمود وماذا سأفعل إجابة سأمت منها اصبر سيأتي دورك يوما، ثم جاء ذلك اليوم الذي لن أنساه.
العزة لن تكون بدون قوة والقوة لن تأتي بدون سلاح والسلاح له عمل واحد فقط يعرفه الجميع وذلك ما لم أفكر به.
تعرفت على عادل فيما بعد هو أيضا سعودي قدم إلى اليمن برغبة والده حيث أن نسبته في الثانوية لم تكن تسمح له بالالتحاق بجامعة سعودية ففضل والده أن يسافر إلى اليمن ليلتحق في القسم الذي شاءه رب الأسرة وكان ذلك الطموح الأبوي فوق قدراته كما يقول ففضل الالتحاق بقسم آخر دون علم والده ولكنه أخيرا ترك كل شيء، أصبح يسعى لهدف واحد فقط هو الشهادة، يقولون إنه تحول كلية عما كان عليه، حدثني عنه عبد الله ذات يوم همس في أذني, يقولون أنه كان شخصا فاسدا لقد وجده محمود في إحدى جولاته في خمارات عدن بائسا ومنهارا ولكني أشهد أنه اليوم أصلحنا وأتقانا إنه يشدد على نفسه كثيرا، نعم لقد كان عادل تقيا لدرجة عجيبة كان يتعفف حتى عن الحلال كنت أرى عينيه وقد أثر بهما البكاء، كثيرا ما حاول عبد الله حمله على الابتسام ولكن دون جدوى فهو يميل إلى الحزن والأسى، ربما هو كعبد الله كان يريد اختصار الطريق ولكن بينما يرى عبد الله أن هذه الحياة تشكل عبئا جسديا فإذا كانت النهاية هي الموت فليست دراسته جديرة بالاهتمام وإن كان هناك مهمة عليه القيام بها فليقم بها الآن قبل أن يضيع كثيرا من الوقت فيما لا يجدي، بينما يرى عادل بذل الروح هو السبيل الوحيد لعتق تلك الروح من كل خطاياها والسفر بسرعة لعالم الخلود حيث السعادة لا تنتهي.
في كثير من الأحيان كانت المحادثات واللقاءات تدور حول موضوع واحد هو تحرير فلسطين, في أول لقاء لي معهم طرح فيه هذا الموضوع ابتسمت وأنا أفكر كيف يتجرؤون على تناول قضية كهذه, بعد ذلك الاجتماع كنت في صحبة أحمد خرجنا سويا وإذ بنا نرى محمود يتبعنا كنا صامتين فتحدث محمود قائلا: إن العجز الحقيقي هو أن تظن أنك عاجز ليس في مقدور أحد أن يقول بأن باستطاعته عمل كل شيء دفعة واحدة وبضربة قاسمة، إن ذلك هراء كل شيء صغير مادام في حركة وبه حياة فإنه سينمو حتما ولكن حين تنطمر روح الحياة في موت العقيدة الصادقة فإن شيئا ما لن يتحرك. نعم هذا ما أدركته بعد ذلك جيدا قد نستسلم للضعف ولكننا لسنا ضعفاء وقد نموت ونحن أحياء، أصبح محمود لا يفارقني بعد ذلك لقد فهم نفسي العصية على تصديق أي شيء ولكنه كان رائعا حين جعلني أصدق كل شيء، نعم قد أكون أخطأت بابتسامتي تلك الهازئة ولكن ألست جاهلا وحين يعلم الإنسان الكثير فلا يحق له أن يبتسم ، أليست كل الأعمال البطولية التي خاضها هذا العالم البائس كانت مجرد إرادة من شخص طموح ثم كبرت لتصبح تحريرا أو انقلابا أو حرية أو ما تشاء مما جرى في هذه السنين العجاف، إذاً أنا مخطئ وهل يحق لي أن أقول كما قال محمود إن العقيدة الإسلامية بدأ بها شخص واحد وهي اليوم تنهض بكل بقعة من الأرض من خزعبلاتها وأوهامها إلى العقلانية وسمو الروح ولكن من منا هو كرسول الله ذلك الذي وُهب الكمال الإنساني بأبجل صوره، توهمنا اللحظات بأننا نسير على هديه وأن هذا ما يريده منا, نحن نظن ولكن الحقيقة شيء مختلف، وهل سفك رسول الله دم بريء وهل أسال دمعة يتيم أو ثكلى وهل سعى في نزع غرس، كلا ولكن نحن فعلنا كل ذلك فوا أسفا ونحن ندعي وليس كل مدعٍ صادق، قال لي محمود بعد ساعة الصفر التي حانت ذات يوم لا وسيلة لنا إلا ما فعلنا، نحن في ضعف وعوز ولا يمكننا فعل أكثر مما فعلنا، وأنا أقول وأي هراء هذا ألم يكن رسول الله الذي يتشدقون باتباعه ذات يوم في ضعف وعوز وقلة من الأنصار وظلم من الأعداء ولكنه ظل شامخا بعقيدته وبمبادئه دون أن تتبدل المفاهيم أو تتغير الطموحات فلا دمٌ بريء سفك ولا طفل يتم ولا امرأة ثكلى بعويلها صمت آذاننا.
كلما أردت الكتابة عن شيء ما أتهرب منه، إنها تلك الليالي التي قضيتها بصحبة صالح وأحمد قد لا أستطيع تذكرها جيدا لأن صورتها في ذاكرتي تهتز حيث أراها من خلال تلك الدموع التي كنت أذرفها في لحظات سمو، كنا نختلس اللحظات لننسحب نحن الثلاثة, نذهب سويا حيث يعيش صالح في بيته الصغير لا شيء هناك سوى فراشان ألقيا على أرض خالية تماما سألته أليس بؤسا هذا, أجابني ذات يوم وما قيمة الحياة، لقد أخافتني تلك الكلمات وكنت محقا فأنا لم أكن أعلم إلى أين يسير ذلك الشاب، كان اقتراح أحمد جيدا إذ رَغبنا نحن الثلاثة بأن نسعى لحفظ أكبر قدر من سور القرآن حتى نختمه في أقرب وقت, وهذا ما ساعدني لأن لا أكذب على والدتي فهي لم تعد تشعر بالقلق من حين أخبرتها بأني تعرفت على مجموعة شباب صالح يذكرون الله ويسعون لحفظ كتابه وأنني انضممت إليهم وذلك ما سيجعلني أتغيب عن البيت كثيرا فنحن شباب الدعوة، أليس هذا مضحكا, وهذا الاقتراح الأخير جعلني لا أشعر بوخز الضمير وأنا أرى عيني أمي. اشتريت فراشا ثالثا وبعض الحاجيات الضرورية حيث يسكن صالح فمكوثي هناك أصبح أكثر من جلوسي في أي مكان. كان صالح يتلو علينا القرآن يوميا فهو يجيده تماما علمت أنها هي تلك الفتاة التي ترعرع معها وأحبها كأخت وصديقة وتمناها زوجة في المستقبل من دفعته لأن يكون قارئا وحافظا تساءلت ما هذا السمو إنه يبدو شيئا غريبا أن تتكون علاقات كهذه، صوت صالح يدهشني فهو بكل حق يجعل الحياة كلها تبدو في تلك اللحظة حقيرة لا تستحق حتى عناء التفكير بها، آه من تلك الأيام كنت استلقي أحاول أن أخبئ دموعي فأجد الآخرين يفعلون مثلي, كنت استلقي لأدير وجهي ناحية ذلك الجدار الأصم الذي لن يفشي سر مدامعي كان عالمي رسمت عليه كثيرا من الآمال والأحلام رأيت الشهداء وتدافع السيوف ورأيت نفسي طائرا يحلق في ملكوت الله تخيلت الجنة الموعودة فتسامى كل شيء وانتفض جسدي الخائر تحت سطوة النار المقيتة، سمعت صالح وهو يقرأ آيات بذل الروح يتوقف ليختنق صوته بالبكاء وهو يردد بصوت خفيض اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، أشعر أن قلبي يتفطر الآن بما تشعر الآن أيها الحبيب أنا أعلم أنك في ضيف أرحم الراحمين ولكني لا أعلم شيئا وذلك ما يكوي فؤادي، أنا هنا وأنت هناك ليت وجهك يطل علي مبتسما فيسعدني، إنها سطوة الغيب الذي لن نستطيع اختراقه.
السلاح هو القدرة التي لا نمتلك وهي القوة التي تصنع ما سنمتلك، ليست الأماني هي التي تصنع الحقيقة ولكنها الحقيقة هي التي تصنع الحقيقة فحقيقة أننا لا بد أن نمتلك سلاح النصر هي التي ستصنع حقيقة النصر، إذا قد بدأت ملامح المهمة تتضح، السلاح هناك متوفر، هو جزء من الحياة رغم أنه هو بذاته سالب الحياة ربما تجده كما تجد رغيف خبز، ما أغرب شعبي ذلك البطل الذي لا يسقط السلاح من يده إنه ينمو مع الأجيال دون أن يصدأ أو يلقى، كلاهما روحه وسلاحه ربطتا بخيط واحد لا ينقطع إلا وقت يأذن للرحيل.
إلى أين نتجه، نحن نتجه إلى فلسطين ذلك ما عبأ محمود به رؤوسنا الساذجة وكيف يحدث المستحيل يقول محمود خلسة: سيتم جمع أكبر كمية من السلاح ثم ستهرب إلى السعودية ومن هناك سيتم تهريبها حتى تصل إلى فلسطين، إن كلمة لا يمكن محيت من قاموسنا ستصل وستكون البداية للنصر المحتم، أسهب في الحديث كأصدق رجل في التاريخ، فلسطين تحتاجنا كلنا أبناؤها إنها جرح الأمة النازف وحين يلتئم هذا الجرح فإن كل خدش بعدها سهل ويسير, نحن أبناء أمة واحدة، النصر هو غايتنا وفي طريقنا إليه نحن نعشق الشهادة، إن كنا سنتجاوز ثلث الطريق فلعل أبناءنا أن يتجاوزوا ما بقي، لسنا طلاب سلطة فلا ضير إن أتى النصر على أيدينا أم أيدي أحفادنا فكفانا فخرا وعزة أنا من بدأنا وأنا من سئمنا من الوقوف فتحركنا، هيا هبوا ولتكونوا خير سلف لخير خلف. لم أفهم لم تغيرت العبارات، ألم تسمع أذناي يوما أن النصر لن يأتي إلا بتدمير رؤوس الخونة وأن الخلافة لابد أن تعود حتى نحقق النصر وأننا سنبدأ من بيوتنا ليتوحد البيت ثم تتوحد الأمة إن ذلك الكلام أخافني ولكنني أسمع اليوم كلاما آخر، ربما هكذا الكلمات تبدل حروفها بتغير الأهداف.
يتبع بإذن الله...

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:25 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.