منتديات الملاحم و الفتن  

العودة   منتديات الملاحم و الفتن > الأقسام الشرعية > سير أعلام النبلاء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 01-11-2017, 10:22 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,041
معدل تقييم المستوى: 3
جحفل will become famous soon enough
افتراضي سيرة الصحابيات من موقع النابلسي

السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات - أهل بيت النبي الكريم - الدرس ( 4 - 4 ) : هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد الشمس.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-09-07





بسم الله الرحمن الرحيم

السيرة-الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ملاحظة هامة :

أيها الأخوة الكرام، لا زِلْنا مع الصحابيَّات الجليلات، مع الدَّرْس الرابع والثلاثين مِن سِيَرِ الصَّحابيَّات الجليلات رِضْوان الله تعالى عنهن أجْمعين، ومع هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ بنِ ربيعَةَ بن عَبْد شَمْس، هِنْدِ بنْتِ عُتْبة زوجة أبي سُفْيان، ولها تاريخٌ عريقٌ في عَدَاوَة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
وقَبلَ أنْ أشْرَعَ في الحديث عن هذه الصَّحابيَّة, لا بدَّ مِن مُقَدِّمةٍ ضروريَّة: ذلك أنَّ العداوَةَ في الإسْلام ليْسَتْ مُتَأصِّلَةً، أحْيانًا تَكْرَهُ الرَّجُلَ؛ تَكْرهُ عَمَلَهُ، ولا تَكْرهُ ذاتهُ، وربُّنا جلَّ جلاله يكرهُ عمَلَ الرجل، ولا يَكْرهُ الرجل، بِدَلِيل أنَّهُ بِمُجَرَّد أنْ يلتفِتَ العبْد إلى الله عز وجل اِنْطَوَتْ صفْحةٌ، وفُتِحَتْ صفْحةٌ جديدة .
تَذْكُرون أنَّ عُمَيْر بن وَهْبٍ أتى المدينة لِيَقْتُل رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، لأنَّ ابْنَهُ وَقَعَ أسيرًا، فسقَى سَيْفهُ سُمًّا، وتوجَّهَ نَحْوَ المدينة لِيَقتل النبي عليه الصلاة والسلام، رآهُ عمر فقيَّدَهُ بِحَمَّالَةَ سَيْفِهِ، وساقَهُ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، هذا عُمَيْر بنُ وَهْبٍ جاءَ يُريدُ شرًّا, والقصَّة معروفةٌ عندكم, كيْفَ أنَّ النبي عليه الصَّلاةُ والسَّلام قال: أطْلِقْهُ يا عُمَرَ؟ ادْنُ مِنِّي يا عُمَيْر، ما الذي جاء بِكَ؟ قال: جِئْتُ أَفُكُّ ابني مِنَ الأسْر، فقال: وهذه السَّيْف التي على عاتِقِك؟ قال: قاتَلَها اللهُ مِن سُيُوفٍ, وهل نَفَعَتْنا يوْمَ بَدْرٍ؟‍ فقال النبي الكريم: ألَمْ تَقُلْ لِصَفْوان ابنِ أُمَيَّة: والله، لوْلا فِتْيَةٌ صِغار، ولَوْلا دُيونٌ لا أُطيقُ سَدادَها، لَذَهَبْتُ وقتَلْتُ محمَّدًا، وأرحْتُكم منه؟ فَوَقَفَ عُمَيْرٌ، وقال: والله إنَّكَ رسول الله، والذي دارَ بيْني وبين صَفْوان لا يَعْلمُهُ أحدٌ إلا الله، وأنتَ رسوله، وأشْهدُ أنَّك رسول الله .
الشاهدُ أنَّ سيِّدنا عمر قال: دخل عُمَيْر على رسول الله، والخنزير أحبُّ إليَّ منه، وخرجَ من عِنْدِهِ، وهو أحبُّ إليَّ مِن بعْضِ أولادي .
هذا هو الإسلام، الإسلام قد تنتقلُ من أشدّ أنواع العَداوة إلى أشدِّ أنواع المحبَّة، التَّفسير : إنّك لا تَكْرهُ فلانًا، ولكن تَكْرهُ عَمَلَهُ، وربّنا عزّ وجل لا يَغْضبُ على العَبْد، بل يغْضبُ مِن عملِهِ ، فإذا صلَّحَ, انتهى كلّ شيءٍ، وهذا أرْوَعُ ما في الإسلام .

إليكم المغزى من هذا الكلام :
قُلْتُ لكم: هذه المرأة التي كانت مِن أشدِّ النِّساء عَدَاوَةً لِرَسول الله، وهي التي قتلَتْ حمزةَ عمَّ النبي عليه الصلاة والسلام بِأَمْرها، وهي التي لاكَتْ كَبدَهُ بِأسْنانها، وليْسَ في تاريخ المسلمين امرأةٌ أشدُّ عَداوةً للنبي عليه الصلاة والسلام مِن هذه المرأة .
والآن سَأُسْمعُكم كيفَ صارَ حالُها؟ هذا يُعْطينا أمَلاً كبيرًا، يُعطيكَ أمَلاً أنَّك إذا أقْبلْتَ على الله تعالى, غَفَرَ الله لك كلَّ ذُنوبك، وهذا يعني أنَّهُ لوْ جئْتَ الله عزّ وجل بمِلء السموات والأرض خطايا, غَفَرَها لك ولا يُبالي، وهذا يعني أنَّك إذا رجَعْت إلى الله عز وجل, نادى مُنادٍ في السموات والأرض أنْ هَنِّئوا فلانًا، فقَدْ اصْطَلَحَ مع الله تعالى، وهذا يعْني أنّ الله عز وجل بِمُجَرَّد أنْ تَتُوبَ إليه, يُقْبِلُ عَلَيْك ويَقْبَلُكَ، وهذا المعنى الدَّقيق الذي أردْتُهُ من هذه القصَّة .

إليكم قصة إسلام هند بنت عتبة :

أسْلمَتْ هنْدُ بنْتُ عُتْبةَ عامَ الفتْح، بعْدَ عشرين عامًا مِن عَداوة مشتعلة، ومِن تآمُر، ومِنْ هِجاءٍ، ومِن حِقْدٍ، ومِن بُغْضٍ لا حدود له لِرَسول الله صلى الله عليه وسلّم، أسْلمَتْ بَعْد إسْلام زوْجِها أبي سفيان، وحينما دَخَلَ النبي عليه الصلاة والسلام مكَّةَ المكرَّمة, قال أبو سفيانَ:

((ما أعْقَلَهُ ! وما أحْكَمَهُ! وما أوْصلَهُ! وما أرْحَمَهُ!))
أسْلمَتْ بَعْد إسْلام زوْجِها أبي سفيان، وبايَعَتْ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم على الإسلام، كانتْ ذاتَ عَقْلٍ وافِر، ولكنَّها تأخَّرَتْ في إسلامها إلى إسلام زوْجِهَا،
((يا سَعْدُ لا تُبْغِضِ العَرَبَ فَتُبْغِضُني، قال: وكيفَ نُبْغِضُكَ، وبِكَ هدانا الله تعالى؟ فقال: تُبْغِضُ العربَ فَتُبْغِضُني))
أحيانًا تنتقِلُ العداوةُ مِن إنسانٍ إلى إنسانٍ، فَهِيَ كانت ذاتُ عَقْلٍ وافِر، فَلِمَ لمْ يَهْدِها عَقلُها إلى الإيمان بِرَسُول الله, ولِمَ لمْ يقُدْها ذكاؤُها إلى أنْ تُسارِعَ إلى الإسْلام؟ لماذا تلكَّأتْ؟ لعَلَّها مرتبطَة مع إنسانٍ عَدُوٍّ لِرَسول الله ‍.
الآن نستنبطُ اسْتِنْباطًا دقيقًا: إذا كنتُ في بيئةٍ، وفي مجتمَعٍ يُحارِبُ الدِّين، دون أن تشْعُر تنتَقِلُ إليك هذه العَدْوَة، أنتَ في بيئةٍ لا تُحِبُّ الدِّين، ولذلك مِثْلُ هذه البيئة لا ينبغي أن تبقى فيها، ولا ينبغي أن تُقيمَ معها علاقات، يجِبُ أن تكون في بيئةٍ تُحِبّ الله ورسولهُ، وهذا الذي يقوله الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[سورة التوبة رقم الآية: 119]
اِبْحث مع هؤلاء الذين أنت معهم، مَعَ مَنْ تَجْلِس؟ ومعَ مَنْ تسْهر؟ ومع مَنْ تُخالط؟ ومع مَن تتنزَّهُ؟ ومع مَن تتحدَّث؟ ومعَ مَنْ تُحاوِر؟ مَن هوَ صديقُك؟ ومَن هو محِبُّك؟ وما هي العلاقة الحميمة التي تُقيمها معه؟ هذا شيءٌ خطيرٌ جدًّا .
والآن ثَبَتَ في عِلْم النَّفْس: أنَّ سِتِّين بالمئة مِنَ الأَثَرَ, يتَلَقَّاهُ الشاب عن أصْدِقائِهِ، والباقي عن أُمِّه، وعن أبيهِ, وأخْوَتِهِ, لذا قَضِيَّة الصَّداقة خطيرة جدًّا .
فالبيئة تَغْذِيَةٌ هادئة، أنت معَ أهْل الإيمان في تغْذِيَةٍ، مَوْقِفُهم، وحركتهم، وحياؤُهم، وخَجَلُهم، وعِفَّتُهم، صِدْقُهُم، أمانتهم، ومحبَّتُهم لله تعالى، هذه كلُّها تغْذِيَة بطيئة، مِن دون أن تشْعُر ترى أنَّك مُحِبٌّ لله تعالى، ولو جَلَسْت مع أهل الفِسْق والفُجور، تجِدُ تغْذِيةً بطيئة هادئة، تقول: حياتُهم أكثر راحةً مِن حياتنا, حياتهم من دون قُيود، انْشِراح، راحة، قَضِيَّة غضّ البصر نرتاح منها, وكيْفَمَا كان يقبض المال من حرام أو من حلال، ليس عندهم مُشكلة، وكلَّما جلسْتَ معهم اسْتَمْرأْتَ عملهم، إلى أنْ تُصْبِحَ مثلهم، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾

[سورة الممتحنة الآية: 13]
قال تعالى:
﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾

[سورة المجادلة الآية: 22]

لذلك أنا أُريد من هذا الدَّرْس: أن تُفكِّرَ مَلِيًّا في هذه العلاقة الحميمة, تُقيمها معَ مَنْ؟ مَنْ هَوِيَ الكَفَرَةَ حُشِرَ معهم، ولا ينفعُهُ عملهُ شيئًا .
زارني صديقٌ مُقيمٌ في بلدٍ غَرْبي، شيءٌ غريب! كلّ حديثهُ عن هؤلاء؛ تاريخهم، حروبهم، فضائلهُم، وكأنَّهُ ليْسَ بِمُسْلِم, عاشَ معهم، وقَبلَ قِيَمَهُم، واسْتَمْرأ علاقتهم، أشاد بهم، وأثنى عليهم، مَنْ هَوِيَ الكَفَرَةَ حُشِرَ معهم، ولا ينفعُهُ عملهُ شيئًا .
هذا الدَّرس مِحْورُهُ العلاقة الحميمة، أو العلاقة الحميمة مَعَ مَنْ؟ هل لك ولاءٌ مع المؤمنين أم ولاؤُكَ مع غيرهم؟ وهل لك براءٌ مِن المشركين, والمنافقين, وأعداء الدِّين, أم أنَّكَ تُحِبُّهم؟ .
النبي عليه الصلاة والسلام تمنَّى على الله داعِيًا، فقال:

((اللَّهُمَّ لا تجْعل لي خَيْرًا على يدي كافر أو منافق))
لأنَّ هذا الخَيْر الذي أجْراه الله على يدي الكافر أو المنافق, يَدْفعُكَ إلى مَحبَّتِهِ، وإذا أحْببْتَهُ, انتهَيْتَ تعاهَدْ قَلْبَكَ، هذا القلب يَلِينُ لِمَنْ؟ .
هند بنتُ عُتبَة وافِرَةُ العَقل، ولكِنَّها كانتْ مِن أشدِّ النِّساء عداوةً لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم؛ لماذا؟ لأنَّها مع قَوْمِها، وتعيشُ مع بيْئةٍ تُعادي النبي عليه الصلاة والسلام، وتُناصِبُ النبي العِداء، فلِذلك انتَقَلَ إليها العِداء معَ وَفْرةِ عَقْلها .
يؤكِّدُ هذا: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما الْتقى بِخَالدٍ بن الوليد رضي الله عنه، وقد أعْلَنَ إسْلامهُ، قال له:
((عَجِبْتُ لك يا خالد! أرى لكَ فِكْرًا))
كأنَّ الفِكْر عليه أن يقودكَ إلى الله عز وجل .
هِيَ أمُّ مُعاوِية بن أبي سفيان، الخليفة الأمويّ الأوَّل، أخبارها قبل الإسلام مشهورة, شَهِدَتْ أُحُدًا مع المشركين, وهي التي تآمَرَتْ مع هذا الحبَشِي لِقَتْل سيّدنا حمزة، وهي التي بقرَتْ بطْنهُ، وأخرجَت كبِدَهُ، ولاكَتْهُ بِأَسْنانها، وفعَلَتْ ما فعلَت بِحَمْزة, وكانتْ تُؤلِّبُ على المسلمين، إلى أن جاء الله بالفتح، فأسْلَمَ زوْجُها، وأسْلمَتْ هِيَ .
قال عبدُ الله بن الزبَيْر:
((لمَّا كان يوْمُ الفَتْح, أسْلَمَتْ هنْدُ بنْتُ عُتْبة، ونِساءٌ معها، فأَتْينَ النبي صلى اله عليه وسلّم, وهو بالأبْطَح، فَبايَعْنَهُ, فتكلَّمَتْ هنْدُ, قالَتْ له: يا رسول الله, -فرَحُ المؤمن بِهِداية كافر لا يُصوَّر، إنسانٌ ينتقل فجأةً مِن صفّ أعداء الدِّين إلى المؤمنين .
كنتُ في الحجّ قبل سنوات، وسَمِعتُ أنّ أمريكيًا أسْلمَ، وألْقى محاضرةً في الحج، قال: نحن أمَّةٌ قوِيَّة، بل نحن أقْوى الأمم، ولكنّنا بشرٌ، فإذا أقْنعْتُمونا بإسْلامكم, كانت قوَّتُنا لكم, كلامٌ دقيق جدًّا، نحن مقصرون .
لذا هذه المرأة الذكِيَّة العاقلة والخطيرة، هي الآن تُعْلنُ إسلامها- قالتْ: يا رسول الله، الحمد لله الذي أظْهر الدِّين الذي اختارهُ لِنَفْسِهِ، لِتَنفعني رحمتكَ، يا محمد, إنَّني امرأة مؤمنة بالله تعالى، مُصدِّقةٌ برَسولِهِ، -وما عرفَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم مَن هِيَ؟- ثمّ قالتْ: أنا هند بنتُ عتبة, -المرأة المخيفة، صدِّقوا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام فرِحَ بها فرحًا شديدًا، لذا عند النبي أو المؤمن لا يوجد الحقد، هناك حِقْدُ مَبدأ، فَحِينما ينظمّ هذا العدوّ إلى الدِّين, انتهى ذاك الحقد- .
فقال عليه الصلاة والسلام: مرْحبًا بِكِ, -هي التي قتَلَتْ عمَّهُ حمزة, لا حقْد، وصفاء المؤمن لا حدود له، وهو نبيّ هذه الأمَّة- قالتْ: والله يا رسول الله، ما كان على الأرض أهل خِباءٍ أحبُّ إليَّ من أن يذِلُّوا مِن خِبائكَ, -أيْ أتمنَّى أن تذِلُّوا، وأن تُقْهروا- ولقد أصْبحتُ وما على الأرض أهْلُ خِباءٍ أحبّ إليّ أن يَعِزُّوا مِن خبائِكَ, -ما هذه النَّقمة؟ أيْ لا يوجد على وجْه الأرض جماعة, أتمنى إذْلالهم، وقهْرهم، وقتلهم، وتحطيمهم كَقَوْمِك، والآن ليس على وجه الأرض جماعة, أتمنى أن يعِزُّوا، وأن يرتفعوا مثل قوْمك، وهذه هي نقمة المؤمن، انتقل مئة وثمانون درجة- فقال عليه الصلاة والسلام: وزِيادة))
ما معنى وزِيادة؟ أيْ كما تقولين: وزيادة، وهذا حال الذي يعرف الله تعالى.
لذا إذا كان لك عدوّ لدود, دمَّركَ بالتِّجارة، أو دمَّرك بِطَريق آخر، وبعد حينٍ هذا العدو اللّدود, اصْطلحَ مع الله، وأحبَّهُ، إن لم تُحِبَّهُ, فلسْتَ مؤمنًا، وهذا هو الدِّين .
سيّدنا يوسف ماذا فعَلَ أخوتهُ به؟ وضَعُوهُ بالجُبّ لِيَموت، قال تعالى:
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾

[سورة يوسف الآية: 92]
قال تعالى:
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

[سورة يوسف الآية: 100]

لِمَ لمْ يذكر الجبّ؟ لمَّا جاؤوا مسلمين, انتهى الأمر، لك الإمكانية أن تنقلب عداوةً عميقة وحقْد إلى حبّ .
الشيء الذي لا يُصدَّق: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام مِن شِدّة حبِّهِ للخَلْق، أنا أتصوَّر أنَّ أعلى رجل في العالم, يستطيعُ بِحُبِّه الغامر, أن يُحوِّل أعداءهُ الألدَّاء إلى أحباب .
هناك صفوان بن أُميّة، عُمَيْر بن وهب، أبو سفيان, اذْهبوا فأنتم الطُّلقاء .
أمامة بن آثال, قتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، قال:

((أطْلقوا سراحَهُ، غابَ, وعاد، وقد اغْتسَلَ، أعْلَنَ الشهادة، وأسْلمَ، وقال: والله يا رسول الله، ما كان على وَجه الأرض دينٌ أبغضَ إليّ من دينك، والآن ما على وجه الأرض دينٌ أحبّ إليّ من دينك))
وهناك قصص كثيرة جدًّا .
لمَّا أسْلمَت هند, جعلت تضربُ صنمًا في بيتها بالقُدُّوم، كان أوَّلُ عملها كَسْرُ هذا الصَّنَم، حتى فلَّذَتْهُ فلِذَةً فلذة؛ قطعةً قطعة، وهي تقول: كنَّا منك في غَرَر .
لقد رحمها الله تعالى يوم الفتح الأكبر, كما رحم زوْجها أبا سفيان, الذي ظلَّ طويلاً عَدُوًّا للإسلام، غير أنّ الإسلام دين الرحمة والهداية, فلْننْظر إلى آثاره يوم الفتح .
كان جميع أهل مكة تحت قبضة النبي عليه الصلاة والسلام يوم الفتح، ولولا أنّ الله تعالى, أرسَلَهُ رحمةً للعالمين, لجدَّ رؤوس أهل مكَّة جميعًا، لأنَّهم ما ادَّخروا وُسْعًا في الصدّ عن سبيل الله، وإطفاء نور الإسلام، ولكنَّهم لم يستطيعوا، وهذا هو الإسلام بِنُورهِ الحق، ورسوله الرحيم .
كانتْ هنْدُ مِن النِّسْوة الأربع اللاتي أهْدرَ النبي عليه الصلاة والسلام دَمَهنّ، ولكنَّهُ صلى الله عليه وسلّم صفح عنها، وعفا عنها، وعما كان منها, حينما جاءتْهُ مسلمةً مؤمنة .

هنيئاً لك هذه البيعة يا هند :

الآن تقفُ هند أمام رسول الله، عندما بايَعَ النِّساء آمنةً مطمئنَّةً، وتسْتوْضِحُهُ في أمور البيعة، ولا تخشى إلا الله تعالى .
روى الطبري: لمَّا فرغ النبي عليه الصلاة والسلام مِن بَيْعة الرِّجال, بايَعَ النِّساء، واجْتمَعَ إليه نساءٌ من نساء قريش فيهنّ هند بنتُ عتبة، فلمَّا دَنَوْنَ منه لِيُبايِعْنهُ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((تُبايِعْنني على ألاّ تُشْركْن بالله شيئًا، قالتْ هنْدُ: والله إنَّك تأخذ علينا أمرًا لا تأخذه على الرّجال، وسَيُؤتيكَهُ، قال عليه الصلاة والسلام: ولا تسْرِقْن، قالت هنْدُ: والله إن كنتُ لأُصيبُ من مال أبي سفيان الهنَكَ والهنكَ، ولا أدري أكان ذلك حِلاًّ لي أم لا؟.
-تَجِدُ المؤمن بعد توبته إلى الله تعالى، يُراجِعُ نفسهُ، ويُحاوِل تسديد كلّ الدّيون السابقة .
لي قريب له محلّ حلويات، قال لي: دخل شابّ, فوضَعَ ظرفًا على الطاولة، ورجع ‍، فتَحْتُهُ، فإذا مكتوب فيه، من عشرين سنة, دخلتُ هذا المحل، وأكلتُ قطعة حلوى، ولم أدفع, حاسبَ نفسهُ لِمُدَّة عشرين سنة، وهذا هو حال المؤمن دائمًا, يُراجعُ نفسهُ- .
قالت هنْدُ: والله إن كنتُ لأُصيبُ من مال أبي سفيان الهنَكَ والهنكَ, -أيْ الدُّريْهمات- ولا أدري أكان ذلك حِلاًّ لي أم لا؟ فقال أبو سفيان -وكان شاهدًا معها-: أما ما أصبتِ فيما مضى, فأنت منه في حِلّ، عفوْنا عن الماضي، فقال عليه الصلاة والسلام: وإنَّك لَهِنْد بنتُ عتبة؟ فقالَتْ: أنا هند بنت عتبة، -أيْ زوجتهُ- فاعْفُ عما سلف, عفا الله عنك، -أيْ سامِحْها- فقال عليه الصلاة والسلام: ولا تزنين, فقالت: يا رسول الله, وهل تزْني الحُرَّة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ولا تقتلن أولادكنّ، فقالت هندُ: قد ربَّيناهم صِغارًا، وقتلْتَهم يومَ بدْرٍ كِبارًا، وهم أعْلم، فضَحِكَ عمر بن الخطَّاب مِن قولها, حتَّى اسْتغربَ! -أيْ بالغَ في الضَّحك- فقال عليه الصلاة والسلام: ولا تأتين بِبُهتانٍ تفْترينَهُ بين أيْديكنّ وأرجلكنّ، فقالت: والله إنَّ اتيان البُهْتانِ لَقَبيح، فقال صلى الله عليه وسلّم: ولا تعصين في معروف، فقالت: ما جلسنا هذا المجلس، ونحن نريد أن نعصيك في معروف، -وكلمة لا يَعْصينكَ في معروف دقيقة جدًّا، هل في الأرض كلّها إنسان تتوجَّب طاعتهُ كرسُول الله؟ يستحيل، ومع ذلك طاعتُهُ مُقيَّدَة بالمعروف .
فأحد الصحابة الذي أمَّره النبي عليه الصلاة والسلام على جماعةٍ، وكان هذا الصحابيّ ذا دُعابَةٍ، فقال:

((أبْرِموا نارًا عظيمة، فأبْرموها، ثمَّ قال: اقْتَحِموها, ألسْتُ أميركم؟ أليْسَتْ طاعتي طاعة رسول الله؟ فقال أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: كيف نقْتحمها، وقد آمنَّا بالله فِرَارًا منها؟ وقال بعضهم: طاعته طاعة رسول الله, فاختلفوا، فعَرَضُوا هذا على النبي عليه الصلاة والسلام: والله لو اقْتحمْتموها لا زِلْتُم فيها إلى يوم القيامة، إنّما طاعة في معروف))
فالعَقْل لا يُعطَّل لو قال: ولا يعصينك في معروف؛ مقيّد، حتى النبي وهو سيّد الخلق .
مثلاً: كان يحبّ اليقطين، فلو أنّ أحدًا ما أحبّ اليقطين, هل هو مُؤاخذ؟ ليس مُؤاخذًا، لأنّ القضيّة شَخصيَّة، والمعصِيَة في معروف، النبي أمر أوامر تعبّديَّة، وأخرى تَشريعِيَّة، فأنت حينما تعصيهِ في أمر تشريعي, فهذه كبيرة جدًّا، أما في المزاج, فأنت لك مِزاج، وهو له مِزاج، ولا يعصينك في معروف، لذلك فرَّق العلماء بين الأمر التشريعي، والأمر التنظيمي، ومعصِيَة الأمر التشريعي غير معصِيَة الأمر التنظيمي، ولا يعصينك في معروف, قال تعالى:
﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾

[سورة الممتحنة الآية: 12]

أما لو لبِسْتَ ثِيابًا غير ثياب رسول الله، وحلاقة شعرك غير حلاقة شعر رسول الله، وأكْلُكَ على الطاولة غير أكل النبي عليه الصلاة والسلام، هذه ليْسَت قضايا تشريعيَّة، نعمْ الأكمَل أن تُقلِّدَهُ في كلّ شيء، ولكن الأخطَر أن تعْصيهِ في قضايا تشريعيَّة- .
قالت: ما جلسنا هذا المجلس، ونحن نريد أن نعْصِيَك في معروف، فقال عليه الصلاة والسلام لِعُمَرَ: بايِعْهُنَّ، واسْتَغْفِر لهنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وكان صلى الله عليه وسلَّم لا يُصافِحُ النِّساء، ولا يمسّ امرأةً لا ذات محرمٍ))

خاتمة القول :

أيها الأخوة، ما ذكرتُ هذا القصَّة؛ قِصَّة هند بنتُ عتبة, إلا لأبيِّنَ لكم عظمة هذا الدِّين، مِنْ أشدِّ حالات الكراهِيَّة، والحِقْد، والعداوةِ, حتَّى الجريمة، لاكَتْ كبِدَ حمزة، إلى أشدِّ حالات الولاء ، والحبّ، والتَّقدير، والتَّعظيم، وهذا هو الإسلام، الإسلام يجبّ ما قبلهُ، ويهْدمُ ما كان قبلهُ, والمسلم فتَحَ مع الله صفْحةً جديدة، لو جئتني بملْء السموات والأرض خطايا, غفرتها لك ولا أُبالي، قال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

[سورة الزمر الآية: 53]

الآن التطبيق العملي: لو أنّ أحدًا معه ذنب، وهذا الذنب حِجابٌ بينه وبين الله، وخائفٌ أن لا يُغفَرَ له, فلْيذكر أنَّ الله غفر لامرأة, قتَلَت عمَّ النبي، ولاكَتْ كبدهُ بِأسنانها، ولم يعرف التاريخ الإسلامي امرأة أشدَّ حِقْدًا وعداوةً لرسول الله كمثل هذه المرأة, ومع ذلك أسْلمَت وحَسُنَ إسلامها، وقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: مرحبًا بك، وفرِحَ بها فرحًا شديدًا، فالإسلام لا يحوي الحِقْد والعداوة .
هناك روايات يجب أن تُرْكل بالقدم، فالذي يقول: أنّ هناك عداوَة بين خالد بن الوليد وعمر بن الخطاب في الجاهليّة, لو كانوا كذلك لما كانوا صحابة، وهذه كلّها روايات مفْتَراة، وهي أن أحقادًا كانت بينهما، ولمَّا تولَّى عمر الخلافة، أوَّلُ عملٍ عملهُ؛ عزل سيّدنا خالد, وهذا كذبٌ وبهتان، والصحيح أنّ خالدًا رضي الله عنه, جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وقال له:

((يا أمير المؤمنين لمَ عَزَلْتني؟ فقال: والله إنِّي لأُحبُّكَ يا أبا سليمان، فقال: لِمَ عَزَلتني؟ فقال: والله إنِّي لأُحِبُّك, وقال مرَّةً ثالثة، فقال: يا ابن الوليد, ما عزلْتُكَ إلا مخافة أن يُفْتَتَنَ الناس بِكَ بِكَثْرة ما أبْلَيْتَ في سبيل الله))
الناس عزَوْا النَّصْر لِخالد، وأصبحَ هناك شرْكٌ، فأراد عمر أن يُعَلِّم الناس درسًا لن ينْسَوْه، فعَزَلَ خالدًا رضي الله عنه، وبقِيَ النَّصر مُسْتمرًّا, فمن الذي ينصُر؟ هو ربُّ خالد، قال له :
((يا ابن الوليد, ما عزلْتُكَ إلا مخافة أن يُفْتَتَنَ الناس بِكَ بِكَثْرة ما أبْلَيْتَ في سبيل الله))
لذلك هذه القصَّة؛ قصَّة هند بنت عتبة, قصَّة مؤثِّرة, تعني أنَّه لا حِقْد ولا عداوة مستمرَّة في الإسلام، وحينما يؤمن الرجل, انتهى كلّ شيءٍ مضى، وطُوِيَ مِلَفُّه السابق، وفُتِحَ له مِلَفٌّ جديد بعد الاصطلاح مع الله تعالى، فإذا كان هناك أشخاص لاكوا كبد عم النبي، وقتلوه، وقد عفا الله عنهم، فإذا كان الواحد له ذنبٌ, وجاهليّة، وتاب إلى الله توبةً نصوحًا, يجب أن يتفاءل، وهو أنَّ الله تعالى لن يُضَيِّعَهُ .

والحمد لله رب العالمين

__________________
در مع الحق حيث دار
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-11-2017, 10:34 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,041
معدل تقييم المستوى: 3
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة الصحابيات من موقع النابلسي

السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات - أهل بيت النبي الكريم - الدرس ( 3 - 4 ) : السيدة صفية عمة النبي عليه الصلاة والسلام.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-08-31





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

مقدمة عامة :

أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثالث والثلاثين من سير الصحابيات الجليلات، ومع أهل بيت النبي عليه الصلاة و السلام، ومع عمَّته عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، السيدة صفية، وهي صفيةُ بنت عبد المطَّلب بن هاشم القرشية الهاشمية، شقيقة حمزة بن عبد المطَّلب .
أيها الأخوة, من حين لآخر, أجد نفسي مضطراً أن أضع أيديكم على قيمة السيرة، الله جلَّ جلاله بعث الأنبياء بالهدى ودين الحق، ولكن النبي والرسول مهمته أكبر بكثير من مهمة التبليغ، لأن المهمة الكبرى هي القدوة، فحينما يستمع الإنسان إلى فكرة، ولا يراها مطبَّقةً, فلا قيمة لها، ولا تلفت نظرَه، ولا تستجلب انتباهه، إلا إذا كانت هذه الفكرة واقعة، فلذلك كان الأنبياء من بني البشر، والأنبياءُ تجري عليهم كلُّ خصائص البشر، من هنا كانوا سادةَ البشر، من هنا اصطفاهم الله عزوجل، ليكونوا أنبياءه ورسله إلى العالمين، فالإنسان حينما يرى الحقَّ مطبَّقا، حينما يرى المثلَ العليا واقعا يُشدُّ إليها، أما لو استمعت إلى كلمة حول خلق معيَّن، ولم تعِش هذا الخُلقَ، ولم تره مجسَّدا في إنسان, فإنك لن تلتفت إليه، ولن تلقيَ بالاً إليه .
من هنا كانت السيرةُ هي الإسلام المطبَّق، الإسلام فيه منطلقات نظرية، وفيه منطلقات عملية، المنطلقات النظرية مثلا، قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة يوسف الآية: 21]
أي أمر الله هو النافذ، وقال تعالى:
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾

[سورة التوبة الآية: 40]
وقال تعالى:
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾

[سورة البروج الآية: 16]

لكن تأتي قصةُ سيدنا يوسف، وهي أطول قصة في القرآن الكريم, من أجل أن تجسِّد هذه الحقيقة، فهناك كما يقول الأدباءُ: تعبير مباشر, مركَّز, مكثَّف، وتعبير غير مباشر يعتمد على التصوير، ويعتمد على القصة، ويعتمد على الحوار، فربُّنا عز وجل قال:

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾

[سورة يوسف الآية: 111]

القصة هي حقيقة مع البرهان عليها، فسيدنا يوسف أراد أخوته به كيدا، ولكن الله نجَّاه من الجُبِّ, ومن السجن، وجعله عزيزاً، قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة يوسف الآية: 21]

يبدو أن تأثير القصة؛ لما فيها من الشخصيات، وحوادث، وحوار، ووصف، وسرد, أبلغُ في النفس من تأثير الحقيقة المجرَّدة، بل إن الإنسان كلما ارتقى, يتأثَّر بالتعبير المباشر, المركَّز, المكثَّف، لكن الخطَّ العريض في المجتمع، وأغلب الناس يتفاعلون مع القصة، لذلك اعتمد القرآنُ الكريم القصَّةَ، فالقصة فيها مغزًى، وفيها فكرة موجزة عبَّرت عنها، فالذي قرأ القصة، ولم يقرأ موعظتها أو مغزاها كأن لم يقرأها، كلمة (عبرة) أنك تعبر من شيء إلى شيء، فحينما تحدَّثنا عن شمائل النبي، وعن سيرته النبي عليه الصلاة و السلام، وعن سير الصحابة الكرام, كان الهدف أن ترى إسلاما مطبَّقا، الإسلام النظري في القرآن الكريم، وفي السنة المطهَّرة، والإسلام العملي المطبَّق في السيرة، وفي سير الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، والإنسان لا يصدَّق فكرةً مجرَّدة دون أن يراها مطبقَّة، فإذا طُبِّقت أمامه اندفع إليها، فلذلك أخطر ما يصيب المجتمع الإسلامي أن يفتقد القدوة، كتبٌ، وبحوث، ومجلدات، ودروس، وأشرطة، لكن ينبغي أن يرى المدعو إنسانًا, تتجسَد فيه قيمُ الإسلام، هنا المنطلق من تدريس السيرة، أنت ترى أن هؤلاء الصحابة عاشوا الإسلام، وكنت أقول دائما: إن هناك فرقا كبيرا بين أن تدرك المعنى، وبين أن تعيش المعنى، أضرب على هذا مثلا، حينما تقول:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

[سورة الأحزاب الآية: 71]

المعنى واضح، وربما لا يحتاج إلى شرح، لكن لمجرَّد أنك مسلم, مستقيم, مؤمن, ولك دخل محدود, ورأيت صديقا لك من أيام الدراسة, قد أصبح غنيًّا كبيرا، وعاش في بحبوحة كبيرة, وسكن أجملَ بيت, وركب أجمل مركبة، وهو لا يعرف اللهَ أبدا, ولا يستقيم على أمره، لمجرَّد أن تقول: هنيئا له على هذه الحياة الناعمة, فأنت لم تعِش هذه الآية, قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

[سورة الأحزاب الآية: 71]

من أوتيَ القرآن, فرأى أن أحدا أوتي خيرا منه, فقد حقَّر ما عظَّمه اللهُ تعالى، لذلك درس السيرة مهمٌّ جدا، لأنه يعطيكم الحقيقةَ مع البرهان عليها، والإنسان لا ينطلق إلا إذا رأى واقعا يجسِّد قيمة، فهذا المجتمع الفاضل مجتمع النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام، وقد أكَّد هذه الحقيقة النبيُّ عليه الصلاة و السلام، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم,َ قَالَ:

((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ, تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ, قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

فعهدُ النبي وعهد الصحابة والتابعين هي العهود المثالية التي مرَّت بها البشريةُ .
أيها الأخوة، أنت كأبٍ وكمعلِّم, ينبغي أن تعتمد القصة، لأنها من أنجح الوسائل الفعَّالة في ترسيخ القيم الأخلاقية، لذلك يمكن أن تجلس بين مجموعة من الناس، وتحدِّثهم عن قصص واقعية واضحة المغزى، فهذا درس في التعليم لا يقلُّ أبدا عن درس نظري .

لمحة عن سيرة صفية بنت عبد المطلب :

هذه صفيَّةُ عمَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم, كانت في الجاهلية زوجةَ الحارث بن حرب بن أمية أخي أبي سفيان، مات عنها, فتزوَّجها العوَّامُ بن خُويلد، فولدت له الزبير والسائب، وقد شهدا بدرا والخندقَ وغيرهما، واستشهدا باليمامة، أسلمت صفيةُ قديما .
وبالمناسبة: السابق في الإسلام له فضله، والإسلام مرَّ بمراحل صعبة جدا، قاومه المشركون، وقاومه الكفار، ضيَّقوا على الصحابة الكرام، وقاطعوهم، نالوهم بالأذى، ونكَّلوا بهم، والإنسان أن يسلم في هذا الظرف الصعب, فله أجر كبير، أما حينما انتصر الإسلامُ، ودخل الناسُ في دين الله أفواجا، صار الإسلامُ مغنما بعد أن كان مغرما، فكلُّه عند الله بحساب، أنت حينما تسلم في زمن يُحارب فيه الإسلام في بعض الأزمان, حينما تسلم يعلو شأنُك، وتُتاح لك فرصٌ ذهبية، وأحيانا حينما تسلم، وتلتزم, تشعر بحرج شديد، كلُّ حالة لها أجرها، الحساب عند الله دقيق جدا، ليسوا سواء؛ من قبل الفتح كالذي آمن بعد الفتح, هناك بونٌ شاسع بينهما .
فصفية رضي الله عنها, أسلمت قديما، وهاجرت إلى المدينة المنورة، كانت قد بايعت النبيَّ صلى الله عليه وسلم، عاشت كثيرا، وتوفيت في خلافة عمر سنة عشرين، ولها من العمر ثلاث وسبعون سنة، وهي أول مسلمة قتلت يهوديا، وكانت قد قاتلت يوم أحد رضي الله عنها وأرضاها .
أيها الأخوة, من علامة نضجك: أن تعتقد، وأن ترى, أن المرأة لا تقلُّ عن الرجل، مساوية له تماما، مكلّفة كما هو مكلَّف، مشرَّفة كما هو مشرَّف، تسعد بربها كما يسعد بربه، وإذا قال الله تعالى:

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾

[سورة آل عمران الآية: 36]

بمعنى أن لكلٍّ من الطرفين خصائص هي في حقِّه كمالٌ، أما المرأة فهي مشرَّفة، ومكرَّمة، ومساوية للرجل، ولها خصائص تمتاز بها، هي كمال في حق مهمَّتها .

إليكم هذه الصفقة الرابحة التي بايعت بها صفية رسول الله :

أيها الأخوة, لقد بايع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم النساءُ الصحابيات، بايع الصحابيات رسول الله، وقد نقول: يبايع رسولُ الله النساءَ الصحابيات رضوان الله تعالى عليهن، وبايع النبيُّ عليه الصلاة والسلام عمَّته صفيةَ بنت عبد المطلب رضي اللهُ عنها، فكان لبيعتها أثرٌ بارز في حياتها، من طاعة الله تعالى, وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وطاعة الزوج بالمعروف، وبالحفاظ على النفس، والشرف، والأمانة، وإخلاص في القول, والعمل لله تعالى, المؤمن الصادق باع نفسَه لله، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 162]

والمؤمن الصادق بايع اللهَ عزوجل بأن له الجنة، وبعد أن بايع اللهَ عزوجل, لا يحقُّ له أن يسأل: لِمَ فعل اللهُ معي هكذا؟ المؤمن صدَق ما عاهد اللهَ عليه، وباع نفسَه لله عز وجل، فهو يجعل كلَّ طاقاته وإمكاناته في سبيل الله .
وقفتْ هذه الصحابية الجليلة عمة النبي صلى الله عليه وسلم مواقفَ مشرِّفة، حفظها لها التاريخ، والإنسان يصبح كلمة، إما إنه مشرَّف في التاريخ، أو أنه محتقر، هناك في التاريخ أبطال ، وهناك طغاة، وهناك محسنون، وهناك مسيئون، والإنسان بعدما ينتهي أجلُه, يبقى ذكرا، إما أنه ذكرٌ حسن، وإما أنه ذكر سيء، ونحن الآن في الحياة، والخيارات أمامنا واسعة جدا، لكن بعد أن ينتهيَ الأجلُ, يصبح الخيارُ محدَّدا، فو الذي نفس محمد بيده, ما بعد الدنيا من دار, إلا الجنة أو النار .
مرَّ معي بعضُ الأحاديث الشريفة: أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام مرَّ مع أصحابه بقبر، فقال عليه الصلاة و السلام:

((صاحبُ هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفُّلكم أحوج إليهما من كل دنياكم))
أنت الآن ترى الدنيا عظيمة، مؤسسات، شركات أرباح، بيوت، مركبات، نساء، لكن حينما يصبح الإنسان تحت أطباق الثرى، الشيء العظيم ركعتان، الشيء العظيم تلاوة القرآن، الشيء العظيم عمل صالح، الشيء العظيم إنفاق المال، والذي يقوله الإنسان الشارد:
﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾

[سورة الفجر الآية: 24-25]

والحقيقة: من هو العاقل؟ هو الذي لا يندم، ومن الذي يندم؟ هو الذي ارتكب خطأ فاحشا ، وخطأ مدمِّرا، قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾

[سورة الزمر الآية: 15]

إنّ أشدَّ أنواع الخسارة, أن تخسر الآخرة، وأشدَّ أنواع الخسارة, أن تخسر نفسك التي خلقها اللهُ للجنة، فأوصلتها إلى النار، وأشدَّ أنواع الخسارة, أن تأتيَ اللهَ يوم القيامة مفلِسا، ليس لك عمل صالح، وإنّ أشدَّ أنواع الربح, أن تكون في طاعة الله .
مرة سمعتُ رجلاً, يلقي كلمةً في عقد قران، شعرتُ شعورا لا يوصف، الكلمة معروفة، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

((إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ, فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ: رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ, وَشُكْرِكَ, وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ))

[أخرجه النسائي في سننه]

قلت: ما من مرتبة ينالها الإنسانُ أعظم من أن يحبَّه اللهُ، ويحبه رسولُه، وطريقة محبة الله بين أيديكم، طريق مفتوح الأبواب، طريق سالك، وآمن، وسريع، وقصير، لمجرَّد أن تصطلح مع الله، وأن تعقد العزمَ على طاعته, أحبَّك اللهُ، وإذا أحبَّك اللهُ, أحبَّك كلُّ شيء:
يُنادَى له في الكون أنا نحبُّه فيسمع مَن في الكون أمرَ محبِّنا
وإذا أحبك اللهُ, ما فاتك من الدنيا شيءٌ، لذلك أكبر عقاب, يعاقب به الإنسان، قال تعالى:

﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾

[سورة المطففين الآية: 15]

أن يحجبك اللهُ عنه، هذا أكبر عقاب، فالسيدة صفية عمَّة النبي عليه الصلاة و السلام، عاشت عمرا، وانتهى العمرُ، الآن بقيت ذكراً، بقيت كلمة طيِّبة عنها، وعملها محفوظ عند الله عز وجل .
قلت مرة كلمة: هناك امرأةٌ قُلامة ظفرها, تساوي ألف رجل، وأنت كمؤمن إذا أخلصتَ لله عز وجل، وأقبلتَ عليه، واصطلحتَ معه، وأطعته، وخدمت عباده, أحبَّك اللهُ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ:

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ, وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ, وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ, فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ, وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ, وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا, وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا, وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ, وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ, وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ, تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ, يَكْرَهُ الْمَوْتَ, وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

وقفت هذه الصحابية الجليلة عمةُ النبي عليه الصلاة والسلام مواقفَ مشرِّفة حفظها لها التاريخ، كانت انطلاقا من تلك البيعة الصادقة، وبيعة النساء, جاء الخطابُ الإلهي بخصوصها، فقد قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[سورة الممتحنة الآية: 12]

أيها الأخوة, أثبت بيعةَ صفية للنبي عليه الصلاة و السلام ابنُ سعدٍ, فقال:

((أسلمتْ صفيةُ، وبايعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ولما جاءت النسوةُ لمبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم, كنَّ متلفِّفاتٍ بمرُطِهنَّ بين المغرب والعشاء، فسلَّمن، وانتسبنَ، -أي عرَّفت كلُّ امرأة بنسبها- فرحَّب بهن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال: ما حاجتُكنَّ؟ فقلن: يا رسول الله, جئنا نبايعك على الإسلام، فإنا قد صدَّقنا بكَ، وشهدنا أن ما جئت به حق))
فعَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ, أَنَّهَا قَالَتْ:
((أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ نُبَايِعُهُ, فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا, وَلَا نَسْرِقَ, وَلَا نَزْنِيَ, وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا, وَلَا نَعْصِيكَ فِي مَعْرُوفٍ, قَالَ: فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ, قَالَتْ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا, هَلُمَّ نُبَايِعْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ, إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ, أَوْ مِثْلُ قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ))

[أخرجه النسائي في سننه]

إني لا أصافح النساء، هذه الوقاية، والوقاية خيرٌ من قنطار علاج، إني لا أصافح النساءَ ، قولي لألف امرأة, قولي لامرأة واحدة، وهذا من صفات المؤمن، المصافحة ملامسة، والملامسة لها مضاعفات, لا تُحمَد عقباها، والمؤمن طاهر، وعفيف، والمؤمن يسدُّ مسربين للشيطان, فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ, وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا, فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؟ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا, وَاتَّقُوا النِّسَاءَ, فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ))

[أخرجه مسلم في سننه]

أحيانا أقول لبعض الأخوة: هناك إنسان يُؤخذ بامرأة، وإنسان يؤخذ بالمال، والمالُ والنساء نقطتا ضعف في شخصية الإنسان، فالمؤمن سدَّ هاتين النقطتين، فهو محصَّن من هاتين النقطتين، لا يخفض رأسَه ذلاًّ، ولكن الذي ضعُف أمام المرأة، ثم اعترف بفعله الفاحشة معها على مستوى العالم كله, صار في الوحل، أليس كذلك؟ امرأة أذلَّته، وجعلته في الوحل، لأنه ضعف أمامها, فسقط من عين الخلق، ومن عين أقرب الناس إليه، والدعاء الشهير، دعاء النبي سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة و السلام:

﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾

[سورة يوسف الآية: 33]

فالإنسان لا يقُل: أنا شخصيتي قويَّة، وأنا لا أتأثَّر، أنا إرادتي قوية، هذا كلام فارغ، الإنسان كما قال الله عز وجل:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 14]

واللهُ سبحانه وتعالى وضع في كيان الرجل حبَّ المرأة، لذلك هناك تنظيمات في الإسلام دقيقة جدا، هذا الميل منظَّم بقناة نظيفة، الشهوات سُلَّمٌ نرقى به إلى ربِّ الأرض والسموات، إذا سارت في قنواتها النظيفة، وكلُّ شهوة أودعها الله في الإنسان, لها قناة نظيفة تسري خلالها، وقد قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾

[سورة القصص الآية: 50]

المعنى المخالف أن الذي يتَّبع هواه وفقَ هدى الله عزوجل, فلا شيء عليه، وفق هدى الله ، في القناة النظيفة التي سمح اللهُ بها، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾

[سورة هود الآية: 86]

عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ, أَنَّهَا قَالَتْ:

((أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ نُبَايِعُهُ, فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا, وَلَا نَسْرِقَ, وَلَا نَزْنِيَ, وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا, وَلَا نَعْصِيكَ فِي مَعْرُوفٍ, قَالَ: فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ قَالَتْ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا, هَلُمَّ نُبَايِعْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ, إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ, أَوْ مِثْلُ قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ))

[أخرجه النسائي في سننه]

لذلك هناك نقطة مهمة جدا في الموضوع، أكثر الآيات التي نهت عن الزنا, جاءت على هذه الصيغة:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾

[سورة الإسراء الآية: 32]

معنى ذلك: أنه لا بدَّ أن تدعَ بينك وبين هذه المعصية الكبيرة هامشَ أمان، وهامش الأمان ألاّ تخلوَ بامرأة، هامش الأمان ألاّ تملأ ع**** من محاسنها، وهامش الأمان ألاّ تصحب إنسانا منحرفا، وهامش الأمان ألاّ تقرأ أدبا إباحياً، وهامش الأمان ألاّ تتابع عملا فنِّيا مثيرا، هذه كلها هوامش أمان، قال تعالى:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾

[سورة الإسراء الآية: 32]

يبدو أن الزنا يشبه صخرة متمركزةً في قمَّة جبل، مستقرة في مكانها، فإذا دفعتها من مكانها قليلا، لن تستقرَّ إلا في قعر الوادي، حينما تخرق هذا الهامش؛ هامش الأمان, ففي الأعمِّ الأغلب لن تستقرَّ هذه الصخرة التي هي الشهوة إلا في قعر الوادي، قال تعالى:

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾

[سورة البقرة الآية: 187]

وكنتُ ضربتُ على ذلك مثلا في الكهرباء: تيار كهربائي ثمانمائة فولت، لنقلِ الطاقة من مكان إلى مكان، هذا التيار فيه قوةُ جذب، فأيّ إنسان يقف أمامه على بعد ستة أمتار يجذبه، ويصبح فحمة سوداء، وزير الكهرباء إن أراد أن يحذِّر الناسَ من هذا التيار يكتب لوحةً: ممنوع مسُّ التيار, أو يكتب: ممنوع الاقتراب من التيار، لو كتب: ممنوع المس، لم يكن للإعلان قيمة إطلاقا، يحترق هذا الذي اقترب، يبدو أن هناك معاصي فيها قوّة جذب كبيرة جدا، من أجل أن تنجو من هذه المعصية, يجب أن تبتعد عنها، ويجب أن تدعَ بينك وبينها هامش أمان، لذلك الشريف من هو؟ الذي يهرب من أسباب الخطيئة .
بايع النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأنصارَ، وأخذ عليهم, ألاّ يغششن أزواجهن، وأخذ رسول الله على النساء في بيعتهن, ألاّ يشققن جيبا، ولا يدَّعين ويلا، ولا يخمشن، ولا يقُلن هجرا، هذه المرأة التي تولول، وتشقُّ جيبها، وتلطم وجهها، وتشدُّ شعرها، وتصرخ بويلها، هذه ليس مؤمنة، وهذه التي تغشُّ زوجها، تكذب عليه، أيضا أخذ عليهن العهدَ ألاّ يفعلن هذا .

ماذا نستنبط من أحكام من موقفها يوم البيعة ؟

أيها الأخوة، هناك استنباطات طيِّبة من موقف السيدة صفية رضي الله عنها عمة النبي صلى الله عليه و سلم:
أوَّلا: اشتراكُ المرأة مع الرسول على أساس المساواة التامة في جميع المسؤوليات الدينية التي ينبغي أن ينهض بها المسلم، والمرأة مكلَّفة أن ترعى زوجها، وأولادها، وأن تقيم فرائضها، وأن ترسِّخ دعائم الإسلام في بيتها، كما أن الرجل مكلَّف تماما .
وشيء آخر: كيف كانت بيعةُ النبي صلى الله عليه وسلم للنساء؟ إنما كانت بالكلام فقط، من غير ملامسة، وذلك على خلاف بيعة الرجال، فدلَّ ذلك أنه لا يجوز ملامسة الرجل بشرة المرأة الأجنبية عنه، وليس من الضرورة شيوع العرف بمصافحة النساء، هذا ليس ضرورة، أي أن شيوع العرف بمصافحة النساء كما يتوهَّم بعضُ الناس لا يجعل هذا الشيءَ مشروعا، فالعرف ليس له سلطان في تغيير الأحكام الثابتة بالكتاب أو السنة، معصية شاعت بين الناس, لا تقُل: عموم بلوى، المعصية معصية، لا يقلِّل من قيمتها, أنها شاعت بين الناس، والإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، ومن علامة الإيمان الصادق: أن يشعر المؤمن بغربة في آخر الزمان، كل من حوله يصافح، والمرأة تمدُّ يدها لتصافح .
سمعت عن امرأة, زارت بلدَنا, وزيرة دولة غربية، فكان في استقبالها كبارُ موظَّفي الوزارة، أحدُ هؤلاء الموظَّفين لم يصافحها، هناك من انزعج منه جدًّا، ماذا كان لو صافحها؟ هذه الزائرة الضيفة الوزيرة, سألت: هذا الذي لم يصافحني, لِمَ لَم يصافحني؟ أريد أن أراه، قيل لها: اعتذر عن المجيء, قالت: أنا أريد أن أراه، فلما التقت به, قالت له: لِم لَمْ تصافحني؟ قال: لأنني مسلم، وفي ديننا لا يجوز مصافحةُ المرأة الأجنبية، وأنتِ امرأة أجنبية، فماذا كان جوابُها؟ قالت: لو أن المسلمين أمثالك, لكنا تحت حكمكم .
المسلم يجب أن يعتزَّ بإسلامه، وأن يعتزَّ بدينه، وأن يعتزَّ بشرعه، فبيعة النساء ليس فيها ملامسة إطلاقا، كلام، إذًا: لا يجوز ملامسة الرجل بشرة المرأة الأجنبية، وليس من الضرورة شيوعُ العرف بمصافحة النساء، كما يتوهَّم بعضُ الناس، فليس للعرف سلطانٌ في تغيير الأحكام الثابتة بالكتاب والسنة، إلا إذا كان الحكمُ الشرعي قام على عرف سابق، والشرع أقرَّه على ذلك، والعرف مع وجود نص لا قيمة له إطلاقا، وشيوع المعصية لا يجعلها طاعة، شيوع المعصية لا يجعلها مباحة، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام يقول:

((إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ))

[أخرجه النسائي في سننه]
لكن من هذه البيعة, دلَّ أنه مباح, أن تسمع كلام المرأة الأجنبية, إذا كان كلاما جادًّا، قال تعالى:
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾

[سورة الأحزاب الآية: 32]
إذا كان الكلام جادًّا, قال تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾

[سورة الأحزاب الآية: 53]

أخواننا الكرام, المؤمن عفيف جدًّا، ألم يقل سيدُنا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:

((أَيُّهَا الْمَلِكُ, كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ, نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ, وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ, وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ, وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ, وَنُسِيءُ الْجِوَارَ, يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ, فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ, حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا, نَعْرِفُ نَسَبَهُ, وَصِدْقَهُ, وَأَمَانَتَهُ, وَعَفَافَهُ, فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ, وَنَعْبُدَهُ, وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ, وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ, وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ, وَصِلَةِ الرَّحِمِ, وَحُسْنِ الْجِوَار,ِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ, وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ, وَقَوْلِ الزُّور,ِ وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ, وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ, وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ, لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا, وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ, وَالزَّكَاةِ, وَالصِّيَامِ, قَالَ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَام))

[أخرجه أحمد في سننه]

هذه أركان الأخلاق: صدق، وأمانة، وعفاف، صدق في الأقوال، وأمانة في الأفعال، وعفَّة عن النساء، الصفة الصارخة للمؤمن عفَّته عن النساء، غضُّ بصره، ولا يدير حديثا ممتعا مع امرأة لا تحلُّ له، أكثر الناس إذا كانت هناك امرأة في المجلس, يحسِّن كلامه كثيرا، ويستجمع الطُّرف كي يضحكها، وكي يتأمَّل ضحكها، هذا الذي يدير حديثا ليضحك امرأة، ويستجلب قلبَها, خرج عن العفَّة، قال تعالى:

﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾

[سورة الأحزاب الآية: 32]
أيضا الرجل لا ينبغي أن يقول كلاما, يلفت نظر المرأة إليه، هذا لا يجوز، أما:
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾

[سورة الأحزاب الآية: 53]

المرأة مودَتها لمن؟ لزوجها، لأولادها، ولأخوتها، وأخواتها، لأمها، وأبيها، العبارات الحارَّة الحميمة هذه لمحارمها، ولا سيما لزوجها في الدرجة الأولى، أما أن تخضع المرأةُ بالقول لأجنبيّ، فقد خرجت عن قواعد العفة، أما أن ينمِّق الرجل حديثَه أمام امرأة, ليلفت نظرها إليه, فقد خرج عن قواعد العفة، فضبطُ اللسان أحد أركان الاستقامة، لا يستقيم إيمانُ عبدٍ حتى يستقيم قلبُه، ولا يستقيم قلبُه حتى يستقيم لسانُه .
فقد دلَّت أحاديث البيعة التي ذكرناها على أن كلام الأجنبية يباح سماعُه إذا كان جادًّا، وأن صوتها ليس بعورة، وهو مذهب جمهور الفقهاء، والآية واضحة، قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾

[سورة الأحزاب الآية: 53]

وقد كان النبيّ عليه الصلاة والسلام قدوةً لنا، أنت تحبُّ ألاّ تتميَّز أبدا، ما يفعله الناسُ تفعله، طيب أين إسلامُك؟ أحد الذي يميِّزك عن بقية الناس, أنك لا تصافح النساء، لا تستحِ، ولا تقل: متوضَّئ، لماذا متوضئ؟

((إني لا أصافح النساء))

[أخرجه النسائي في سننه]

قل لها: إني لا أصافح النساء، ودائما أظهِر إسلامك عزيزا، هناك أشخاصُ يُضطرُّون أن يجلسوا على مائدة فيها مشروب محرَّم، يقول لك: أنا معي قرحة، قل: أنا لا أشرب هذا، أنا مسلم، أظهر دينك، أعزَّ دين الله, يعزَّك اللهُ عز وجل .

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 01-12-2017, 12:32 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,041
معدل تقييم المستوى: 3
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة الصحابيات من موقع النابلسي

السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات - أهل بيت النبي الكريم - الدرس ( 1 - 4 ) : السيدة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ( 1 - 2 ) ، قصة زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-08-17





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

لمحة مختصرة عن سيرة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب :

أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثلاثين من دروس سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عنهن أجمعين، ومع أهل بيت النبي، ومع أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، زوجة الفاروق عمر بن الخطاب .
هي أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، أمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، شقيقة الحسن والحسين، ولدت في حدود سنة ستٍ من الهجرة، رأت النبي صلى الله عليه وسلم جدها، ولم ترو عنه شيئاً، تزوَّجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك سنة سبع عشرة، وكان سبب زواج عمر منها قول النبي صلى الله عليه وسلم:

((كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي))
أي سبب زواج هذا الخليفة الراشد هذا الحديث، مع أن فارق السن بينهما كبير، ألح هذا الخليفة الراشد أن يتزوَّج هذه الفتاة التي هي من نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم .

إليكم قصة زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب بالتفصيل :

قصة هذا الزواج هي كما يلي: إن عمر بن الخطاب خطب إلى عليٍ ابنته أم كلثوم، فذكر له صغرها، فقيل لعمرٍ:

((إن ردَّك فعاوده, -أي بإلحاح- ثم خطبها إلى أبيها علي بن أبي طالب فقال: إنها صغيرة، فقال عمر: زوِّجْنيها يا أبا الحسن، فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصده أحد، هي عندي مكرمةٌ أشد التكريم، فقال له علي: أنا أبعثها إليك، فإن رضيتها فقد زوَّجْتكها، فبعثها إليه ببردٍ، فقال لها: قولي له: هذا البرد الذي قلت لك، فقالت ذلك لعمر، فقال عمر: قولي له قد رضيت، رضي الله عنه))
فقصة هذا الزواج قصة اكتساب الشرف، اكتساب السبب، سبب الاتصال بالله عز وجل لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((كل سببٍ ونسبٍ منقطعٌ يوم القيامة إلا سببي ونسبي))
.
أيها الأخوة, العلماء قالوا:
((جلس عمر إلى المهاجرين في الروضة، وكان يجلس المهاجرون الأولون في روضة مسجد رسول الله, فقال: رفؤني، -العرب كانت تقول للمتزوج: بالرفاء والبنين، العوام يقولون: بالرفاه، هي بالرفاء، والرفاء الوفاق، بالوفاق الزوجي والبنين، وأثمن ما في الزواج الوفاق والبنون- فقال: رفؤني، فقالوا: بماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أم كلثوم بنت علي، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

((كل سببٍ ونسبٍ وصهرٍ ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي وصهري))
وكان لي به عليه الصلاة والسلام النسب والسبب، فأردت أن أجمع إليه الصهر، فرفؤني ، -أي عد هذه مغنماً كبيراً، أنه اتصل نسبه، أو تزوج بنتَ بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أصبح صهر رسول الله- .
قالوا: تزوجها على مهر أربعين ألفاً، فولدت له زيد بن عمر الأكبر ورقية))
.

ماذا استنبط العلماء من هذه الواقعة ؟

في هذا الخبر كما قال العلماء أحكام عدة، مِن هذه الأحكام: أن يصح زواج الكبير بالصغيرة شرعاً، وأن ذلك حصل بمشهد جمعٍ غفير من كبار المهاجرين، وعلى مسمع الأنصار أيضاً، وأنهم قد أقروه على ذلك، وهذا إجماعٌ منهم على جوازه، وأنه يندب تعدد الزوجات لزيادة الشرف, تعدد الزوجات من هؤلاء الصحابيات الكاملات المتصلات بالنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأن يزاد في مهر الصغيرة أضعاف مهر الكبيرة، وأنه يندب إعلام الأصحاب لذلك للدعاء والتبريك، وأنه يجوز للأب أن يزوِّج ابنته الصغيرة، وأن سكوت الصغيرة كسكوت البالغة في اعتبار الرضا به، وأنه يجوز إبرام عقد الزواج بالصورة التي تم فيها بشرط إسماع الشهود على ذلك، كل هذه الأحكام مستنبطة من هذه الواقعة .

الحياة الكريمة التي نالتها أم كلثوم عند زوجها :

أيها الأخوة, حظيت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب منزلةً عاليةً مرموقة، فلو كان هناك تناقضٌ كبير كما يتوهم الآخرون بين سيدنا علي وسيدنا عمر، لما أمكن أن يتم هذا الزواج، هذا استنباطٌ مهمٌ جداً, بل إن سيدنا علياً كرم الله وجهه سمى أولاده بأسماء الصحابة الكرام؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان .
فسيدنا علي سمى أولاده بأسماء الصحابة الكبار، وهؤلاء الصحابة الكبار تشرفوا بالزواج من بنات سيدنا علي، فبينهما من الود، والاحترام، والحب، والولاء، والبيعة مالا ينكر .
فقد حظيت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب منزلةً عاليةً مرموقة، فكان ينظر إليها بعين الإجلال والإكرام، فعاشت عنده حياةً طيبةً مباركة، فقد كان يسعى لإسعادها بما يحقق طموح فتوَّتها، وتفتُّح شبابها، وهو البصير بقضايا النساء، فكان رضي الله عنه يرقب نفسه وما يراه واجباً للمرأة على زوجها .

إليكم بعض هذه القضايا التي عالجها عمر بن الخطاب بشأن النساء :

ولقد أُثر عنه وهو خليفة المسلمين بحكمته البالغة دقة معالجته لقضايا الفتيات المتزوجات اللواتي يشتكين من أمورٍ تخصُّ حياتهن الزوجية، فمن ذلك أنه كان يقول لأولياء أمور النساء:

((لا تنكحوا المرأة الرجل الذميم القبيح، فإنهن يحببن لأنفسهم ما تحبون لأنفسكم))
فكما أن الشاب يتمنى فتاة تملأ عينه، كذلك الفتاة تتمنى زوجاً يملأ عينيها، لذلك لا يُبرم عقد الزواج إلا بموافقة الزوجة، فإن قالت: لا، فالعقد باطل، وكلكم يرى في عقود القران، كيف أن موظف المحكمة يذهب ويستمع بأذنه إلى إقرار الفتاة، وهذا حقٌ من حقوق المرأة؟ .
وكان بعض الصحابة يقول:
((إني لأتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين امرأتي لي))
وهذا من حقها، فكلام سيدنا عمر:
((لا تنكحوا المرأة الرجل الذميم القبيح، فإنهن يحببن لأنفسهم ما تحبون لأنفسكم))
أي يا أيها الآباء لا تتجاهلوا رأي بناتكم في هذا الخاطب الذي أنتم تريدون أن تجبروا فتياتكم عليه، فسيدنا عمر لحكمةٍ بالغة, كان يخشى على المرأة, حينما تكره زوجها كراهيةً, تجعلها لا تطيق قربه، أن تدفعها هذه الكراهية، وعدم إمكان الحصول على الطلاق إلى الشيء الذي لا يرضي الله عز وجل، والآية الكريمة والتي فيها بعض الحيرة:
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾

[سورة النور الآية: 33]

ما مؤمنٍ على وجه الأرض يكره ابنته على الزنا، إلا أن الأب الذي يُعضل ابنته، ويضع العراقيل تلو العراقيل أمام زواجها، أو يضع شروطاً تعجيزية لزواجها، مثل هذا الأب قد يفاجأ إلى أن ابنته, مالت إلى عدم طاعته، أو إلى الانحراف, فكأنه دفعها إلى هذا من دون أن يريد, ومن دون أن يشعر .
يروى أنه رضي الله عنه, كان يطوف بالبيت، فسمع امرأةً, تنشد في الطواف:

فمنهن من تسقى بـعذبٍ مبرَّدٍ لقاح فتـلكم عند ذلك قرتي
ومنهن من تسقى بأخضر آجنٍ أجازٍ ولولا خشية الله زنت
فتفرَّس عمر ما تشكوه هذه المرأة، فبعث إلى زوجها فاستنكهه، فإذا هو أبخر الفم, أي عرف السبب, فإنسان دميم له رائحة كريهة، هذا قد يؤذي زوجته، وقد يدفعها إلى أن تفكر بغيره، فلا بد أن يأخذ الإنسان السنة النبوية، لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾

[سورة البقرة الآية: 228]
فكما أنك من حقك أن تطلب من زوجتك شيئاً، هي أيضاً من حقها أن تطلب منك شيئاً .
ومن أشهر ما يؤثر عن عمر رضي الله عنه في تفهُّمه قضايا المرأة، وبالأخص ما يتعلَّق برغباتها، التي فطر الله تعالى النساء عليها، ما روي من أنه كان يطوف ليلةً بالمدينة متفقداً رعيته ، فسمع امرأةً تقول:
فو الله لولا الله لا شيء غيره لزعزع من هذا السرير جوانبه
مخـافة ربي والحيـاء يكُفُّني وإكرام بعلي أن تنـال مراكبه
يبدو أن زوجها ابتعد عنها كثيراً، وهي في أشد الحاجة إليه، فلما كان من الغد، استدعاها عمر وسألها:
((أين زوجكِ؟ قالت: بعثت به إلى العراق, لقد سألها من غير أن يشعرها بما سمع منها، وقد أجابته هي بحياءٍ وتصبُّر، ولم تفصح عما في نفسها من شوقٍ عميق لزوجها الغائب عنها، عندئذٍ استدعى عمر نساءً مع ابنته حفصة، فسألهن عن المرأة المتزوجة: كم مقدار ما تصبر عن زوجها؟ فقلن: شهرين، ويقل صبرها في ثلاثة أشهر، وينفد صبرها في أربعة أشهر))
.
أما بلاد إسلامية طويلة عريضة لا تقبل الموظف عندها إلا بلا زوجته، سنة، أحد عشر شهراً، تحرمه من زوجته، ويحرمونها من زوجها، أكثر دول الخليج هكذا، لا تقبل الموظف مع زوجته، هذا خلاف الفطرة، خلاف حاجة الإنسان إلى زوجة، خلاف حاجة الزوجة إلى زوج، خلاف تشتيت الأسرة، فسيدنا عمر بعد ذلك, أعطى أمراً, ألا يجمَّد الجندي في البعوث أكثر من أربعة أشهر، وبعدها يعود إلى زوجته .
أحياناً الإنسان يجري موازنة ويـتألَّم، في بلاد الكفار الإنسان مسموحٌ له أن يأتي بأمه، وأبيه، وأخوته جميعاً، جمعاً للأسرة، ونحن المسلمين أحياناً نرفض أن نعيِّن موظفاً مع زوجته، وهذه مشكلة كبيرة، من أجل ذلك؛ كان عمر رضي الله عنه يجنِّد في جيوش المسلمين غير المتزوجين، ويدع المتزوجين مع زوجاتهم, ما استطاع إلى ذلك سبيلاً .
والقصة التي تعرفونها جميعاً: يوم كان عمر يتفقد رعيته، وكان معه عبد الرحمن بن عوف، فرأيا قافلةً مقيمةً في ظاهر المدينة، فقال:
((تعال نحرسها، فبكى طفلٌ، فقال عمر لأمه: أرضعيه، فبكى ثانيةً, فقال: أرضعيه، فبكى ثالثة, فقال: يا أمة السوء أرضعيه، قالت: وما شأنك بنا إنني أفطمه، قال: ولماذا؟ قالت: لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام، فضرب عمر جبهته بيده, وقال: ويحك يا بن الخطاب! كم قتلت من أطفال المسلمين؟))
وعد نفسه قاتلاً، لأنه حمل بعض النساء على أن يفطمن أولادهن قبل الوقت المناسب، كي يكسبن هذا التعويض العائلي عن أولادهن.
وكان رضي الله عنه في هذا المقام كما قال الإمام السرخسي: كان حسن التدبير، والنظر للمسلمين، وكل إنسان الله عز وجل ولاَّه، أحياناً مدير مستشفى، أحياناً مدير دائرة، مديرة مدرسة، حينما يرحم المسلمين يرحمه الله، وحينما يشفق عليهم يرحمه الله، وحينما يعدل بينهم يرحمه الله عز وجل، والإنسان حينما يولى على بضعة رجال، له حسابٌ عند الله خاص .
وكان رضي الله عنه يقول:
((والله ما استفاد رجلٌ فائدة بعد إسلامٍ خيراً من امرأةٍ حسناء, حسنة الخلق, ودودٌ ولود, -أي أن أثمن شيء بعد الإيمان بالله زوجة صالحة- والله ما استفاد رجلٌ فائدةً بعد الشرك بالله شراً من مُرَيَّةٍ, -تصغير امرأة- سيئة الخُلُق، حديدة اللسان، والله إن منهن لغلاماً يفدى منه وغلاماً ما يجدي))
أي أن أفضل شيء للمرء بعد الإيمان زوجة صالحة، وأسوأ شيء للإنسان بعد الشرك امرأةٌ سيئة الخلق حديدة اللسان .
يروى أن ذات مرة جاءت امرأة تشكو سيدنا عمر، يبدو أنه كان منشغلاً عنها، قالت له:
((يا أمير المؤمنين, إن زوجي صوامٌ قوام، -ما انتبه- فقال: بارك الله لكِ بزوجك، صوام في النهار، قوَّام في الليل، -في النهار صائم، وفي الليل قائم، عبادة مستمرة- عنده أحد الصحابة, قال له: يا أمير المؤمنين, إنها تشكو زوجها، لا تمدحه، قال: هكذا فهمت، احكم بينهما))
هذا الصحابي نظر لو أن الرجل عنده أربع نساء كما هو مسموحٌ له، نصيب الواحدة من نسائه يوم كل أربعة أيام، فأمره أن يتفرَّغ له يوماً كل أربعة أيام، أعجب بهذا الحكم، عيَّنه قاضي البصرة، لكن النساء كن عفيفات, صاحبات حياء، بليغات، فصيحات، وتعلَّمن من أسلوب القرآن الكريم, قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾

[سورة المعارج الآية: 29-31]
يدخل تحت هذه الآية: كل أنواع الانحراف, قال تعالى:
﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾

[سورة النساء الآية: 43]

﴿لامستم النساء﴾
يفهمها كلٌ بحسب خبرته, قال تعالى:
﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾

[سورة الأعراف الآية: 189]
كلمة: تغشاها، كلمة: أو لامستم النساء, قال تعالى:
﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾

[سورة المعارج الآية: 31]
أما هذا الذي يسمي الأشياء بأسمائها، والأفعال بصورها القبيحة، ويقول: لا حياء في الدين، هذا إنسان لم يفهم حقيقة الدين، الدين كله حياء .
ومرةً قلت لكم: إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى فتاةً ترتدي ثياباً شفافة, فقال:
((يا بنيتي, إن هذه الثياب, تصف حجم عظامكِ))

إليكم مضمون هذه الذكريات التي تسترجعنا بها أم كلثوم :

قال:

((كانت لا تنسى ليلةً, طاف فيها, يتفقَّد رعيته، فإذا هو بامرأة في جوف دارها، وحولها صبيان يبكون، وإذا قدر على النار ملأته ماءً، فدنى عمر من الباب, فقال: يا أم, ما هذا؟ لمَ يبك أولادكِ؟ قالت: بكاؤهم من الجوع، قال: فما هذه القدر التي عليها النار؟ قالت: قد جعلت فيها ماءً أعللهم بها حتى يناموا، -أوهمهم أن فيها شيئاً من دقيق وسمن- فجلس عمر يبكي، ثم جاء إلى دار الصدقة، فأخذ حملاً أو وعاءً، وجعل فيه شيئاً من دقيقٍ، وسمنٍ، وشحمٍ، وتمرٍ، وثيابٍ، ودراهم، ثم قال: يا أسلم, احمل هذا علي، فقلت: يا أمير المؤمنين, أنا أحمله عنك، فقال: لا أنا أحمله، لأني أنا المسؤول عنهم في الآخرة .
-ألم يقل مرةً:

((والله لو تعثرت بغلةٌ في العراق, لحاسبني الله عنها، لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر؟))
فحمله حتى أتى به منزل المرأة، وأخذ القدر, فجعل فيها شيئاً من دقيق, وشيئاً من شحم وتمر، وجعل يحركه، وينفخ تحت القدر, حتى طبخ لهم، ثم جعل يغرف بيده، ويطعم الصغار, حتى شبعوا، ثم ربط بجانبهم، فلم يزل حتى لعبوا وضحكوا، ثم قال: يا أسلم, أتدري لمَ ربطت بحذائهم؟ أي جلست إلى جانبهم, قلت: لا يا أمير المؤمنين، فكرهت أن أذهب, وأدعهم حتى أراهم يضحكون، فلما ضحكوا طابت نفسي))
هذا الذي يرحم الصغار إنسانٌ عظيم، هؤلاء الصغار أحباب الله، هؤلاء الصغار رجال المستقبل، هؤلاء الصغار إذا ربّوا على الرحمة, رحموا الآخرين، والإنسان إذا ربِّي في بيت صحيح، في بيت سليم، في بيت فيه رحمة، فيه قيَم، حينما يكبر في الأعم الأغلب, يرحم الناس جميعاً، لا يؤذيهم, لا يظلمهم .
وقال أنس بن مالك:
((بينما عمر يعسُّ المدينة، -أي يتحسس أخبار الرعية- إذ مر برحبةٍ من رحابها، فإذا هو بيتٌ من شعرٍ لم يكن بالأمس، فدنا منه, فسمع أنين امرأة, ورأى رجلاً قاعداً ، فدنا منه, فسلم عليه, ثم قال: من الرجل؟ فقال: رجلٌ من أهل البادية، جئت إلى أمير المؤمنين أُصيب من فضله، فقال: ما هذا الصوت الذي أسمعه في البيت؟ قال: انطلق يرحمك الله لحاجتك، فقال: عليَّ ذلك، ما هو؟ قال الرجل: امرأةٌ تمخِّض, -أي في طور الطلق- قال عمر: هل عندها أحد ؟ قال: لا .
قال أنس: فانطلق عمر, حتى أتى منزله, فقال لأم كلثوم بنت علي رضي الله عنها: هل لكِ من أجرٍ ساقه الله إليكِ؟ قالت: وما هو؟ قال: امرأةٌ عربية تمخِّض, ليس عندها أحد، قالت أم كلثوم: نعم إن شئت، قال: فخذي معكِ ما يصلح المرأة لولادتها، وجيئيني ببرمةٍ، وشحمٍ، وحبوب، قال: فجاءت به, فقال لها: انطلقي، وحمل البرمة، وهي القدر الذي يطبخ فيها، ومشت خلفه حتى انتهى إلى البيت، فقال لها: ادخلي إلى المرأة، وجاء حتى قعد إلى الرجل, فقال له: أوقد لي ناراً، ففعل، فأوقد تحت البرمة حتى أنضجها، وولدت المرأة, فقالت امرأته: يا أمير المؤمنين, بشِّر صاحبك بغلام .
فلما سمع الرجل يا أمير المؤمنين, كأنه هابه، فجعل يتنحَّى عنه, فقال له: مكانك كما أنت ، فحمل البرمة, فوضعها على الباب، ثم قال لأم كلثوم: أشبعيها، ففعلت، ثم أخرجت البرمة، ووضعتها على الباب، فقام عمر، وأخذها، ووضعها بين يدي الرجل، فقال: كل فإنك قد سهرت من الليل، ففعل، فقال عمر لامرأته: اخرجي, وقال للرجل: إذا كان غداً, فأتنا نأمر لك بما يصلحك، ففعل الرجل ذلك، فأجازه وأعطاه))
هذه صورة أخرى من صور رحمته رضي الله عنه، وصور حرصه على رعيته .

من مواقف عمر بن الخطاب :

أم كلثوم زوجة عمر, كما تروي الكتب, تهادت مع ملكة الروم بالهدايا، فكان ذلك مشاركةً منها لزوجها خليفة المسلمين, حين كان يتراسل مع ملك الروم هرقل، في توطيد العلاقات الخارجية بين المسلمين والروم, قال الإمام الطبري:

((ترك ملك الروم الغزو، وكاتب عمر وقاربه، وسأله عن كلمةٍ يجتمع فيها العلم كله، فكتب إليه: أحب للناس ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لها، تجتمع لك الحكمة كلها، واعتبر الناس بما يليك, تجتمع لك المعرفة كلها .
وكتب إليه ملك الروم، وبعث إليه بقارورة، أن املأ لي هذه القارورة من كل شيء، فملأها عمر ماءً، وكتب إليه: إن هذا كل شيء))
من الدليل:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾

[سورة الأنبياء الآية: 30]

بعثت أم كلثوم إلى ملكة الروم بطيبٍ وأحفاشٍ من أحفاش النساء, وأرسلته مع البريد، فلما وصل, جاءت امرأة هرقل، وجمعت نساءها, وقالت:

((هذه هدية امرأة ملك العرب، وبنت نبيهم، ثم كاتبتها، وكافأتها, فأهدت إليها، وكانت فيما أهدت إليها عقدٌ فاخر، فلما انتهى به البريد إلى عمر، أمر بإمساكه، ودعا الصلاة جامعة, فاجتمعوا، فصلى بهم ركعتين, وقال: إنه لا خير في أمرٍ أُبرم عن غير شورى من أموري، قولوا في هديةٍ أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم، فأهدت لها امرأة الروم .
فقال قائلون: هو لها بالذي لها، وليست امرأة الملك بذمةٍ فتصانع به، ولا تحت يدك فتتقيك .
وقال آخرون: قد كنا نهدي الثياب لنستثيب، ونبعث بها لتبتاع، ولنصيب ثمناً .
فقال عمر: ولكن الرسول, -أي مراسل البريد- رسول المسلمين, والبريد بريدهم، والمسلمون عظَّموها في صدورهم, -أي لأم كلثوم- فأمر بردها لبيت المال، ورد عليها بقدر نفقتها.
-أي أن هذه الهدية التي جاءت أم كلثوم من امرأة ملك الروم ردتها لبيت مال المسلمين، أخذ الأحوط رضي الله عنه، وهذا هو الورع- فسرَّت أم كلثوم لصنيع عمر))
الذي لم يرضَ أن تسخَّر سلطة الخلافة لأمورٍ شخصية، ما دام البريد بريد المسلمين، والإرسال من قِبَل المسلمين، فلا بدَّ من أن ترد هذه الهدية لبيت مال المسلمين .

إليكم هذا الموقف لعمر بن الخطاب مع أهل بيته :

رأى مرة إبلاً ثمينة, قال:

((لمن هذه الإبل؟ قالوا: إنها لابنك عبد الله، قال: ائتوني به، فلما جاؤوا به, سأله: لمن هذه الإبل؟ قال: هي لي، اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى المرعى لتسمن، فماذا فعلت؟ قال عمر لابنه: ويقول الناس: اسقوا هذه الإبل، فهي لابن أمير المؤمنين، ارعوا هذه الإبل, فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك يا ابن أمير المؤمنين، بع هذه الإبل، وخذ رأس مالك، ورد الباقي لبيت مال المسلمين))
سيدنا عمر كان إذا أراد إنفاذ أمرٍ, جمع أهله وخاصته، وقال:
((إني أمرت الناس بكذا، ونهيت الناس عن كذا، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا، وايم الله لا أوتين بواحدٍ وقع فيما نهيت الناس عنه، إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني))
فصارت القرابة من عمر مصيبة، أي إنسان يلوذ به, إذا وقع فيما نهى عنه الناس, تضاعف له العقوبة، لقرابته من عمر، فصارت القرابة من عمر مصيبة .
مرةً وضع له طعامٌ نفيس، وضع له سنام الجزور أمامه فبكى، وقال:
((بئس الخليفة أنا, إن أكلت أطيبها, وأكل الناس كراديسها))

الخاتمة :

أيها الأخوة, لنا وقفةٌ أخرى مع هذه الصحابية الجليلة، بنت علي بن أبي طالب، بنت السيدة فاطمة، بنت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونساء الصحابة قدوةٌ لنسائنا، المرأة صنو الرجل في التكليف، والتشريف، والمسؤولية، مكلفةٌ كما هو مكلَّف، مشرفةٌ كما هو مشرف، مسؤولةٌ كما هو مسؤول، وأيَّة نظرةٍ كما أقول دائماً إلى المرأة غير هذه النظرة، فهي نظرةٌ جاهلية لا تليق بالمسلم .
والإنسان حينما يعتني بأهله، ويربيهم التربية الصحيحة، يسعد بهم, لأنهن يشاركنه في كل قضايا الحياة التي يعانيها .
أرجو الله سبحانه وتعالى, أن يصلح نساءنا جميعاً، وأن يتجهن إلى الله عز وجل الوجهة الصحيحة، المرأة إذا عرفت ربها، وعرفت حق زوجها، وعرفت حق أولادها، فهي امرأة لها من الأجر ما لا يوصف, وما لا يقدر بثمن



السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات - أهل بيت النبي الكريم - الدرس ( 2 - 4 ) : السيدة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ( 2 - 2 ) ، قصة زواجها من عون بن جعفر .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-08-24





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

إليكم إعادة الذاكرة لأيام عمر بن الخطاب وبعضاً من مواقفه :

أيها الأخوة الكرام, لا زلنا مع سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، ولا زلنا مع أهل بيت النبيِّ، والحديث في الدرس الماضي كان عن السيدة أمِّ كلثوم كوكبة الإسلام، وزوجة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ونتابع في هذا الدرس قصة هذه الصحابية الجليلة .
لقد قضت أمُّ كلثوم بنت عليِّ بن أبي طالب, زوجةُ عمر بن الخطاب، وأمُّها السيدة فاطمة الزهراء، قضت أغلى حياته، وأحلى أيامها تحت ظلِّ رجل لم يعهد التاريخُ له مثيلا .
وقد حدَّثني أخٌ كريم, قال: في واشنطن أكبر مكتبة في العالَم، لو صففنا رفوفها لأحاطت بالأرض، وفي فناء هذه المكتبة, قُبَّة عليها حضارات الإنسانية، وجزءٌ كبير من حضارات الإنسانية حضارةُ الإسلام ، وسيدنا عمر يمثِّل كهفَ العدالة ، أي هذا الجل له سمعةٌ على مستوى العالَم، لم يعهد التاريخ له مثيلا، لا زوجا، ولا أبًا، ولا قائدا، ولا راعيا للناس .
وقد تحدَّثتُ عنه الكثيرَ في الدرس الماضي، وكيف أنه وُضِع له مرة سنامُ ناقة فبكى، وقال: ((بئس الخليفةُ أنا, إذا أكلتُ أطيبَها، وأكل الناسُ كراديسها)) .
وحينما قرقر بطنُه, قال: ((قرقِرْ أيها البطنُ، أو لا تقرقر، فو اللهِ لن تذوق اللحمَ حتى يشبع منه صبيةُ المسلمين)) .
وحينما قال: ((واللهِ لو تعثَّرت بغلةٌ في العراق, لحاسبني اللهُ عنها, لِمَ لَم تصلح لها الطريقَ يا عمر؟)) .
وحينما رأى إبلا سمينةً, فإذا هي لابنه عبد الله، قال: ((ائتوني به، فلما جاؤوا به, قال: ما هذه؟ قال: إبلٌ اشتريتُها بمالي، وبعثتُ بها إلى المرعى لتسمن, فماذا فعلتُ؟ قال: ويقول الناسُ: اِرعَوا هذه الإبل, فهي لابن أمير المؤمنين، اُسقوا هذه الإبلَ, فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلُك يا ابن أمير المؤمنين، أعرفتَ لماذا هي سمينة؟ لأنك ابني، بِع هذه الإبل، وخذْ رأسَ مالك، ورُدَّ الباقي لبيت مال المسلمين)) .
هو الذي قال: ((كان إذا أراد إنفاذَ أمرٍ, جمع أهلَه وخاصَّته، وقال: إنني قد أمرتُ الناسَ بكذا, ونهيتهم عن كذا، والناسُ كالطير، إن رأوكم وقعتم وقعوا، وايمُ اللهِ لا أوتيَنَّ بواحد وقع فيما نهيتُ الناسَ عنه, إلا ضاعفتُ له العقوبةَ, لمكانه مني)) .
وهو الذي قال وهو يمتحن أحدَ الولاة: ((ماذا تفعل إذا جاءك الناسُ بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يدَه، قال: فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدَك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه, لنسُدَّ جوعتَهم، ونستر عورتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن وفَّينا لهم ذلك, تقاضيناهم شكرَها، إن هذه الأيدي, خُلقت لتعمل, فإن لم تجد في الطاعة عملا, التمست في المعصية أعمالا ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية)) .
عملاقُ الإسلام، قال مرة: ((أيها الناس, خمسُ خصال خذوني بهن: لكم عليَّ الحقُّ ألاّ آخذ من أموالكم شيئا إلا بحقِّه، ولا أنفق من هذه الأموال إلا بحقه، و لكم عليَّ أن أزيد عطاياكم إن شاء اللهُ تعالى، ولكم عليَّ ألّا أجمِّركم في البُعوث، فإذا غِبتم في البعوث, فأنا أبو العيال حتى ترجعوا)) .
الحديث عنه يطول، ولا تكفيه جلساتٌ، ونحن في دروس سابقة بفضل الله عزوجل أمضينا فيما ثمانِية دروس، مع هذا الخليفة العظيم الراشد، وهو قدوةٌ لنا جميعا، قال عليه الصلاة و السلام: ((لو كان نبي بعدي لكان عمر)) .
استأذن السيدةَ عائشة في حياته, أن يُدفَن إلى جنب رسول الله، وقبل أن يموت, وصَّى ابنَه: ((مُرَّ بجنازتي أمام بيت السيدة عائشة، واستأذنها ثانية، فلعلها أذِنت لي، وأنا خليفةُ المسلمين، أريد أن تأذن لي، وأنا قد فارقتُ الحياةَ, -طلب أن يستأذنها بعد وفاته، لئلا يكون منصبُه ضاغطا عليها- إن أذنت لك، وأنا في النعش, فادفِنِّ إلى جنب رسول الله)) ورعٌ ما بعده ورع، ورحمةٌ ما بعدها رحمة .
سيدنا الصديق استخلفه، عوتِب: ((استخلفتَ علينا هذا الرجلَ الشديد، فقال سيدنا الصدِّيقُ : أتخوِّفونني بالله؟ واللهِ إذا سألني اللهُ يوم القيامة لِم استخلفتُ عليهم عمرَ؟ لأقولنَّ: يا ربُّ استخلفتُ عليهم أرحمهم، -بشهادة الصدِّيق سيدنا عمر أرحمُ الخلق بالخلق بعد رسول الله- ثم قال: هذا علمي به، فإن بدَّل و غيَّر, فلا علمَ بي بالغيب)) .
أيها الأخوة, حينما يُذكر الصحابةُ الكرام, تتعطَّر المجالسُ لكمالهم، ولأدبهم، ولتواضعهم ، ولعطائهم، ولبذلهم، ولسخائهم، ولثقتهم بالله، وبتحمُّلهم، إنه عملاق الإسلام، وفاروق الإيمان الذي أعزَّ اللهُ به تعالى دينَه، ورسولَه أولاً، ثم أعزَّ الله به الأمةَ ثانيا .
عَنْ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ؛ بِأَبِي جَهْلٍ, أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, قَالَ: وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

طلب النخبة اللهم صلِّ عليه، والنخبة تحمل معك، أما الآخرون فيجب أن تحملهم، وشتَّان بين من يحمل معك، وبين من تحمله، يأتيك لا شهادة، ولا عمل، ولا إتقان، كله كسل، يريد أن تزوِّجه، وتؤمِّن له بيتا، هناك من يأتي ليأخذ فقط، هناك من يأتي ليعطي .
فعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى, وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ, وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى, وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ, وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ, وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ, احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ, وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ, وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ, فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا, وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ, فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

قال عمر: ((وإني أرى الرجل ليس له عمل يسقط من عيني)) .
أيها الأخوة، مرة ذهبتُ إلى مكان تصليح سيارات, وجدتُ أحدَ الأخوة الكرام, يعمل مدرِّسا في مسجدنا، يرتدي الثياب الزرقاءَ، ويعمل في تصليح السيارات، شعرت أن هذا الإنسان كبير عند الله في النهار، ويعمل عملا، ويكسب رزقا، وفي المساء يدرِّس، فهذا الذي يعمل له عند الله شأنٌ كبير .
هذه أمُّ كلثوم, الزوجة الطيِّبة, العاقلة الرشيدة, شهدت حياةَ رجل من عظماء الإسلام خاصةً، ومن كرام البشرية ثانيا، لماذا نساءُ النبي عليهن رضوان الله مُنِعن من الزواج بعد رسول الله من أيِّ رجل؟ قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾

[سورة الأحزاب الآية: 53]

لماذا؟ لأن التي عاشت مع رسول الله, لا يمكن أن يعجبها أحدٌ بعده، مستحيل، فكلما كانت المرأة مع رجل عظيم, حينما تقترن برجل آخر لا تحتمل .
أمُّ سلمة لها زوج, كان ملءَ السمع والبصر، رجلٌ بكل معنى الكلمة؛ شجاعة، وكرم، وحكمة، وعقل، ووسامة، مات زوجُها, فعلَّمها النبيُّ دعاءً، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ, اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي, وَاخْلُفْنِي خَيْرًا مِنْهَا, إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ, وَخَلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا, قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ, قُلْتُ: مَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِي, فَقُلْتُهَا: اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي, وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا, قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))

[أخرجه أحمد في مسنده]

حينما قالت: اخلفني خيرا منها، لم تقتنع بهذا الكلام، لأنها لا ترى خيرا من أبي سلمة، أين الذي هو أحسن منه؟ فإذا بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام يخطبها، طبعا النبيُّ أعلى من أبي سلمة ، لكن واخلفني خيرا منها، ما من إنسان يُصاب بمصيبة و يصبر، ويقول: ((اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي, وَاخْلُفْنِي خَيْرًا مِنْهَا, إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ, وَخَلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا)) .
وقد رسم هذا الخليفةُ العظيمُ للدنيا قاطبةً صورةَ الحق، والعدل، والإحسان، له كلمة بعد ألف وأربعمائة عام, عُدَّت من حقوق الإنسان: ((متى استعبدتم الناس, وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟)) له إدراك عميق جدا، وسبَّاق، والآن المُلاحظ من هو القويُّ في العالم؟ المنتِج، من هو الضعيف ؟ المستهلِك، ((ويل لأمة تأكل ما لا تزرع، وتلبس ما لا تنسج)) .
ويُضاف على هذه المقولة: وتستخدم من الآلات ما لا تخترع، أنت عندك آلة، وفيها قطعة تعطَّلت، قيمتها الحقيقية عشرُ ليرات، ويقول لك: ثمانية آلاف وخمس مائة، هل لك أن تتكلم كلمة؟ أنت عبدٌ لهم, يسمُّونها: حرب قطع الغيار، نصنع صناعة نبيعها للناس، فيتعلَّقون بنا، والآن كم من ميكروباص بالقطر, وتعمل عشرين ساعة في اليوم، كل قطع الغيار تُستورَد، ندفعها من ثمن قمحنا، وقطننا، ومنتجاتنا, وبأسعار مرتفعة .
اليابان لها سياسة؛ تبيعك السيارةَ رخيصة جدا، وتبيعك القطع بمائة ضعف، أنت تقع في مطبٍّ، رخيصة، اشتريتها، بعد أن تشتري هذه السيارة, تدفع أضعافا مضاعفة ثمن قطع غيارها، هذه حربُ القطع .
فسيدنا عمر, أدرك أن هناك مستهلِكا، وهناك منتِجا، المنتج قويٌّ، والمستهلك ضعيف ، هذه السنوات العشر كان فيها العالَم مقسَّما إلى يمين ويسار، شرق وغرب، شرق يؤمن بالمجموع ، وغربٌ يؤمن بالفرد، هذا التقسيم غير صحيح، التقسيم الحقيقي طبعا المادي، ولا أقول الروحي, المادي منتج ومستهلك، المنتج متحكِم في المستهلك، والمنتج قويٌّ، والمستهلك ضعيف .
أحيانا عندنا عقود إذعان، لا تستطيع أن تسأل عن السعر، يقال لك: أطلقنا على هذه الطائرة مائة صاروخ، كلُّ واحد قيمته سبعمائة وخمسون ألف دولار، أطلقوا خمسًا، وقيَّدوا علينا مائة، طبعا سبعمائة وخمسون مليار, ذهبت من الشرق إلى الغرب, هذه مشكلة، فسيدنا عمر أدرك هذه الحقيقة في وقت مبكِّر جدا .
زار قريةً, فإذا بأصحاب الفعاليات الاقتصادية, ليسوا من المسلمين، فلما عاتبهم على هذا التقصير, وهذا الكسل، قالوا: ((إن الله سخَّرهم لنا، -هذه كلمة مضحِكة وساذجة- فقال هذا الخليفةُ العملاق: كيف بكم إذا أصبحتم عبيدا عندهم؟)) .
والشيء الواضح تماما أن المنتج هو القوي، بل إن هؤلاء الأقوياء لهم مقولة مضحكة؛ مضحكة في ميزان القيم، أما هي فواقعة: ما دمتَ قويَّا فأنت على حق، حقُّهم القوة، هذه شريعة الغاب، شريعة الغاب القويُّ هو المنتصِر .
ماذا قال سيدنا الصدِّيق؟ قال: القويُّ فيكم ضعيف عندي, حتى آخذ الحقَّ منه، والضعيف منكم قويٌّ عندي, حتى آخذ الحقَّ له، هذا الفرق الواضح بين حضارة المسلمين و حضارة الشاردين إن صحَّ التعبيرُ, إن حضارة المسلمين, القوة لصاحب الحق، حضارة الشاردين صاحب الحق هو القويُّ، القوي صاحب الحق، أما عند المسلمين صاحب الحق هو القوي، أبدا .
أهلُ سمرقند, بلغهم أن فتح بلادهم, لم يكن شرعيا، تسلَّل وفدٌ منهم خفيةً عن حاكم سمرقند المسلم إلى باب الخليفة عمر بن عبد العزيز، وعرضوا عليه مشكلتهم، قال: ورقة صغيرة ؛ قصاصة كتب عليها: إلى فلان, اخرُج من سمرقند، واعرض عليهم الإسلامَ أوَّلا، فإن أبوا, فأعرض عليهم الجزية، فإن أبوا فقاتلهم، ظنوا أنه يضحك عليهم بهذه القصاصة، ورقة صغيرة، جيش دخل، وفتح، واستقر، وتمكَّن، وحكم مدينة عظمى محتلة, يخرج منها بورقة, فلما ذهبوا إليه ، وأعطوه هذه القصاصة قبَّلها، وقال: سمعا و طاعة سأخرج، قال: هكذا، قال: إذًا: ابقوا نحن مسلمون، التاريخ الإسلامي شيء لا يُصدَّق .
اليوم أخٌ كريم قال لي: يقرأ عن تاريخ الصحابة, قال لي: شيء لا يُصدَّق، كان تعليقي أن قلت: ولكن الله هو هوَ، إلههم إلهنا، وسننه قائمة، أنت تحرَّك وفقها فقط، الله عزوجل هو هوَ، و ما تغيَّر، نحن وحدنا تغيِّرنا، سنته قائمة .
الآن تصوَّروا، وإن كان شيئا, يبدو لكم مضحِكا؛ تصوَّر دولةً ضعيفة جدا متخلِّفة، بل لا توجد دولة، قبائل رُحَّل في صحراء, ينتشرون على أمريكا بقوتها النووية، والصاروخية، والأقمار الصناعية، والحبة الجرثومية، والقنابل الذكية، وقنابل الشبح، والبوارج في البحار، معقول هؤلاء البدو الرحل الذين في طرف الصحراء, يصبحون أقوى أمة في العالَم، إذا كان اللهُ معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك .
معقول النبي عليه الصلاة والسلام مُلاحق, مهدورٌ دمُه, مئة ناقة لمن يأتي به حيًّا أو ميِّتا ، يتبعه سراقة ليأخذ المائة ناقة، أراد أن يقتله ليأخذ المائة ناقة، غاصت قدما فرسه في الرمل، أول مرة، وثاني مرة، فقال له: يا سراقة, كيف بك إذا لبستَ سواري كسرى؟ شيءٌ لا يُصدَّق؛ إنسان ملاحق، ومهدور دمُه، مائة ناقة لمن يأتي به حيا أو ميتا, يعِد سراقة بسواري كسرى، بدوي، أنت ستكون في البيت الأبيض، نفس المسافة، لا تضحكوا، المسافة نفسها بين قبائل في الصحراء, و بالتعبير المعاصر، متخلفة فقيرة، أرضها قاحلة، لا نبات فيها، ماؤها قليل، كل شيء ثمين عندهم، دولتان عظيمتان متربِّعتان على مجد الدنيا, تضمحلاَن في ربع قرن، ويصبح المسلمون سادة الدنيا ، كانوا رعاةَ الغنم, فصاروا رعاة الأمم .

إليكم هذا الخطب الجلل الذي أصاب كبد أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب :

فهذه الزوجة الطيِّبة أمُّ كلثوم, شهدت حياة هذا العملاق الكبير، لكن هذه السعادة لم تدُم إلى أم كلثوم, حيث طالت يدُ الإثم الإجرام حياةَ عمر, فطعنته طعنات قاتلة، هذا الذي طعنه بعد أن طُعن سيدنا عمر، وهو يصلِّي، لما أفاق من غيبوبته، قال: ((هل صلى المسلمون الفجر؟)) الشيء الذي يقلقه صلاة الفجر، هل صلى المسلمون الفجر؟ .
قالت أمُّ كلثوم حينما جاؤوا به إليها: ((واعمراه، وكان معها نسوةٌ, فبكين معها، وارتجَّ البيتُ بالبكاء، قال عمر, ولم يمُت بعد: لو أن لي على الأرض من شيء لافتديتُ به من هول المطلع، -الواحد الآن يعيش، لكن هول المطلع، حينما يواجه الحقيقة العظمى، حينما يواجه الآخرة، حينما يواجه يوم الدينونة، يوم الحساب، يوم يُحاسب الإنسان عن كلمة، وعن نظرة، وعن درهم، قال تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

[سورة الزلزلة الآية: 7-8]

فقال له ابنُ عباس: واللهِ إني لأرجو ألاّ تراها إلا مقدار ما قال الله تعالى:

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾

[سورة مريم الآية: 71]

-سيدنا عمر يسأل سيدنا حذيفة, يقول له: ((بربَّك هل اسمي مع المنافقين؟)) من شدة ورعه، ومن شدَّة خوفه من الله عز وجل، ومن شدة محبَّته، ومن شدة تعظيمه لله- قال له ابن عباس: و اللهِ إني لأرجو أن لا تراها إلا مقدار ما قال الله تعالى:

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾

[سورة مريم الآية: 71]

ما علمنا لأمير المؤمنين، وأمين المؤمنين، وسيد المؤمنين، يا أمير المؤمنين, إنك تقضي بكتاب الله، وتقسم بالسويَّة، فأعجبه قولي, فاستوى جالسا، فقال: أتشهد لي بهذا يا ابن عباس؟ قال: فكففتُ, فضرب على كتفي، فقال: اِشهد، قلتُ: نعم أنا أشهد، ثم توفِّي عمر)) .
الآن هذه وقائع في التاريخ، دقِّقوا كم نحن بعيدون عن هذه الوقائع؟ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ:

((وُضِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى سَرِيرِهِ, فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ, يَدْعُونَ, وَيُثْنُونَ, وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ, وَأَنَا فِيهِمْ, قَالَ: فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا بِرَجُلٍ, قَدْ أَخَذَ بِمَنْكِبِي مِنْ وَرَائِي, فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ, فَإِذَا هُوَ عَلِيٌّ, فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ, وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ, وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ, وَذَاكَ أَنِّي كُنْتُ أُكَثِّرُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ: جِئْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ, وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ, وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ, فَإِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَوْ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَهُمَا))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

هذا كلام سيدنا علي، فما بالُ المسلمين بعد حين من زمان, يفرِّقون بين الصحابة، سيدنا علي يكنُّ هذا الولاء، وهذا الحبَّ لسيدنا عمر، سيدنا علي حينما توفي أبو بكر، ألقى خطبة تُكتب بماء الذهب, قال: كنتَ أشبهنا برسول الله خَلْقا وخُلقا، كنت معه لما قعدوا، سماك الله في كتابه صدِّيقا، حيث قال:

﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾

[سورة الزمر الآية: 33]
هكذا كان الصحابة الكرام، ولاء ما بعده ولاءٌ .
سيدنا علي أعطى ابنته لمن؟ لسيدنا عمر، فإذا كان هناك عداءٌ، وإذا كان هناك حقد, و العياذ بالله, هل يمكن أن تعطيَ ابنتك لإنسان تكرهه؟ مستحيل، سيدنا علي أعطى ابنته أمَّ كلثوم لمن؟ لسيدنا عمر .
معنى ذلك: أن بين الصحابة من الودِّ، والحب، والتعاون ما لا يُصدَّق، وهذا الذي أُضيف على التاريخ، هذا الذي أضيف على تاريخنا, شيءٌ يجب أن يُمحَّص، لا أن يؤخذ على علَّاته، غسَّله ابنُه عبدُ الله، ونزل في قبره ابنه عبد الله، وعثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف .
وقال ابنُ سعد: ((طُعِن عمرُ يوم الأربعاء لأربع ليالٍ بقين من ذي الحجة، ودُفن يوم الأحد, وكان خلافتُه عشرَ سنين، ودُفن مع النبي صلى الله عليه و سلم)) .
وإذا ذهب الرجلُ إلى المدينة المنوَّرة, يزور رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيقف أمام قبر النبي، ويسلِّم على النبي، ويدعو له الدعاءَ المأثور، ثم ينتقل إلى قبر سيدنا الصدِّيق، ثم ينتقل إلى قبر سيدنا عمر، عملاق الإسلام .
بقيت أمُّ كلثوم بعد وفاة زوجها عمر حزينة عليه حزنا شديدا, لا يغيب عن فكرها، تذكره بفضائله، وبإحسانه، وهيبته، وبشدَّته، وليونته، وبعدله، وإنصافه، وكان ابنها زيد يجلس إليها, يهدِّئ من روعها، ويخفَّف من آلامها، ولكنه أحيانا يبكي معها، فتنهمر دموعُه لوعةً على فراق أبيه، عطفا على أمه .

إليكم قصة زواجها من عون بن جعفر بعد وفاة زوجها الأول :

الآن دقِّقوا، وما أن انقضت أيامُ عدَّتها من زوجها الراحل, حتى يفاتحها أبوها عليُّ بن أبي طالب بالزواج، فيسرع أخواها الحسن والحسين, يحذِرانها من أن تجعل أمرها بيد أبيها, لئلا يزوِّجها من أقاربه الأيامى، خشية عليها أن تكون زوجة لرجل دون عمر، فإنها واللهِ لن تجد في الرجال أمثالَ عمر .
فقد ذكر ابنُ الأثير روايةً تاريخية عن الحسن و الحسين ابني علي بن أبي طالب, قال: لما تأيَّمتْ أمُّ كلثوم, ربنا عزوجل قال:

﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾

[سورة الزمر الآية: 33]
الأيامى جمع أيِّم، والأيم: من لا زوجةَ له، أو من لا زوج لها، أي طرف من دون طرف آخر، بكرا كانت أم ثيِّبا، والأمر أمر ندبٍ:
﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾

[سورة الزمر الآية: 33]

بحسب السنة جاءها أبوها, و قد ذكر ابن الأثير عن الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب قال: ((لما تأيَّمتْ أمُّ كلثوم من عمر بن الخطاب رضي الله عنهم, دخل عليها الحسن والحسين, إنكِ ممن عرفتِ سيدةُ نساء المسلمين، وبنت سيدتهن، وإنكِ واللهِ إن أمكنتِ عليًّا من تزويجك, ليُنكِحنَّكِ بعضَ أيتامه، ولئن أردتِ أن تصيبي بنفسك مالا عظيما لتصيبنَّه، فو اللهِ ما قاما, حتى طلع عليُّ بن أبي طالب, يتَّكل على عصاه, فجلس فحمد اللهَ، وأثنى عليه، وذكر منزلتهم من رسول الله, -أي الحسن و الحسين- وقال: قد عرفتم منزلتكم عندي يا بني فاطمة، وأثرتكم على سائر ولدي، لمكانكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرابتكم منه، فقالوا: صدقتَ رحمك الله، وجزاك الله عنا خيرا, قال: أيْ بنيَّة, إن الله عزوجل قد جعل أمركِ بيدكِ، فأنا أحبُّ أن تجعليه بيدي، فقالت: أيْ أبتِ! إني امرأةٌ أرغب فيما يرغب فيه النساءُ، وأحب أن أصيب مما تصيب النساءُ منه، وأنا أريد أن أنظر في أمر نفسي، -أي دعني أنا أختار، هذا شيء طبيعي جدا- فقال: لا و اللهِ يا بنيَّتي، ما هذا من رأيك، -هذا ليس منك، هذه تعليمة تغذية.
أحيانا تعرف شخصا معرفة جيدة، يفاجئك بأفكار جديدة، هذه ليس منك، هذه جاءتك تغذية، من أطراف، فشعر هذا الصحابي الجليل, أن هذه الأفكار ليست أفكار أم كلثوم، واللهِ يا بنيتي ما هو إلا رأيُ هذين, الحسن والحسين, هذه ليست منكِ .
أحيانا الابن له رأي، والأب له رأي، والزوجة لها رأي، هناك حبٌّ، ومودَّة، وثقة، لكن ينشأ أحيانا اختلاف وجهات نظر- ثم قام فقال: و اللهِ لا أكلِّم رجلا منهما أو تفعلين، إن لم تسلِّمي أمركِ إليَّ, لا أكلِّم واحدا من هؤلاء -الحسن و الحسين- فأخذا بثيابه, فقالا: اجلِس يا أبي، فو اللهِ ما على هجرانك من صبر، -لا نتحمَّل إن قاطعتنا، هل رأيتَ الودَّ؟ هكذا ينبغي أن تكون الأسرةُ، إذا أعرض الأب عن ابنه, فهذا أكبر عقاب- فأخذا بثيابه فقالا: اجلس يا أبي, فو اللهِ ما على هجرانك من صبر، اجعلي أمركِ بيده، فقالت: قد فعلتُ كما تشاء، قال: فإني قد زوَّجتكِ من عون بن جعفر- ابن سيدنا جعفر، ابن أخيه الذي استُشهِد في مؤتة .
سيدنا جعفر بن أبي طالب أخو سيدنا علي، وهو الذي أمسك الراية، وكان القائدَ الثاني، أمسك الراية بيمينه فقُطعت يمينُه، فأمسكها بشماله فقُطِعت شمالُه، فأمسكها بعضديه، وُجِد في جسمه أكثر من تسعين طعنة، وبكى النبيُّ بكاءً شديدا حينما بلغ نباُ استشهاده، وسمَّاه جعفر ذا الجناحين، هذا ابنُه عونُ بن جعفر- قال: فإني قد زوجتكِ من عون بن جعفر، وإنه لغلام, وبعث لها بأربعة آلاف درهم، وأدخلها عليه)) .
لقد كانت أمنيةُ علي بن أبي طالب أن يزوِّج بناته من أولاد أخيه جعفر بن أبي طالب، من قبل أن يزوِّج أمَّ كلثوم لعمر بن الخطَّاب، وهذا ما قاله حين خطبها عمرُ: ((إني حبستُ بناتي على بني جعفر)) إكراما لوالدهم الشهيد .
الآن تحقَّقت أمنيةُ علي بن أبي طالب، والآن أمُّ كلثوم بعد سيدنا عمر, أصبحت زوجةً لابن سيدنا جعفر اسمُه: عون، و كان لآل جعفر عند الإمام علي مكانة عظيمة، فأولادُ جعفر هو أولاد أخيه، وكانوا قد دخلوا في رعايته بعد استشهاد أبيهم، النبيُّ قال: ((العم والد)) .
أعرف رجلا في أحد أحياء دمشق, تُوُفِّيَ أخوه, ترك له خمس بناتٍ، وهو عنده خمسُ بنات، العمُّ زوَّج بنات أخيه كما زوَّج بناته بالتمام والكمال، الترتيبات نفسها، والإكرام نفسه، الحاجات نفسها، هذا الأصل، ((العم والد)) .
أما الآن مع التفكُّك الأسري, صار العمُّ عدوًّا، العم في الإسلام والد تماما، يُعامل أولادَ أخيه كما لو أنهم أبناؤه، حتى في الميراث, أعطِي ميراث الأب المتوفَّى في حياة أبيه إلى العم، ليكون العمُّ راعيا لأولاد أخيه .
ولحكم هذه القرابة بين أبناء جعفر وعمِّهم علي, كانت تفضيل تزويج أمِّ كلثوم لأكبر أولاد جعفر، كأحسن صنيع يتَّخذ العمُّ تُجاه أبناء أخيه الأيامى عنده، فزوَّجها أبوها بعون بن جعفر فأحبَّته، ومات عنها، أي مات في حياته .

لمحة عن سيرة عون بن جعفر :

أيها الأخوة, وعونُ هذا, ابن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطَّلب القرشي الهاشمي، والدُه جعفر ذو الجناحين، وُلد على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم، أمُّه أم أخويه عبد الله و محمد، أسماء بنت عُميس الخطمية، أسلمت قديما، وهاجرت الهجرتين، و كانت مصاحبةً لفاطمة حتى وفاتها، استشهد عونُ بن جعفر بتُستُر، ولا عقِب له بخراسان، مدينة في بلاد فارس، كان في جهاد, فاستُشهد هناك .

قصة زواجها من محمد بن جعفر بعد وفاة زوجها الثاني, ولمحة عن سيرته :

أيها الأخوة, فلما انقضت عدَّتُها, أبقت أمرها بيد أبيها، فزوَّجها أبوها رضي الله عنه بمحمد بن جعفر الثاني، فمات، ومحمد هذا هو ابن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن ذي الجناحين، القرشي الهاشمي، وهو ابن أخ علي بن أبي طالب، أُمُّه أسماءُ بنت عُمير، وُلد على عهد رسول الله، وكانت ولادتُه بأرض الحبشة، في أثناء الهجرة الأولى، وقدم المدينة طفلا، ولما جاء نعيُ جعفر إلى رسول الله, جاء إلى بيت جعفر، وقال: ((أخرجوا إليَّ أولادَ أخي، فأخرج إليه عبد الله, و محمد, وعون، وضعهم النبيُّ على فخذه, ودعا لهم, وقال: أنا وليُّهم في الدنيا والآخرة، و قال صلى الله عليه وسلم: أما محمد فيشبه عمَّنا أبا طالب)) .
وقيل: ((إنه استشهد بتستر أيضا، ولم يكن له ولدٌ)) .

من هو زوجها الرابع بعد رحيل الثالث, وما هي سيرته؟ واليكم قصة وفاتها :

أيها الأخوة, فلما انقضت عدَّتها من محمد بن جعفر، أبقت أمرها بيد أبيها، ثم زوَّجها أبوها من عبد الله بن جعفر الثالث، فماتت عنده، وعبد الله هذا, هو ابن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، له صحبة مع رسول الله، وأمُّه أسماء بنت عميس، ولد بأرض الحبشة، وكان أبواه رضي الله عنهما مهاجرين إليها، وقدم مع أبيه إلى المدينة، وتُوفِّي النبيُّ عليه الصلاة و السلام ولعبد الله عشرُ سنين .
كان عبدُ الله كريما, جوادا, حليما, روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أحاديث كثيرة، قال الإمام ابن حجر: ((أخبارُه في الكرَم شهيرة، وكان يقال له: قطبُ السخاء)) .
أيها الأخوة, بعد أن أقامت أمُّ كلثوم الطاهرة الزكية عند الزوج الثالث من أبناء جعفر بن أبي طالب، ألَّم بها المرض، حتى توفَّاها الله تعالى راضيةً مرضيةً، ولم تكن قد ولدت من أزواجها الثلاثة أيَّ ولد، أولادها فقط من سيدنا عمر، وقد صادف يومُ وفاتها يومَ وفاة ابنها زيد بن عمر بن الخطاب، الذي توُفي شابا، ولم يعقب، وصلى عليه وعلى أمه عبدُ الله بن عمر، ودفنهما في المدينة ، وذلك في أوائل دولة معاوية، وذلك في حدود سنة خمسين للهجرة، ورحلت أمُّ كلثوم، وقد عاشت أياما مليئة بالأحداث، سواء التي شهدتها أيامَ خلافة زوجها عمر بن الخطاب، أو التي شهدتها من بعده، وهي زوجة آل جعفر، وعلى الأخص أيام خلافة أبيها علي بن أبي طالب .

خلاصة القول :

أيها الإخوة, هذه نبذة عن حياة هذه الصحابية الجليلة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، أمها فاطمة، زوَّجها أبوها من محبَّته وتقديره لسيدنا عمر، ثم زوَّجها لأولاد جعفر، وهكذا كان أصحابُ النبي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، على حبٍّ شديد, وعلى وفاء, وإخلاص، أما المسلمون الذين جاؤوا من بعدهم, فهم الذين افتعلوا هذه الخلافات، وهي في الأصل غير موجودة.

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 01-12-2017, 01:05 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,041
معدل تقييم المستوى: 3
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة الصحابيات من موقع النابلسي

السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات ـ بنات النبي الكريم – سيرة السيدة رقية ذات الهجرتين
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-06-08





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

لمحة قصيرة عن سيرة رقية بنت النبي :

أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الخامس والعشرين من دروس سير الصحابيات الجليلات ، ومع بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابية الجليلة رُقية ذات الهجرتين .
هي رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمها خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ولدت بعد زينب، وأسلمت مع أمها خديجة وأخواتها، هاجرت الهجرتين إلى الحبشة أولاً، وإلى المدينة المنورة ثانياً، من تزوجها؟ هاجرت السيدة رقية الهجرتين
تزوجها عُتبة بن أبي لهب، فلما أنزلت آية:

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾

[سورة المسد الآية: 1]

قال أبوه له:

((رأسي من رأسك حرام, إن لم تطلِّق ابنته، ففارقها قبل الدخول .
-فقد ذاق النبي صلى الله عليه وسلم مأساة تطليق البنت، طلاق المرأة كسرها، وكسرٌ لأبيها وأمها، النبي عليه الصلاة والسلام حينما جعله الله أسوةٌ حسنة للمؤمنين إلى نهاية الدوران، كان كاملاً في كل موقف، ذاق ألم فقد الولد، ذاق ألم تطليق البنت، ذاق ألم أن يفشو في المدينة حديثٌ لا يليق بالسيدة عائشة زوجة رسول الله، ذاق ذلك، ذاق الفقر، وذاق الغنى، وذاق القهر، وذاق النصر، وذاق الصحة، وذاق المرض، كل شيءٍ أذاقه الله عز وجل، ووقف الموقف الكامل، ليكون عليه الصلاة والسلام أسوةً حسنة- .
فقال له أبو لهب: رأسي من رأسك حرام, إن لم تطلق ابنته فطلقها، -من تزوجها بعد عُتبة بن أبي لهب؟ عثمان بن عفان, قال تعالى:

﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾

[سورة محمد الآية: 38]
أحياناً يقع ظلمٌ بين الزوجين، الله سبحانه وتعالى يغني كلاً من سعته، بل إن الطرف المظلوم هو المكرَّم عند الله عز وجل، اجعل نصيبك الله في كل شيء، كن في طاعته، واجعل نصيبك رضوان الله عز وجل، وأنت الفائز، والعاقبة لك، على كلٍ آية:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾

[سورة المسد الآية: 1]

فيها إعجاز، أبو لهب حي يرزق، وجاءت الآية تقول:

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾

[سورة المسد الآية: 1]

وهو ذكي، أعملَ عقله، لو أنه ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعد نزول هذه الآية ، وقال له: أشهد أن لا إله إلا الله, وأنك رسول الله، نفاقاً لو قالها، لأبطل هذه الآية، هناك أبلغ من ذلك، يقول الله عز وجل:

﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾

[سورة البقرة الآية: 142]
ذكاؤك لا ينفعك مع الله
هؤلاء وصفوا بأنهم سفهاء، وأنهم سيقولون هذا, وعقولهم في رؤوسهم، لو أنهم سكتوا لأبطلوا هذه الآية، أبو لهب يحتاج إلى أن يذهب، وأن يعلن إسلامه، ليبطل هذه الآية، هؤلاء لو سكتوا، وإنّ الله عز وجل إرادته طليقة، بيده كل شيء، لو أعطاك الاختيار، قادرٌ أن يسلبه منك في أيَّة لحظة,
((إن الله تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبَّه))
لا ينفعك مع الله ذكاؤك، ولا عقلك، ولا حسن تدبيرك، يؤتى الحذِر من مأمنه، ينفعك مع الله استقامتك، ينفعك مع الله توبتك، ينفعك مع الله إنابتك، هذا الذي ينفعك، لو كنت أذكى الأذكياء وأراد الله أن يؤدِّبك، سلب منك العقل .
أجل الإنسان بيد الله لا يدري متى يأتيه
لذلك هناك أشخاصٌ, يتميزون بالذكاء، يرتكبون حماقاتٍ ما بعدها حماقات، اعتدوا بذكائهم, فحجب الله عنهم ذكاءهم، اعتدوا بقوتهم, فحجب الله عنهم قوتهم، اعتدوا بمالهم, حجب الله عنهم طريقة الانتفاع بمالهم- .
فارقها قبل أن يدخل بها، ثم تزوجها عثمان بن عفان، وولدت له عبد الله، وبه كان يُكَنَّى ، وبلغ ست سنين، ثم توفي، وتوفيت رضي الله عنها ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدرٍ، وكانت قد أصابتها الحصبة))
وأجل الإنسان بيد الله، لا يدري متى يأتيه؟ .

إليكم هجرتها إلى الحبشة مع زوجها عثمان بن عفان, والعبر التي يمكن أن نستفيدها من هذه الهجرة ؟

أيها الأخوة, الآن ندخل في موضوع الهجرة الأولى: لقد كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة, رخصةً من الله تعالى للمستضعفين في مكة، من المسلمين الذي أوذوا، واضطهدوا من أجل إسلامهم .
قال ابن إسحاق:

((لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام ما يصيب أصحابه من البلاء، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدقٍ، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه .
-ماذا يستنبط من هذا الأمر؟ يستنبط من هذا الأمر رحمة النبي عليه الصلاة والسلام، هو في مَنَعَة، مكانته في بني هاشم، وعمه أبو طالب، تمنعه من أن ينال بأذى، لكن رحمته بأصحابه، وحرصه عليهم، وشفقته عليهم، حملته على أن يعطيهم هذه الرخصة .
أنبِّه إلى نقطة دقيقة، أرجو أن تكون واضحة: الإنسان يحب أن يكون الناس كلهم حوله، هذه شهوة، لذلك سمح لهم أن يغادروا مكة، وأن يعيشوا في بلاد الحبشة، وهم بعيدون عنه، طبعاً تبعد عنه خدماتهم, وولاؤهم, ومحبتهم، لكن رحمته صلى الله عليه وسلم كانت غالبةً .
شيءٌ آخر: أحياناً إنسان يغرر بإنسان، وهو في مكان أمين، هذا منتهى اللؤم، أن تورِّط إنسان, وأن تضعه في مكان تصعب الحياة فيه، وأنت معافى في مكان مرتاح فيه، النبي عليه الصلاة والسلام كان في المعمعة، وكان وسط المعركة، وكان في بؤرة المتاعب، ونجَّا أصحابه من هذه المتاعب, هناك من يفعل العكس، هو في مأمن، هو في بحبوحة، هو في مكان مريح، هو في وسائل الحياة المريحة، والذين غرر بهم, يعانون من الآلام ما لا يطاق، أهذا هو الوفاء؟ أهذه هي الرحمة؟ .
هاجر الصحابة للحبشة هربا من تنكيل قريش
هو في معمعة المشكلات، وقد أرسل أصحابه إلى الحبشة ليرتاحوا من العذاب، من الاضطهاد، من التنكيل، وهو عليه الصلاة والسلام لا يقدر أن يمنعهم، هو أيضاً ضعيف، لماذا كان ضعيفاً عليه الصلاة والسلام؟ لمَ لمْ يجعله الله ملكاً؟ فإذا أعطى أمر، ملايين مملينة تنفذ هذا الأمر، جعله ضعيفاً، حينما جاء بالرسالة، يستطيع أحد الناس أن يتهمه, ويقول: هذا ساحر, وقالوا: ساحر ، وقالوا: مجنون, قال تعالى:

﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾

[سورة القلم الآية: 2]

وقالوا : كاهن, وقالوا: مصاب بمرض يحتاج إلى طبيب، وقالوا: شاعر، والذين قالوا عنه: مجنون، وساحر، وكاهن، وشاعر، ناموا في بيوتهم مرتاحين، ما أحد تعرض لهم بالأذى، لأنه كان ضعيفاً، والحكمة في كونِ النبي ضعيفاً, ليكون الإيمان به حقيقةً، إيمانًا تحت الضغط، ليكون الإيمان به ثميناً، أما إذا كان الإنسان قويًا, فأنت بالطبع تعلن ولاءك له خوفاً منه، وتعلن ولاءك له طمعاً فيما عنده، أما إذا كان ضعيفًا, لم يكن قادراً على أن يحمي نفسه، ولا أصحابه، فإذا آمنت به، فإيمانك صحيحٌ مئةً في المئة، لا تعتريه شائبة، لأنك لا ترجوه ولا تخافه, قال تعالى:

﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى﴾

[سورة الأنعام الآية: 50 ]

﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً﴾

[سورة الجن الآية: 21 ]

أحبه أصحابه، تعلَّقوا به، فدوه بأرواحهم، وأموالهم، وأولادهم، ويقول لهم كل يوم:

﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً﴾

[سورة الجن الآية: 21]
الأبلغ من ذلك, قال تعالى:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾

[سورة الأعراف الآية: 188]
ويقول لهم:
﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 50]

﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾

[سورة الأعراف الآية: 188]
إنسان يقول للناس, قال تعالى:
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً﴾

[سورة الجن الآية: 21]

﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 50]

﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

[سورة الزمر الآية: 13]

والناس يتعلَّقون به، هذا هو الإيمان الصحيح، الإنسان أحياناً يميل لكي يؤمن بقوي، والقوي عنده أشياء كثيرة, يعطيك إيَّاها، يعطيك أمناً أحياناً، يقول لك: أنا من جماعة فلان، فتمشي بالعرض، يعطيك أمناً، يعطيك مالاً، يعطيك شأناً، أما حينما تؤمن بإنسان مغمور, لا يعرفه أحد، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، معنى هذا: أن إيمانك به صحيح، إيمانك به صادق، فهذا الذي يمكن أن يقال في هذا المقام:

((لو خرجتم إلى أرض الحبشة, فإن بها ملكاً, لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدقٍ, حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه))
فأكثر الذين يجتمع الناس حولهم، لا يحبون أن يغادرهم أحد، كلما كثُر سوادهم علا شأنهم، وكلما كثُر أتباعهم تمكَّنت مكانتهم، فلذلك هؤلاء الذين يحبون أن يجتمع الناس حولهم، لا يوافقون على أن يغادرهم أحد، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقلبه كقلب الأم، رحمته بأصحابه جعلته يسمح لهم أن يغادروا مكة إلى الحبشة، ويعيشون بعيدين عنه- .
فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة, مخافة الفتنة، وفراراً إلى الله تعالى بدينهم، فكانت أول هجرةٍ في الإسلام، وكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان، ومعه زوجته رُقية، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعظيم شأن الهجرة عند الله تعالى، أنزل فيها قرآنا يُتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾

[سورة النساء الآية: 97-99]

أيها الأخوة, وقعت الفُرقة بين رُقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين عُتبة بن أبي جهل ذلك قبل الدخول عليها للسبب الذي ذكر، تقدَّم عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخطبها، وينال شرف المصاهرة العزيزة، ويتقبَّل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هذا الخاطب الكريم، الذي كان أول من أسلم على يدي أبي بكر الصديق، ويزداد هذا الصحابي الجليل شرفاً على شرف حينما يكون صهراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
لقب عثمان بذي النورين لأنه تزوج من ابنتين من بنات النبي الكريم
قيل: لم ير زوجان قط أجمل ولا أبهى من رُقية وعثمان، كانا زوجين سعيدين، غير أن فرحة العروسين لم تكتمل، -لماذا؟- لأن عشيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه, حينما علمت أنه آمن بمحمد قاطعته، وحينما علمت أنه تزوَّج ابنته, ازدادت عداءً له، -وهذا شأن الحق والباطل إلى يوم القيامة، معركةٌ أزليةٌ أبدية بين الحق والباطل، أساسها الولاء، أهل الحق يوالون الحق، وأهل الباطل يوالون الباطل، فهذا الإنسان له مكانة عليَّة في قومه، فلما آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام, خسر من حوله، وهذا امتحان .
معركة الحق والباطل أزلية
في صحابي جليل اسمه: مصعب بن عمير، كان ابناً مدللاً لأسرةٍ سريةٍ جداً في مكة، فكانت حياته خيالية؛ يأكل أطيب الطعام، ويرتدي أجمل الثياب، وله مكانة، وله مال، فهو شاب، وله وسامة، وله أناقة في ثيابه، حياته ناعمةٌ جداً، فلما أسلم, قاطعه أهله، وحرموه كل شيء، هذه محنة، هذا امتحان .
أنت طالب جنة عرضها السموات والأرض إلى أبد الآبدين، لا يمكن من أن تمتحن، لا بدَّ أن تمتحن، الامتحان أساسي، وطِّنوا أنفسكم، كلما كان طلبكم أعلى كان الامتحان محققاً، أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين؟ قال: لن تمكن قبل أن تبتلى, قال تعالى:

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 142]

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

[سورة العنكبوت الآية: 2]

سلعة الله غالية، ومن طلبها بثمنٍ بخسٍ حُرم منها، عليك أن تؤدِّي الثمن- .
سيدنا عثمان حينما أسلم, خرج عن مشورة عشيرته، لذلك حقد عليه رجال عشيرته ونساؤها، وأخذوا يدبِّرون الكيد له ولزوجته، وحقدت قريش عليه، وأخذت موقفاً عدائياً منه، لأنه هجر دين قومه، وباع من حوله بدينه .
كان بلالا يوضع على الرمل الحارق وفوق صدره صخرة
لمَّا أخذت قريش في إعداد الأذى لكل من أسلم، وتقرب من محمدٍ صلى الله عليه وسلم، تشاور المسلمون فيما يتخذونه من تدابير شتَّى، لمواجهة حملات هؤلاء الأعداء، التي تستهدف تعذيب من أسلم أشد العذاب، فقد كان بلال يوضع على الرمل المُحرق، يوضع الحجر فوق صدره، ويقول: أحد أحد، -لذلك ما كان ثمة متنفَّس، وما كان في طريق للخلاص إلا الهجرة- .
أيها الأخوة, استجاب المسلمون لرغبة النبي عليه الصلاة والسلام في الهجرة إلى الحبشة ، وتسلل عددٌ منهم من مكة صوب الساحل، كي تقلَّهم سفينتان كانتا متجهتين صوب الجنوب، لو أن أهل قريش علموا بهجرة هؤلاء لمنعوهم، حتى مغادرة البلد تحتاج إلى موافقة، فكان هناك صعوبة كبيرة في التسلل إلى الحبشة دون أن يعترضهم معترض .
أول من ركب في هاتين السفينتين: سيدنا عثمان بن عفان، وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة وامرأته سهلة، والزبير، ومصعب، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة، وامرأته أم سلمة، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى .
هجرة الحبشة كانت عن طريق البحر
المرأة في الإسلام لها شأن كبير، هي كالرجل تماماً، من حيث التكليف، والتشريف، والمسؤولية، فهذا الذي يتوهَّم أن المرأة دونه بكثير، هذه نظرة جاهلية، الصحابيات الجليلات كُن عوناً لأزواجهن على طاعة الله- .
أمّر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون، -وهذا هو التنظيم الدقيق في الحياة الاجتماعية، التنظيم حضارة,

((إذا كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم))
أي نزهة, ليس فيها أمير, تقع فيها مشكلات لا تنتهي، كل واحد له مزاج، كل واحد له رأي، فحتى في الحج, إذا لم تكن فيه قيادة حكيمة للفوج، تنشأ مشكلات لا تنتهي، هذا النظام الذي أمر به النبي:
((إذا كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم))
أمره نافذ- ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المهاجرون منفردين أو مع أهليهم، حتى اجتمعوا بأرض الحبشة بضعةً وثمانين مهاجراً، عدا أبنائهم الصغار الذين خرجوا معهم أو ولدوا هناك، بضعةٌ وثمانون مسلماً, تركوا مكة المكرمة، وفيهم كبار الصحابة))
هو أنك مع الله, في بلدك، في بلدٍ بعيد، في بلدٍ قريب، في بلدٍ بارد، في بلدٍ حار، في قريةٍ صغيرةٍ، في مدينةٍ كبيرة، في بلادٍ جميلة، في بلادٍ غير جميلة، الله معك، وهذا من عظمة الإسلام,
((اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ))

[أخرجه الترمذي في سننه]
لكن أضع بين أيديكم بعض الحالات:
امرأةٌ محجبة في بلد، فإذا ركبت الطائرة، وغادرت هذا البلد إلى بلدٍ آخر، خلعت الحجاب ، وسافرت بأبهى زينة، أهذا إيمان؟ أبداً، هذا سلوك اجتماعي فقط، يوم كانت في بلدها، كانت مقهورةً بالنظام الاجتماعي، تخاف على سلامتها، تتحجَّب، فإذا ركبت الطائرة, هي في الطائرة, تخلع كل ثيابها، وتبدو في أجمل ثياب، لا قيمة لهذا الحجاب إطلاقاً .
المؤمن الحقيقي يعبد الله أينما كان لأن إيمانه طوعي
أي شيءٍ تفعله، فإذا سمحت لك فرصةً, تتخلى منه, فهو قهر، هو ضغط، المؤمن يعبد الله أينما كان، أينما ذهب، كقول أحد العلماء:
((بستاني في صدري, ماذا يفعل أحد أعدائي بي؟ إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟))
تجد المؤمن مستقيمًا في بلده، وفي السفر، وبالطريق، وفي الطائرة يتغيَّر، وثمة إنسان تحت ضغط, إذا رفع عنه الضغط, تفلَّت، إذًا: فهذا الذي يفعله في بلده ليس ديناً، إنما هو قهر .
لذلك أنا أتمنى على كل أخواننا الكرام ألا يلجؤوا مع أولادهم إلى القمع، أعرف رجلا والله لا أزكِّي على الله أحداً، لكن أعلمه صالحاً، لكن ما سلك مع بناته سلوك الإقناع والتعليم، سلك معهن سلوك الإجبار، أجبرهن على الحجاب، فلما توفي, خرجن سافراتٍ, كاسياتٍ, عاريات، فالبطولة أن تربي أولادك بطريقةٍ, لو غبت عنهم، لو غادرت الدنيا إلى الآخرة, أن يبقوا على العهد.
أعرف صديقًا لي, توفي بحادث، وله دعوةٌ في بيته طيبة، توفي بحادث، وترك زوجةً وثلاثة أولاد، الزوجة تركها في العشرين من عمرها، مضى على موته، أو هذا الحادث عشرون عامًا، وما تغير شيء في البيت, مما كان على عهده، له التزامه، انضباط البيت، لا يوجد اختلاط، لا توجد أجهزة لهو، البيت هوَ هو، إنسان يموت، ويخلف زوجة في العشرين وأولاد، ونظام البيت نظام إسلامي, لا يتغير فيه شيءٌ إطلاقاً، هذه البطولة، البطولة أن تدع أثراً يطبق بعد غيبتك .
من يطيعك خوفا منك يعصيك في غيابك
أما إن أطاعك من حولك في حضورك، وعصوك في غيابك, هذه ليست طاعة, الذي يخاف من قوتك, هذا لا يحبك، وهذا ليس مطيعاً لك، بل هو يحب نفسه، أطاعك لسلامة نفسه، أطاعك حباً بذاته، أما العبرة أن تطاع عن قناعة، لذلك:
((علموا ولا تعنفوا, فإن المعلم خيرٌ من المعنف))
حاول أن تُقنع، لا أن تقمع، حاول أن تقنع، لا أن تُجبر، سيد المرسلين، سيد الخلق, قال له:
﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾

[سورة الأنعام الآية: 66 ]

﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾

[سورة هود الآية: 86]

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾

[سورة البقرة الآية: 272]

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾

[سورة القصص الآية: 56]
الله عز وجل بين له, قال تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾

[سورة البقرة الآية: 256]
بطولتك أن تقنع أولادك بالإسلام بدل إجبارهم عليه
فبطولتك في تربية أولادك أن تقنعهم، لا أن تقمعهم، أن تأخذ بيدهم إلى الله، لا أن تجبرهم على شيءٍ ليسوا قانعين فيه .
رجل حضر درسًا أو درسي علم، فوجد الحجاب حقًّا، فألزم زوجته بالحجاب دون أن يقنعها، إما أن تضعي على رأسكِ هذا المنديل أو أطلقكِ، فهو له مكان عمل في بلد بعيد، يقول: هي في الطريق من دمشق إلى بيروت، وهي تبكي، لأنها وضعت الحجاب قهراً .
رجل حكيم نصحه أن تعود إلى ما كانت عليه، وأن يقنعها بالحجاب خلال ستة أشهر، وهذا الذي حدث، أقنعها، عاملها أطيب معاملة، بيَّن لها عظمة الشرع، بين لها ما عند الله من عطاء كبير إذا هي أطاعت ربها عز وجل، بين لها أن المرأة تؤذي من حولها إذا أظهرت مفاتنها ، إذا هي تطلب الحجاب منه طواعيةً، هذه البطولة أن تحمل من حولك على أن يختاروا طاعة الله ، لا أن تكرههم على طاعة الله، أن تقنعهم، أن تبيِّن لهم، حتى يختاروا هم طاعة الله، إذا اختاروا هم طاعة الله, ارتقوا بهذا الاختيار, أما إذا أكرهتهم لم تنفعهم، بل كرَّهتهم في الدين .
ومن الناس من يجبر أبناءه على الصلاة، فتجد هذا الابن يصلي، لكنه يكره الصلاة كما يكره الموت، أما إذا تلطَّف به، وشجَّعه، وكافأه، وأقنعه، فإذا صلى هذا الابن, فهذه صلاة جيدة جداً ، هذه صلاة ناتجة عن قناعته، فلذلك أقنع ولا تقمع، بيِّن ولا تكره علم ولا تعنف
علِّم ولا تعنِّف .
هناك نقطة ثانية في الموضوع دقيقة جداً: هي أن الإنسان ولِد في مكان، وهذا المكان محبَّب له جداً، والدليل:
﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾

[سورة النساء الآية: 66]
كل واحد بلده محبَّب له، مسقط رأسه محبَّب إليه، لكن الإنسان مخلوق للجنة، فإذا منعه بلده أن يطيع الله عزَّ وجل, ماذا عليه أن يفعل؟ يجب أن يغادر إلى بلدٍ, يطيع الله فيه، لأنك أنت مخلوق لعبادة الله، والدليل:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[سورة الذاريات الآية: 56]
علَّة وجودك على وجه الأرض أن تعبد الله، فإذا كنت في مكان، وحيل بينك وبين عبادة الله, وجب عليك أن تغادره إلى مكانٍ, تعبد الله فيه، مكان فيه ذل، وفيه قهر، المكان الذي تعبد الله فيه هو الجنة، والمكان الذي تُقهر فيه هو جهنم، فلذلك آية الهجرة دقيقة جداً، لكن والعياذ بالله الآن هناك هجرة في سبيل الشيطان، الناس يهاجرون من بلدٍ يقيمون فيه شعائر الإسلام، فيه دروس العلم، وشعائر الدين، وفيه روحانية، ومع ذلك فهناك مَن يَدَعْ كل هذه الميزات, من أجل الدرهم والدينار .
نعمة الأذان لا يعرفها إلا من فقدها
حدَّثني أخ كريم, كان في بلد في أوروبا، قال لي: دخلت إلى مسجد في فرانكفورت لأصلي، على مقربةٍ منه حديقة، أنا ظننتها حديقة عادية كأي حديقة، فلما وصل إلى هذه الحديقة، فإذا بالناس كما خلقهم الله، من دون شيء، رجالاً، ونساءً, وأولاداً، ويمارسون كل الفواحش علانيةً.
فأنت في بلد فيه بقية حياء، فيه بقية خجل، فيه بقية دين، فيه ترابط أسري، لذلك المصيبة الكبيرة, أن تهاجر من بلدٍ, تقام فيه شعائر الدين إلى بلدٍ متفلِّت، هذه هجرةٌ عكسيَّة، هجرةٌ في سبيل الشيطان .
حدثني أخ أقام في بلد أجنبي، قال لي: حينما عدت إلى دمشق، وسمعت الأذان, اقشعرَّ جلدي، هذه نعمة الأذان, لا يعرفها إلا من فَقَدَها، المقت، الكُفر، الحانات، الملاهي، دور سينما، نساء متفلِّتات، دور بغاء، هذه بلاد الغرب، نحن عندنا هنا مساجد، كل مئة متر مسجد، دروس صباحاً، وظهراً، ومساءً، نحن في نعمة كبيرة جداً, لا يعرفها إلا من فقدها، هذه النعمة نعمة مجالس العلم, هذه نعمةٌ عظيمة .
فالمسلمون في الحبشة, قاموا بواجباتهم الدينيَّة، ودعوا إلى الله، صار في دعوة هناك أيضاً، والدليل: أن النجاشي ملك الحبشة, أسلم ممن أسلم، وصلَّى النبي عليه صلاة الغائب، يُعد النجاشي من التابعين، لم ير رسول الله، لكنه يعد تابعياً جليلاً، والنبي صلَّى عليه صلاة الغائب، وحينما قدِمَ وفد النجاشي, خدمهم النبي بنفسه، ما هذا الإكرام؟ بنفسه ، نكفيك ذلك، قال:
((لا أحب أن أكافئهم كما أكرموا أصحابي))
أيها الأخوة, هذه الهجرة إلى الحبشة هجرةٌ مباركة، فأنت بحاجة أحياناً إلى جو مريح تعبد الله فيه، الاضطراب الشديد، والفتن، والخصومات، والقمع، هذا جو متوتِّر, لا يعينك على معرفة الله، فلذلك أحياناً يختار الله عزَّ وجل لبعض المؤمنين مكانًا بعيدًا عن المدينة، فالإنسان بحاجة إلى خلوة مع الله الإنسان بحاجة إلى خلوة مع الله
فالنبي كان يخلو مع ربه الليالي ذوات العدد، أما أنت كمؤمن فمكلَّف أن يكون لك خلوة مع الله عزَّ وجل، فهؤلاء الصحابة الكبار الذين عاشوا في بلاد الحبشة، في ظل ملكها، وفي دعةٍ وراحة، هؤلاء بنوا إيمانهم .
وبالمناسبة أخواننا الكرام, شباب ومتزوجون، الإنسان قبل الزواج، فيما قبل الزواج, هناك ميزات لا يعلمها إلا المتزوج, أنت خفيف، لا يوجد معك أحد، ليس هناك ارتباط، ممكن تصلي، تقرأ قرآن، تحضر دروس علم، تتفوَّق بالدين، وقت بناء الإيمان، لكن الزواج كما ورد:
(( مجبنةٌ مبخلةٌ مشغلة))
فإذا واحد قبل أن يتزوج ليستغل هذه الفرصة:
((اغتنم خمسا قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك))
فكل سن له جمال، ما قبل الزواج أنت متفرِّغ، يمكن أنْ تسهر، تقرأ، تدرس، لا يوجد إنسان يسألك: أين أنت؟ أما المتزوج: أين أنت إلى الآن؟ أين ذاهب؟ لا تذهب إلى هذا الدرس، اقعد، عندك عقبات، أما الأعزب فهو طليق, يحضر كل دروس العلم، لا أحد يحاسبه أساساً، أما عندما يتزوج فيجب أن يوفِّق بين حقوق الزوجة وبين حقوق الله عزَّ وجل .
ما الخبر الذي فوجئ به عثمان وزوجه رقية حينما وصلا إلى مكة, ومتى هاجرت رقية مع زوجها إلى المدينة, ولم لم يحضر عثمان غزوة بدر, وما الخبر الذي فوجئ به النبي بعد عودته من بدر؟
أخواننا الكرام, توهَّم بعض الصحابة الكرام، وهم في بلاد الحبشة, أن قريش رجعتْ إلى رشدها، وأنها تقبلَّت هذا الدين العظيم، فكان هذا الوهم دافعاً لبعض أصحاب رسول الله أن يعودوا إلى مكة، من هؤلاء سيدنا عثمان، وابنة النبي عليه الصلاة والسلام رقيَّة، استقلا سفينةً، وعادا بها إلى مكة، فإذا الحقيقة عكس ذلك، كان أصحاب النبي المستضعفون, يذوقون ألوان العذاب على يد كفار قريش .
عادت رقيَّة رضي الله عنها مع زوجها عثمان إلى مكة، وفوجئا بهذه الحقيقة المُرَّة، ثم فوجئت أن أمها خديجة قد توفَّاها الله عزَّ وجل، فلاذت بأبيها، ورأت ما يفعله كفار قريش من تنكيلٍ بأصحاب رسول الله، ثم أذن الله للنبي عليه الصلاة والسلام بالهجرة إلى المدينة المنورة .
هاجرت رقيَّة مع زوجها عثمان إلى المدينة، وفي المدينة وضعت ابنها عبد الله بن عثمان, عندما وضعت ابنها عبد الله بن عثمان في المدينة, أُصيبت بمرض الحصبة، فأقام زوجها عثمان رضي الله عنه إلى جانبها يمرِّضها ويرعاها, ولمَّا استنفر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه لغزوة بدر .
-الآن في غزوة، في جهاد، والجهاد ذروة سنام الإسلام، وسيدنا عثمان زوجته مريضة ، أمره النبي أن يبقى إلى جانب زوجته، تمريض الزوجة من خلال هذه الحادثة, يعدل الجهاد في سبيل الله، أرأيت إلى العلاقات الأسريَّة ما أقواها في الإسلام؟ .
الشيء الأغرب: أن سيدنا عثمان لم يشهد هذه الغزوة، غزوة مشرَّفة، أعزَّ الله بها الإسلام والمسلمين، وانتصروا فيها، وقد فات عثمان رضي الله عنه شرف هذه الغزوة- فلما وُزِّعت الغنائم, عُد له سهمٌ كما لو كان مشاركاً في هذه الغزوة، -أرأيتم إلى العمل الطيب؟ هو يمرِّض زوجته في المدينة، وعُدَّ عند رسول الله من المجاهدين، لذلك عندما قال النبي لامرأةٍ:
((انصرفي أيتها المرأة, وأعلمي من ورائك من النساء, أن حسن تبعل إحداكن لزوجها, وطلبها مرضاته, واتباعها موافقته, يعدل ذلك كله))
وبالمقابل حسن رعاية الزوج لزوجته, يعدل الجهاد في سبيل الله، عُدَّ مع المجاهدين، ونال نصيب الغنائم كما لو كان مجاهداً- .
بكى النبي صلى الله عليه وسلم ابنته رقية حين توفيت
ثم عاد النبي عليه الصلاة والسلام من معركة بدر منتصراً عزيزاً، ففوجئ بوفاة ابنته رقيَّة، لذلك حينما أُخبر بوفاتها رضي الله عنها بكى، ودمعت عيناه الشريفتان على فراقها، ثم ذهب مع ابنته فاطمة, لزيارة قبر ابنته رقيَّة، فقعدت فاطمة بقرب القبر تبكي، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عن عينيها بطرف ثوبه، يخفف من أحزانها، طبعاً هذه ابنته، ولا بدَّ أن يزور قبرها، وأن يدعو لها، لكن هذه القصة ذكرتني بقصة ثانية:
امرأةٌ في أدنى درجة اجتماعيَّة, كانت تقمُّ المسجد، أي تنظفه, أي بحسب السلم الاجتماعي هذه مرتبة دنيا، وقد يكون هذا العامل في التنظيفات مستقيمًا، قد يكون أرقى عند الله من إنسان له شأن كبير، الأمور عند الله بمقياس آخر، بمقياس الإخلاص، بمقياس الاستقامة، فهذه المرأة التي تقُم المسجد ماتت، لضعف شأنها، ولهوانها على الناس, رأوا أنه لا ينبغي أن يُخبر النبي بموتها، فالصحابة الكرام اجتهدوا أن هذه المرأة التي تقُم المسجد, ليس لها أي دور، ليست من المكانة حيث إن النبي يبلَّغ عن وفاتها، ما بُلِّغ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
((أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً, كَانَ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ, يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ, وَلَمْ يَعْلَمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْتِهِ, فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ, فَقَالَ: مَا فَعَلَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ؟ قَالُوا: مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟ فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا قِصَّتُهُ, قَالَ: فَحَقَرُوا شَأْنَهُ, قَالَ: فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ, فَأَتَى قَبْرَهُ, فَصَلَّى عَلَيْهِ))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]
خجلوا، فذهب إلى قبرها، ودعا لها، فليست ابنته فقط، ذهب إلى امرأة, تقم المسجد فقط ، وهي في المرتبة الدنيا في السُلَّم الاجتماعي، فالقضية قضية مبادئ، قضية قيَم، قضية مشاعر .
لم يصل الإسلام إلى أطرف الدنيا إلا بقيمه السامية
أيها الأخوة, فالإنسان ينبغي أن يعلم علم اليقين: أن هذا الدين العظيم ما وصل إلى أطراف الدنيا إلا بهذه القيَم، وحينما فُهم الدين عبادات، وصلوات، ورقص أحياناً، وغناء أحياناً، ومظاهر، والدين في واد، وحياة الناس في واد، عندئذٍ أصبحت كلمة المسلمين ليست هي العُليا، رفرفت راياتهم في الخافقين, حينما فهموا الدين قيَماً، أما حينما فهموه طقوس، الآن الدين طقوس، أي أن فلان يصلي, إنه صاحب دين، أما أمين غير أمين، صادق غير صادق، مقياس الدين عند الناس أنه يصلي فقط، أما مقياس الدين عند الله عزَّ وجل، أو عند رسول الله، اسمعوا هذا الحديث:
((هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ, قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي, مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلاةٍ وَزَكَاةٍ, وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَأَكَلَ مَالَ هَذَا, فَيُقْعَدُ, فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا, أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ, فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ, ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))

[أخرجه أحمد في مسنده]

هذا هو الفهم الصحيح للدين، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علَّمنا .

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 01-12-2017, 10:21 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,041
معدل تقييم المستوى: 3
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة الصحابيات من موقع النابلسي

السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات ـ بنات النبي الكريم –السيدة زينب الكبرى ـ الدرس (1-2 ) : سيرة السيدة زينب الكبرى
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-05-04





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

مقدمة عامة :

أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث والعشرين من سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، ومع بنات النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ابنته البكر السيدة زينب الكبرى، كما توصف في كتب السيرة .
إذا خص الله مؤمنا بالبنات فقط يجب أن لا يتألم فالبنت ريحانة
أيها الأخوة الكرام، فإذا خص الله عز وجل مؤمنًا بالبنات فقط, فلا ينبغي أن يتألم, لأن البنت ريحانة، وكما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءته فاطمة, ضمها وشمها وقال:

((ريحانة أشمها, وعلى الله رزقها))
وأي بيت من بيوتكم إذا كان فيه بنت, فلربما كانت سبباً لدخول أبيها الجنة .
وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((مَنْ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ الْبَنَاتِ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ, كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ))

[أخرجه الترمذي في سننه]
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ يَقُولُ, سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ, وَأَطْعَمَهُنَّ, وَسَقَاهُنَّ, وَكَسَاهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ, كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))

[أخرجه ابن ماجه في سننه]
إنه كلام النبي، لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، بنت واحدة إذا أحسنت تربيتها, عرفتها بربها، عرفتها دينها، ربيتها على الخلق، والعفاف، والحشمة، والتستر، بينت لها أحكام الشرع، فأنت في الطريق إلى الجنة .
إن ربيت بنتا واحدة على الخلق والدين فهي طريقك للجنة
كان عليه الصلاة والسلام أبا البنات، قد يقول قائل: ما الحكمة في أن الله عز وجل لم يرزقه ذكوراً كبروا وأعانوه على الدعوة؟ .
النبي عليه الصلاة والسلام أراده الله أن يعتمد عليه وحده؛ لأن الأب أحياناً يعتمد على ابنه، ولكن النبي ليس هناك أب وأم يدلان عليه بفضليهما، نشأ يتيماً، وليس له ابن ذكر يعينه على متاعب الحياة, قال تعالى:
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾

[سورة الضحى الآية: 6-8]

فلم يعيش للنبي صلى الله عليه وسلم من أولاده ولا ذكر واحد، بل جميعهم ماتوا صغاراً.
التأسي بالرسل يملأ قبلك رضا عن الله
بالمناسبة أخواننا الكرام، الذي يعاني أن أولاده جميعاً إناث, فله في النبي أسوة حسنة، الذي يعاني من أب صعب, فله في سيدنا إبراهيم أسوة حسنة، الذي يعاني من ابن سيء, فله في سيدنا نوح أسوة حسنة، والمرأة التي تعاني من زوج, لها في السيدة آسيا أسوة حسنة، والزوج الذي يعاني من زوجته, له في سيدنا لوط أسوة حسنة، فالله عز وجل جعل في الأنبياء والمرسلين نماذج، فأي نموذجاً تعاني منه, لك في بعض الأنبياء والمرسلين أسوة حسنة، هذه الأسوة تملأ قلبك رضى عن الله عز وجل .
ما من امرأة في العالم مكرمة كما هي المرأة المسلمة
يقول بعض كاتبات السيرة: لكأن الله جل جلاله أراد أن يعتمد الرجل الذي يصطفيه نبياً على احتمال أبوة الإناث، أبو البنات عليه عبء ثقيل، وكان صلى الله عليه وسلم في أبوته لبنات أربع, قدوة صالحة للمؤمنين, ورسالته التي أعزت الأنوثة، وقررت لها من الحقوق ما لا تطمح إلى مثله نساء العصر الحديث .
أنا سمعت من أخ صادق, يعمل في مركز في أمريكا, أن أربع أستاذات جامعيات منه انتدبن، وزرن الشرق الأوسط، زرن سوريا، ومصر، والمملكة العربية السعودية، فيما أذكر ليدرسن حالة المرأة المسلمة التي يتوهمون أنها مضطهدة، ويتوهمون أنها لم تنل حقوقها، فطفن في هذه البلاد طولاً وعرضاً، وشمالاً وجنوباً، ثم فوجئن أنه ما من امرأة في العالم مكرمة كما هي المرأة المسلمة .
الشيء الذي لا يُصدق: أن هؤلاء النسوة الأربع، الأستاذات في الجامعة, اللواتي أتين ليتفحصن حال المرأة المسلمة, أسلمن جميعاً، وعدن إلى بلدهن مسلمات .
المرأة الآن في أمريكا, إن لم تعمل ثماني ساعات وساعتين قيادة سيارة عمل, ربما تموت من الجوع, أما أية امرأة من نساء المؤمنين, سيدة منزل، تعيش في بحبوحة، وفي راحة ، وفي تكريم، وكأنها ملكة في مملكة صغيرة .

إليكم الحديث عن زينب بنت النبي من حيث سيرتها الذاتية مجملة :

البنت الأولى؛ السيدة زينب الكبرى، هي زينب بنت محمد صلى الله عليه وسلم، أسلمت وهاجرت قبل الإسلام، زوجها أبوها قبل الإسلام بست سنين، طبعاً تزوجها ابن خالتها أبو العاص، فولدت له أمامة التي تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وولدت له علي بن أبي العاص، ومات صبياً .
وعن أم سلمة, زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم, أرسل إليها أبو العاص بن الربيع, أن خذي أماناً من أبيك فخرجت, فأطلت رأسها من باب حجرتها، والنبي في المسجد يصلي الصبح بالناس، فقالت:

((أيها الناس، إني زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني قد أجرت أبا العاص، فلما فرغ النبي صلى الله عليه من الصلاة, قال:

((يا أيها الناس, إنه لا علم لي بهذا حتى سمعتموه, ألا وإنه يجير على المسلمين أدناهم))
هذه ومضة من سيرة هذه الصحابية الجليلة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد حين سوف نطلع على ملابساتها .
قبِلَ النبي وأصحابه جيرتها، وأجاروا أبا العاص زوجها، وأعطوه بضاعته، وسوف ترون بعد قليل, هذا الموقف الرائع الذي وقفه أبو العاص, حينما كان بيده أموال أهل مكة، لو أسلم لصارت كل هذه الأموال غنيمة للمسلمين، ولكنه أبى أن يبدأ إسلامه باغتصاب أموال الناس، ولهذه القصة تفاصيل تأتي بعدها .
أيها الأخوة، حينما أجاب النبي عليه الصلاة والسلام ابنته إلى طلبها, سألت أباها أيضاً أن يرد عليه متاعه، وأمرها ألاّ يقربها ما دام مشركاً، لأنه طلقها منه، طبعاً طلقها منه، وأرسلها إلى أبيها في المدينة، وكان في تجارة إلى الشام، عاد من الشام إلى مكة، ومعه تجارة عريضة، فألقت سرية من سرايا النبي القبض عليه، وساقته مع البضائع إلى المدينة، فأجارته زينب، وهي مطلقته، وقَبِلَ النبي طلبها، وقال:
((يا بنيتي لا يصل إليك، لأنه لا يحل لك))
عاد أبو العاص إلى مكة، وأدى إلى كل ذي حق حقه، ثم رجع مسلماً مهاجراً، فرد عليه النبي زوجته بذاك النكاح الأول .
طبعاً القصة لها تفاصيل نأخذها بعد قليل .

إليكم الحديث عن زينب من حيث: زواجها, أولادها, مكانتها عند أبيها :
يقول كتاب السيرة: لقد كان لزينب في نفس أبيها محمد صلى الله عليه وسلم أثر كبير، فكان يحبها كثيراً، لكونها ولده البكر التي أطلت على زوجين حبيبين كريمين، فأضفت عليهما معالم الأبوة والأمومة .
رأتها خديجة ثمرةً يانعة من شجرة مباركة طيبة، إنها ابنة محمد صلى الله عليه وسلم, الزوج العظيم، الذي لم تعلم الدنيا مثيلاً له خُلقاً وأدباً، فرعتها أحسن رعاية .
أنا أقول لكم: مُتاح لكم تصلوا إلى أعلى درجات الجنة من خلال البيت فقط، اعتنِ بأولادك، اعتنِ بهم، متن علاقتك بأهل البيت، ربِّهم تربية صالحة، اجعل هذه الأسرة بوتقة، كل أفراد الأسرة ينصهرون بها .
أنا بصراحة أكبر كل أسرة متماسكة، وأتألم أشد الألم من أسرة متفككة, من أسرة متقاطعة، متدابرة، متنافسة، وإنّ أحد أكبر أسباب سعادة الإنسان أسرته المتماسكة، فشبت زينب على كريم الخلق .
متن علاقتك بأهل بيتك
بصراحة مرة ثانية: إذا أراد أحدكم أن يتزوج, اختر الأهل قبل الفتاة، لأن الفتاة نسخة صادقة عن أهلها، في أي بيت نشأت؟ هل هذا البيت بيت علم؟ هل هذا البيت بيت خلق؟ هل هذا البيت بيت نظام؟ هل هذا البيت بيت حياء؟ هل هذا البيت بيت ملائكي أم بيت شيطاني؟ هل أفراد هذا البيت متفاهمون, متماسكون, متعاونون؟ هل هناك قيم تحكم هذا البيت؟ فقبل أن تعجبك فتاة في الطريق, ابحث عن البيت الذي نشأت فيه، وهذا من سعادة الشاب الذي يقبل على الزواج .
حتى إذا شبت على كريم الخلق، وبلغت مبلغ الفتيات, الطاهرات, النقيات، كان لها في حساب هذه الأم العظيمة ما تراه لابنتها الشابة .

مضى زمن يسير على بلوغ زينب مبلغ النساء، وقد ورد في الأثر:
((أن ثلاثة لا ينبغي أن تتأخر؛ الأيم إذا جاء من يخطبها، والصلاة إذا حضر وقتها، والميت إذا مات))
فتقدم أبو العاص ابن خالتها لخطبتها, النبي عليه الصلاة والسلام وافق على هذا الصهر، قال:
((إنه نعم الصهر الكفء))
هذا وفاء منه صلى الله عليه وسلم، طبعاً بعد حين شارك المشركين في بعض الغزوات، وقع أسيراً، فلما استعرض النبي الأسرى, وقعت عينه على صهره، فقال:
((والله ما ذممناه صهراً))
والآن جاء ليقاتل، وهو مشرك .
طبعاً الزواج تم قبل البعثة، ابن خالتها كفء لها، أما بعد البعثة فتلكأ في إسلامه، وأبى أن يسلم، فطلقها النبي منه، وكانت بعض الغزوات, فشارك في هذه الغزوة، ووقع أسيراً، استعرض النبي الأسرى, فرآه أمامه، قال:
((والله ما ذممناه صهراً))
مع أن النبي عليه الصلاة والسلام أعجب به، ووافق عليه، إلا أن النبي قرر أن للفتاة الحق أن تختار زوجها، فاستأذنها، فقال:
((أي بنيتي زينب، إن ابن خالتك أبا العاص بن الربيع جاء لخطبتك، فما كان منها إلا أن سكتت إعلاناً منها على القبول))
موافقة الفتاة أحد أركان الزواج
النبي سيد الخلق, حينما خُطبت ابنته استأذنها، فلذلك أيّ أب يجبر ابنته على الزواج، وهي كارهة، أو غاضبة، فهذا الزواج لا يقع، لأن موافقة الفتاة أحد شروط الزواج، لذلك كلكم يرى في عقود القران، يقف كاتب المحكمة، ويذهب إلى الغرفة الثانية, ليسمع بأذنه موافقة الفتاة على تزويجها من الشاب الخاطب .
تمت الخطبة، وأذيع الخبر في مكة، فما كان من أهلها إلا أن باركوا هذه الخطبة بالثناء العاطر، والمدح الجميل للخاطب والمخطوبة, ولأهلهما، وبادر شباب قريش يغبطون أبا العاص بهذه القرابة الكريمة من محمد صلى الله عليه وسلم، الذي سيصبح له صهراً صالحاً، ويكون والد زوجته عماً كريماً .
العم أب، والذي يقول دائماً، وقد قيل: لك آباء ثلاثة؛ أب أنجبك، وأب زوّجك، وأب دلَّك على الله، الأب الذي أنجب أبوك النسبي، والأب الذي زوجك هو والد زوجتك، رعاها إلى أن أصبحت بهذا السن، هذا أب، فكل شاب يسيء إلى عمه يتنكر لمبادئ الأخلاق .
لك أب أنجبك، وأب زوجك، وأب دلك على الله، طبعاً الأب الأول ينتهي فضله بنهاية الحياة، والأب الثاني ينتهي فضله بنهاية الزواج، أما الأب الذي دلك على الله دلّك على الجنة، فما دمت في الجنة ففضله مستمر، لذلك الإنسان عليه أن يسعى للدعوة إلى الله، فالخير الذي يأتي من الدعوة إلى الله لا يعلمه إلا الله .
ويتم عقد الزواج، ويستعد أهل الزوج لاستقبال الزوجة الكريمة, ويحين موعد الزواج، وتردد في أرجاء مكة أصداء العرس، وتُنحر الذبائح، وتُقام الولائم فرحة وبهجة بهذا الزواج المبارك .
ترون أنتم بأعينكم أن الزواج مشروع، لذلك يعلنه الناس، ويطلقون أبواق سياراتهم ، أما العلاقة المشبوهة فهذه وصمة عار في حق الإنسان .
الزواج يفرح به كل الناس بعكس العلاقات المشبوهة
لي صديق طرق بابه فجراً، فتح الباب, رأى شبه سلة, فيها طفل وُلد لتوه، لا يوجد أحد، أخذ هذا الطفل إلى دار التوليد، وضع في الحاضنة, ذكر لي هذه القصة، قلت: سبحان الله ، لو كان هذا الطفل من زواج شرعي, لفرح الأهل، ويقيمون الولائم، وتأتي التهاني، وتأتي الهدايا، لأنه جاء من طريق مشروع، أما الطفل اللقيط فإنه يكون ثمرة لجريمة الزنا .
لذلك كم يوجد في الحاويات من أطفال ولدوا لتوهم؟ هذه الظاهرة تنتشر في بعض البلاد، لأن الزواج غير شرعي، ماذا يُفعل بهذا الطفل؟ يُلقى في الحاوية، أما الطفل الذي يأتي من أم وأب, فيوضع في أجمل مكان بالغرفة، في سرير، وفي عناية فائقة .
وفي بيت الزوجية, تحل زينب مكرمة معززة، ويهنأ لها العيش في ظل زواج فاضل كريم .
أحياناً الإنسان يطلب زوجة مؤمنة، فضل الإيمان على الجمال، فيها جمال، ولكن أقل مما كان يتمنى، يقول: أنا آثرت الدين، ألم يقل النبي الكريم:
((فعليك بذات الدين تربت يداك))
الكلام جيد، إلا أنه أحياناً يتبرم, وأحياناً يسمعها كلمات قاسية جداً .
أنا أقول لهذا الزوج: لو أبقيتها عند أهلها معززة مكرمة خير لك من أن تقول: أنا بطل، وسآخذ امرأة صالحة، هذه عند أهلها معززة مكرمة، أما حينما جئت بها إلى بيتك، وأسمعتها كلمات قاسية، فإن لم تكن أهلاً للزواج من فتاة مؤمنة, قد يكون شكلها أقل مما تتمنى، أنت لا تصلح لهذا العمل البطولي، فإذا آثر الإنسان دين فتاة, فينبغي أن لا يتكلم كلمة واحدة طوال حياته، ليكون أجره عند الله عظيماً.
طبعاً أبو العاص, فاز بهذه الزوجة الصالحة الكريمة، وفاز بالسعادة الزوجية التي وجدها في زينب، فكان كلما آن الأوان للسفر, يشتد عليه الفراق، حتى كان كثيراً ما ينشد في سفره, وهو بعيداً عنها, صدق القائل:
ذكرت زينب لما ورقـت أرم فقلت سقيا لشخص يسكن الحرم
بنت الأمين جزاها الله صالحة وكل بعل سيثني بالذي عـلــم
لقد منَّ الله على أبي العاص بولدين، الأول علي بن أبي العاص، والثاني أمامة بنت أبي العاص، وهي التي قد تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها .

ما موقف زينب من دعوة أبيها, وما موقف زوجها من هذه الدعوة ؟

الآن دخلنا في تفاصيل حياة السيدة زينب الكبرى بنت النبي عليه الصلاة والسلام.
لقد كانت تعلم زينب أنه سيكون لأبيها محمد صلى الله عليه وسلم شأن عظيم، من أين؟ علمت هذا من أخلاقه، من صفائه، من رحمته، من وفائه، من كرمه، لأنها ترى من أبيها من الصفات الحميدة، والأخلاق الكريمة، والصفاء النادر، والسمت الحسن الذي يختفي وراءه ينبوع الحكمة المتفجرة على لسانه الصادق، وقوله الحق، وعمله الصالح، وأمانته الفذة، ونهجه المستقيم، حتى غدا بين رجال قريش, بل والعرب من خلفهم, غدا الرجل الأمثل، والأكمل والأعظم، فلا تسمع بصفة حميدة إلا وجدتها في أبيها، ولا بخلق كريم، أو سجية حسنة, إلا وقد عرفتها في أبيها, من حين وعت عليه أباً, يحنو عليها ويرعاها، هذا الخلق يؤهل أباها ليكون شخصاً عظيماً، لذلك لم تُفاجأ زينب بخبر الوحي .
لم تفاجأ زينب بخبر الوحي لما علمت من عظمة أبيها
ذات صباح سعت زينب مبكرة إلى بيت أبيها, لأن أبا العاص كان على سفر، فالتقت عند الباب بأمها, عائدة من زيارة عاجلة لابن عمها ورقة بن نوفل، ولم يسبق لزينب أن رأت أمها على مثل هذه الحالة المضطربة، واللهفة, والاهتمام, والاشتغال، وقد راعها أن قد مرت بها, فلم تكد تراها، بل اندفعت لا تلوي على شيء نحو مخدع زوجها, حيث تلبثت .
هناك فترة غير قصيرة قبل أن تخرج إلى بناتها، وقد عاودها هدوءها، وأصغت زينب إلى أمها، وهي تحدثها حديثاً عجباً عن نزول الوحي على أبيها محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يتعبد بغار حراء، فأخذت بما سمعت, حتى لم تحر جواباً، ذلك أن الأمر كان من الخطر والجلال, حيث قصر عقلها عن إدراكه، وأعياها أن تبلغ مداه، ولبثت زينب في مكانها ساكتة واجمة, حتى ردها إلى يقظتها, صوت أختها فاطمة .
تقول فاطمة:

((أو ما يسرك يا أختي أنك بنت نبي هذه الأمة؟ أجابت: أجل والله يا فاطمة ، وأي فتاة لا يزيدها ذلك الشرف الذي ما بعده شرف، لكنه الذي سمعت، وسمعت من قول خالي ورقة, قال: ليُكَذَّبَنّ أبي، وليُؤذَيَنّ أبي، وليُخرَجَّن أبي، وليقاتلنّ أبي .
-لما التجأت السيدة خديجة إلى ابن عمها ورقة, تحدثه بما جرى للنبي من نزول الوحي، قال لها:

((ليكذبن، وليؤذين، وليخرجن، وليقاتلن))
فكرت فاطمة ملياً، وقد عزَّ عليها أن يُؤذى أبوها، ثم رفعت وجهها، وقالت لأختها: هو والله كما قالت أمي لأبي: الله يرعانا يا أبا القاسم، أبشر يا بن العم، واثبت, فو الله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق .
-الآن ما علاقتنا بهذا النص؟ الواحد منكم إذا كان صادقاً, عفيفاً, أميناً, يؤدي عباداته كاملة، وأنا أقول لكم بالقياس المتواضع: والله لا يخزيك الله أبداً .
مادمت مؤمنا صادقا عفيفا الله لن يخزيك
إذا كنت مع الله صادقاً, أميناً, عفيفاً، تتحرى الحلال، تضبط أعضاءك، تضبط حواسك، تضبط بيتك، إذا كنت شاباً مستقيماً أبشر، فو الله ما يخزيك الله أبداً, هذا علاقتنا بهذا النص- .
وابتسمت زينب، وكذلك فعلت فاطمة، وإن أحست كلتاهما أن لهذا الأمر ما بعده، وعاد زوجها أبو العاص، وملأ سمعه شائعات المشركين, قد تناقلتها الركبان, عن ظهور محمد بن عبد الله بدين جديد .
أخذ ابنته زينب أن محمداً نبي، رجع من السفر, فسمع بالنبوة والوحي, فاستقبلته وأخبرته بالنبأ اليقين، ولكنه خيب أملها, حين ردد مزاعم المشركين، وقفت أمامه قبل أن يتم كلامه, وقالت: والله ما كنت لأكذب أبي، وإنه والله لكما, عرفت أنت وقومك, إنه صادق أمين، أيْ أنّ أبي نبي، صارت مشكلة بينها وبين زوجها .
ثم قالت: والله إني قد آمنت بما جاء وأسلمت، وكذلك آمنت أمي وأخواتي، وعلي بن عم أبي، وأبو بكر، وأسلم من قومك ابن عمك عثمان، وابن خالك الزبير بن العوام بن خويلد، وكما آمن به وصدقه ابن خالك ورقة بن نوفل، الذي توفاه الله منذ عهد قريب، فليس لك إلا أن تؤمن وتسلم، فلم يجبها بشيء، ثم خرج من بيتها, وتوجه إلى الكعبة .
ولما عاد قال لها: لقيت أباك اليوم في الكعبة، ودعاني إلى الإسلام، ثم لم يزد، وكانت ملامح وجهه من الوجوم، وترنح صوته ما يغني زينب عن سؤاله: بمَ أجبته؟ -يعني هل أسلمت؟ لم تسأله؟ وضعه يبين أنه لم يسلم- .
وقد قال لها ذات يوم, وهي تدعوه إلى الإيمان والإسلام: والله ما أبوك عندي بمتهم، وليس أحب إلي من أن أسلك معه يا حبيبة في شعب واحد، ولكنني أكره أن يُقال: إن زوجك خذل قومه، وكفر بآبائه إرضاء لامرأته .
-أخذها عصبية- وتمثل بموقف أبي طالب، وإن محمداً صلى الله عليه وسلم عنده أحب إليه من والده, لم يساوره في صدقه أدنى ريب، فتندت عيناها بالدموع حزناً عليه، وإن كانت لترجو اليوم الذي يخلع عن كاهله, رجز الجاهلية وشركها))
إنّ من سعادة الإنسان, أن يكون هو مؤمناً، وأن تكون زوجته مؤمنة، ومن سعادة المؤمنة, أن تكون هي مؤمنة، وأن يكون زوجها مؤمناً، ولهذه القصة تتمة إن شاء الله, نأخذها في درس قادم .

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-12-2017, 10:43 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,041
معدل تقييم المستوى: 3
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة الصحابيات من موقع النابلسي

السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات ـ بنات النبي الكريم –السيدة زينب الكبرى ـ الدرس (2-2) : سيرة السيدة زينب الكبرى
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-05-18





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ما هي الأحداث التي جرت للنبي بعد وفاة زوجته وعمه
ماذا صنع النبي, ولماذا لم تهاجر زينب مع أخوتها إلى دار الهجرة ؟
الحزن من خصائص الحياة الدنيا
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الرابع والعشرين من دروس سير الصحابيِّات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، ومع الصحابية الجليلة؛ السيدة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
في عام الحزن: هلكت السيدة خديجة رضي الله عنها، وأبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلَّم، كُتَّاب السيرة سمّوا هذا العام: عام الحزن، والحزن خصائص الحياة الدنيا,
((إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عُقبى))
بالحزن يمتحن الإنسان
الحزن خلاَّق، الحزن يفجِّر الطاقات، الحزن يكشف القيَم، الحزانى في كنف الله,
((إن الله تعالى يحب كل قلب حزين))
الإنسان إذا قرأ قوله تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 155-157]

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 155-157]

أيها الأخوة, الإنسان بالحُزن يُكشف معدِنه، بالحزن يظهر إيمانه، بالحزن ينكشف صبره ، بالحزن تتفجَّر طاقاته، بالحزن يتقرَّب من ربه .
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، هو قدوةٌ لنا، في عامٍ واحد؛ توفِّيت زوجته السيدة خديجة، السيدة خديجة عاشت معه خمساً وعشرين سنة، خمس عشرة سنة قبل البعثة، وعشر سنوات بعد البعثة، كانت خلالها المرأة الطاهرة النقية، الزوجة الوفية المخلصة، التي بذلت في سبيل الدعوة كل غالٍ ورخيص، بذلت كل ما تملك؛ من ثروةٍ مادية، ومكانةٍ اجتماعية، وهيبةٍ معنوية، وشرفٍ شامخ، وعزٍ وبذخ، كانت من خلال كل ذلك, تقدم للنبي عليه الصلاة والسلام العطاء كل العطاء من قلبها ونفسها, وهي راضية .
السيدة خديجة مثال الزوجة التي تقف وراء زوجها معاونةً، داعمةً، صابرةً، لذلك عليه الصلاة والسلام وفاءً منه لها, حينما فتح مكة قال:

((انصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة))
ونصب على قبرها لواء النصر، لأنها لم تكحِّل عينيها بفرحة النصر، فحينما نصب هذا اللواء على قبرها، ونصب خيمة إلى جانب قبرها إشعاراً بأن لها فضلاً على هذه الدعوة، قال تعالى:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾

[سورة النصر الآية: 1-3]
لما هلك أبو طالب, نالت قريش من النبي عليه الصلاة والسلام من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، وبالغ في إيذاء النبي، فدخل عليه الصلاة والسلام بيته، فقامت إليه إحدى بناته وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول لها:
((لا تبكِ يا بنية فإن الله مانع أباكِ))
وقال عليه الصلاة والسلام:
((ما نالت مني قريشاً شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب))
النبي قدوة, ذاق الفقر، دخل بيته, فقال:
((هل عندكم شيء؟ فقالوا: لا, ولا شيء, قال: فإني صائم))
النبي الكريم قدوة في كل شيء
ذاق الغنى؛
((لمن هذا الوادي من الغنم يا رسول الله؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قال: والله هو لك))
ذاق النصر في فتح مكة، دخلها مطأطئ الرأس, متواضعاً لله عزَّ وجل، ذاق القهر في الطائف,
((إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي))
ذاق المرض، ذاق الصحة، ذاق موت الولد,
((إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ, وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ, وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا, وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))

[أخرجه البخاري عن أنس في الصحيح]

وذاق موت الزوجة، وذاق تطليق البنات، طُلِّقت بنتاه مبالغةً في إيذائه، وذاق الهجرة، وذاق المرض، وذاق الإخراج من بلده، كل شيءٍ ذاقه، ووقف الموقف الكامل من كل الظروف الصعبة التي مرَّ بها، لذلك كان قدوةً لنا وأسوةً، وما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما تتم السنة إلا به فهو سنة، وحينما قال الله عزَّ وجل:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾

[سورة الأحزاب الآية: 21]

معرفة سيرة النبي العملية فرض عينٍ، لنحقق هذا الأمر بأن يكون النبي أسوةٌ حسنة .
معرفة سيرة النبي فرض عين كي نتخذه أسوة
أصبحت زينب رضي الله عنها ذات يومٍ، ومكَّة من أدناها إلى أقصاها, تتحدث عن مطاردة قريشٍ لأبيها النبي عليه الصلاة والسلام، وولاء البنت لأبيها معروف عند كل أب .
النبي عليه الصلاة والسلام ترك مكة مهاجراً إلى يثرب، وليس معه سوى صاحبه الصديق أبي بكرٍ رضي الله عنه، زينب كانت مضطربة؛ خائفةً على أبيها أياماً وأياماً، حتى جاءها خبر وصوله إلى يثرب، فزال عنها كربُها، وسرًّت بسلامة أبيها صلى الله عليه وسلَّم، ووصوله إلى دار مأمنه في الهجرة .
ولم تمضِ إلا أشهرٌ معدودات حتى أرسل النبي عليه الصلاة والسلام إلى أختيها فاطمة وأم كلثوم من يحملها إليه في دار الهجرة بقيت زينب وحدها في مكة
وكانت رقيَّة قد هاجرت كذلك من قبل، وبقيت زينب وحدها في مكة مع زوجها أبي العاص بن الربيع الذي لم يسلم، إذ لم يكن الإسلام قد فرَّق بينهما, أي لم ينزل الحكم الشرعي الذي يفرِّق بين الزوجة المسلمة والزوج الكافر, فبقيت في مكة, وقد غادرها الأهل، وتنتظر وقت اللحاق بأبيها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في دار الهجرة .
هل حققت قريش مرادها من النبي في استئصاله من دار الهجرة, وهل كان أبو العاص من جملة الأسرى الذين كانوا بين يدي النبي, وبماذا عهد له النبي؟
أيها الأخوة, لمَّا علمت زينت لما حصل لأبي سفيان، وتعرُّض قافلته من قِبَل الصحابة، ورأت قريشٌ أن تقاتل النبي عليه الصلاة والسلام، ولم تمضِ إلا أيامٌ قليلة حتى خرجت قريشٌ بخيلها وخُيلائها، تقصد النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ناويةً استئصالهم من دار هجرتهم, غير أن قريش لم تصل إلى قصدها، وذاقت كؤوس المنايا في بدر، وكانت بدر تلطيخاً لها في الوحل، وأعزَّ الله الإيمان والإسلام، وخذل أهل الكفر, والشرك, والطغيان، وانتقل خبر الانتصار العظيم قبل وصول الفلول المنهزمة إلى مكة .
طبعاً فرحت زينب فرحاً شديداً بانتصار أبيها النبي وأصحابه، حتى قامت لله عزَّ وجل شاكرةً لهذا النصر المؤزَّر .
حين جاءت فلول الجيش مهزومةً، علمت أن زوجها كان من جملة الأسرى, تصور زينب في مكة، غافلها زوجها، وانضمَّ إلى جيشه, ليحارب النبي وهو عمه، وقع أسيراً، وقد كنت ذكرت لكم من قبل أن النبي عليه الصلاة والسلام, حينما استعرض الأسرى، مرَّ به، فقال عليه الصلاة والسلام وفاءً منه بحق القرابة، قال:

((والله ما ذممناه صهراً))
زوج زينب أبو العاص وقع أسيرا بأيدي المسلمين
هو الآن مقاتل ومشرك، أما كزوج ما ذممناه، الدليل أن زوجي ابنتيه اللذين طلَّقا زوجتيهما، أبو العاص لم يفعل ما فعلاه، وأبى أن يطلِّق زوجته، مع أنه جاءه ضغطٌ شديد, ليطلِّق زوجته نكايةً بالنبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يفعل .
أنا سمعت قصة: أنه ذات مرَّة في الجاهلية, جاء أبو جهل إلى بيت النبي قبل البعثة, فسأل ابنته فاطمة: أين أبوكِ؟ قالت: لا أدري، فلطمها، بلغ أبا سفيان ذلك, فحمل فاطمة رضي الله عنها، واقتصَّ من أبي جهلٍ إكراماً لها, فلما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام هذا الحدث, رفع يديه إلى السماء, وقال:
((يا رب لا تنسها لأبي سفيان))
النبي كان وفي إلى درجة مذهلة، في أحد الصحابة نزع عن كتفه ريشة، رفع النبي يديه عليه الصلاة والسلام, وقال:
((جزاك الله خيراً))
الوفاء من أجمل صفات النبي الكريم
فأجمل صفة بالإنسان الوفاء, صدق القائل:
أعلِّمه الرماية كل يـومٍ فلما اشتدَّ ساعده رمانـي
وكم علَّمته نظم القوافي فلما قال قافيةً هجانــي
أجمل صفة في النبي عليه الصلاة والسلام الوفاء، هذا الذي ارتكب معه خيانةً عُظمى، خيانة عُظمى في كل المقاييس؛ القديمة, والحديثة، والدينية, والوطنيَّة، حاطب بن أبي بلتعة, أرسل كتابًا إلى قريش:
((أن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم، -خيانة عُظمى- فلما قال له سيدنا عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: لا يا عمر, إنه شهد بدراً، -لم ينسَ له شهود بدر- وقال: تعال يا حاطب, لمَ فعلت هذا؟ قال: والله يا رسول الله, ما كفرت ولا ارتددت، كنت لصيقاً في قريش، أردت أن أجعل من هذا, أن يكون هذا يداً لي بيضاء عندهم, أحمي بها أولادي وأهلي ومالي، فقال عليه الصلاة والسلام:

((إني صدقته فصدِّقوه, ولا تقولوا فيه إلا خيراً))
وفاء النبي عليه الصلاة والسلام شيء لا يوصف، وفاؤه لمن أرضعته، وفاؤه لمن ربَّته، وفاؤه لكل من ساهم, وقدَّم له شيء، فالله عزَّ وجل يقول:
﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾

[سورة البقرة الآية: 237]
فأسوأ صفة في الإنسان اللؤم، اللؤم أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يردُّه، لذلك: يا رب لا تجعل حوائجنا إلا إليك .
طبعاً يبدو أن أهل أبي العاص بن الربيع أغنياء، لكن زينت تحب زوجها، وزوجها لم يُسلم بعد، فهذا الحب بين الزوجين هو من خلق الله, قال تعالى:
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

[سورة الروم الآية: 21]
الحب بين الزوجين من خلق الله, قال تعالى:
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

[سورة الروم الآية: 21]

الحب بين الزوجين من خلق الله
زوجها مأسور عند أبيها، وأهل زوجها أغنياء, مستعدون أن يقدِّموا أعلى فديةٍ لإنقاذ ابنهم، ماذا فعلت زينب مع زوجها الذي لم يرضَ أن يسلم، وبقي على كفره؟ أرادت أن تلقِّنه درساً إيجابياً لا درساً سلبياً، درساً يحرِّك مشاعره، أرسلت في فدائه بشيءٍ ثمينٍ جداً؛ قلادةٍ قدَّمها النبي عليه الصلاة والسلام لأمها خديجة يوم عُرسها، وخديجة قدَّمت هذه القلادة لابنتها زينب، وزينب أرسلت هذه القلادة لأبيها, كي تكون فداءً لزوجها .
افتدت زينب زوجها بقلادة أهدتها إياها السيدة خديجة
النبي عليه الصلاة والسلام, تفقَّد الأسرى واحداً وَاحداً، وإذا به يصادف صهره أبا العاص، فينظر إليه النبي عليه الصلاة والسلام نظرة الرفق والأسى عليه .
فالعم أب؛ لك أبٌ أنجبك، ولك أبٌ زوجك، ولك أبٌ دلَّك على الله, الأب الذي أنجبك هو الأب النَسَبي، أما الأب الذي زوجك؛ أي أن هذه الزوجة ربَّاها لك عمك ثمانية عشرَ عاماً، كم مرة عالجها؟ وكم مرة سهر من أجلها؟ وكم مرة اعتنى بها؟ وكم مرة دفعها إليها الدراهم؟ وكم مرة جاء لها بكل حاجاتها؟ وبعد أن نضجت، وأصبحت فتاةً ملء السمع والبصر، يتنكَّر الزوج لعمِّه, والله هذا منتهى اللؤم، عمك أي والد زوجتك, والدك من بعض المعاني .
فلما استعرض النبي الأسرى فإذا بصهره بين الأسرى، فطأطأ أبو العاص رأسه حياءً وخجلاً، وهو لا يدري ما هو صانعٌ فيه، وقال:

((والله ما ذممناه صهراً))
روى أبو إسحاق عن عائشة رضي الله عنها قالت:
((لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في فداء أبي العاص بن الربيع بمالٍ، وبعثت فيه بقلادةٍ لها, كانت خديجة رضي الله عنها أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها، قالت: فلما رآها النبي عليه الصلاة والسلام رقَّ لها رِقَّةً شديدةً وبكى, وَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا, وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا, فَقَالُوا: نَعَمْ))

[أخرجه أبو داود في سننه]
أي إذا شئتم, ترك أمر ابنته لأصحابه، ترك أمر فداء صهره لأصحابه، هذا منتهى التواضع، منتهى الشعور أنه واحدٌ من أصحابه، والرأي رأي الجميع، قال:
((إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا, وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا, قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه, وردوا عليه الذي لها))
وكان عليه الصلاة والسلام قد أخذ عليه عهداً أن يُخَلِّي سبيل زينب إليه, لأنه هو كافر بقي على كفره، ونزل التشريع أنه لا يجوز لامرأةٍ مسلمة أن تكون تحت كافر, أخذ عليه العهد أن يخلي سبيل زينب إليه .
من هما الصحابيان اللذان كلفهما النبي أن يصحبا زينب إليه, ومن أوصلها إليهما, وماذا جرى معها في طريقها إليهما, وماذا فعل النبي حينما علم بذلك, وهل سر النبي بمجيئها إليه ؟
أيها الأخوة, ولمَّا خرج أبو العاص إلى مكة, وفَّى بعهده، وخلَّى سبيل زوجته لتهاجر إلى أبيها، َكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ عَلَيْهِ أَوْ وَعَدَهُ, أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ, وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ, فَقَالَ:
((كُونَا بِبَطْنِ يَأْجَجَ, حَتَّى تَمُرَّ بِكُمَا زَيْنَبُ فَتَصْحَبَاهَا, حَتَّى تَأْتِيَا بِهَا))

فخرجا مكانهما بعد بدرٍ بشهر، فلما قدم أبو العاص مكة, أمرها باللحوق بأبيها وفاءً لعهده, كان أخلاقيًا، إنه مشرك، لكنه أخلاقي .
فلما فرغت بنت رسول الله من جهازها, قدَّم لها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها، كلَّفوا أخا زوجها أن يأخذها من بيتها إلى بعد ثمانية أميال من مكة، لتذهب مع الصحابيين إلى رسول الله، قدَّما لها بعيراً ركبته، وأخذ أخ زوجه قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهاراً يقود بها على هودجٍ لها، وأخذت زينب, تنظر إلى جبال مكة وهضابها مودعةً لها، ولعلَّها لا تعود إليها أبداً.
خلى أبو العاص سبيل زينب وفاء لعهد قطعه على نفسه
النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أيام الربيع, جاء رجل من مكة, وصف له جبال مكة الخضراء في الربيع، فبكى النبي شوقاً لمكة, وقال:

((يا أُصَيل لا تشوقنا))
في الحجة الأخيرة, كان ثمة أمطار كثيرة، أنا أول مرة أرى جبال مكة خضراء، والطريق بين مكة والمدينة أخضر، طبعاً كان الحج في أيام الربيع عقب موسم أمطار جيد، فالبلاد في الربيع جميلة جداً, صدق القائل:
دنيا معاشٍ للورى حتى إذا حلَّ الربيع فإنما هي منظرٌ
فالنبي انهمرت دمعةٌ على خذه, وقال:
((يا أُصَيل لا تشوقنا))
الهجرة صعبة، إذا الإنسان ترك بلده, واقتلع من جذوره، عندما خرج النبي من مكة, قال:
((اللّهُمَّ إِنَّكَ أخْرَجْتَني مِنْ أَحَبَّ الْبِقَاعِ إِلَيَّ, فَأَسْكِنِّ في أَحَبِّ الْبِلاَدِ إلَيْك))
فقالوا: مكة أحب البلاد إلى النبي، والمدينة أحب البلاد إلى الله .
ما الذي حصل؟ ودَّعت جبال مكة، وكانت ترجو أن يخرج معها زوجها مسلماً مهاجراً إلى الله تعالى ورسوله، ولكن خيَّب رجاءها، وما أرادت أن تَمُنَّ عليه في سعيها عند أبيها بإطلاق سراحه .
هناك امرأة إذا كانت أغنى من زوجها قليلاً, تقول له: لولاي ما صرت، إذا كان ساكنًا في بيتها تقول له: هذا بيتي، أنت ليس لك بيت، المرأة غير المؤمنة, لو تفوَّقت على زوجها قليلاً, لملأت سمعه مِنَّةً وكلاماً لا يُحتمل، فمع أنها هي السبب في إطلاق سراحه، وقدَّمت قِلادتها الثمينة ، وأطلق النبي سراحه إكراماً لابنته، ولم تمنَّ عليه، وبقي مشركاً، كانت تتمنَّى أن تذهب إلى المدينة مع زوجها، ليلتئم الشمل .
يبدو أن أهل مكة, علموا أن بنت رسول الله, ستلتحق بأبيها، وعقب معركة بدر، والدماء لا تزال ساخنة، والجراح عميقة، والألم شديد, فخرجوا في طلبها، حتى أدركوها بذي طوى، فكان أول من سبق إليها هبَّار بن الأسود، فروَّعها بالرمح, وهي في هودجها، وكانت حاملاً, فلما ريعت, طرحت ذا بطنها, وبرك حموها كنانة، ونثر كنانته، ثم قال:
والله لا يدنو مني رجلٌ إلا وضعت فيه سهماً، فتباعد الناس عنه, وأتى أبو سفيان، وكان حكيماً في جُلَّةٍ من قريش, فقال:
((أيها الرجل, كفَّ عناَّ نبلك حتى نُكَلِّمك، فكفَّ، فقال أبو سفيان: إنك لم تصب, -أي ما أصبت في هذا العمل- خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانيةً، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانيةً على رؤوس الناس من بين أظهرنا, أن ذلك ذلٌ أصابنا عن مصيبتنا التي كانت، وأن هذا منا ضعفٌ ووهنٌ، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها حاجة، وما لنا من ثأرٍ نثأره منها، ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الأصوات، وتحدَّث الناس أن قد رددناها، فَسُلَّها سراً، وألحقها بأبيها، ففعل .
أقامت ليالي حتى إذا هدأت الأصوات، خرج بها ليلاً, حتى أسلماها لزيد بن حارثة وصاحبه، فقدما على النبي صلى الله عليه وسلَّم .
ولما وصلت زينت إلى أبيها رسول الله, استقبلها استقبالاً حاراً، وهتف الناس بهجةً بوصولها بسلام، وما إن استراحت من عناء السفر, أَخبرت أباها بما فعلها الرهط من قريش معها, -وفي روايةٍ:

((أنها أصيبت بجرحٍ من رمحه فنزفت وألقت حملها))
أرسل النبي عليه الصلاة والسلام سريَّةً, لمعاقبة هبَّار وصاحبه، وتقيم زينب بقرب النبي عليه الصلاة والسلام، وأَنِسَت بأخواتها في المدينة))
.

إليكم قصة إسلام أبي العاص زوج زينب بنت النبي :

أيها الأخوة, حتى كان العام السادس من الهجرة إلى أن وقع أبو العاص في أسر الصحابة, بعد أن تعرَّضت قافلته بسبعين ومئة من الصحابة، فأخذوا قافلته، وأسروا أناساً كثيرين منهم أبو العاص، فجاؤوا بهم إلى المدينة .
أبو العاص له تجارة من الشام إلى مكة، خرج مئة وسبعون من الصحابة الكرام, طبعاً في حالة حرب بينهما, أسروا هذه القافلة، وأخذوها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أبا العاص فر منهم، واستجار بزوجته زينب .
طبعاً دخلت زينب، أطلَّت برأسها من إحدى حُجَر النبي على أصحاب رسول الله, وفيهم النبي يصلي فيهم، وقالت:

((إني أجرت أبا العاص، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أنا أسمع معكم -ليس هناك اتفاق بينهم- والنبي عليه الصلاة والسلام أمضى جوار ابنته زينب لأبي العاص .
-الصحابة أقنعوه, إذا أسلمت, هذه القافلة الكبيرة جداً, تصبح غنائم حرب، هي لقريش، الأموال أموال استثمار, إن صحَّ التعبير, فهذه أموال قريش- فقالوا: إذا أسلمت تنقلب هذه البضاعة كلها غنائم، -فقال أبو العاص كلمة رائعة- قال: والله ما أبدأ إسلامي بهذا، فقال عليه الصلاة والسلام: إن هذا الرجل منا قد علمتم أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك, وإن أبيتم, فهو فيء الله الذي أفاءه عليكم, فأنتم أحق به, فقالوا: يا رسول الله, بل نرده عليه، فردوه عليه .
حتى إن الرجل ليأتي بالدلو، ويأتي الرجل بالشَنَّةِ, -وهو السقاء البالي- رجعت له كل أمواله، ثم حمل هذا إلى مكة, فأدى إلى كل ذي حقٍ حقه, ومن كان أبضع معه بضاعةً, أعطاه بضاعته، والذي أعطاه بضاعةً أعطاه بضاعةً, ثم قال: يا معشر قريش, هل بقي لأحدٍ منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا: لا, فجزاك الله خيراً، فقد وجدناك وفياً كريماً، قال: إذاً: فأنا أشهد أنه لا إله إلا الله, وأن محمداً عبده ورسوله .
-متى وقَّت إسلامه؟ بعد أن ردَّ الأموال إلى أصحابها, أعلن إسلامه، لمَ أعلن إسلامه؟ لأنه تلَّقى من عمه معاملة طيبة جداً- .
قال: والله ما منعني من أن أسلم, وأنا عنده, إلا مخافة أن تظنوا, إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أدَّها الله إليكم, وفرغت منها, أسلمت .
ثم خرج حتى قدم على النبي صلى الله عليه وسلَّم، وكان ذلك سنة سبعٍ، فاستقبله عليه الصلاة والسلام استقبال المهاجرين إلى الله تعالى ورسوله، وردَّ عليه صلى الله عليه وسلَّم زينب على النكاح الأول، لم يحدث شيئاً من شرطٍ أو غيره, -هي زوجته وهو زوجها, وانتهى الأمر .
قصَّة مؤثرة جداً، فيها أحكام، فيها كمال، فيها وفاء، فيها رحمة, فيها إحسان، فيها عواطف زوجيَّة، فيها عواطف أسرية، فيها موقف عم, موقف أب، موقف زوج، موقف زوجة-.
وبهذا تحقَّق للسيدة زينب رجاؤها بإسلام زوجها أبو العاص بن الربيع، ويعود الحبيبان الكريمان إلى الحياة الزوجيَّة الآمنة المطمئنة، ويجتمع الشمل بعد فراقٍ طويل))
لذلك قالوا:
((مِنْ أَفْضَلِ الشَّفَاعَةِ أَنْ يُشَفَّعَ بَيْنَ الاثْنَيْنِ فِي النِّكَاحِ))
أفضل الشفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح
وأنا أقول لكم: لا يقل عن هذا العمل, أن تشفع بين اثنين في نكاح، وأن توفِّق بين زوجين بينهما مشكلة، بينهما قطيعة، بينهما بغضاء، بينهما عداوة، إذا وفَّقت بين الزوجين أسعدتهما ، وأسعدت أولادهما، لذلك هذا الذي ينسحب من كل عمل صالح, إنسان ما عرف سرَّ وجوده .
مرَّة قلت لكم: أحد أخواننا الكرام, شكا زوجته إلى أخيها، فقال له: طلِّقها, كلمة واحدة، الله عزَّ وجل قال:
﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾

[سورة النساء الآية: 35]

إنّ الله عزَّ وجل يريد الإصلاح، يريد التوفيق, لذلك الآية الكريمة الدقيقة:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

[سورة الأنفال الآية: 1]

المؤمن أحد أهم أعماله؛ أنه يصلح دائماً بين المتخاصمين، ولاسيما إذا كانا زوجين .

كم هي مدة الفترة التي عاشها أبو العاص مع زوجته زينب بعد إسلامه ؟

أيها الأخوة, وبعد مضي عامٍ واحد من اجتماع شمل الزوجين اللذين جمع بينهما الإسلام والإيمان, والهجرة, كان الرحيل المهيب، فقد توفِّيت زينب، بعدما عاش زوجها معها عاماً واحدًا .
أيها الأخوة, ثمة عمر قصير، لكنه غني، وهناك عمر طويل، لكنه فقير، هناك علماء أجلاء عاشوا أقل من خمسين سنة، الذي فتح الصين، وأوصل الإسلام إلى هناك, مات في السادسة والثلاثين، والشافعي مات دون الخمسين، والإمام النووي مات دون الخمسين، أي في السابعة والأربعين، ولكنه ترك أعمالاً, لا يعلمها إلا الله، فالعبرة بغنى العمر لا بامتداده، وأثمن عمر على الإطلاق عمر النبي، لذلك أقسم الله جلَّ جلاله بهذا العمر, فقال:

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

[سورة الحجر الآية: 72]
والإنسان كلَّما ازداد إيمانه، وأجرى الله على يديه الخير, يزداد عمره قيمةً، وكل إنسان له عمر، العبرة بمحتوى العمر لا بامتداده، الامتداد ليس له قيمة أبداً، أتفه شيءٍ في العمر امتداده، وأثمن شيءٍ في العمر مضمونه؛ ماذا فعل؟ .
سيدنا الصديق, يعد المؤسس الثاني لهذا الدين العظيم، فقد ارتدَّت العرب بعد وفاة النبي، من الذي ثبَّت كيان هذا الدين؟ سيدنا الصديق .
سيدنا عمر فتوحاته في مصر والشام، فكل إنسان ماذا ترك؟ هذا سؤال كبير، اسأل نفسك هذا السؤال: ماذا قدَّمت للإسلام؟ قدمت علمُا، قدمت عملاً، قدمت مشروعًا خيريًا، قدمت منهجًا، أصلحت ذات البين، حللت مشكلة لمسلمين، ماذا قدمت؟ حجمك عند الله بحجم عملك الصالح .
فالسيدة زينب, أسرعت في إيمانها بأبيها، وتمنَّت من كل قلبها, لو آمن معها زوجها لعل الله أن يحقق طموحنا وسط هذا الواقع القاسي
ولكن الله في النهاية, حقَّق لها هذا الأمل، وهذا معنى ثانٍ، واقعك الآن سيء, لك طموحات ما تحقَّقت، من يدريك أن الله سبحانه وتعالى يمكن في المستقبل أن يحقق لك طموحك؟ كانت أعلى أمنية لها, أن ترى زوجها في المدينة معها، جاءت وحدها إلى المدينة، زوجها أرجع الأموال لأصحابها، ثم أعلن إسلامه، والتحق بزوجته، فحقَّق الله لها حلمها .
الشيء الثاني: الأخلاقي لا تستطيع أن تأسره إلا بالأخلاق، فالنبي عرف أن هذا الإنسان أخلاقي، لكنَّه مشرك، أثنى عليه لما كان أسيراً، أطلقه من إساره، قَبل إجارة ابنته له، ثم ردَّ له أمواله، هذه الأعمال الطيِّبة تراكمت حتى حملته على أن يُسلم .
فأحياناً ألف عمل ذكي, مخلص, حكيم, تشد إنسانًا لك، تصرُّف واحد أحمق يبعده عنك، الإنسان أحياناً يخسر أخاه بكلمة، ويربحه بجهد كبير، بجهد دؤوب، وبأعمال متلاحقة يربحه، ويخسره بكلمة .
فالإنسان يكون دقيقًا في كلامه، دقيقًا في معاملته، يدرس كل تصرفاته، وإلا يخسر أصدقاءه بثمن قليل .
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علَّمنا، وأن يلهمنا الخير .

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 01-12-2017, 11:07 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,041
معدل تقييم المستوى: 3
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة الصحابيات من موقع النابلسي

السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات ـ بنات النبي الكريم –السيدة زينب الكبرى ـ الدرس (2-2) : سيرة السيدة زينب الكبرى
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-05-18





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ما هي الأحداث التي جرت للنبي بعد وفاة زوجته وعمه
ماذا صنع النبي, ولماذا لم تهاجر زينب مع أخوتها إلى دار الهجرة ؟
الحزن من خصائص الحياة الدنيا
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الرابع والعشرين من دروس سير الصحابيِّات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، ومع الصحابية الجليلة؛ السيدة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
في عام الحزن: هلكت السيدة خديجة رضي الله عنها، وأبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلَّم، كُتَّاب السيرة سمّوا هذا العام: عام الحزن، والحزن خصائص الحياة الدنيا,
((إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عُقبى))
بالحزن يمتحن الإنسان
الحزن خلاَّق، الحزن يفجِّر الطاقات، الحزن يكشف القيَم، الحزانى في كنف الله,
((إن الله تعالى يحب كل قلب حزين))
الإنسان إذا قرأ قوله تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 155-157]

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 155-157]

أيها الأخوة, الإنسان بالحُزن يُكشف معدِنه، بالحزن يظهر إيمانه، بالحزن ينكشف صبره ، بالحزن تتفجَّر طاقاته، بالحزن يتقرَّب من ربه .
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، هو قدوةٌ لنا، في عامٍ واحد؛ توفِّيت زوجته السيدة خديجة، السيدة خديجة عاشت معه خمساً وعشرين سنة، خمس عشرة سنة قبل البعثة، وعشر سنوات بعد البعثة، كانت خلالها المرأة الطاهرة النقية، الزوجة الوفية المخلصة، التي بذلت في سبيل الدعوة كل غالٍ ورخيص، بذلت كل ما تملك؛ من ثروةٍ مادية، ومكانةٍ اجتماعية، وهيبةٍ معنوية، وشرفٍ شامخ، وعزٍ وبذخ، كانت من خلال كل ذلك, تقدم للنبي عليه الصلاة والسلام العطاء كل العطاء من قلبها ونفسها, وهي راضية .
السيدة خديجة مثال الزوجة التي تقف وراء زوجها معاونةً، داعمةً، صابرةً، لذلك عليه الصلاة والسلام وفاءً منه لها, حينما فتح مكة قال:

((انصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة))
ونصب على قبرها لواء النصر، لأنها لم تكحِّل عينيها بفرحة النصر، فحينما نصب هذا اللواء على قبرها، ونصب خيمة إلى جانب قبرها إشعاراً بأن لها فضلاً على هذه الدعوة، قال تعالى:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾

[سورة النصر الآية: 1-3]
لما هلك أبو طالب, نالت قريش من النبي عليه الصلاة والسلام من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، وبالغ في إيذاء النبي، فدخل عليه الصلاة والسلام بيته، فقامت إليه إحدى بناته وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول لها:
((لا تبكِ يا بنية فإن الله مانع أباكِ))
وقال عليه الصلاة والسلام:
((ما نالت مني قريشاً شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب))
النبي قدوة, ذاق الفقر، دخل بيته, فقال:
((هل عندكم شيء؟ فقالوا: لا, ولا شيء, قال: فإني صائم))
النبي الكريم قدوة في كل شيء
ذاق الغنى؛
((لمن هذا الوادي من الغنم يا رسول الله؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قال: والله هو لك))
ذاق النصر في فتح مكة، دخلها مطأطئ الرأس, متواضعاً لله عزَّ وجل، ذاق القهر في الطائف,
((إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي))
ذاق المرض، ذاق الصحة، ذاق موت الولد,
((إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ, وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ, وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا, وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))

[أخرجه البخاري عن أنس في الصحيح]

وذاق موت الزوجة، وذاق تطليق البنات، طُلِّقت بنتاه مبالغةً في إيذائه، وذاق الهجرة، وذاق المرض، وذاق الإخراج من بلده، كل شيءٍ ذاقه، ووقف الموقف الكامل من كل الظروف الصعبة التي مرَّ بها، لذلك كان قدوةً لنا وأسوةً، وما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما تتم السنة إلا به فهو سنة، وحينما قال الله عزَّ وجل:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾

[سورة الأحزاب الآية: 21]

معرفة سيرة النبي العملية فرض عينٍ، لنحقق هذا الأمر بأن يكون النبي أسوةٌ حسنة .
معرفة سيرة النبي فرض عين كي نتخذه أسوة
أصبحت زينب رضي الله عنها ذات يومٍ، ومكَّة من أدناها إلى أقصاها, تتحدث عن مطاردة قريشٍ لأبيها النبي عليه الصلاة والسلام، وولاء البنت لأبيها معروف عند كل أب .
النبي عليه الصلاة والسلام ترك مكة مهاجراً إلى يثرب، وليس معه سوى صاحبه الصديق أبي بكرٍ رضي الله عنه، زينب كانت مضطربة؛ خائفةً على أبيها أياماً وأياماً، حتى جاءها خبر وصوله إلى يثرب، فزال عنها كربُها، وسرًّت بسلامة أبيها صلى الله عليه وسلَّم، ووصوله إلى دار مأمنه في الهجرة .
ولم تمضِ إلا أشهرٌ معدودات حتى أرسل النبي عليه الصلاة والسلام إلى أختيها فاطمة وأم كلثوم من يحملها إليه في دار الهجرة بقيت زينب وحدها في مكة
وكانت رقيَّة قد هاجرت كذلك من قبل، وبقيت زينب وحدها في مكة مع زوجها أبي العاص بن الربيع الذي لم يسلم، إذ لم يكن الإسلام قد فرَّق بينهما, أي لم ينزل الحكم الشرعي الذي يفرِّق بين الزوجة المسلمة والزوج الكافر, فبقيت في مكة, وقد غادرها الأهل، وتنتظر وقت اللحاق بأبيها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في دار الهجرة .
هل حققت قريش مرادها من النبي في استئصاله من دار الهجرة, وهل كان أبو العاص من جملة الأسرى الذين كانوا بين يدي النبي, وبماذا عهد له النبي؟
أيها الأخوة, لمَّا علمت زينت لما حصل لأبي سفيان، وتعرُّض قافلته من قِبَل الصحابة، ورأت قريشٌ أن تقاتل النبي عليه الصلاة والسلام، ولم تمضِ إلا أيامٌ قليلة حتى خرجت قريشٌ بخيلها وخُيلائها، تقصد النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ناويةً استئصالهم من دار هجرتهم, غير أن قريش لم تصل إلى قصدها، وذاقت كؤوس المنايا في بدر، وكانت بدر تلطيخاً لها في الوحل، وأعزَّ الله الإيمان والإسلام، وخذل أهل الكفر, والشرك, والطغيان، وانتقل خبر الانتصار العظيم قبل وصول الفلول المنهزمة إلى مكة .
طبعاً فرحت زينب فرحاً شديداً بانتصار أبيها النبي وأصحابه، حتى قامت لله عزَّ وجل شاكرةً لهذا النصر المؤزَّر .
حين جاءت فلول الجيش مهزومةً، علمت أن زوجها كان من جملة الأسرى, تصور زينب في مكة، غافلها زوجها، وانضمَّ إلى جيشه, ليحارب النبي وهو عمه، وقع أسيراً، وقد كنت ذكرت لكم من قبل أن النبي عليه الصلاة والسلام, حينما استعرض الأسرى، مرَّ به، فقال عليه الصلاة والسلام وفاءً منه بحق القرابة، قال:

((والله ما ذممناه صهراً))
زوج زينب أبو العاص وقع أسيرا بأيدي المسلمين
هو الآن مقاتل ومشرك، أما كزوج ما ذممناه، الدليل أن زوجي ابنتيه اللذين طلَّقا زوجتيهما، أبو العاص لم يفعل ما فعلاه، وأبى أن يطلِّق زوجته، مع أنه جاءه ضغطٌ شديد, ليطلِّق زوجته نكايةً بالنبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يفعل .
أنا سمعت قصة: أنه ذات مرَّة في الجاهلية, جاء أبو جهل إلى بيت النبي قبل البعثة, فسأل ابنته فاطمة: أين أبوكِ؟ قالت: لا أدري، فلطمها، بلغ أبا سفيان ذلك, فحمل فاطمة رضي الله عنها، واقتصَّ من أبي جهلٍ إكراماً لها, فلما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام هذا الحدث, رفع يديه إلى السماء, وقال:
((يا رب لا تنسها لأبي سفيان))
النبي كان وفي إلى درجة مذهلة، في أحد الصحابة نزع عن كتفه ريشة، رفع النبي يديه عليه الصلاة والسلام, وقال:
((جزاك الله خيراً))
الوفاء من أجمل صفات النبي الكريم
فأجمل صفة بالإنسان الوفاء, صدق القائل:
أعلِّمه الرماية كل يـومٍ فلما اشتدَّ ساعده رمانـي
وكم علَّمته نظم القوافي فلما قال قافيةً هجانــي
أجمل صفة في النبي عليه الصلاة والسلام الوفاء، هذا الذي ارتكب معه خيانةً عُظمى، خيانة عُظمى في كل المقاييس؛ القديمة, والحديثة، والدينية, والوطنيَّة، حاطب بن أبي بلتعة, أرسل كتابًا إلى قريش:
((أن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم، -خيانة عُظمى- فلما قال له سيدنا عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: لا يا عمر, إنه شهد بدراً، -لم ينسَ له شهود بدر- وقال: تعال يا حاطب, لمَ فعلت هذا؟ قال: والله يا رسول الله, ما كفرت ولا ارتددت، كنت لصيقاً في قريش، أردت أن أجعل من هذا, أن يكون هذا يداً لي بيضاء عندهم, أحمي بها أولادي وأهلي ومالي، فقال عليه الصلاة والسلام:

((إني صدقته فصدِّقوه, ولا تقولوا فيه إلا خيراً))
وفاء النبي عليه الصلاة والسلام شيء لا يوصف، وفاؤه لمن أرضعته، وفاؤه لمن ربَّته، وفاؤه لكل من ساهم, وقدَّم له شيء، فالله عزَّ وجل يقول:
﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾

[سورة البقرة الآية: 237]
فأسوأ صفة في الإنسان اللؤم، اللؤم أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يردُّه، لذلك: يا رب لا تجعل حوائجنا إلا إليك .
طبعاً يبدو أن أهل أبي العاص بن الربيع أغنياء، لكن زينت تحب زوجها، وزوجها لم يُسلم بعد، فهذا الحب بين الزوجين هو من خلق الله, قال تعالى:
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

[سورة الروم الآية: 21]
الحب بين الزوجين من خلق الله, قال تعالى:
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

[سورة الروم الآية: 21]

الحب بين الزوجين من خلق الله
زوجها مأسور عند أبيها، وأهل زوجها أغنياء, مستعدون أن يقدِّموا أعلى فديةٍ لإنقاذ ابنهم، ماذا فعلت زينب مع زوجها الذي لم يرضَ أن يسلم، وبقي على كفره؟ أرادت أن تلقِّنه درساً إيجابياً لا درساً سلبياً، درساً يحرِّك مشاعره، أرسلت في فدائه بشيءٍ ثمينٍ جداً؛ قلادةٍ قدَّمها النبي عليه الصلاة والسلام لأمها خديجة يوم عُرسها، وخديجة قدَّمت هذه القلادة لابنتها زينب، وزينب أرسلت هذه القلادة لأبيها, كي تكون فداءً لزوجها .
افتدت زينب زوجها بقلادة أهدتها إياها السيدة خديجة
النبي عليه الصلاة والسلام, تفقَّد الأسرى واحداً وَاحداً، وإذا به يصادف صهره أبا العاص، فينظر إليه النبي عليه الصلاة والسلام نظرة الرفق والأسى عليه .
فالعم أب؛ لك أبٌ أنجبك، ولك أبٌ زوجك، ولك أبٌ دلَّك على الله, الأب الذي أنجبك هو الأب النَسَبي، أما الأب الذي زوجك؛ أي أن هذه الزوجة ربَّاها لك عمك ثمانية عشرَ عاماً، كم مرة عالجها؟ وكم مرة سهر من أجلها؟ وكم مرة اعتنى بها؟ وكم مرة دفعها إليها الدراهم؟ وكم مرة جاء لها بكل حاجاتها؟ وبعد أن نضجت، وأصبحت فتاةً ملء السمع والبصر، يتنكَّر الزوج لعمِّه, والله هذا منتهى اللؤم، عمك أي والد زوجتك, والدك من بعض المعاني .
فلما استعرض النبي الأسرى فإذا بصهره بين الأسرى، فطأطأ أبو العاص رأسه حياءً وخجلاً، وهو لا يدري ما هو صانعٌ فيه، وقال:

((والله ما ذممناه صهراً))
روى أبو إسحاق عن عائشة رضي الله عنها قالت:
((لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في فداء أبي العاص بن الربيع بمالٍ، وبعثت فيه بقلادةٍ لها, كانت خديجة رضي الله عنها أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها، قالت: فلما رآها النبي عليه الصلاة والسلام رقَّ لها رِقَّةً شديدةً وبكى, وَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا, وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا, فَقَالُوا: نَعَمْ))

[أخرجه أبو داود في سننه]
أي إذا شئتم, ترك أمر ابنته لأصحابه، ترك أمر فداء صهره لأصحابه، هذا منتهى التواضع، منتهى الشعور أنه واحدٌ من أصحابه، والرأي رأي الجميع، قال:
((إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا, وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا, قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه, وردوا عليه الذي لها))
وكان عليه الصلاة والسلام قد أخذ عليه عهداً أن يُخَلِّي سبيل زينب إليه, لأنه هو كافر بقي على كفره، ونزل التشريع أنه لا يجوز لامرأةٍ مسلمة أن تكون تحت كافر, أخذ عليه العهد أن يخلي سبيل زينب إليه .
من هما الصحابيان اللذان كلفهما النبي أن يصحبا زينب إليه, ومن أوصلها إليهما, وماذا جرى معها في طريقها إليهما, وماذا فعل النبي حينما علم بذلك, وهل سر النبي بمجيئها إليه ؟
أيها الأخوة, ولمَّا خرج أبو العاص إلى مكة, وفَّى بعهده، وخلَّى سبيل زوجته لتهاجر إلى أبيها، َكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ عَلَيْهِ أَوْ وَعَدَهُ, أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ, وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ, فَقَالَ:
((كُونَا بِبَطْنِ يَأْجَجَ, حَتَّى تَمُرَّ بِكُمَا زَيْنَبُ فَتَصْحَبَاهَا, حَتَّى تَأْتِيَا بِهَا))

فخرجا مكانهما بعد بدرٍ بشهر، فلما قدم أبو العاص مكة, أمرها باللحوق بأبيها وفاءً لعهده, كان أخلاقيًا، إنه مشرك، لكنه أخلاقي .
فلما فرغت بنت رسول الله من جهازها, قدَّم لها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها، كلَّفوا أخا زوجها أن يأخذها من بيتها إلى بعد ثمانية أميال من مكة، لتذهب مع الصحابيين إلى رسول الله، قدَّما لها بعيراً ركبته، وأخذ أخ زوجه قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهاراً يقود بها على هودجٍ لها، وأخذت زينب, تنظر إلى جبال مكة وهضابها مودعةً لها، ولعلَّها لا تعود إليها أبداً.
خلى أبو العاص سبيل زينب وفاء لعهد قطعه على نفسه
النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أيام الربيع, جاء رجل من مكة, وصف له جبال مكة الخضراء في الربيع، فبكى النبي شوقاً لمكة, وقال:

((يا أُصَيل لا تشوقنا))
في الحجة الأخيرة, كان ثمة أمطار كثيرة، أنا أول مرة أرى جبال مكة خضراء، والطريق بين مكة والمدينة أخضر، طبعاً كان الحج في أيام الربيع عقب موسم أمطار جيد، فالبلاد في الربيع جميلة جداً, صدق القائل:
دنيا معاشٍ للورى حتى إذا حلَّ الربيع فإنما هي منظرٌ
فالنبي انهمرت دمعةٌ على خذه, وقال:
((يا أُصَيل لا تشوقنا))
الهجرة صعبة، إذا الإنسان ترك بلده, واقتلع من جذوره، عندما خرج النبي من مكة, قال:
((اللّهُمَّ إِنَّكَ أخْرَجْتَني مِنْ أَحَبَّ الْبِقَاعِ إِلَيَّ, فَأَسْكِنِّ في أَحَبِّ الْبِلاَدِ إلَيْك))
فقالوا: مكة أحب البلاد إلى النبي، والمدينة أحب البلاد إلى الله .
ما الذي حصل؟ ودَّعت جبال مكة، وكانت ترجو أن يخرج معها زوجها مسلماً مهاجراً إلى الله تعالى ورسوله، ولكن خيَّب رجاءها، وما أرادت أن تَمُنَّ عليه في سعيها عند أبيها بإطلاق سراحه .
هناك امرأة إذا كانت أغنى من زوجها قليلاً, تقول له: لولاي ما صرت، إذا كان ساكنًا في بيتها تقول له: هذا بيتي، أنت ليس لك بيت، المرأة غير المؤمنة, لو تفوَّقت على زوجها قليلاً, لملأت سمعه مِنَّةً وكلاماً لا يُحتمل، فمع أنها هي السبب في إطلاق سراحه، وقدَّمت قِلادتها الثمينة ، وأطلق النبي سراحه إكراماً لابنته، ولم تمنَّ عليه، وبقي مشركاً، كانت تتمنَّى أن تذهب إلى المدينة مع زوجها، ليلتئم الشمل .
يبدو أن أهل مكة, علموا أن بنت رسول الله, ستلتحق بأبيها، وعقب معركة بدر، والدماء لا تزال ساخنة، والجراح عميقة، والألم شديد, فخرجوا في طلبها، حتى أدركوها بذي طوى، فكان أول من سبق إليها هبَّار بن الأسود، فروَّعها بالرمح, وهي في هودجها، وكانت حاملاً, فلما ريعت, طرحت ذا بطنها, وبرك حموها كنانة، ونثر كنانته، ثم قال:
والله لا يدنو مني رجلٌ إلا وضعت فيه سهماً، فتباعد الناس عنه, وأتى أبو سفيان، وكان حكيماً في جُلَّةٍ من قريش, فقال:
((أيها الرجل, كفَّ عناَّ نبلك حتى نُكَلِّمك، فكفَّ، فقال أبو سفيان: إنك لم تصب, -أي ما أصبت في هذا العمل- خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانيةً، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانيةً على رؤوس الناس من بين أظهرنا, أن ذلك ذلٌ أصابنا عن مصيبتنا التي كانت، وأن هذا منا ضعفٌ ووهنٌ، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها حاجة، وما لنا من ثأرٍ نثأره منها، ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الأصوات، وتحدَّث الناس أن قد رددناها، فَسُلَّها سراً، وألحقها بأبيها، ففعل .
أقامت ليالي حتى إذا هدأت الأصوات، خرج بها ليلاً, حتى أسلماها لزيد بن حارثة وصاحبه، فقدما على النبي صلى الله عليه وسلَّم .
ولما وصلت زينت إلى أبيها رسول الله, استقبلها استقبالاً حاراً، وهتف الناس بهجةً بوصولها بسلام، وما إن استراحت من عناء السفر, أَخبرت أباها بما فعلها الرهط من قريش معها, -وفي روايةٍ:

((أنها أصيبت بجرحٍ من رمحه فنزفت وألقت حملها))
أرسل النبي عليه الصلاة والسلام سريَّةً, لمعاقبة هبَّار وصاحبه، وتقيم زينب بقرب النبي عليه الصلاة والسلام، وأَنِسَت بأخواتها في المدينة))
.

إليكم قصة إسلام أبي العاص زوج زينب بنت النبي :

أيها الأخوة, حتى كان العام السادس من الهجرة إلى أن وقع أبو العاص في أسر الصحابة, بعد أن تعرَّضت قافلته بسبعين ومئة من الصحابة، فأخذوا قافلته، وأسروا أناساً كثيرين منهم أبو العاص، فجاؤوا بهم إلى المدينة .
أبو العاص له تجارة من الشام إلى مكة، خرج مئة وسبعون من الصحابة الكرام, طبعاً في حالة حرب بينهما, أسروا هذه القافلة، وأخذوها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أبا العاص فر منهم، واستجار بزوجته زينب .
طبعاً دخلت زينب، أطلَّت برأسها من إحدى حُجَر النبي على أصحاب رسول الله, وفيهم النبي يصلي فيهم، وقالت:

((إني أجرت أبا العاص، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أنا أسمع معكم -ليس هناك اتفاق بينهم- والنبي عليه الصلاة والسلام أمضى جوار ابنته زينب لأبي العاص .
-الصحابة أقنعوه, إذا أسلمت, هذه القافلة الكبيرة جداً, تصبح غنائم حرب، هي لقريش، الأموال أموال استثمار, إن صحَّ التعبير, فهذه أموال قريش- فقالوا: إذا أسلمت تنقلب هذه البضاعة كلها غنائم، -فقال أبو العاص كلمة رائعة- قال: والله ما أبدأ إسلامي بهذا، فقال عليه الصلاة والسلام: إن هذا الرجل منا قد علمتم أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك, وإن أبيتم, فهو فيء الله الذي أفاءه عليكم, فأنتم أحق به, فقالوا: يا رسول الله, بل نرده عليه، فردوه عليه .
حتى إن الرجل ليأتي بالدلو، ويأتي الرجل بالشَنَّةِ, -وهو السقاء البالي- رجعت له كل أمواله، ثم حمل هذا إلى مكة, فأدى إلى كل ذي حقٍ حقه, ومن كان أبضع معه بضاعةً, أعطاه بضاعته، والذي أعطاه بضاعةً أعطاه بضاعةً, ثم قال: يا معشر قريش, هل بقي لأحدٍ منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا: لا, فجزاك الله خيراً، فقد وجدناك وفياً كريماً، قال: إذاً: فأنا أشهد أنه لا إله إلا الله, وأن محمداً عبده ورسوله .
-متى وقَّت إسلامه؟ بعد أن ردَّ الأموال إلى أصحابها, أعلن إسلامه، لمَ أعلن إسلامه؟ لأنه تلَّقى من عمه معاملة طيبة جداً- .
قال: والله ما منعني من أن أسلم, وأنا عنده, إلا مخافة أن تظنوا, إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أدَّها الله إليكم, وفرغت منها, أسلمت .
ثم خرج حتى قدم على النبي صلى الله عليه وسلَّم، وكان ذلك سنة سبعٍ، فاستقبله عليه الصلاة والسلام استقبال المهاجرين إلى الله تعالى ورسوله، وردَّ عليه صلى الله عليه وسلَّم زينب على النكاح الأول، لم يحدث شيئاً من شرطٍ أو غيره, -هي زوجته وهو زوجها, وانتهى الأمر .
قصَّة مؤثرة جداً، فيها أحكام، فيها كمال، فيها وفاء، فيها رحمة, فيها إحسان، فيها عواطف زوجيَّة، فيها عواطف أسرية، فيها موقف عم, موقف أب، موقف زوج، موقف زوجة-.
وبهذا تحقَّق للسيدة زينب رجاؤها بإسلام زوجها أبو العاص بن الربيع، ويعود الحبيبان الكريمان إلى الحياة الزوجيَّة الآمنة المطمئنة، ويجتمع الشمل بعد فراقٍ طويل))
لذلك قالوا:
((مِنْ أَفْضَلِ الشَّفَاعَةِ أَنْ يُشَفَّعَ بَيْنَ الاثْنَيْنِ فِي النِّكَاحِ))
أفضل الشفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح
وأنا أقول لكم: لا يقل عن هذا العمل, أن تشفع بين اثنين في نكاح، وأن توفِّق بين زوجين بينهما مشكلة، بينهما قطيعة، بينهما بغضاء، بينهما عداوة، إذا وفَّقت بين الزوجين أسعدتهما ، وأسعدت أولادهما، لذلك هذا الذي ينسحب من كل عمل صالح, إنسان ما عرف سرَّ وجوده .
مرَّة قلت لكم: أحد أخواننا الكرام, شكا زوجته إلى أخيها، فقال له: طلِّقها, كلمة واحدة، الله عزَّ وجل قال:
﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾

[سورة النساء الآية: 35]

إنّ الله عزَّ وجل يريد الإصلاح، يريد التوفيق, لذلك الآية الكريمة الدقيقة:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾

[سورة الأنفال الآية: 1]

المؤمن أحد أهم أعماله؛ أنه يصلح دائماً بين المتخاصمين، ولاسيما إذا كانا زوجين .

كم هي مدة الفترة التي عاشها أبو العاص مع زوجته زينب بعد إسلامه ؟

أيها الأخوة, وبعد مضي عامٍ واحد من اجتماع شمل الزوجين اللذين جمع بينهما الإسلام والإيمان, والهجرة, كان الرحيل المهيب، فقد توفِّيت زينب، بعدما عاش زوجها معها عاماً واحدًا .
أيها الأخوة, ثمة عمر قصير، لكنه غني، وهناك عمر طويل، لكنه فقير، هناك علماء أجلاء عاشوا أقل من خمسين سنة، الذي فتح الصين، وأوصل الإسلام إلى هناك, مات في السادسة والثلاثين، والشافعي مات دون الخمسين، والإمام النووي مات دون الخمسين، أي في السابعة والأربعين، ولكنه ترك أعمالاً, لا يعلمها إلا الله، فالعبرة بغنى العمر لا بامتداده، وأثمن عمر على الإطلاق عمر النبي، لذلك أقسم الله جلَّ جلاله بهذا العمر, فقال:

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

[سورة الحجر الآية: 72]
والإنسان كلَّما ازداد إيمانه، وأجرى الله على يديه الخير, يزداد عمره قيمةً، وكل إنسان له عمر، العبرة بمحتوى العمر لا بامتداده، الامتداد ليس له قيمة أبداً، أتفه شيءٍ في العمر امتداده، وأثمن شيءٍ في العمر مضمونه؛ ماذا فعل؟ .
سيدنا الصديق, يعد المؤسس الثاني لهذا الدين العظيم، فقد ارتدَّت العرب بعد وفاة النبي، من الذي ثبَّت كيان هذا الدين؟ سيدنا الصديق .
سيدنا عمر فتوحاته في مصر والشام، فكل إنسان ماذا ترك؟ هذا سؤال كبير، اسأل نفسك هذا السؤال: ماذا قدَّمت للإسلام؟ قدمت علمُا، قدمت عملاً، قدمت مشروعًا خيريًا، قدمت منهجًا، أصلحت ذات البين، حللت مشكلة لمسلمين، ماذا قدمت؟ حجمك عند الله بحجم عملك الصالح .
فالسيدة زينب, أسرعت في إيمانها بأبيها، وتمنَّت من كل قلبها, لو آمن معها زوجها لعل الله أن يحقق طموحنا وسط هذا الواقع القاسي
ولكن الله في النهاية, حقَّق لها هذا الأمل، وهذا معنى ثانٍ، واقعك الآن سيء, لك طموحات ما تحقَّقت، من يدريك أن الله سبحانه وتعالى يمكن في المستقبل أن يحقق لك طموحك؟ كانت أعلى أمنية لها, أن ترى زوجها في المدينة معها، جاءت وحدها إلى المدينة، زوجها أرجع الأموال لأصحابها، ثم أعلن إسلامه، والتحق بزوجته، فحقَّق الله لها حلمها .
الشيء الثاني: الأخلاقي لا تستطيع أن تأسره إلا بالأخلاق، فالنبي عرف أن هذا الإنسان أخلاقي، لكنَّه مشرك، أثنى عليه لما كان أسيراً، أطلقه من إساره، قَبل إجارة ابنته له، ثم ردَّ له أمواله، هذه الأعمال الطيِّبة تراكمت حتى حملته على أن يُسلم .
فأحياناً ألف عمل ذكي, مخلص, حكيم, تشد إنسانًا لك، تصرُّف واحد أحمق يبعده عنك، الإنسان أحياناً يخسر أخاه بكلمة، ويربحه بجهد كبير، بجهد دؤوب، وبأعمال متلاحقة يربحه، ويخسره بكلمة .
فالإنسان يكون دقيقًا في كلامه، دقيقًا في معاملته، يدرس كل تصرفاته، وإلا يخسر أصدقاءه بثمن قليل .
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علَّمنا، وأن يلهمنا الخير .

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 01-12-2017, 11:09 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,041
معدل تقييم المستوى: 3
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة الصحابيات من موقع النابلسي

السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات ـ بنات النبي الكريم –السيدة أم كلثوم : سيرة السيدة أم كلثوم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-06-22





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

لمحة مختصرة عن حياة أم كلثوم بنت النبي :

أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السادس والعشرين من سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، والصحابية اليوم هي الابنة الثالثة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي أم كلثوم، ولدت هذه الابنة الطاهرة بعد رقية، وأسلمت مع أمها خديجة وأخواتها .
أيها الأخوة, قبل المضي في الحديث عن هذه الابنة الطاهرة, يجب أن نعلم هذه الحقيقة، حينما قال الله عز وجل:

﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾

[سورة البلد الآية: 1-3]

الله أودع في الآباء رحمة تفوق التصور
نظام الأبوة، ونظام البنوة، أن ينحدر البشر من آباء وأمهات، وأن يودع الله في الآباء رحمة تفوق كل تصور، وأن تكون هذه العلاقة علاقة مدهشة، علاقة الأب بابنه، وعلاقة الأم بابنها، وعلاقة الابن بأبيه، والابن بأمه، هذه العلاقة تعرفنا بالله عز وجل، تعرفنا برحمة الله .
في حياة الإنسان إنسان واحد, يتمنى أن يكون خيراً منه، إنه أبوه، لا يوجد أب على وجه الأرض يحسد ابنه، لو كان الأب مستخدماً وابنه وزيراً يفتخر به، الأب الفقير يتمنى أن يكون ابنه غنياً، الأب غير المتعلم يتمنى لابنه أن يكون أعلم العلماء، الأب المستضعف يتمنى أن يكون ابنه أقوى الأقوياء، والأب أحياناً، وفي أغلب الأحيان، وفي بعض الأحيان لا يحتاج إلى ابنه، لنأخذ مثلاً: أب غني وقوي، ولا يحتاج إلى ابنه إطلاقاً، لا حاجة مادية ولا معنوية، ومع ذلك لا يسعد الأب إلا أن يكون ابنه في بحبوحة، وفي كفاية، وفي سعادة، وفي استقرار، وفي سمعة طيبة، إذاً: نظام الأبوة يعرفنا بالله عز وجل .
رحمة الخالق بعباده أشد من رحمة الأم بأولادها
أيها الأخوة، قلب الأم وحده يعرفك بالله، تتعب لتستريح، تشقى لتسعد، تجوع لتشبع، تعرى لتلبس، الأم أحياناً تحرم نفسها أطيب الطعام، وتطعمه ابنها، إذا كانت رحمة الأمهات هكذا, فكيف رحمة خالق الأرض والسموات؟ قال تعالى:

﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 154]

أن تعرف الله، أن تعرف رحمته، أنه خلق الخلق ليسعدهم، خلقهم لجنة عرضها السموات والأرض، إذا ساق لهم بعض الشدائد من أجل أن يعالجهم، لا أنه جعل الحياة الدنيا متعبة هكذا، قال تعالى:

﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾

[سورة البلد الآية: 1-3]
يعني من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله، نظام الأبوة .
فابنة النبي عليه الصلاة والسلام السيدة فاطمة حينما بُشر بها، بعض الصحابة ما كانوا مرتاحين لهذه البشارة، فلما نظر إليهم, قال عليه الصلاة والسلام:
((ريحانة أشمها، وعلى الله رزقها))
ريحانة أشمها وعلى الله رزقها
وهناك بعض الروايات:
((أنه ضمها وشمها، وقال: ريحانة أشمها, وعلى الله رزقها))
.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ:
((أَنَّ عَلِيًّا ذَكَرَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ, فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي, يُؤْذِينِي مَا أذَاهَا, وَيُنْصِبُنِي مَا أَنْصَبَهَا))

[أخرجه الترمذي في سننه]

وهذه السيدة أم كلثوم، هذه أيضاً ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, يعني ما الذي يخفف متاعب الحياة؟ الأسرة، أتمنى من كل أخ أن يحكم بناء أسرته؛ لأنه مهما تكن الحياة قاسية، مهما تكن متعبة، إذا دخل الإنسان إلى بيته المتماسك، الذي فيه ود، الذي فيه حب، والذي فيه تضحية، والذي فيه مؤاثرة، والذي فيه تقدير، إذا دخل إلى بيته, نسي كل متاعب الدنيا، فإذا كان البيت جحيماً، إذا كان البيت مشحوناً بالبغضاء، بالكراهية، بالمنافسة، بإزعاج الطرف الآخر، هذا بيت قطعة من الجحيم، الإنسان يفر من متاعب الحياة إلى بيته بيت المؤمن ينسيه متاعب الدنيا
فإذا كان بيته جحيم إلى أين يذهب؟ .
أعجب أشد العجب من إنسان لا يقيم قيمة للود الزوجي، للود بين أفراد الأسرة، بالابتسامة، بالسلام، بالدعابة, بالهدية, بغض البصر، بالمسامحة، تنمو العلاقات، أما بالتدقيق والمعاتبة, والانتقاد، والسخرية، تنمو الأحقاد، وإذا أردت إن صح التعبير التصميم الإلهي للأسرة:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

[سورة الروم الآية: 21]

غياب المودة والرحمة بين الزوجين تقتضي المعالجة
فإن لم تكن هذه المودة والرحمة بين الزوجين، فالحالة مرضية جداً، وتقتضي المعالجة .
فهذه السيدة أم كلثوم يسميها بعض الخطباء: كوكب الإسلام، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمها خديجة، أم المؤمنين الكبرى رضي الله تعالى عنها، ولدت بعد رقية، وأسلمت مع أمها خديجة وأخواتها .
ماذا قال الله عز وجل عن امرأة نوح وامرأة لوط؟ قال:

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾

[سورة التحريم الآية: 10]

إياك أن تفكر أنهما خانتا زوجيهما خيانة فراش، أبداً، بل خيانة دعوة, بالمقابل أسعد شيء للزوج؛ أن تكون زوجته، وأولاده، وبناته على ولاء له، شيء جميل جداً، يعني أحياناً الزوجة، مع مضي الزمن تُمل، أما إذا كانت الزوجة, لها ولاء تجاه زوجها، لها مشاركة، لها دعم، لها مساندة، هذه ليست زوجة فقط، إنها زوجة وصديقة، زوجة ورفيقة, زوجة وزميلة .
الزوجة الوفية تكون صديقة زوجها ورفيقة دربه
أقول لكم: الزوج السعيد هو الذي يستطيع أن يرفع مستوى زوجته إلى مستواه، بحيث يعيش معها كصديقين حميمين، كرفيقين، كزميلين .
لفت نظري أنها أسلمت مع أمها خديجة، سيدنا الرسول عيه الصلاة والسلام ذاق من أهوال الدعوة ما ذاق، لكن زوجته أول من آمن به، وأكبر دعم له، والله وقفت معه كالجبل .
قبل أشهر كما أعتقد, أمضينا فترة طويلة مع خديجة رضي الله عنها، تكاد الدعوة الإسلامية تقوم على جهدها، وعلى دعمها، وعلى صبرها، وعلى صمودها إن صح التعبير، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح مكة، لم ينس فضل خديجة، قال:

((انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، وغرز اللواء عند قبرها))
تزوجها عتيبة بن أبي لهب قبل البعثة، ولم يدخل عليها، كما أن أخاه عتبة تزوج رقية، وعتيبة تزوج أم كلثوم، ولم يدخلا عليهما، وكان ذلك بعد البعثة, فلما نزل قوله تعالى:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾

[سورة المسد الآية: 1]

قال أبو لهب لابنيه: رأسي من رأسكما حرام, حتى تطلقا ابنتيه, فطلقتا قبل الدخول عليهما .
النبي عليه الصلاة والسلام حينما جعله الله أسوة حسنة، قال تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[سورة الأحزاب الآية: 21]

كل شيء ذاقه، حتى تطليق البنات ذاقه، وموت الولد ذاقه، والفقر ذاقه، والغنى ذاقه، والقهر ذاقه، والنصر ذاقه، والهجرة ذاقها, والإخراج من بلده ذاقه، ذاق كل شيء، ووقف وقفة كاملة مع كل شيء, فاستحق أن يكون سيد الخلق, ولولا أن النبي بشر، تجري عليه كل خصائص البشر، لما كان سيد البشر .
ذاق الرسول الكريم من كل ألوان القهر والعذاب
أما زوج زينب، دعي الدعوة نفسها, لتطليق ابنة محمد, فلم يفعل، فلما وقع أسيراً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، نظر إليه, فقال:

((والله ما ذممناه صهراً))
كان حراً، هناك شخص إمعة، هناك شخص قراره بيد والدته، طلق فيطلق، افعل يفعل، اترك يترك، الوالدة على العين والرأس، والوالدة يُحسن إليها بلا حدود، أما أن تأمرك بمعصية فتستجيب، فلست حراً، قالت له:
((إما أن تكفر بمحمد, وإما أن أدع الطعام حتى أموت, قال: والله يا أمي, لو أن لك مائة نفس, فخرجت واحدَةً واحدةً, ما كفرت بمحمد، فكلي إن شئت، أو لا تأكلي))
الزوجة لها حق والأم لها حق
الزوجة لها حق، والأم لها حق، أما أن تنساق مع الزوجة, وتنسى حق أمك، شذوذ, أما أن تنسى حق الزوجة, وتنساق مع أمك، أيضاً شذوذ, أعط كل ذي حق حقه، أما الأصل في هذا الموضوع:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾

[سورة الإسراء الآية: 23]

العبادة لله وحده، والإحسان للوالدين، أما إذا أطعت والدك في معصية, فأنت عبدته من دون الله، العبادة لله، والإحسان للوالدين .
وأنا لا أنطلق من فراغ، أخوان كثيرون يسألونني، أمه أمرته بتطليق زوجته، أبوه رفض أن يسمح له بالزواج من فلانة؛ لأنها محجبة، معاملة قاسية جداً، أنت مكلف أن تحسن إلي الأب والأم من دون حدود، من دون قيود، إلى أقصى حد، أما أن تطيعهما في معصية الله فمستحيل, قال تعالى:

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

[سورة لقمان الآية: 15]

ثم تزوجها سيدنا عثمان بعد وفاة أختها رقية سنة ثلاث للهجرة، ولم تلد له، وبقيت عنده إلى سنة تسع، حيث توفيت رضي الله عنها في شهر شعبان .
الآن عامة الناس تزوج زوجة ماتت، أخذ أختها، ماذا يقول الناس: ما هذا؟ ماذا قال النبي؟ قال:

((لو كنَّ عشراً لزوجتهن عثمان))
أرأيت هذا الكمال؟ .
وهناك شخص، لديه ظروف مادية صعبة، يقول: قدَمُ هذه الزوجة شؤم، كلام شياطين، زوجة طاهرة بريئة، ليس لها علاقة، إذا طرأتْ مشكلة، إذا كان هناك رواج، ثم صار كساد، قَدَمُ الزوجة سيء، لا ليس سيئاً، ليس له علاقة، ما دامت الزوجة مستقيمة, فهذا الكلام ليس له علاقة .
التشاؤم من رقم، من بيت، من يوم، دخل زبون عقد صفقة، دخل صديق طارت الصفقة, كلام ليس له معنى إطلاقاً، كلام شياطين، ليوقع العداوة والبغضاء بين الناس، والحقيقة هذه السيدة الجليلة السيدة أم كلثوم عاشت بين أكرم أبوين على الإطلاق .
التشاؤم من الجهل
العوام لهم كلمة تعجبني، الإنسان حينما يتزوجُ, فإنه يتزوج الأهل؛ لأن البنت نسخة طبق الأصل عن أمها وعن أبيها، فبيت العلم، بيت الخلق, بيت الوقار، بيت الحياء، بيت الأصالة، بيت النسب، ابحث عن الأهل .
طبعاً أم كلثوم ورقية ابنتا رسول الله صلى الله عليه وسلم, واجهتا مصيراً واحداً في سبيل الإسلام .
صحابي جليل اسمه: مصعب بن عمير، كان ابن أسرة غنية جداً، وكان مضرب المثل في أناقته، وثيابه الفاخرة، كان فتى أنيقاً، فيه غنى ظاهرٌ، فلما أسلم, حُرم كل هذا الغنى، حرمه أهله كل شيء، هذا الحرام وسام شرف .
أقيس على هذه الحادثة، لأن البعثة الإسلامية ظهرت، ولأن الله عز وجل أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾

[سورة المسد الآية: 1]

طلقتا منهما، وهذا درس لنا، إذا خسِرْت بسبب دينك، بسبب منهجك, بسبب استقامتك ، بسبب مبادئك، بسبب أهدافك النبيلة، بسبب هويتك الواضحة, خسرت شيء من الدنيا، خسارة هذا الشيء, وسام شرف لك .
إياك أن تعد هذا خسارة، افتخر بكل شيء ضاع منك, بسبب مبدئك, لأن هذا في ميزان حسناتك يوم القيامة .
هناك نقطة دقيقة جداً سأوضحها لكم: إنسان عنده مطعم, يبيع الخمر، تاب إلى الله، أليس الله قادراً من لحظة توبته أن يضاعف له غلته؟ أليس قادراً؟ ما الذي يحدث؟ الغلة تهبط إلى الربع، لماذا؟ ليدفع المؤمن ثمن طاعته، لتكون هذه الخسارة المؤقتة في ميزان حسناته يوم القيامة، أما لمجرد أنه تاب, تضاعفت غلته، يتوب آلاف المنحرفين لا حباً بالله ولا طمعاً بالجنة ، ولكن رغبة في مضاعفة الغلة .
لابد أن تدفع ثمن طاعتك لله
سمعت بمطعم في حلب، كتب لوحة: ممنوع شرب الخمر بأمر الرب، والرزق على الله.
فلا بد أن تدفع ثمن طاعتك، كل مؤمن يصطلح مع الله، ويوم يعاهده على الطاعة, تنشأ له مشكلات ضمن الأسرة، من أقرب الناس إليه، من أمه وأبيه، من زوجته، من أولاده أحياناً, كان من الممكن ألاّ تكون، لكن هذا المؤمن لا يرقى إلى الله عز وجل، كيف يرقى؟ بدفع هذا الثمن باهظاً، الله عز وجل يريد أن تدفع الثمن، ليكون هذا الثمن في ميزان حسناتك يوم القيامة، فمرحباً بكل شيء متعب إذا كان في سبيل الله .
مرةً أخ من أخواننا, كان يسهم في بناء مسجد، نشأ إشكال, فطُلب للجهات الرسمية، فبلغته ذلك، قال لي: الجنة تحتاج إلى ثمن، وهذا من ثمن الجنة .
هو يعمل في بناء المساجد، وله باع طويل، وله أعمال طيبة، ولكن ما رأيته انزعج أبداً، قال: الجنة لها ثمن، وهذا من ثمن الجنة، وطِّن نفسك على دفع ثمن الجنة، ألا إن سلعة الله غالية .
ألا إن سلعة الله غالية
إذا أخذ طبيب أعلى شهادة، وذاق الأمرين حتى أخذ الشهادة، وسنوات لم ينم الليل، ومنهج فوق طاقة البشر، والأستاذ صعب، قد يكون عنصريًا، وكلفه ما لا يطيق، واصل الليل بالنهار، فإذا نال هذه الشهادة، يشعر بنشوة يصعب أن تصور .
إذا ساق الله عز وجل لرجل بعض الشدائد لأنه مسلم، أما إذا قصر الرجل مع ربه، ارتكب معصية، الله أتلف له ماله، أطلق بصره، هذه عقوبات، لا أتحدث عن هذا، أنا أتحدث عن مصيبة, كانت بسبب مبدئك، بسبب التزامك، بسبب هويتك, مصيبة بهذا السبب، هذا وسام شرف، وهذا ثمن الجنة،

((ألا إن سلعة الله غالية))
النبي عليه الصلاة والسلام شجت وجنته، وكُسرت ثنيته في أُحُد، وسال الدم من وجهه في الطائف, أليس الله قادرًا على نصره؟ كيف سمح لهؤلاء السفهاء أن ينالوا منه, وأن يشتموه، وأن يسخروا منه، وأن يكذبوه؟ جاءه جبريل: لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، قال:
((لا يا أخي، اللهم اهد قومي, فإنهم لا يعلمون))
هذا هو الكمال البشري .
عاشت أم كلثوم رضي الله عنها إلى جانب أمها خديجة التي وقفت موقف الجبال الرواسي, الذي عنده ابنة, وكان مسلمًا ومؤمنًا، وما صدق النبي, فهذه مشكلة كبيرة جداً، لأنّ النبي يقول:
((من جاءه بنتان, فأحسن تربيتهما, فأنا كفيله في الجنة))
العناية بدين بناتكم طريقكم إلى الجنة
كل بيت فيه بنت، العناية بهذه البنت، والعناية بدينها, وبصلاتها, وبحجابها، وبعلمها ، وبفقهها، وبقرآنها، ثم تزويجها لشاب مؤمن, هذا طريق للجنة .
ضمنت الجنة بهذه البنت، فالذي أعجب منه أشد العجب, أن يتبرم الزوج إذا بُشر بالأنثى.
لي صديق, جاءه سبع بنات، أول بنت لاقت ترحابًا كبيرًا، ثاني بنت أعطى هدية للأم ثمينة، لأنها أنجبت بنتًا، البنت الثالثة هدية أثمن، الرابعة أثمن، كلما أنجبت له بنتاً, يأتيها بهدية ثمينة، لأنها هدية الله، البنت هدية الله .
أحياناً يأتيك ابن ينسيك الحياة كلها، وتأتي البنت بعطفها، وحنانها، وإخلاصها، وقد يأتيها زوج راق جداً, فيصير أقرب لك من ابنك، أنت استسلم، وعد هذا المولود هدية من الله، والهدية اعتنِ بها كثيرا .
البنت هدية الله لك
عاشت أم كلثوم إلى جانب أمها خديجة التي وقفت موقف الجبال الرواسي, لتأييد زوجها النبي صلى الله عليه وسلم .
هل ذاقت أم كلثوم ألم الحصار الظالم الذي ضرب عليها وعلى المسلمين من قبل قريش, وما هي أسباب الحصار ؟
أيها الأخوة, السيدة أم كلثوم ذاقت ألم الحصار، كان هناك حصار على المسلمين، والإنسان هو الإنسان، الآن هناك حصار على بعض الدول الإسلامية, ستمئة ألف طفل يموتون كل عام، أعلى راتب يساوي صحن بيض، تضخم نقدي مزمن، الحصار هو الحصار، عَنْ أَنَسٍ قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ, وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ, وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ, وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ, وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ, وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ, يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ, إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

ذاقا مع أمهما بجانب النبي صلى الله عليه وسلم ضيق الحصار، حتى إنهما أكلوا أخشن الطعام، لسد رمق الجوع القاتلة، وأقاموا على ذلك ثلاث سنين بلا طعام, حتى إن بعض الصحابة, أكلوا أوراق الشجر، وهذا حتى يصل الإسلام إليك إلى الشام اشكروا الله على نعمة ممارسة إسلامكم بحرية
أنت متمتع بمساجد مفتوحة، أحياناً مكيفة، مراوح، تكبير صوت، لا أحد يضايقك، لا سؤال، ولا جواب، كل بيوت الله مفتحة، الدروس على قدم وساق، هذا الإسلام مدفوع ثمنه، من دفع ثمنه؟ الصحابة الكرام، أنت الآن مستهلك، أنت الآن منتفع، أما الصحابة فقد دفعوا الثمن، ثلاث سنوات أكلوا أوراق الشجر، والكافر هو الكافر لا يتغير، الكفر هو الكفر، والإيمان هو الإيمان، ومعركة الحق والباطل أزلية أبدية .
الطعام الذي يصل إليهم, يصلهم سراً بكميات قليلة جداً، وكان عليه الصلاة والسلام يتولى توزيعه بنفسه بالعدالة، الآن تذهب مساعدات للمنكوبين، الذين يحتاجون لهذه المساعدات لا تصل إليهم، وقد تصل إلى أعدائهم, فكان عليه الصلاة والسلام يوزع هذا الطعام القليل بنفسه على أصحابه .
أما أسباب الحصار: لما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلداً, أصابوا به أمناً وقراراً، وأن النجاشي منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، وأصبح الإسلام يفشو في القبائل, اجتمعوا وائتمروا على أن يكتبوا كتاباً, يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني عبد المطلب؛ على ألاّ ينكحوا إليهم، ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً، ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك, كتبوا في صحيفة، ثم تعاهدوا، وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم، فذاق النبي المقاطعة الاقتصادية، ذاق ألم الحصار هو وأهله .
ذاق النبي الكريم وأهله وصحابته ألم الحصار
أم كلثوم كانت تحت هذا الحصار، نجت أختها زينب، وأختها رقية في الحبشة، وزينب مع زوجها .
وقد رق بعض أشراف قريش لآل هاشم، وآل المطلب، كانوا مستضعفين، يقول أحدهم: النبي مجنون، وينام في بيته آمناً، النبي كان مستضعفاً, يمر النبي على آل ياسر، وهم يُعذبون، ماذا كان يقول لهم؟

((صبراً آل ياسر))
الآن كلمة محمد ترتج لها الدنيا، أما حينما بدأ بالدعوة كان ضعيفاً، ولحكمة بالغة بالغةٍ, أرادها الله جعله ضعيفاً، لماذا؟ ليكون الإيمان به حقيقياً، لو كان قوياً وآمنوا به مائة ألف وتسعة وتسعون ألفًا كاذبون خوفاً أو طمعاً، أما إذا كان ضعيفاً, فالإيمان به حقيقي .
أقول لكم هذا دائماً: الأقوياءُ ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، والأنبياء بكمالهم، والنبي كان مستضعفاً، وقالوا عنه: مجنون، قالوا عنه: ساحر ، قالوا عنه: كذاب، قالوا عنه: كاهن، قالوا عنه: شاعر, ألقوا عليه التراب .

في أي عام توفيت السيدة خديجة وأبو طالب, وهل نال النبي الأذى من بني قومه بعد وفاتهما ؟

أيها الأخوة, هذه الفتاة الطاهرة الابنة البارة أم كلثوم, حزنت كما حزن أبوها في السنة العاشرة للهجرة، هذه السنة سماها المؤرخون: عام الحزن، فقد النبي دَعامتَيْن، سند داخلي، وسند خارجي، ماتت زوجته خديجة، يُضاف إلى آلامه صلى الله عليه وسلم فقد الزوجة .
ذاق موت الزوجة صلى الله عليه وسلم، ذاق موت الولد، ذاق تطليق البنات، ذاق الهجرة، ذاق الفقر، قال:

((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ, وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ, وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ, وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ, وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ, وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ, يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ, إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ))

[أخرجه الترمذي عن أنس في سننه]

يعني إذا الواحد خاف قليلاً, وهو يدعو إلى الله عز وجل, له في النبي أسوة حسنة، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق .
عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ, قَالَ:

((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً, قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ, ثُمَّ الْأَمْثَلُ, فَالْأَمْثَلُ, فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ, فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا, اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ, وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ, ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ, فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ, حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]
هناك صحابية لها زوج, ما ذاق مرةً مصيبة، فشكت في إيمانه، فذهبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام, كي تسأله أن يسمح لها أن تفارقه، هذا ليس مؤمناً، سار معها في الطريق، فوقع، فتعثر، فجُرحت قدمه، قالت:
((ارجع فقد قضيت حاجتي))
المؤمن من خصائص الإيمان: الابتلاء، قال تعالى:
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾

[سورة المؤمنون الآية: 30]

قيل للإمام الشافعي:

((أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين؟ فقال: لن تُمكن قبل أن تُبتلى))
لن تمكن قبل أن تبتلى
فهذه السيدة خديجة, ماتت بعد خمس وعشرين عاماً في صحبة النبي عليه الصلاة والسلام، تزوجها في الأربعين، بإضافة خمس وعشرين، ينتج خمس وستون، هو عمره خمسون سنة .
الآن إذا جاوزته بسنة, يقول لك: قلبي غير مطمئن، سنة واحدة، بنت عالم، وبنت أصل، وفهم، يقول لك: كبيرة، يندب حظه دائماً، خمس عشرة سنة زيادة عنه، اللهم صلِّ عليه .
إذا تزوج الرجل امرأة وماتت، وتزوج الثانية، يرضي الثانية، ويذم الأولى، أما النبي عليه الصلاة والسلام, فكان وفياً لهذه الزوجة وفاء يفوق التصور .
مرةً من باب المداعبة, قالت له السيدة عائشة:
((ألم يبدلك الله خيراً منها؟ قال: لا والله ، لا والله، لا والله))
أقسم ثلاثة أيمان .
السيدة عائشة جميلة جداً، شابة في مُقتبل الحياة، والتي كانت عنده في عمر أمه تقريباً ، إذا تزوجت المرأة في الخامسة عشر, تنجب ولد أصغر منها بخمسة عشر، معناها في عمر أمه تماماً .
بعد أن ماتت هذه السيدة الجليلة، التي هي السند الداخلي، مات عمه أبو طالب الذي هو السند الخارجي، فالدعم الداخلي انهار، والدعم الخارجي انهار، لذلك سمى كتاب السيرة العام العاشر للهجرة: عام الحزن .
العام العاشر للهجرة سمي عام الحزن
لما مات أبو طالب، نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبو طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش, فنثر على رأسه التراب، فدخل البني صلى الله عليه وسلم بيته، والتراب على رأسه، فقامت أم كلثوم تغسل عنه التراب، وهي تبكي، فقال عليه الصلاة والسلام:
((لا تبكي يا بنية، إن الله مانع أباك))
ثقته بالله عظيمة جداً، هذا يتجلى في الهجرة، سراقة وراءه، مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، الناقة ثمنها يقدر بمائة وخمسين ألفًا، أو بمئتي ألف، ضرب مائة، مليونين، لمن يأتي به حياً أو ميتاً، وسراقة وراءه جاء ليقتله، ويأخذ الجائزة، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:
((كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟))
أنت ملاحق، مهدور دمك، ثقة النبي بالنصر, شيء لا يصدق، يعني سأصل، وسأنشئ دولة، وسأحارب، وسآتي بكنوز كسرى, وفي عهد سيدنا عمر جاءت كنوز كسرى، وجاء سوار كسرى، وتاج كسرى، وقميص كسرى، أين سراقة؟ جاء سراقة، سيدنا عمر ألبسه سواري كسرى وتاجه، وقال:
((َبخ بخٍ، أُعَيْرابي من بني مدلج, يلبس سواري كسرى))
بالمنظور المعاصر الآن دولة في جنوب إفريقيا صغيرة جداً، لا تعرفها على الخريطة، ولا تعرف عاصمتها، والفقر مدقع، ومواطن من مواطنيها, يجلس في البيت الأبيض مكان صاحبه، أيضاً نفس المقياس, أُعَيْرابي من بني مدلج, يلبس سواري كسرى .
على كل مؤمن أن يملك المعنويات العالية
أتمنى على كل مؤمن, أن تكون معنوياته عالية، لن يتخلى الله عن المؤمنين أبداً، ولكنه يمتحنهم، لا يتخلى عنهم، بل يمتحنهم .
قال ابن إسحاق كاتب السيرة الشهيرة:
((إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على النبي صلى الله عليه وسلم المصائب بموت خديجة, وكانت له وزير صدق عن الإسلام، يشكو إليها، وبموت عمه أبي طالب، وكان له عضداً, وحرزاً في أمره, ومنعة، وناصراً على قومه، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين))
كيف استقبل النبي أهل بيته حينما وصلوا إليه في المدينة, وما سبب رفض أبي بكر الزواج من حفصة بنت عمر, ولماذا لقب عثمان بن عفان بذي النورين ؟
هاجر النبي كما تعلمون مع صاحبه أبي بكر، وبعد حين أرسل من يأتيه بأم كلثوم وبفاطمة .
ترك النبي عليه الصلاة والسلام أم كلثوم وفاطمة عند زوجته الثانية سودة بنت زمعة التي تزوجها بعد خديجة، وبعد أن وصل إلى المدينة، واستقر فيها, أرسل بعض أصحابه, لاصطحاب أهل بيته من مكة، مع أهل أبي بكر, الذين استبقاهم هناك .
أيها الأخوة، حينما وصلت بنات البني صلى الله عليه وسلم أم كلثوم وفاطمة، تصحبهما زوجة النبي عليه الصلاة والسلام سودة بنت زمعة، ومعهن بنات أبي بكر الصديق أسماء وعائشة، حتى استقبلهن نساء الأنصار بالحفاوة والترحاب، ويستقبل النبي صلى الله عليه وسلم ابنتيه وزوجه بكل شوق وحنان .
جمع شمل الأسرة من منهج الله عز وجل
هذه الفطرة، جمع شمل الأسرة، بلاد إسلامية غنية جداً, لا تسمح للإنسان بالإقامة مع زوجته فيها، تتركه سنة بلا زوجة، وأعداء الدين يجمعون الأسر، ونحن نفرق بين الأسر، جمع شمل الأسرة من منهج الله عز وجل، وليس منا من فرق، فاجتمع الشمل، جاءت الزوجة والبنت الأولى والثانية إلى المدينة .
أيها الأخوة، في المدينة كان النبي عليه الصلاة والسلام مع ابنتيه السيدة فاطمة والسيدة أم كلثوم، وحدث حدثاً لطيفاً: سيدنا عمر له ابنة اسمها حفصة، توفي زوجها خنيس بن حذافة يوم بدر، وانتهت عدتها، فعرضها على أبي بكر فرفض، وعرضها على عثمان فرفض، فخاب أمله، وتألم أشد الألم، ولكنه لم يعلم ما ادخره الله له ولابنته حفصة من الشرف العظيم والمكانة الرفيعة، ماذا حدث؟ شكا سيدنا عمر إلى النبي هذه المشكلة, فقال عليه الصلاة والسلام:
((يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة))
ما الذي حدث؟ تزوج النبي حفصة، وتزوج عثمان ابنته، هذا من باب التقليد، أحياناً لا يكون الوفاق بين الزوجين، أدعو للزوجين هكذا: الله يبعث لك أحسن منها، ويبعث لك أحسن منه، وهذا يكون أحياناً، فهذا الذي رفض, يأتي إنسان أفضل، وهذه التي رفضت, يأتي الخاطب أفضل، قال له:
((يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة))
لقي أبو بكر عمر, فقال:
((لا تجد علي, فإن رسول الله ذكر حفصة، سيتزوجها- والنبي قال:

((أخفوا الخطبة))
ما أحب أن يفشي سر رسول الله، فاعتذر، ماذا فهم سيدنا عمر؟ أنه اعتذر إباءً، لا, معنى ذلك أنّ البيان يطرد الشيطان- .
فلم أكن لأفشي سر رسول الله -اعتذاري كان, لأنني لم أرد أن أفشي سر رسول الله ، ولو تركها لتزوجتها، أنا لي الشرف أن تكون ابنتك زوجتي، أرأيت إلى التوضيح ما أجمله؟!.-
تزوج النبي عليه الصلاة والسلام حفصة بعد عائشة))
فلمح عليه الصلاة والسلام في حديثه هذا, أنه سيزوج عثمان إحدى بناته .
هناك رواية لأبي هريرة رضي الله عنه؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام, قال:
((أتاني جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تزوج عثمان أم كلثوم على مثل صداق رقية، وعلى مثل صحبته ، وتحل أم كلثوم زوجة كريمة مبجلة عند عثمان بن عفان))
المرأة ماأكرمها إلا كريم ولا أهانها إلا لئيم
أخواننا الكرام، المرأة ما أكرمها إلا كريم، ولا أهانها إلا لئيم، وكان أصحاب النبي مثلاً عليا في تكريم المرأة .
فكانت زوجة كريمة مبجلة عند عثمان بعد أختها رقية، ويحظى عثمان رضي الله عنه بهذا اللقب (ذي النورين)، لأنه تزوج ابنتي رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث كان زوجاً لابنتي رسول الله على التوالي، وقد كان زواجه من أم كلثوم لثلاث سنوات خلون من الهجرة، وعاشت أم كلثوم عند عثمان ست سنوات ولم تلد له، وكانت وفاتها رضي الله عنها سنة تسع للهجرة، وقال البني عليه الصلاة والسلام:
((لو كن عشراً لزوجتهن عثمان))
ولما وضعت أم كلثوم في قبرها, جلس النبي عليه الصلاة والسلام على قبرها, وعيناه تدمعان حزناً على ابنته الغالية العزيزة، فرضي الله تعالى عن السيدة الكريمة أم كلثوم، كما قال بعض الخطباء:
((كوكب الإسلام))

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 01-13-2017, 03:54 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,041
معدل تقييم المستوى: 3
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة الصحابيات من موقع النابلسي

السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات - بنات النبي الكريم –السيدة فاطمة الزهراء الدرس (1-3) : سيرة السيدة فاطمة الزهراء 1
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-07-06





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

إليكم الحديث عن السيدة فاطمة الزهراء من حيث: نسبها, زواجها, أولادها, مكانتها عند أبيها :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السابع والعشرين من سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عنهن أجمعين، ومع بنات النبي صلى الله عليه وسلم، ومع الابنة الرابعة السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها وأرضاها .
هي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمُّها خديجة أمُّ المؤمنين، كانت أصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت سيدة النساء في زمنها، وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أنه كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع، والسيدة فاطمة رضي الله عنها إحدى هؤلاء الأربع، وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

لم يجمع علي مع فاطمة زوجة ثانية إكراما للنبي الكريم
ولدت قبل البعثة بقليل، تزوجها الإمام علي كرم الله وجهه في ذي القعدة من سنة اثنتين بعد وقعة بدر، لها من الأولاد الحسن، والحسين، والمحسن، وأم كلثوم، وزينب، أبناء علي بن أبي طالب، وكان عليه الصلاة والسلام يحبها، ويكرمها، ويسرُّ إليها، ومناقبها غزيرة، وكانت رضي الله عنها صابرة، دينة، خيرة، قانعة، شاكرة لله عز وجل، وقد غضب لها النبي عليه الصلاة والسلام, لما بلغه أن أبا الحسن هم ولم يفعل بما رآه سائغاً من خطبة بنت أبي جهل.
فَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ:

((إِنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ, فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ, فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَتْ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ, وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحٌ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ, فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ, يَقُولُ:
أَمَّا بَعْدُ, أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي, وَإِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي, وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسُوءَهَا, وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ, فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]
فترك علي رضي الله عنه الخطبة رعاية لها .
الحديث عن السيدة فاطمة يطول، حديث مسعد، فهي سيدة عصرها, هي إحدى أربع نساء كملن في العالمين، والمرأة إذا كملت شيء لا يوصف، المرأة إذا كملت تكون قرة عين لمن حولها .

إليكم بعض الأحاديث التي وردت عن النبي بشأن مكانة السيدة فاطمة بنت النبي

أيها الأخوة, صح في السيرة، وفي سير أعلام النبلاء, وسنن الترمذي, عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾
فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ, فَدَعَا فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ, وَعَلِيٌّ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَجَلَّلَهُ بِكِسَاءٍ, ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي, فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا, قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ, وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ))
وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ لِعَليٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ:
((أَنَا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبْتُمْ, وَسِلْمٌ لِمَنْ سَالَمْتُمْ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

من كرامة المؤمن أن يحاط بمؤمنين مثله
والحقيقة من كرامة النبي عند الله؛ أن جعل له أهل بيت أطهار، ومن كرامة النبي عند الله أن الله اختاره، واختار له أصحابه، ومن كرامة المؤمن الآن؛ أن يكون حوله مؤمنون على شاكلته، يعرفون قدره، يعرفون علمه، يعرفون خلقه، يعرفون ورعه، يعرفون محبته لله عز وجل، إذا أحاطك الله بمن يقدرك، ويعرف قيمتك, فهذه نعمة من نعم الله الكبرى، وأكبر عقاب يُعاقب به الإنسان, أن يكون الذي معه مناقضاً له، أن يكون الزوج صالحاً, والمرأة سيئة، وأن تكون الزوجة صالحة, وزوجها يعصي الله عز وجل, أكبر عقاب تُعاقب به أن تكون أنت في واد، ومن حولك في واد آخر، فمن تكريم الله لك أن يجعل الذين حولك على شاكلتك، وكلما ارتقى الإنسان, يكرمه الله بأن يقيض له كرماء صالحين، وما أخلص عبد لله عز وجل إلا جعل قلوب المؤمنين, تهفو إليه بالمودة والرحمة .
ترى الأخوة المؤمنين بينهم اللطف، والمودة، والاحترام المتبادل، والزيارات، والبذل ، والتضحية، وترى أسرًا في المحاكم, والخصومات، والشتائم, والسباب، والبغضاء، والشحناء، هؤلاء بهائم، أما الإنسان فهو مخلوق راق جداً .
الإنسان يفترض أن يكون مخلوق راق جدا
نزع أحد الصحابة عن النبي ريشة عن ردائه، فرفع النبي يديه إلى السماء, وقال:

((اللهم أكرم من نزعها))
وكانت تعظم عنده النعمة مهما دقت .
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ, إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ))

[أخرجه أحمد في مسنده]

وعَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيِّ, قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَمَّتِي عَلَى عَائِشَةَ فَسُئِلَتْ:

((أَيُّ النَّاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: فَاطِمَةُ, فَقِيلَ: مِنْ الرِّجَالِ؟ قَالَتْ: زَوْجُهَا، إِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا))

[أخرجه الترمذي في سننه]
هل شاركت فاطمة معاناة أبيها أثناء نشر دعوته بين أبناء قومه, وماذا قال علماء السيرة عنها؟
أيها الأخوة, السيدة فاطمة الزهراء كانت واحدة زمانها، وعظيمة دهرها، لما تهيأ لها من الكثير من مشاهد النبوة والوحي، فقد صحبت أباها من نعومة أظفارها إلى أن فارقها النبي صلى الله عليه وسلم, يوم التحق بالرفيق الأعلى، على مدى ربع قرن .
احتلت السيدة فاطمة عند النبي والمؤمنين مكانة عظيمة
أيها الأخوة, فقد كانت مع النبي، وشهدت كل أحداث الدعوة، شهدت معاناة النبي في مكة، شهدت الهجرة، شهدت الغزوات، كل المعاناة التي عاناها النبي كانت إلى جانبه، كانت معه، كانت ترى بعينيها تطور البعثة من حال إلى حال، لذلك كانت رضي الله عنها شديدة الحزن على أبيها عليه الصلاة والسلام، فهي لم تعرفه إلا نبياً مرسلاً من عند الله تعالى، وهي دون الرابعة من عمرها، فلم تكد تعي على الدنيا إلا ويملأ سمعها أحداث تبليغ الدعوة ونشرها، وبثها بين جموع قريش، لازمت النبي، وشهدت كل شيء، شاركته في كل شيء، عانت كل شيء، لذلك قال علماء السيرة: كانت أشد عزماً من أخواتها، وأكثر وعياً لما جرى, ويجري من أحداث, واكبت دعوة التوحيد والإيمان .
أيها الأخوة الكرام، لهذا احتلت فاطمة الزهراء تلك المكانة العظيمة، ليس عند أبيها فحسب، بل عند جميع المؤمنين والمؤمنات .
لابد أن يكون هناك تكافؤ بين الزوجين
أيها الأخوة, ذكر هذه السيدة الجليلة, يعطر المجالس، الكمال رائع في المرأة الوفية، المرأة المحبة، المرأة خفيفة المؤنة، كثيرة البركة، المرأة التي تسعى لإسعاد زوجها، المرأة التي ترضى من زوجها كل قليل، المرأة التي تحب الله، هذه امرأة كما يقول بعضهم: أندر من الكبريت الأحمر .
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام لم يزوجها إلا لرجل كفء لها، والكفاءة في الزواج مهمة جداً، أحياناً فتاة تحفظ كتاب الله ,فلا ينبغي أن تُزوج لشاب شارد, لا يعرف قيمة دينها، ولا قيمة ورعها، آباء كثيرون تزل أقدامهم حين لا يزوجون بناتهم لمن كان كفئًا لهن .
فهذه السيدة رضي الله عنها لها من البلاء في الإسلام ما كان لها، ولها من التضحية في سبيل الله ما كان لها، ولها من معايشة الدعوة الإسلامية من بدايتها مثل ما لها .
من كان زوجها؟ ربيب النبي عليه الصلاة والسلام الذي رباه، وحامل لوائه، وناصره على أعدائه، علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولا غرابة أن الله تعالى يباهي جميع خلقه بفاطمة ابنة حبيبه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بما حباها من تلك الخصال والصفاء .

الأحاديث التي وردت عن النبي بشأن إكرامه لفاطمة وأنها أكثر الناس شبهاً به :

ورد في الترمذي في سننه من كتاب الفضائل عَنْ حُذَيْفَةَ, قَالَ:

((سَأَلَتْنِي أُمِّي مَتَى عَهْدُكَ (تَعْنِي بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؟ فَقُلْتُ: مَا لِي بِهِ عَهْدٌ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَنَالَتْ مِنِّي, فَقُلْتُ لَهَا: دَعِينِي آتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَأُصَلِّيَ مَعَهُ الْمَغْرِبَ, وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي وَلَكِ, فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْمَغْرِبَ, فَصَلَّى حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ, ثُمَّ انْفَتَلَ فَتَبِعْتُهُ فَسَمِعَ صَوْتِي, فَقَالَ: مَنْ هَذَا، حُذَيْفَةُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ, قَالَ: مَا حَاجَتُكَ, غَفَرَ اللَّهُ لَكَ وَلِأُمِّكَ؟ قَالَ: إِنَّ هَذَا مَلَكٌ, لَمْ يَنْزِلْ الْأَرْضَ قَطُّ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ, اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ, وَيُبَشِّرَنِي بِأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ, وَأَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

من هو الإنسان العظيم؟ الذي له عند الله مكان عظيم, قال تعالى:

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾

[سورة القمر الآية: 54-55]

إن كان لك عند الله مقعد صدق، فهذه هي الجنة، وهذا هو الفوز العظيم، وهذا هو الفلاح، وهذا هو النجاح، وهذا هو التفوق، وهذه هي السعادة، أن تكون لك حظوة عند الله .
التفوق أن يكون لك حظوة عند الله
وفي الحديث الصحيح عند الترمذي, عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

قال كتاب السيرة فيما نُقل:

((إن هذه السيدة الجليلة كانت كثيرة الشبه بأبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم))
يعني أكثر بناته شبهاً به السيدة فاطمة رضي الله عنها .
وعَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ, عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا, أَنَّهَا قَالَتْ:
((مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا, وَقَالَ الْحَسَنُ حَدِيثًا وَكَلَامًا, وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَسَنُ السَّمْتَ وَالْهَدْيَ وَالدَّلَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَاطِمَةَ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهَا, كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ, قَامَ إِلَيْهَا, فَأَخَذَ بِيَدِهَا, وَقَبَّلَهَا, وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ, وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا, قَامَتْ إِلَيْهِ, فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ, فَقَبَّلَتْهُ, وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا))

[أخرجه أبو داود في سننه]

بربكم أنتم آباء، أحياناً تأتيكم بناتكم زائرات، تدخل البنت أهلاً أبي، الأب جالس مرتاح ولا يتحرك:

((كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ, قَامَ إِلَيْهَا, فَأَخَذَ بِيَدِهَا, وَقَبَّلَهَا, وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ))
طبقوا هذا:
((كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ, قَامَ إِلَيْهَا, فَأَخَذَ بِيَدِهَا, وَقَبَّلَهَا, وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ, وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا, قَامَتْ إِلَيْهِ, فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ, فَقَبَّلَتْهُ, وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا))
أجمل ما في الحياة المودة والحب والاحترام
الحياة كلها مودة، أجمل ما في الحياة المودة والحب، والاحترام المتبادل، والوفاء، والتضحية، فالإنسان حين يعيش حياة الود، حياة الحب، حياة الكرم، هذا إنسان سعيد .
مرة رأى أخ بيتاً مناسباً, فقال: ممكن أن نرى البيت يا أستاذ، قلت: لا مانع، فذهبنا نرى البيت, دخلنا إلى غرفة, وجدنا صبيًا في الخامسة عشر مضطجعًا على قفاه، ورجل فوق رجل, يشاهد مسلسلا، ولم يتحرك، ولم يغير مجلسه، ولم ينظر إلينا، هذه التربية، هذه تربية المسلسلات .
أما تربية سيد الأنام:
((كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ, قَامَ إِلَيْهَا, فَأَخَذَ بِيَدِهَا, وَقَبَّلَهَا, وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ, وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا, قَامَتْ إِلَيْهِ, فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ, فَقَبَّلَتْهُ, وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا))
لقد كان لفاطمة رضي الله عنها, ولزوجها علي كرم الله وجهه, وابنيها الحسن والحسين مكانة عظيمة .
ففي سنن الترمذي, عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ, فَدَعَا فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ, وَعَلِيٌّ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَجَلَّلَهُ بِكِسَاءٍ, ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي, فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ, وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا, قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ, وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ))

الأهل الصالحون نعمة ما بعدها نعمة
أخواننا الكرام، صدقوا أن الله جل جلاله إذا حباك بأهل صالحين، أهل أعفة، أتقياء، أنقياء, فهذه نعمة لا تعدلها نعمة .
أنا أقول لكم: كثير هم الرجال الذين يكفرون نعمة الزوجة الصالحة، زوجة عفيفة، قنوعة، تخدم زوجها، يبحث عن بعض الأخطاء، ويكبرها، وينشئ مشكلة، هذا إنسان جاهل، وكثيرات هن الزوجات اللواتي حباهن الله بأزواج صالحين، مستقيمين، تبحث عن بعض نقاط الضعف فتكبرها، المرأة أحياناً تكفر بنعمة الزوج، والزوجة أحياناً يكفر بنعمة الزوجة الصالحة، فهناك زوج صالح، وهناك زوجة صالحة .
مرة ملِك من ملوك قرطبة, وهو ابن عباد، كان يمشي في حديقته، فرأى بركة ماء، وقد هبت الريح على صفحة الماء, فجعلت منها كالزرد، فقال:
نسج الريح على الماء زرد ............................
ولم يستطع أن يكمل البيت، وكانت وراءه جارية، قالت له:
.......................... يا له درعاً منيــعاً لو جمد
فأُعجِب بهذه الجارية، وتزوجها، وجعلها السيدة الأولى، وأكرمها إكراماً ما بعده إكرام ، اشتهت مرةً حياة الفقر، كيف كانت تدوس في الطين؟ فطلبت منه أن تعيش يوماً واحدًا حياتها السابقة، فجاء بالمسك، والعنبر، وماء الورد, فجبلها وجعلها طيناً، وقال: دوسي فيه, هذا هو الطين, ثم جاء ابن تاشفين من شمال أفريقيا, قضى على ملوك طوائف، وأودعه في السجن، وافتقر، فكانت هذه الجارية زوجته, تقول له مرةً: لم أر منك خيراً قط، قال لها: ولا يوم الطين؟ فاستحيت .
لماذا ذكر السيدة فاطمة يملأ القلوب سعادة؟ من وفائها، من تواضعها, من حرصها على سعادة زوجها، من حرصها على راحته، من حرصها على عدم الضغط عليه .
الزوجة يجب أن تكون حريصة على عدم الضغط على الزوج
الآن تضغط الزوجة، تضغط حتى يأكل زوجها الحرام، ويسرق حتى يخلص من شكواها .
قال رجل لامرأته: لقد هلكت من كثرة شكواك وهمومك، فقالت له: إذًا: يوم أشكو به, ويوم أريحك، فكانت في يوم راحته, تقول له: غدا أوجع رأسك، فالإنسان بكماله، فالإنسان بأخلاقه، الإنسان بمحبته .
الآن: كم من إنسان تموت زوجته، إذا فكر في الزواج, قامت بناته عليه بالنكير، السيدة فاطمة لما توفيت أمها السيدة خديجة, رأت أن أباها بحاجة إلى زوجة، فلما تزوج فرحت ، وكانت أكبر معين .
تقول البنت: نحن نخدمك، هم لا يفهمون، الإنسان بحاجة إلى امرأة، وليس إلى بنت، هناك خصوصيات للإنسان لا تحلها البنت، فلذلك البنت الوفية لا تقف حجر عثرة أمام زواج والدها إذا كان بحاجة إلى زوجة .

كيف كانت علاقة السيدة فاطمة مع زوجات أبيها ؟

لما تقدمت خولة بنت الحكيم, تخطب للنبي صلى الله عليه وسلم لتزوجه, لم تكن لفاطمة وأخوتها من معارضة، بل كن جميعاً راغبات راضيات عن زواج أبيهن، الذي أضناه الحزن على فراق أمهن خديجة، ولما جاءت خولة, قالت:

((أفلا أخطب عليك؟ قال صلى الله عليه وسلم: بلى، ثم قال: فإنكن معشر النساء أرفق بذلك))
خطبت خولة عليه سودة بنت زمعة، وعائشة بنت أبي بكر، فتزوجهما، فبنى بسودة بمكة، ثم بعائشة بالمدينة .
الآن في التعبير الدارج بنت الحماة مخيفة، حماية ثانية، السيدة فاطمة كانت من أرفق النساء بزوجات أبيها، إذا العلاقة طيبة بين البنت وزوجة والدها، هذا شيء مثالي .
فعاشت فاطمة مع زوجتي أبيها بكل حب وحسن عشرة، بل كان يزيد في سرورها رؤية أبيها سعيداً في زواجه هذا .
الآن بنت الزوج دائماً ضد خالتها، امرأة أبيها، ضدها على طول مهما فعلت، فكانت فاطمة رضي الله عنها تتظافر مع عائشة في الأمور التي كانت تراها فيها محقة, وهي أكبر عون لزوجة أبيها .
أعرف أن زوجة الأب لا يحبها أولاد الأب، أحد أخواننا ذكره الله بخير, قال: لي خالة, إذا ذكرتُ اسمها ثلاث مرات, أبكي من محبتي لها، عاملتنا معاملة أحن من أمنا .
لمَ هذه القاعدة الثابتة: أن امرأة الأب ضد أولاد زوجها؟ الإيمان يصنع المعجزات، فإذا كانت المرأة مؤمنة, فلا تعامل أولاد زوجها إلا كأولادها، فالسيدة فاطمة لم تكن كبقية النساء بهذه العداوة الثابتة مع زوجة أبيها، بل على العكس، كانت تتعاون مع السيدة عائشة إن كانت محقة في تعاونها.
أما موقفها من أزواج أبيها, فقد كانت أكثر انسجاماً، واحتراماً، وتوقيراً، ولا شك أنها في ذلك تقوم بواجبها تجاه حق أبيها .
إذا كان الأب متزوجًا، وكل يوم عنده مشكلة لا يرتاح، أما عنده ابنته من زوجته السابقة في البيت فلا مشكلة، فيه انسجام، فيه مودة، وفيه تعاون, كل يوم حياة لا تُطاق، فالقاعدة الأساسية: ما الذي يسعد أباها؟ أن يدخل البيت مرتاحًا، فما كانت تختلق مشكلة إطلاقاً، بل كانت أكبر معوان لزوجات أبيها .
موقفها دائماً كان توقير زوجاته، والإحسان إليهن، والتأدب معهن، ولم يكن منها رضي الله عنها أي تصرف يثير غضب إحداهن، فقد كانت أكبر تعقلاً لما يحصل لبنات جنسها.
سمعت من يومين قصة امرأة لا تنجب، وزوجها جيد جداً، وهو متألم بعدم إنجابها، ويتمنى الولد، ولكن بمحبته لها, فهو ساكت، خرجت وخطبت له، وفاجأته بزوجة جيدة، هي خطبتها، قال: والله عشنا معاً أكثر من خمسة عشر عامًا، لم تحدث مشكلة في البيت, عقل راجح، زوج وفيّ، زوج جيد، فالحياة إذا بنيت على الإيمان شيء رائع .
امرأة صالحة جداً، تزوجها رجل، قال لها: بزماني كنت أفكر في الزواج من امرأة، ثم تركت الزواج منها، قالت لي: إذا تزوجتني, أسلم وأتزوج، وأحفظ القرآن، فلما علمت زوجته الدينة أن هذه المرأة إذا تزوجها تسلم، وتتحجب، وتحفظ القرآن, قالت: بالله عليك تزوجها اليوم ، وجاء بها إلى البيت .
المرأة إذا كان دينها أصليًا, إذا كان دينها نابعاً منها، ليس ضغطاً، ليس قهراً، إذا كان دينها نابعاً منها, تفعل المعجزات، تفعل الأعاجيب, لأنها رأت أن هذه المرأة إذا تزوجها زوجها, دخلت بالإسلام، وتحجبت، وحفظت كتاب الله، هذا كسب كبير جداً .

إليكم بيان خطبتها وزواجها بشكل تفصيلي :

سيدنا علي لم يكن ليتقدم لخطبة فاطمة من أبيها إلا على وجل شديد لما يعلم ما لها من المكانة العظيمة عنده صلى الله عليه وسلم، وما لها من الحب الكبير في نفسه الشريفة، فكان يتحين الفرص المواتية ليتقدم إليه بهذا الطلب الغالي، وطال انتظار علي سنين عددًا، حتى إذا خامره الرجاء في تحقيق رغبته بعد دخول النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة، أمسك أيضاً ، لأنه لا يملك مهرها, فقير، وليس في يده مال، ثم زاد إحجامه, حينما بلغه أن الصحابيين الجليلين خطباها .
سيدنا أبو بكر خطبها، سيدنا عمر خطبها، هو فقير, لا يملك نقيرًا ولا قطميرًا، إلا أنه ابن عمها، وحين شعر الصحابة برغبة علي في خطبة فاطمة, شجعه على مراده بعض أصحاب رسول الله، وأخذ يزيده في الترغيب بما له من قرابة النسب، ومنزلة أبويه من قلبه الشريف، أبوه أبو طالب، وأمه فاطمة بنت أسد، وكانت أول هاشمية تلد هاشمي، وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم حين كفله عمه أبو طالب أماً بعد أمه .
يوجد مداخلات، قرابة شديدة، مكانة عالية، فوقف علياً رضي الله عنه ملياً يفكر، هو بحق أجدر الناس بفاطمة بنت رسول الله، إنه كان قد تربى، وعاش في حجر النبي، ولم يفارقه ، فزاد هذا في أمله، فتشجع, وطلب من النبي فاطمة .
قال: كان مهر فاطمة درعا وليس خاتما ماسيا


((فما راعه إلا أن التفت إليه صلى الله عليه وسلم, وسأله مترفقاً, هل عندك شيء ؟ -يعني هل عندك مهر لفاطمة؟- فأجابه علي كرم الله وجهه: لا, يا رسول الله، فذكره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أصاب يوم بدر درعاً, فقال له: فأين درعك التي أعطيتك يوم كذا؟ فأجاب علي رضي الله عنه: هي عندي يا رسول الله، قال له: فأعطها درعك -هذا المهر، لا غيره، ليس خاتم ثمنه ثمانمائة ألف, إنه درع فقط .
لذلك عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مؤنَةً))

[أخرجه أحمد في مسنده]

الآن ماذا ستلبسونها؟ شرط، الذهب وألماس, وشهر العسل في فنيسيا, هكذا طلبات الناس، بيت معين، مساحة معينة، بشارع معين، شهر عسل بمكان معين .
قال: ثم بيعت الدرع بأربعمائة وسبعين درهماً، فجهزت بها عروسه، وعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم زواج علي على ابنته فاطمة رضي الله عنهما، وأسكنها صلى الله عليه وسلم قريباً من بيته- .
وقال صلى الله عليه وسلم لعلي قبل ليلة الزفاف: لا تحدث شيئاً حتى تلقاني, فدعا بإناء, فتوضأ منه، ثم أفرغه على فاطمة وعلي، وقال: اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما))
أيها الأخوة, وتم زواجهما على بركة الله تعالى، وكان عمر العروس فاطمة يوم زواجها من علي بن أبي طالب ثمانية عشر عاماً، وكان علي زوجها ستة وعشرين عاماً، فكانا قريبين من أحلام أمثالهما، غير أنهما كانا منصرفين إلى ما هو أسمى من كل ذلك، إنهما تابعا السير في سبيل نشر الدعوة .
ما العمل الذي كانت تقوم به فاطمة حينما يكون زوجها غائباً عن البيت, وكيف كانت تستقبله حينما يأتي إليها ؟
فهذا علي رضي الله عنه ينصرف مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته، وهذه فاطمة تستمر في نهجها بين نسوة الأنصار، والمهاجرين، وفتياتهم، تبث فيهم روح الدعوة الإسلامية المنفتحة، الممتدة في ربوع الحجاز، وكان زوجها علي بن أبي طالب لا يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبداً .
الآن إذا تأخر الرجل قليلاً في السهرة, يُقام النكير على هذا الشيخ, الذي شغل زوجها قليلاً, ما أروع امرأة في مستوى زوجها! ما أروع امرأة في مستوى الدعوة! ما أروع امرأة تحمل هموم المسلمين! ما أروع امرأة تعرف قيمة زوجها! .
ما أروع المرأة التي هي في مستوى الدعوة
كان زوجها علي بن أبي طالب لا يفارق رسول الله أبداً, إلا ما كان في غزوة تبوك حين استخلفه في المدينة، فعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ:
((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ, وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا, فَقَالَ: أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ؟ قَالَ: أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]

وكان رضي الله عنه, كلما رجع إلى بيته من غزوة غزاها, أو سرية قادها, وجد زوجته بانتظاره .
أحياناً يأتي الزوج متعبًا، العمل شاق، والعمل خارج البيت متعب، هموم، ضغوط، مشكلات، فهي تأتي تستقبله باللؤم، بالتقريع، بالضغط الداخلي، ماذا يحصل لهذا الزوج؟ ضغط من الداخل، وضغط من الخارج, أما المرأة الصالحة فتنسي زوجها هموم العمل، تنسيه ضغوط الحياة، تستقبله، تؤنسه، تحترمه .
المرأة الصالحة تستقبل زوجها وتؤنسه وتحترمه
عَنْ أَنَسٍ قَالَ:

((مَاتَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ, فَقَالَتْ لِأَهْلِهَا: لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ, حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ, قَالَ: فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً, فَأَكَلَ وَشَرِبَ, فَقَالَ: ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ, فَوَقَعَ بِهَا, فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وَأَصَابَ مِنْهَا, قَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ, أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ, فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ, أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لَا, قَالَتْ: فَاحْتَسِبْ ابْنَكَ, قَالَ: فَغَضِبَ, وَقَالَ: تَرَكْتِنِي, حَتَّى تَلَطَّخْتُ, ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بِابْنِي, فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيْلَتِكُمَا, قَالَ: فَحَمَلَتْ, قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ, وَهِيَ مَعَهُ, وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, إِذَا أَتَى الْمَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ, لَا يَطْرُقُهَا طُرُوقًا, فَدَنَوْا مِنْ الْمَدِينَةِ, فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ, فَاحْتُبِسَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ, وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: يَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبِّ, إِنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ أَخْرُجَ مَعَ رَسُولِكَ إِذَا خَرَجَ, وَأَدْخُلَ مَعَهُ إِذَا دَخَلَ, وَقَدْ احْتَبَسْتُ بِمَا تَرَى, قَالَ: تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أَبَا طَلْحَةَ, مَا أَجِدُ الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ, انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا, قَالَ: وَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ حِينَ قَدِمَا, فَوَلَدَتْ غُلَامًا, فَقَالَتْ لِي أُمِّي: يَا أَنَسُ, لَا يُرْضِعُهُ أَحَدٌ, حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَلَمَّا أَصْبَحَ احْتَمَلْتُهُ, فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: فَصَادَفْتُهُ وَمَعَهُ مِيسَمٌ, فَلَمَّا رَآنِي, قَالَ: لَعَلَّ أُمَّ سُلَيْمٍ وَلَدَتْ, قُلْتُ: نَعَمْ, فَوَضَعَ الْمِيسَمَ, قَالَ: وَجِئْتُ بِهِ, فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ, وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَجْوَةٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ, فَلَاكَهَا فِي فِيهِ, حَتَّى ذَابَتْ, ثُمَّ قَذَفَهَا فِي فِيه الصَّبِيِّ, فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهَا, قَالَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْظُرُوا إِلَى حُبِّ الْأَنْصَارِ التَّمْرَ, قَالَ: فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَسَمَّاهُ))

[أخرجه مسلم في الصحيح]

امرأة ترعى حق زوجها، تخفف عنه آلام الحياة، آلام العمل، الحياة فيها ضغوط شديدة .
أخواننا الكرام, نسب الأمراض تزيد، نسب الأورام تزيد، نسب أمراض الدم, والقلب ، والأوعية, تنزل إلى الثلاثين، والخمسة وعشرين من شدة الضغوط، أنا أستمع إلى بعض القصص، ضغط من الخارج، وضغط من الداخل .
كان إذا عاد من غزوة غزاها أو سرية قادها, عاد إلى بيته, وجد زوجته بانتظاره, قد هيأت له أسباب الراحة، لتخفف عنه بعض ما وجدوا من عناء السفر والغربة عنها .

هل عاشت السيدة فاطمة حياة المتنعمات عند زوجها, وما هو أثاث بيتها ؟

قال: لم تكن حياة فاطمة في بيت زوجها مترفة، ولا ناعمة، شأنها في ذلك, شأن حياتها عند أبيها قبل زواجها، حياة خشنة، والحياة الناعمة لا تصنع الرجال، ولا تصنع البطلات.
سيدنا علي, حينا شُغل بالجهاد مع رسول الله, شُغل عن جمع المال، والاتجار به، لو سخر وقته في التجارة لصار مليونيرًا، قدرات عند الإنسان عالية، هو صرفها في معرفة الله، وفي نشر الحق .
التاجر أحياناً من الصباح, وحتى منتصف الليل, يفكر في التجارة, سوف يتابع أموره ويربح، أما إنسان آخر, جاهد نفسه وهواه، طلب العلم، هذا كله يحتاج إلى وقت .
طلبات جهاز الزوجات في هذا العصر فوق التصور
فانصرف هذا الصحابي الجليل, ابن عم النبي, إلى نصرة صلى الله عليه وسلم، ونشر التوحيد بين الناشئين، فشغله ذلك عن سبيل الثراء, الذي كان أشراف قريش, قد وجهوا شبابهم إليه، فلا عجب إن رأينا هذا الصحابي الجليل, لا يملك مهراً لزوجته سوى درعه، وحال سيدنا علي قبل الزواج, لم يكن خافياً على السيدة فاطمة، الآن إذا خطب إنسان، وليس معه شيء، طولب بكل شيء، طيب لماذا قبلتم؟ .
فكان حال سيدنا علي واضحًا للسيدة فاطمة، وكانت تعلم أن علياً لم يكن ثرياً، فلذلك لم تفاجأ بالجهاز التي جُهزت به، كان مؤلفاً من خميلة ووسادة, حُشيت ليفاً، وإناء وسقاءين .
الآن تريد غرفة النوم كذا، الجلوس كذا، الثريات كريستال، طلبات مهرها عجيبة, وتلك الصحابية خميلة ووسادة, حُشيت ليفاً، وإناء وسقاءين، وشيء من العطر، وهي في هذا راضية كل الرضا، لأن هذا الزواج كان برضا أبيها، لذلك كانت فاطمة سعيدة كل السعادة في بيت زوجها علي رضي الله عنه على ما كانت عليه من شظف العيش .

من روائع هذا النبي :

اسمعوا هذه الحادثة، كان علي رضي الله عنه, كلما عاد إلى بيته, يرى فاطمة متعبة راضية, فيساعدها في بعض أعمال البيت القاسية في كل وقت, مكنته الظروف من ذلك، حيث كان غير قادر على أن يستأجر لها خادماً، أو أن يشتري لها أمة, تقوم عنها بأعباء البيت، فكان هو يخفف عنها بعض عناء البيت .
فجاء عليٌّ مرةً فرآها، وهي تسقي من البئر, حتى اشتكت صدرها، فقال رضي الله عنه:

((قد جاء الله بسبي، فاذهبي إلى رسول الله فاستخدمي، -أي ائتي بخادمة- .
فقالت: وأنا والله قد طحنت, حتى مَجَلَتْ يداي, فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما جاء بك أي بنية؟ استحييت, قالت: جئت لأسلم عليك، واستحييت أن أسأله، ورجعت فأتيناه جميعاً .
جاءت بسيدنا علي، فذكر علي حالها، -أن ابنتكم يا سيدي متعبة العمل شاق، جسمها ضعيف، فهل من خادمة؟- فقال صلى الله عليه وسلم: لا والله لا أعطيكما, وأدع أهل الصفة, تتلوى بطونهم، ولا أجد ما أنفق عليهم))
النبي عد المؤمنين أسرة واحدة، ما أعطى ابنته خادمة، وهناك فقراء, يتلوون من الجوع .
والحديث في صحيح البخاري, عَنْ عَلِيٍّ:
((أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهِمَا السَّلَام, أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنْ الرَّحَى, وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ, فَلَمْ تُصَادِفْهُ, فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ, فَلَمَّا جَاءَ, أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ, قَالَ: فَجَاءَنَا, وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا, فَذَهَبْنَا نَقُومُ, فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا, فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا, حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي, فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا, إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا, أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا؟ فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ, فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ))
وفي رواية أحمد:
(( فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا تَرَكْتُهَا بَعْدَمَا سَمِعْتُهَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ رَجُلٌ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟))
أرأيتم إلى النبوة؟ المؤمنون أسرة واحدة .
وفي درس آخر إن شاء الله, نتابع الحديث عن السيدة الجليلة رضي الله عنها وأرضاها، فهي سيدة نساء أهل الجنة، وهي من أربع نساء, كملن ولم يكمل غيرهن .

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 01-13-2017, 04:13 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,041
معدل تقييم المستوى: 3
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة الصحابيات من موقع النابلسي

السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات - بنات النبي الكريم –السيدة فاطمة الزهراء الدرس (2-3) : سيرة السيدة فاطمة الزهراء 2
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-07-20





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ماذا نستنبط من هذه الحادثة ؟

1- تقديم المصالح العامة على مصلحة الإنسان الخاصة :

أيها الأخوة الكرام, مع سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن، ومع بنات النبي صلى الله عليه وسلَّم، ولا زلنا مع ابنته فاطمة الزهراء .
أيها الأخوة, وصلنا في الدرس الماضي من سيرة هذه البنت المباركة التي هي سيدة النساء بنص كلام النبي عليه الصلاة والسلام، أنها اشتكت من أعمال البيت الشاقة، فذهبت إلى أبيها تطلب منه خادمةً .
فَعَنْ عَلِيٌّ:

((أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهِمَا السَّلَام, أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنْ الرَّحَى, وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ, فَلَمْ تُصَادِفْهُ, فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ, فَلَمَّا جَاءَ, أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ, قَالَ: فَجَاءَنَا, وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا, فَذَهَبْنَا نَقُومُ, فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا, فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا, حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي, فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا, إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا, أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا؟ فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ, فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]

وفي رواية أحمد في المسند, عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا زَوَّجَهُ فَاطِمَةَ, بَعَثَ مَعَهُ بِخَمِيلَةٍ, وَوِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ, حَشْوُهَا لِيفٌ وَرَحَيَيْنِ وَسِقَاءٍ وَجَرَّتَيْنِ, فَقَالَ عَلِيٌّ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ذَاتَ يَوْمٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتَّى لَقَدْ اشْتَكَيْتُ صَدْرِي, قَالَ: وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ أَبَاكِ بِسَبْيٍ, فَاذْهَبِي فَاسْتَخْدِمِيهِ, فَقَالَتْ: وَأَنَا وَاللَّهِ قَدْ طَحَنْتُ حَتَّى مَجَلَتْ يَدَايَ, فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكِ أَيْ بُنَيَّةُ؟ قَالَتْ: جِئْتُ لَأُسَلِّمَ عَلَيْكَ, وَاسْتَحْيَت أَنْ تَسْأَلَهُ, وَرَجَعَتْ, فَقَالَ: مَا فَعَلْتِ؟ قَالَتْ: اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ, فَأَتَيْنَاهُ جَمِيعًا, فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَاللَّهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتَّى اشْتَكَيْتُ صَدْرِي, وَقَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: قَدْ طَحَنْتُ حَتَّى مَجَلَتْ يَدَايَ, وَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ بِسَبْيٍ وَسَعَةٍ فَأَخْدِمْنَا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكُمَا, وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ, تَطْوَ بُطُونُهُمْ, لَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ, وَلَكِنِّي أَبِيعُهُمْ وَأُنْفِقُ عَلَيْهِمْ أَثْمَانَهُمْ فَرَجَعَا, فَأَتَاهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَقَدْ دَخَلَا فِي قَطِيفَتِهِمَا, إِذَا غَطَّيا رُؤوسَهُمَا, تَكَشَّفَتْ أَقْدَامُهُمَا, وَإِذَا غَطَّيَا أَقْدَامَهُمَا, تَكَشَّفَتْ رُؤوسُهُمَا فَثَارَا, فَقَالَ: مَكَانَكُمَا, ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمَا بِخَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَانِي؟ قَالَا: بَلَى, فَقَالَ كَلِمَاتٌ عَلَّمَنِيهِنَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام, فَقَالَ: تُسَبِّحَانِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا, وَتَحْمَدَانِ عَشْرًا, وَتُكَبِّرَانِ عَشْرًا, وَإِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا؛ فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ, قَالَ: فَوَ اللَّهِ مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ, فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْكَوَّاءِ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ, فَقَالَ: قَاتَلَكُمْ اللَّهُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ, نَعَمْ, وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ))
أيها الأخوة, ذكرت هذا بالتفصيل في نهاية الدرس الماضي، أما التعليق؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام علَّم أمته أن تُقدَّم مصالح العامة على نفع الخاصَّة، هذا درسٌ بليغ:
((وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكُمَا, وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ, تَطْوَ بُطُونُهُمْ, لَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ))
أي أنه جعل المسلمين جميعاً أسرةً واحدة، ولو طُبِّق هذه المبدأ في حياة المسلمين, لكانوا في حالٍ آخر:
((والله ما آمن، والله ما آمن، والله ما آمن؛ من بات شبعان, وجاره إلى جانبه جائعٌ, وهو يعلم))
فابنته حبيبة قلبه، أقرب الفتيات إليه، طلبت خادمةً، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، ونبيُّ هذه الأمة ورسولها، وبإمكانه أن يعطيها عشر خادمات، قال:
((وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكُمَا, وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ, تَطْوَ بُطُونُهُمْ, لَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ))
فحينما نتعامل مع بعضنا بعضاً بهذا العطف، وهذه الموضوعية، وهذا التراحم, يرضى الله عنا .
2- من الطرق الأخرى التي يستطيع الإنسان أن يحصل عليها إذا عجز على الحصول على دخل

شيءٌ آخر من هذه القصة: أنّ الإنسان إذا لم يقدر أن يصل إلى مستوى معاشي مرتفع، فالأبواب الأخرى مفتَّحةٌ على مصاريعها؛ أبواب طلب العلم، أبواب نيل رضوان الله عزَّ وجل، أبواب نشر الحق، هذا متاع لكل مؤمن، أي إذا ما أتيح لك أن تمتلك مركبة، ما أتيح لك أن تسكن بيتًا فخمًا، ما أتيح لك أن ترتقي إلى منصبٍ رفيع، هذه حظوظ الدنيا، لكن حظوظ الآخرة مبذولةٌ لكل مؤمن، يقول عليه الصلاة والسلام:

((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))

[أخرجه البخاري عن عثمان في الصحيح]
شأنك عند الله لا بمساحة بيتك، ولا بموقع بيتك، ولا بنوع مركبتك، ولا بمستوى وظيفتك، ولا بدخلك، شأنك عند الله بقدر ما تعرفه، وبقدر ما تعمل من خلال هذه المعرفة، وهذا متاحٌ لكل مؤمن .

من الأمثلة على الاستنباط الأول :

الاستنباط الأول: أن المؤمن عليه أن يؤثر مصلحة المسلمين العامة على مصلحته الخاصة، هذا بادئ ذي بدء .
سيدنا عمر رأى إبلاً سمينة, فقال:

((لمن هذه الإبل؟ قالوا: هي لابنك عبد الله, فغضب وقال: آتوني به، فلما جاءه, قال: لمن هذه الإبل؟ قال: هي لي، اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى المرعى لتسمن، قال, ويقول الناس: ارعوا هذه الإبل، فهي لابن أمير المؤمنين، اسقوا هذه الإبل، فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك يا ابن أمير المؤمنين، بع هذه الإبل، وخذ رأس مالك، وردَّ الباقي لبيت مال المسلمين))
سيدنا عمر بن عبد العزيز, رأى في إصبع ابنه خاتماً ثميناً, فقال:
((بع هذا الخاتم, وأطعم بثمنه ألف جائع، واتخذ خاتماً من حديد، واكتب عليه: رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده))
هكذا. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يؤثر ابنته حبيبة قلبه على فقراء المسلمين، المسلمون جميعاً أسرةٌ واحدة .

الشرح الأوسع للاستنباط الثاني :

الاستنباط الثاني المهم جداً: إذا كانت أبواب الدنيا مغلقة في وجهك، إنسان ما أتيح له أن يشتري بيتًا، ما أتيح له أن يرتقي إلى منصب رفيع، ما أتيح له أن يقتني مركبةً، إلا أن أعمال الآخرة متاحةٌ لكل مؤمن، بإمكانك أن تصل إلى أعلى درجة, وأنت فقير، وأنت في أقل وظيفة، وفي أقل دخل، وفي أصغر بيت .
فالإنسان إذا ذكر الله، وأخلص قلبه لله، وتعلَّم القرآن، وعلَّم القرآن, ارتقى إلى أعلى درجات الجنان، فإذا فاتك شيءٌ من الدنيا, فلا تنس نصيبك من الآخرة، فإنّ نصيب الآخرة موفور ، ومتاحٌ لكل المؤمنين، وفضل الله يسع لكل عبادة، لكن الدنيا كما قال تعالى:

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾

[سورة الإسراء الآية: 18]
لحكمةٍ أرادها الله، والله عزَّ وجل علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان, كيف كان يكون, فأنت على الدخل المعتدل الذي يكفيك، إنسان جيد جداً، أنت لا تعلم كيف يكون حالك على دخلٍ آخر, أنت لا تعلم لكن الله يعلم، فليس في الإمكان أبدع مما كان، أنت في وظيفةٍ دنيا جيدٌ جداً، أنت لا تعلم كيف يكون حالك لو كنت في وظيفةٌ عُليا؟ اجعل هذا الكلام شعاراً لك: ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني .
ليس معنى هذا أن تقعد، أبداً، ليس معنى هذا أن تتكاسل، أبداً، أما حينما تبذل كل طاقتك، وكل وقتك، وكل جهدك، وتصل بك هذا الجهد إلى هذا المكان، هذا الذي اختاره الله لي، وهذا خيرٌ لي من كل شيء، أما أن تقعد، وأن ترتاح، وأن تتكاسل، وأن تبقي نفسك جاهلاً، ولا تعمل, وتقول: هذا الذي اختاره الله لي, لا .
أنا ذكرت سابقاً: هناك ما يسمى بفقر الكسل، فقر الكسل مذموم، وهناك ما يسمى: بفقر القدر، فقر القدر صاحبه معذور، إنسان معه مشكلة في جسمه، معه عاهة, تقعده عن طلب الرزق ، هذا فقر القدر، وفي فقر الإنفاق، الإنسان الذي يسعى للآخرة جهده ينفق مالاً كثيراً في سبيل الله ، فلا يبدو أنه غني لكثرة إنفاقه، وفي غنى الكفاية، وفي غنى البطر، غنى البطر مذموم، عدَّه النبي أحد المصائب:
((بَادِرُوا بالأَعْمَالِ سَبْعًا؛ هَلْ تَنْتَظِرُونَ إلا فَقْرًا مُنْسِيًا, أَوْ غِنًى مُطْغِيًا؟))

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة في سننه]
غنى البطر: هو الغنى الذي يحمل صاحبه على المعصية، اغتنى فجأةً، أراد أن يذهب إلى بلاد الله الواسعة، ذهب إلى بلاد الله الواسعة، أراد أن يرى فيها كل شيء؛ دخل إلى ملاهيها، وإلى نواديها الليلية، وإلى علبها السوداء، وإلى مجتمعاتها المنحطَّة، معه مال بإمكانه أن يفعل به ما يشاء، هذا الغنى يعدُّ أكبر مصيبةٍ للإنسان، إذا كان عندك ما يغطِّي نفقاتك, فهذه نعمةٌ ما بعدها نعمة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام:
((اللهمَّ من أحبني فاجعل رزقه كفافاً))
فإذا قال لي أحد الأخوة الكرام: مستورة، أقول له: أصابتك دعوة النبي، لأنه يحبك، لم يشغلك بهذا المال، أحياناً تكون أنت عبداً للمال، تكون خادماً له، ويكون المال سببَ هلاكِ الإنسان أحياناً، قد يقتله بعض الناس من أجل ماله، قد يتآمر عليه أولاده، وأقرب الناس إليه من أجل ماله، وقد يفعلون فيه الأعاجيب من أجل ماله، المال قد يكون نقمة .
فقر الإنفاق: قال أحد أصحاب النبي للنبي:
((والله إني أحبك، قال: انظر ما تقول, قال: والله إني أحبك, قال : انظر ما تقول, قال: والله إني أحبك، قال: إذا كنت صادقاً فيما تقول, للفقر اٌقرب إليك من شرك نعليك))
أي فقرٍ هذا؟ فقر الإنفاق:
(( يا أبا بكر, ماذا أبقيت لنفسك؟ قال: الله ورسوله))
هذا وسام شرف، أن يكون معك مال وتنفقه، أعرف طبيبًا رحمه الله، أقام في أحد الأقبية في ريف دمشق، لكنه خدم الناس خدمة تفوق حدَّ الخيال، كل شيء يملكه, أنفقه في سبيل الله، ما أبقى لنفسه شيئاً، صار معه مرض، فقال أحد زملائه لأهل هذه البلدة الطيبة: لو أن العملية تكلِّف ستة ملايين تدفعونها, أقسموا بالله ليدفعنَّها، لكن المرض كان ميؤوسًا منه، كل شيء يملكه قدَّمه؛ هذا يلزمه مئة فأعطاه مئة، هذا يلزمه بيتٌ فأعطاه بيتًا، هذا يلزمه زواج فزوَّجه، فلما توفي ، ما عرف الناس قدره إلا بعد الوفاة.
أي إذا فاتك من الدنيا شيء, فلا تنس نصيبك من الآخرة، وحظوظ الآخرة مبذولةٌ لكل الناس، لكل المؤمنين، وقيمتك عند الله بعلمك وعملك, قال تعالى:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

[سورة الأحقاف الآية: 19]

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

[سورة المجادلة الآية: 11]

كيف كانت تستقبل فاطمة زوجها علي حينما يأتي إلى البيت ؟

فكانت هذه السيدة الجليلة راضية بما قدَّر الله لها، وهذه السيدة الجليلة, كانت ترى عائشة تستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، كلَّما عاد إلى بيته المتواضع، بالابتسامة الحلوة، واللقاء الجميل، أرأيت المؤمنة؟ يكون زوجها فقير، فتستقبله بالرضا والابتسامة، وتقبل منه دخله القليل، وبيته الصغير، وأثاثه الخشن، وتستقبله فرحةً مطمئنةً، تدخل إلى قلبه السرور، هذه المؤمنة، أما غير المؤمنة إن لم ينفِّذ لها طلباتها، والعياذ بالله، تصبح زوجةٍ لئيمة، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((أعظم النساء بركةً أقلهنَّ مؤنةً))
فحينما ترى السيدة عائشة تستقبل النبي في حجرتها المتواضعة، كان إذا صلَّى قيام الليل أزاحت رجليها, ليتمكَّن من السجود، أي أن غرفتها لا تتسع لنومها وصلاة النبي .
الآن البيت تكون مساحته أربعمئة متر، وهي منبوذة، تطلب أحياناً طلبات خياليَّة، فإن لم يُنفَّذ, تقابله بأسوأ مقابلة, وهناك غرفةٍ لا تتسع لصلاته ونومها، وكانت تستقبله باشة، هاشة، مبتسمة، ضاحكة، مؤنسة، مسلِّية.
فهذه السيدة فاطمة, كانت إذا علمت بقدوم زوجها عليِّ كرَّم الله وجهه, تهيَّأت لاستقباله ، الآن الزوجة غير المؤمنة أجمل ما فيها تبديه لغير زوجها، وأبشع ما عندها تبديه لزوجها؛ كلامها القاسي، هيأتها المتبذِّلة المهملة لزوجها، أرخص ثوبٍ ترتديه لزوجها، أكره ثوبٍ ترتديه لزوجها، فإذا كان عندها استقبال، أو عندها زيارة أو شيء، بدت وكأنها ملكة جمال، هذه المرأة التي لا تعرف الله .
انظر السيدة فاطمة: كانت إذا علمت بقدوم زوجها علي, تهيأت لاستقباله بالابتسامة المشرقة، وبالدعابة اللطيفة، لتبرهن عما في قرارة نفسها بالرضا التام لما حباها الله تعالى، إذ جعلها بنت سيد المرسلين، وزوجة وليِّ المؤمنين .
فالزواج نعمة، عندها زوج لا ترضي زوجها، عندها زوج لا تحسن إلى زوجها، عندها زوج لا تدخل على قلب زوجها الفرح، دائماً تضغط عليه .
والزوجة نعمة، فالذي عنده زوجة, دائماً يقسو عليها، ودائماً يضغط عليها، ويكلِّفها ما لا تطيق، ويستهزئ بها، هذه نعمة الزواج؛ نعمة الزوجة ونعمة الزوج، من أساء معاملة الطرف الآخر, فقد كفر هذه النعمة .

إليكم بعض الأحاديث التي وردت بشأن مكانة علي بن أبي طالب عند النبي :

عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ:

((بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشًا, وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ, فَمَضَى فِي السَّرِيَّةِ, فَأَصَابَ جَارِيَةً, فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ, وَتَعَاقَدَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالُوا: إِذَا لَقِينَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَخْبَرْنَاهُ بِمَا صَنَعَ عَلِيٌّ, وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا رَجَعُوا مِنْ السَّفَرِ, بَدَؤوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ, ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى رِحَالِهِمْ, فَلَمَّا قَدِمَتْ السَّرِيَّةُ, سَلَّمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَامَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَلَمْ تَرَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ, صَنَعَ كَذَا وَكَذَا, فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, ثُمَّ قَامَ الثَّانِي, فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ, فَأَعْرَضَ عَنْهُ, ثُمَّ قَامَ الثَّالِثُ, فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ, فَأَعْرَضَ عَنْهُ, ثُمَّ قَامَ الرَّابِعُ, فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالُوا, فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَالْغَضَبُ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ, فَقَالَ: مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ؟ مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ؟ مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ؟ إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي, وَأَنَا مِنْهُ, وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ))

[أخرجه الترمذي في سننه]
كان صهره الحبيب:
((مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ؟ مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ؟ مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ؟ إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي, وَأَنَا مِنْهُ, وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

إليكم هذه السنة الربانية التي قضى الله بها في عباده مع مثال عليها :

أيها الأخوة, عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ:

((إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ, اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ, فَلَا آذَنُ, ثُمَّ لَا آذَنُ, ثُمَّ لَا آذَنُ, إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي, وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ, فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي, يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا, وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]

لكن سنة الله في خلقه, أنه لا بدَّ من اضطراب العلاقة الزوجية، ليس هناك على وجه الأرض زوجان, إلا وينشأ بينهما جفوة، أو خصومة، أو نفور بعض الشيء، فقد روى ابن سعدٍ بإسناده عن عمرو بن سعيد قال:

((كان في عليٍ شدَّة على فاطمة, فقالت: والله لأشكونك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فانطلقت, وانطلق عليٌ في أثرها, فكلَّمته, فقال صلى الله عليه وسلَّم: أي بنيتي؛ اسمعي، واستمعي، وأعقلي، إنه لا إمرة لامرأةٍ, تأتي هوى زوجها, وهو ساكت .
-أي إذا كانت المرأة مطيعة لزوجها، فليس له الحق أن يشتد عليها، إن كانت تطيع زوجها وترضيه, فليس له الحق أن يشتد عليها- لذلك قال عليٌ: فكففت عما كنت أصنع, وقلت: والله لا آتي شيئاً تكرهينه أبداً))
عاشت هذه السيدة الجليلة في بيت علي بن أبي طالب؛ معزَّزةً، مكرَّمةً، معظَّمةً، مبجَّلةً .
إليكم ذرية فاطمة بنت النبي, والأحاديث التي وردت بشأن محبة النبي للحسن والحسين, وعلة تسمية بناتها على تسمية أخواتها زينب وأم كلثوم :
طبعاً أول مولود أنجبته الحسن، لقد كان سرور النبي صلى الله عليه وسلَّم بأولاد فاطمة رضي الله عنها عظيماً جداً، فاق كل سرور، بل لعله فاق سرور الأبوين نفسيهما، وكان عليه الصلاة والسلام, يأمل من زواج فاطمة من علي هذه الذرِّية الطيبة .
قال عليه الصلاة والسلام ليلة بنى عليٌ بفاطمة, معنى بنى: أي دخل بها:
((لا تحدث شيئاً حتى تلقاني، فدعا بماءٍ, فتوضَّأ منه, ثم أفرغ عليهما, وقال: اللهمَّ بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك في نسلهما))
واستجاب الله عزَّ وجل دعاء رسوله الكريم، فرزق الزوجين المباركين ذريةً طيبةً مباركة، فما إن مضى أقل من عام على زفاف العروسين الكريمين، حتى احتفلت المدينة المنوَّرة بمقدم المولود المبارك الذي سمَّاه جده (الحسن)، وما أن أصبح عمر الحسن يقارب السنة حتى أردفته أمه بشقيقه الحسين، فكان في ذلك سرورٌ عظيمٌ من الجد الكريم، صار له أحفاد صلى الله عليه وسلَّم، الحسن والحسين، وقف الوالدان مدهوشين أمام ذلك السرور العارم من الجد الرسول عليه الصلاة والسلام .
فكان عليه الصلاة والسلام يضمُّهما إلى صدره الشريف، يعانقهما، ويغمرهما بكل ما امتلأ به قلبه الطاهر الكبير من حبٍ وحنان، ويفيض عليهما من عاطفة الأبوَّة ما شاء الله أن يفيض.
روى الإمام الترمذي عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ:
((طَرَقْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي بَعْضِ الْحَاجَةِ, فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى شَيْءٍ, لَا أَدْرِي مَا هُوَ, فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ حَاجَتِي, قُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي أَنْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَكَشَفَهُ, فَإِذَا حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ عَلَى وَرِكَيْهِ, فَقَالَ: هَذَانِ ابْنَايَ وَابْنَا ابْنَتِيَ, اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا, وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا))
يحملهما على وركيه، على خصريه .
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ:
((سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ أَهْلِ بَيْتِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ, وَكَانَ يَقُولُ لِفَاطِمَةَ: ادْعِي لِيَ ابْنَيَّ فَيَشُمُّهُمَا, وَيَضُمُّهُمَا إِلَيْهِ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

وعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ, فَدَعَا فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ, وَعَلِيٌّ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَجَلَّلَهُ بِكِسَاءٍ, ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي, فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ, وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا, قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ, وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

أي وأنتِ معهم، هنا في نقطة دقيقة، أي أن أهل البيت جزءٌ من الدعوة، كيف؟ لو أن إنسانًا يدعو إلى الله, وأهل بيته, ليسوا كذلك، تنشأ مشكلة كبيرة، هذه المشكلة أنه إذا كانت هذه الدعوة صحيحة، لمَ لا تطبَّق على أهل بيتك؟ هذا سؤال، فإن كانت ليست واقعية, فلا معنى لهذه الدعوة، وإن كنت لا تستطيع أن تطبقها على أهل بيتك، عظ نفسك قبل أن تعظ الناس، هذه كل القصة، لذلك يعد أهل البيت جزءًا من الدعوة، فإن استقاموا استقامت الدعوة، هذا معنى قوله تعالى :

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾

[سورة الأحزاب الآية: 33]
لا تستقيم الدعوة إلا بالانسجام، لا تستقيم الدعوة إلا أن يكون من حول هذا الذي يدعو على شاكلة من يدعو .
سيدنا علي كان يسعد أيَّما سعادة, حينما يرى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم متعلِّقاً تعلُّقاً شديداً بالحسن والحسين، سرَّه أن تتصل حياة النبي الكريم بحياته هذا الاتصال الوثيق، وتتابعت الثمرات المباركات، وتلد الزهراء طفلتها الأولى في العام الخامس من الهجرة، فسمَّاها جدها صلى الله عليه وسلَّم زينب، إحياءً لذكرى خالتها الراحلة زينب, وبعد عامين من ولادة زينت، وضعت فاطمة رضي الله عنها الطفلة الثانية، التي اختار لها جدها اسم أم كلثوم، تطييباً لخاطر الخالة التي لم يقدِّر الله تعالى لها أن تنجب من زوجها عثمان, أم كلثوم لم تنجب من عثمان, فسمى ابنة فاطمة الثانية أم كلثوم, فصار الحسن, والحسين، وزينب, وأم كلثوم .
لقد ملأت هذه الذرية الطاهرة قلب الجد الكريم بحنان الأبوة, الذي افتقده بوفاة أبنائه؛ إبراهيم, والقاسم, وعبد الله .
فلحكمةٍ أرادها الله, لم يشأ الله أن يكون للنبي ذريَّة من الذكور، فمات ابنه إبراهيم، وابنه القاسم، وابنه عبد الله، وحفظ الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلَّم هذا القدر من السعادة الأبويَّة المتمثِّلة بحبه العميق لأولاد فاطمة، وعلى الأخص منهم؛ الحسن والحسين .

مشهد نستنبط منه العبر :

إليكم هذا المشهد: يروي الإمام النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ, قَالَ:

((خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ, وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا, فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَهُ, ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى, فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا, قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي, وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَهُوَ سَاجِدٌ, فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي, فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ, قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا, حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ, أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ, قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ, وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي, فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ, حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ))

[أخرجه النسائي في سننه]

كنت في مسجد قبل يومين، فصلى طفل في الصف الأول، جاء إنسان بقسوةٍ ما بعدها قسوة, دفعه إلى صفٍ آخر، تألَّمت أشد الألم من هذا الموقف، النبي عليه الصلاة والسلام يحمل الحسن والحسين، ويدخل المسجد، ويضعهما أمامه, ويؤمُّ الناس .
هكذا كانت رقَّة النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا كان حب النبي، وهكذا كان رفق النبي بالصغار .
أيها الأخوة, نحن الآن في أمس الحاجة إلى أن نربي الصغار، لأنهم المستقبل، إذا كان حاضر أمتنا لا يرضينا، فلا بأس من أن نسعى للمستقبل، بتربية أولادنا تربيةً إسلاميةً صحيحة، والطفل كما ورد أن:

((لاعب ولدك سبعاً, وأدِّبه سبعاً, وراقبه سبعاً, ثم اترك حبله على غاربه))
من الواحد إلى السبعة ملاعبة، من السبعة إلى أربعة عشر تأديب، من أربعة عشر إلى الواحد والعشرين مراقبة، في الواحد والعشرين صار زميلك، صديقك، وانتهى الأمر .
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ, وَإِنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ))

[أخرجه النسائي في سننه]

أي أن أعظم عمل على الإطلاق؛ أن تربي ابنك تربيةً صحيحة، ليكون خليفتك من بعدك، وحينما تربي ابنك تربيةً صحيحة, أنت لا تموت حينئذٍ، فكل أعمال ابنك في صحيفتك, قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾

[سورة الطور الآية: 21]
لي قريب فجأةً, شعر بدنو أجله، جمَّع ثروةً طائلةً، ثروة كبيرة جداً في السبعينات، فقيمتها الآن عشرة أضعاف، أو عشرون ضعفًا، أو ثلاثون ضعفًا، وترك ولدين بعيدين عن الدين كلياً، قال كلمة: تركنا أثمن شيء، وهم الأولاد، لم نعتن بهم، وجمعنا شيئاً لا قيمة له، وهو المال .

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #11  
قديم 01-14-2017, 01:30 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,041
معدل تقييم المستوى: 3
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة الصحابيات من موقع النابلسي

السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات - بنات النبي الكريم –السيدة فاطمة الزهراء الدرس (3-3) : سيرة السيدة فاطمة الزهراء 3
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-08-03





بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

لماذا لقبت فاطمة بأم أبيها, وما هو الشعور التي كانت تبادله لأبيها, وهل كان النبي يبادلها نفس الشعور:

أيها الأخوة الكرام, لا زلنا مع سيَر الصحابيات الجليلات رضوان الله عليهن أجمعين، ومع سيرة السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها وأرضاها، ومع الدرس التاسع والعشرين .
أيها الأخوة الكرام, قضت فاطمة حياتها كلَّها، وهي تحت أنظار أبيها، كانت قريبةً من أبيها أشد القُرب، لم تغب عن لمحاته إلا ساعات خروجه من الدار، وقد كانت شديدة التعلق به والاهتمام, حتى كنيت: بأم أبيها، من شدة تعلق السيدة فاطمة بسيدنا رسول الله كنِّيت أم أبيها، أي كأنها أمٌ له من شدة محبتها، وتعلُّقها، وحرصها، وخدمتها, كان صلى الله عليه وسلم شديد التعلُّق بها أيضاً .
الآباء يعرفون هذه الحقيقة: البنات أقرب إلى آبائهم من البنين، لأن المرأة عاطفتها جيَّاشة ، وفاؤها شديد، وأقرب للفطرة, حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام لما زوجها علياً, أسكنها بيتاً ملاصقاً لحجراته الملاصقة لمسجده, وكان عليه الصلاة والسلام إذا عاد من غزواته, أو من سفره, ابتدأ ببيت ابنته فاطمة، ثم يطوف بعدها على بيوت نسائه .
روى ابن عبد البر عن أبي ثعلبة, قال:

((كان عليه الصلاة والسلام, إذا قدم من غزوٍ, أو سفرٍ, بدأ بالمسجد, فصلى فيه ركعتين, ثم يأتي فاطمة, ثم يأتي أزواجه))
وهذه السنة، تكريم البنت من السنة، فالحقيقة تكريم البنت يقوي مركزها عند زوجها، البنت الشرف معوان يحجزها عن مخالفة الشرع .
لذلك قالوا: إنه لم يكن أحدٌ أشد حزناً على فراق رسول الله من فاطمة على الإطلاق سوى أبي بكرٍ رضي الله عنه .

كيف خبر النبي فاطمة بدنو أجله حتى لا تفجع على هذه المصيبة ؟

وقد أدرك عليه الصلاة والسلام أنه على وشك مغادرة الدنيا، لذلك راح يمهد للسيدة فاطمة بإخبارها, بأن أجله قد اقترب، لئلا تتفاجأ بالمصاب الذي لا تحتمله، أراد أن يبلغها .
وبالمناسبة: لكرامة المؤمن عند الله, يشعره بدنو أجله، النبي عليه الصلاة والسلام لما نزل قوله تعالى:

﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾

[سورة النصر الآية: 1-3]
هذه السورة فيها نعي النبي عليه الصلاة والسلام، كيف لا؟ وقد قال الله عز وجل:
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾

[سورة الزمر الآية: 30]

أي أنك لا بد أن تموت، هذه سنة الله في كل خلقه، والآية الثانية:

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 144]
فمن شدة محبة الصحابة الكرام للنبي عليه الصلاة والسلام، ومن شدة تعلُّق السيدة فاطمة بأبيها، هذه الآيات تقرؤها، ولكن لم يخطر على بالها, أنه سيموت، لذلك خشي النبي عليه الصلاة والسلام وقع المصاب الأليم على نفسها، فأخذ ييسر لها ببعض الشيء عن رحيله من هذه الدنيا إلى عالم الآخرة، وأن ذلك قدر الله عز وجل, قال تعالى:
﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾

[سورة فاطر الآية: 43]
الحقيقة: حينما ألمت وعكةٌ شديدةٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم في ليالٍ بقينَ من صفر في السنة الحادية عشرة للهجرة، ظن آل بيته والمسلمون, أنها وعكةٌ طارئة، لا تلبث أن تزول، دون أن يفكر أحدٌ أنه مرض الموت، وبقي النبي عليه الصلاة والسلام أسير مرضه لا يغادر فراشه، وكان المسلمون يعودونه في مرضه، وقلوبهم متعلقةٌ به، تأمُل له من الله تعالى الشفاء العاجل، وكان جميع أهله لا يتركونه، وهم في أشد لهجةٍ بالدعاء إلى الله عز وجل، أن يشفي رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما فاطمة، وعلي، والحسن، والحسين، وأخواتهما زينب، وأم كلثوم، وكل زوجاته الكريمات, أخذن يسألن الله عز وجل أن يعافي نبيه صلى الله عليه وسلم.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
((كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهُ لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً, فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ, تَمْشِي مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا, -أشبه إنسان برسول الله فاطمة، ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله، قد يسأل أحدكم: ما تخطئ مِشيتها مِشية, لمَ مِشية بالكسر؟ نحن عندنا مصدر الهيئة, والمصدر مرة، مصدر الهيئة مكسور الميم، مصدر المرة مفتوح- فَلَمَّا رَآهَا, رَحَّبَ بِهَا, فَقَالَ: مَرْحَبًا بِابْنَتِي, ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ, ثُمَّ سَارَّهَا, همس في أذنها, فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا, فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا, سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَتْ, فَقُلْتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ, ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ, فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلْتُهَا: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: مَا كُنْتُ أُفْشِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِرَّهُ, قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنْ الْحَقِّ لَمَا حَدَّثْتِنِي مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَتْ: أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ, أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى, فَأَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ - أي يتلو أمامه القرآن مرة - وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الْآنَ مَرَّتَيْنِ, وَإِنِّي لَا أُرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدْ اقْتَرَبَ - استنبط النبي عليه الصلاة والسلام أن جبريل لما عارض, أي تلا القرآن على النبي مرتين, أنها السنة الأخيرة في حياته- فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي, فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ, قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ, فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي, سَارَّنِي الثَّانِيَةَ, فَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ, أَمَا تَرْضَيْ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ, أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ, قَالَتْ: فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ))

[أخرجهما البخاري ومسلم واللفظ له في صحيحهما]

هكذا عالج النبي عليه الصلاة والسلام وقع المصيبة على ابنته فاطمة قبل حصولها، رأفة منه عليها ورحمة .
كتعليق: أي إنسان تخبره أنك سوف تموت بعدي سريعاً يضحك؟! مستحيل، لماذا ضحكت؟ لثقتها بما عند الله من إكرامٍ لها، الإنسان حينما ينقل اهتماماته إلى الدار الآخرة تسعده الدنيا، حينما ينقل اهتماماته إلى الدار الآخرة، حينما يقدم الأعمال الصالحة تلو الأعمال, أسعد شيءٍ له أن يلقى الله عز وجل، لذلك المقياس دقيق، ربنا عز وجل خاطب اليهود:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾

[سورة الجمعة الآية: 6-7]
المؤمن حينما يكون عمله صالحاً, يتمنى لقاء الله، وحينما يكره لقاء الله, يكون عمله سيئاً, قال تعالى:
﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾

[سورة الجمعة الآية: 7]
صار مقياس، الإنسان المستقيم الذي له أعمال صالحة، دخله حلال، إنفاقه حلال، بيته إسلامي, لا توجد عنده مشكلة، لذلك يدعو الله عز وجل أن يكون من أهل الجنة .
في أي بيت تمرض النبي من بيوت زوجاته في اللحظة الأخيرة من عمره, وهل كانت تزوره فاطمة, وماذا تصنع؟
ولقد بقيت فاطمة, ترقب أباها على تخوِّفٍ، حتى إذا رأته بعد أيامٍ قد تحامل على نفسه, يدور على نسائه أمهات المؤمنين كسابق عهده، راودها الأمل بشفائه .
بالمناسبة: كل داء له دواء, وهذا الحديث يعطي الإنسان أمل كبير:
((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ))

[أخرجه مسلم عن جَابِر في الصحيح]
المريض يتفاءل، والطبيب يشعر أنه مقصر إن لم يبحث عن الدواء، فحافز للطبيب أن أي مرض له دواء، وطمأنينة للمريض لا تقلق, إلا مرض الموت، مرض الموت ليس له حل، فإذا كان الله عز وجل كتب للإنسان أنه سيموت، وطبعاً سيكون هذا الموت, بسبب مرض من الأمراض، هذا المرض يتم إلى أن ينتهي بالموت، فالإنسان يحضِّر حاله؛ في أمراض تميل نحو الشفاء، في أمراض تميل نحو التفاقم, إذاً: هو مرض الموت .
راودها الأمل بشفائه، ولكنه لم يصل إلى بيت ميمونة أم المؤمنين, حتى اشتد عليه وجعه ، فأقام عندها وقتاً، ثم دعا زوجاته, يطلب إليهن ويستأذنهن في أن يمرض في بيت أم المؤمنين عائشة، فيبادرن إلى امتثال أمره, وكانت كل واحدةٍ تأمل أن يكون مرضه في بيتها، تشريفاً لها .
وكانت فاطمة كثيراً ما تتردد على بيت عائشة، تقوم إلى جانب أبيها الذي أثقله المرض، تخدمه، وتسهر عليه مع عائشة، تشكو بثها وحزنها إلى الله تعالى، وتتجمل بالصبر على قضاء الله تعالى وقدره، ولسانها يلهج إلى الله سبحانه بالدعاء, أن يخفف عن رسوله آلام وجعه .
هل فهم أبو بكر مقولة رسول الله: ( إن عبداً من عباد الله....), وبماذا أمر النبي الناس, وهل استغفر لأهل البقيع ؟
وفي فترات سكون الألم, كان عليه الصلاة والسلام, يخرج إلى المسجد, فيصلي بالناس، وفي يوم الجمعة, خرج عاصباً رأسه, حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به, أنه صلى على أصحاب أحد, أي دعا لهم, واستغفر لهم، وأكثر من الصلاة عليهم, ثم قال:
((إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ, قَدْ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَ اللَّهِ, فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ .
فهم الصديق أنه يعني نفسه, فبكى, وقال: يا رسول الله, بل نفديك بأرواحنا, وأولادنا وأنفسنا, فقال عليه الصلاة والسلام: عَلَى رِسْلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]
بالمناسبة: أيها الأخوة, في للنبي قول:
((وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلا مِنْ أُمَّتِي لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ))

[أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري في الصحيح]
قال:
((ما ساءني قط فاعرفوا له ذلك))
لذلك من هو الحبيب؟ هو الله، إذا أحبك الله, ألقى حبك في قلوب الخلق، إذا أحبك الله خدمك أعداؤك، وإذا لم يحبك الله, تخلى عنك أحبابك، فأيُّما إنسان أكرمه الناس، واحترموه، وأحبوه, فهذه محبة الله، وإذا أهانوه، وقسوا عليه, فهذا تأديب الله عز وجل، الأصل هو الله، إذا أحبك الله, أحبك الخلق، وإذا أبغضك الله, أبغضك الخلق، ألقى بغضك في قلوب الخلق، والطريق إلى الله سالك، والقُرب منه سهل، ولا شيء تتقرب به إلى الله كطاعته، وطاعته معروفة؛ طاعته غير تعجيزية، هناك أشخاص يضعون لك شروطًا تعجيزية، طاعته سهلة, قال تعالى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

[سورة البقرة الآية: 286]

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

[سورة الحجرات الآية: 13]

((يا سعد, لا يغرنك أنك خال رسول الله, فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة, إلا طاعتهم له))
الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق, يكفي أن تستقيم على أمره يحبك، فإذا أحبك أحبك الخلق .
ثم قال عليه الصلاة والسلام:
((سُدُّوا هَذِهِ الأَبْوَابَ, الشَّوَارِعَ إِلَى الْمَسْجِدِ, إِلا بَابَ أَبِي بَكْرٍ, فَإِنِّي لا أَعْلَمُ امْرَأً أَفْضَلَ عِنْدِي يَدًا فِي الصُّحْبَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ))
.
أترى لهذا التقدير؟ أحياناً الإنسان تخدمه، وتخدمه، وتجده ساكتًا، تكلم بكلمة، شجع الذي يخدمك، بين مكانته، اشكره، قدِّرْ معروفَه،
((وكانت تعظم عنده النعمة مهما دقت))
رأى أحدهم قشة على ثوب النبي صلى الله عليه وسلم فأخذها، رفع النبي يديه, قال له:
((أكرمك الله))
وهي قشة، هناك شخص يتلقى خدمات، خدمات، عناية, ثم أمره كما قال ذاك الشاعر:
أعلمه الرماية كل يـومٍ فلما اشتد ساعده رماني
و كم علمته نظم القوافي فلما قال قافيةً هـجاني
الفرق كبير جداً بين إنسان يقدِّر المعروف، يقدِّر الإحسان، يقدِّر الإكرام، وبين إنسان لا يقدِّر:
((لا أَعْلَمُ امْرَأً أَفْضَلَ عِنْدِي يَدًا فِي الصُّحْبَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ))

((ما ساءني قط))

((ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة إلا أخي أبا بكر))
كما خرج صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد قبل اشتداد وجعه, يدعو لهم, ويستغفر لهم.
فقد روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ, فَقَالَ: يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ, إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ, فَانْطَلِقْ مَعِي, فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ, فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ, قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِر,ِ لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ, لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمْ اللَّهُ مِنْهُ, أَقْبَلَتْ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ, يَتْبَعُ أَوَّلُهَا آخِرَهَا, الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنْ الْأُولَى, قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ, فَقَالَ: يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ, إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا, وَالْخُلْدَ فِيهَا, ثُمَّ الْجَنَّةَ, وَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةِ, قَالَ, قُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي, فَخُذْ مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا, وَالْخُلْدَ فِيهَا, ثُمَّ الْجَنَّةَ, قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ, لَقَدْ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةَ, ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ, ثُمَّ انْصَرَفَ, فَبُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي قَضَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ حِينَ أَصْبَحَ))

[أخرجه أحمد في مسنده]

وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ, أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ:

((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ, فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ, وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ, وَالْبِلَادُ, وَالشَّجَرُ, وَالدَّوَابُّ))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

ما هو المقصود من هذا الحديث ؟

وروى ابن إسحاق عن عبد الله بن زمعة قال:

((لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم الوجع, وأنا عنده في نفرٍ من المسلمين, قال: دعا بلالٌ إلى الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: مروا من يصلي بالناس, قال: فخرجت, فإذا عمر في الناس, وكان أبو بكر غائباً, فقلت: قم يا عمر فصلي بالناس، قال: فقام, فلما كبر, سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته، وكان عمر رجلاً جهوري الصوت، قال: فقال النبي عليه الصلاة والسلام: فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، فبعث إلى أبي بكرٍ, فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة, فصلى بالناس, قال عبد الله: قال لعمر: ويحك, ماذا صنعت بي يا بن زمعة؟ والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرك بذلك، ولولا ذلك ما صليت بالناس, قلت: والله ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، ولكني حين لم أر أبا بكرٍ, رأيتك أحق من حضر بالصلاة بالناس))
الإشارة قوية جداً إلى أن الخليفة الذي يكون من بعده هو سيدنا الصديق .
فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
((لَمَّا كَانَ وَجَعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ, قَالَ: ادْعُوا لِي أَبَا بَكْرٍ وَابْنَهُ فَلْيَكْتُبْ, لِكَيْلَا يَطْمَعَ فِي أَمْرِ أَبِي بَكْرٍ طَامِعٌ, وَلَا يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ, ثُمَّ قَالَ: يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ مَرَّتَيْنِ, وقَالَ مُؤَمَّلٌ: مَرَّةً وَالْمُؤْمِنُونَ, قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَبَى اللَّهُ وَالْمُسْلِمُونَ, وقَالَ مُؤَمَّلٌ: مَرَّةً وَالْمُؤْمِنُونَ, إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَبِي, فَكَانَ أَبِي))

[أخرجه أحمد في مسنده]

هل أعجب النبي هيئة المسلمين في صلاتهم في لحظته الأخيرة من الحياة, وماذا قال, وماذا أجاب عن كلمة قالتها ابنته حينما ما رأت عليه ما أرت ؟
وروي عن أنس بن مالك:

((أنه لما كان يوم الاثنين الذي قبض الله تعالى فيه رسوله صلى الله عليه وسلم، خرج إلى الناس, وهم يصلون الصبح، فرفع الستر، وفتح الباب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقام على باب عائشة، فكاد المسلمون يفتنون في صلاتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم, حينما رأوه فرحاً به، وترفجوا, -أي تفرقوا- فأشار إليهم أن اثبتوا على صلاتكم, قال: فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم سروراً, لما رأى من هيأتهم في صلاتهم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن هيئةً منه تلك الساعة .
-وفي رواية أخرى قال:

((حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء))
هذا هو العمل، أن تربي أشخاصاً، أن تربي قادةً، أن تربي مؤمنين، أن تربي محسنين، أن تربي أناساً يحبون الله، يقيمون أمر الله في حياتهم .
وفي رواية:
((حتى بدت نواجذه))
من شدة فرحه .
فهذه ثمرة العمل، تصور إنسانًا زرع شجرة، فلما أينعت وأثمرت, يشعر بسعادة كبيرة جداً؛ فالدعوة إذا أثمرت أُناساً مؤمنين، صادقين، ورعين، مستقيمين, دعاة إلى الله عز وجل، فهذا إنجاز كبير جداً- .
قال: ثم رجع، وانصرف الناس، وهم يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفرق, -أي برئ من وجعه, فرحوا الناس، فهذه صحوة الموت، قبل الموت في صحوة، المؤمنون ينتعشون قبل الموت, ليشهدوا أنه لا إله إلا الله، وليكون لقاؤهم بالله عز وجل عن وعي- وقد خاطبهم النبي عليه الصلاة والسلام فقال: أيها الناس سعرت النار، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وإني والله ما تمسكون علي بشيء، إني لم أحل إلا ما حل القرآن، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن))
أي لا يوجد علي مأخذ، ما أحللت إلا ما أحل الله، وما حرمت إلا ما حرم الله، لكن المعنى المخالف، الذي يحل ما حرم الله له عذابٌ أليم، أو الذي يحرِّم ما أحل الله .
قالت عائشة:
((رجع إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في ذلك اليوم، حين دخل من المسجد، فاضطجع في حجري، ووجدت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يثقل في حجري, فذهبت أنظر في وجهه، فإذا بصره قد شَخَص، وهو يقول: اللهم الرفيق الأعلى من الجنة، فقلت: خُيِّرت واخترت, والذي بعثك بالحق .
-فالآن هناك خيارات في الأرض, لا يعلمها إلا الله؛ إنسان يختار النساء، إنسان يختار الأموال، إنسان يختار السفر، إنسان يختار القوة، إنسان يختار المُتَع الرخيصة، إنسان يختار الشهادات العليا، إنسان يختار المكانة الاجتماعية، إنسان له هوايات؛ هذا بالحدائق، هذا بالكُتُب، هذا بالطوابع، هذا باللعب، هذا بالكرة, من هو البطل؟ هو الذي اختار الله:

من أحبنا أحببنــاه ومن طلب منا أعطيناه
و من اكتفى بنا عما لنا وما لنا كنا لـــه
فالبطولة أن تحسن الاختيار- .
قالت: وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما ثقُل النبي صلى الله عليه وسلم، كانت فاطمة رضي الله عنها حاضرةً عنده, ترى ما نزل به من أمر الله تعالى الذي لا مردَّ له، فتأخذها العبرات حزناً ولوعةً على أبيها، وهي تراه يدخل يديه في الماء, فيمسح بهما وجهه, ويقول: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ, إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ))

[أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح]
إذا قال هذا النبي, فنحن ماذا يجب أن نقول؟ .
قال أنس:
((لما ثقُل النبي صلى الله عليه وسلم, جعل يتغشَّاه، فقالت فاطمة: واكرب أباه، فقال عليه الصلاة والسلام: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ))

[أخرجه البخاري عن أنس في الصحيح]
إليكم هذا القول الذي نعيت فاطمة أباها به, وكلمة الحق الذي صدع بها الصديق حينما سمع بنبأ وفاة النبي, وماذا قال عمر حينما سمع هذه الكلمة؟
فلما مات قالت:
((يا أبتاه, أجبت رباً دعاك، يا أبتاه, في جنة الفردوس مأواك، يا أبتاه, إلى جبريل ننعاك))
فلما دفن عليه الصلاة والسلام, قالت فاطمة فرقاً على أبيها، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ:
((لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ, فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاكَرْبَ أَبَاهُ, فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ, فَلَمَّا مَاتَ, قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ, أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ, يَا أَبَتَاهْ, مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ, يَا أَبَتَاهْ, إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ, فَلَمَّا دُفِنَ, قَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا أَنَسُ, أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التُّرَابَ؟))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

ممكن أن يوضع هذا الإنسان تحت الثرى, وأن يهال عليه التراب, هذه سنة الله في خلقه ، الموت نهاية كل حي:

والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر
والعمر مهما طال فلا بد من نـزول القبر
ويقع الخطب العظيم، ويعم المصاب جميع المسلمين، ويموج الناس حيارى, حتى وقف أبو بكر, أنا لا أعتقد أن على وجه الأرض إنسان يحب إنساناً كحب الصديق لرسول الله، لكن أعظم ما في هذا الموقف, أن هذا الحب ما حمله على الشرك، وقف رضي الله عنه, وقال قولته الشهيرة:
((أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ, وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ, فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ, وَقَالَ:

﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾
وَقَالَ:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾
-ما من كلمةٍ أبلغ من هذه الكلمة، نحن دينُنا دين التوحيد: أشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أحياناً مريد بسيط, يحب شيخه فيؤلِّهه، يحب شيخه, يعبده من دون الله، سيدنا الصديق كان مع رسول الله، مع أكبر إنسان، ومع ذلك هذا الحب الشديد, وهذا الهيام، ما دفعه إلى الشرك أبداً.
إن مات أو قتل: إن تفيد احتمال الوقوع، ونحن عندنا قاعدة، حينما قال الله عز وجل:
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾

[سورة المائدة الآية: 67]

قال علماء التفسير: يعصمك من أن تُقتل، لأن قتل النبي إنهاءٌ لدعوته، وإنهاء دعوته تحدٍ لله عز وجل، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام معصومٌ من أن يقتل، والنبي صرف حُرَّاسه لما نزل قوله تعالى:

﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾

[سورة المائدة الآية: 67]
صرف حراسه، فكيف نوفق بين هذه الحقيقة وبين هذه الآية؟:
﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 144]
الحقيقة: بعد أن بلَّغ الدعوة؛ يمكن أن يموت، ويمكن أن يقتل، القتل هنا لا يأتي إلا بعد تبليغ الدعوة, قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

[سورة المائدة الآية: 3]
قال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية، -من شدة حب أصحاب النبي لرسول الله، هذه الآية كأنهم ما سمعوا بها إطلاقاً :
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 144]
قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكرٍ تلاها، فالأرض عندئذٍ ما تقلني رجلاي، حتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها))
هو ما كان يصدق ذلك، فلما تلا هذه الآية, عرف أنه قد توفي، ديننا كله حب، من دون حب لا يوجد دين، قال:
((يا رسول الله, إني أحبك أكثر من كل شيء, إلا من أهلي وأولادي ومالي, قال: لما يكمل إيمانك يا عمر, إلى أن قال: والله يا رسول الله, أصبحت أحبك أكثر من نفسي، وأهلي, ومالي، قال له: الآن يا عمر))
فلا بد أن تحب الله، وأن تحب رسوله، وأن تحب المؤمنين، وأحد شروط الإيمان؛ أن تحب المؤمنين، إن لم تحب المؤمنين فمن تحب؟ تحب الكفرة، الفسقة، الفجار, هذا الذي يميل للكفار، والعصاة، والفجَّار، ويعادي المؤمنين، حالته خطيرة جداً، يضع نفسه مع أهل الفجور .

وفاتها :

قبل وفاة النبي عليه الصلاة والسلام, أنبأ النبي السيدة فاطمة, أنها أول أهله لحوقاً به، فتوفيت فاطمة الزهراء رضي الله عنها بعد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهرٍ أو نحوها، وكان قد أذهلها المصاب الفادح، وغشيها من الأحزان على فراق أبيها صلى الله عليه وسلم ما غشيها، حتى أتاها أجلها، وقضت نحبها .
قال عبد الله بن الحارث:

((مكثت فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهرٍ, وهي تذوب من شدة الألم على أبيها))
وقال الحافظ الذهبي: ولما توفي أبوها صلى الله عليه وسلم تعلَّقت أمالها بميراثه، وجاءت تطلب ذلك من أبي بكر رضي الله عنه، فحدثها أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
((لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ))
وقال أبو بكر لها:
((يا حبيبة رسول الله, والله إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي، وإنكِ لأحب إلي من عائشة، ولوددت يوم مات أبوكِ أني مت، ولا أبقى بعده، أفتُراني أعرفكِ، وأعرف فضلكِ, وشرفكِ, وأمنعكِ حقكِ وميراثكِ من رسول الله؟! إلا أني سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ))
وما أن انقضت الأيام قريباً من أيام الوداع الخالدة، حتى أخذت في التفكر بالاستعداد ليوم الرحيل، فقد بشَّرها أبوها صلى الله عليه وسلم بأنها أول أهله لحوقاً به، فكانت كثيراً ما تتحدث عن الموت، حتى قرب أجلها .
تقول أم رافع: مرضت فاطمة الزهراء، فلما كان اليوم الذي توفيت فيه, قالت لي: يا أم اسكبي لي غسلاً، فاغتسلتْ كأحسن ما كانت تغتسل، ثم لبست ثياباً لها جدد, ثم قالت: اجعلي فراشي وسط البيت، فاضطجعت عليه, واستقبلت القبلة، وقالت: يا أم, إني مقبوضةٌ الساعة، وقد اغتسلت, فلا يكشفن لي أحدٌ كفناً، فماتت رضي الله عنها, فجاء علي بن أبي طالب، فأخبرته فاحتملها، ودفنها بغسلها هي, صلى عليها هو والعباس رضي الله عنهم جميعاً، وتوفيت رضي الله عنها ليلة الثلاثاء لثلاثٍ خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشر من الهجرة .

خاتمة القول :

أيها الأخوة, كلما كان عملك طيباً, كان الموت مريحاً، وكان الموت محبباً، وكان الموت عرساً، وكان الموت تحفةً، فكل بطولتك أن تستقيم على أمر الله، وأن تعمل صالحاً حتى يكون الموت محبباً إليك، لأن الموت عند الناس أكبر مصيبة، في حالات كثيرة جداً خوف الناس من الموت لا يوصف، السبب كما قال الله عز وجل مرة ثانية:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾

[سورة الجمعة الآية: 6-7]

فتمني الموت أو عدم تمني, الموت مقياس دقيق لعملك، لا يوجد عندك مشكلة، لا يوجد دخل حرام، ولا مخالفة، ولا معصية ببيتك، ولا معصية في عملك، والوجهة إلى الله سليمة، وفي قلبك حب، مرحباً بالموت، خَطُّك البياني صاعد صعوداً مستمراً، والموت نقطةً على هذا الخط .

والحمد لله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 01-14-2017, 01:55 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,041
معدل تقييم المستوى: 3
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة الصحابيات من موقع النابلسي

أسماء بنت أبي بكر


بسم الله الرحمن الرحيم

النسب المعترف فيه في الإسلام:

أيها الأخوة الأكارم، مع سيرة صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وصحابية اليوم السيدة أسماء بنت أبي بكر.
أيها الأخوة الأكارم، لا فرق في البطولة بين رجل وامرأة، فالإسلام يصنع المعجزات، يصنع الأبطال رجالاً كانوا أم نساءً، فصحابيَّتُنا الجليلة جمعت المجد من أطرافه كلها، أبوها صحابي جليل، وجدها صحابي جليل، وأختها صحابية، وزوجها صحابي، وابنها صحابي، وحسبها بذلك شرفاً وفخرًا، وبما أننا ذكرنا النسب فليَ تعليق عليه، النسب تاج لا يوضع إلا على رأس المؤمن، فإن لم يكن مؤمناً فلا قيمة له، والدليل قال تعالى:

(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ)

[سورة المسد الآية: 1-2]

أبو لهب عم النبي، وإذا كان هناك إيمان فالنسب تاج يزيد الشريف شرفاً، ويزيد ذا المروءة مروءةً، أما إن لم يكن هناك إيمان فلا قيمة للنسب إطلاقاً، بل هو حجة على صاحبه، وأقوى دليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ

[أخرجه مسلم في الصحيح عن أبي هريرة]

فمن دون إيمان فلا قيمة للنسب.

قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا

[متفق عليه]

لا تقل: أصلي وفصلي أبدا***إنما أصل الفتى ما قد حصل

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ مِنْهُمْ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ

[أخرجه الترمذي في سننه عن أنس بن مالك]

فأبو سفيان زعيم قريش وقف بباب عمر ساعات طويلة فلم يُؤذن له، وبلال وصهيب يدخلان ويخرجان بلا استئذان فآلمه ذلك فلما دخل عليه،
قال: زعيم قريش يقف ببابك ساعات طويلة ولم يؤذن له، وصهيب وبلال يدخلان بلا استئذان،
فأجابه بكلمة واحدة،
قال:

يا أبا سفيان أأنت مثلهما؟

هذا هو الجواب، فالنسب والحسب والأسرة والعائلة والرفعة هذه من دون إيمان لا قيمة لها إطلاقاً، لكن إذا آمنت فربما كان النسب تاجاً تتوِّج به إيمانك، هذا موضوع النسب.
قال عليه الصلاة والسلام:

سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ

[أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك عن عمرو بن عوف]

هذا موضوع النسب لا يُتكلم به، ولا يُفتخر به، ولا يُذكر إلا مع الإيمان، وهو تاج يتوِّج الإيمان، فإن لم يكن هناك إيمان فلا أحد يعبأ به،
أبوها سيدنا الصديق خليل النبي عليه الصلاة والسلام في حياته، وخليفته بعد مماته، جدها أبو عتيق والد أبي بكر رضي الله عنه، أختها أم المؤمنين عائشة الطاهرة المبرَّأة، زوجها حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام.

لقب أسماء بنت أبي بكر:

كانت أسماء من السابقين إلى الإسلام، إذ لم يتقدم عليها في هذا الفضل العظيم غير سبعة عشر إنساناً، بين رجل وامرأة، فكان ترتيبها المسلمة الثامنة عشرة، فهذه الصحابية الجليلة لقبت بذات النطاقين،
أنا أقول الجليلة لأن الإسلام يصنع الأبطال، ذكوراً كانوا أم إناثاً، وأنا أشهد الله أن في مجتمعاتنا من النساء ما إن إحداهن لتَعْدِل عند الله مئة ألف رجل، بطاعتها لله، وتفانيها بخدمة زوجها، وأولادها، وتقديمها للمجتمع عناصر طيبة، وحسن تربيتها، وصبرها على أسرتها.
عن أسماء بنت يزيد الأنصارية أنها قالت:

يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، إن الرجال فُضِّلوا علينا بالجمع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج، والعمرة، والرباط

فقال عليه الصلاة والسلام:

انصرفي أيتها المرأة وأعلمي مَن وراءك من النساء أنَّ حسنَ تَبَعُّلِ إحداكن لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته يعدل ذلك كله

[ورد في الأثر]

هذه السيدة الجليلة الصحابية الكريمة لقبت بذات النطاقين، لأنها صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبيها يوم هاجرا إلى المدينة زاداً، وأعدَّتْ لهم سقاءً، فلما لم تجد ما تربطهما به شقت نطاقها شقين، فربطت بأحدهما المزود، وبالثاني السقاء، فدعا لها النبي عليه الصلاة والسلام أنْ يبدلها الله منهما نطاقين في الجنة، فلقِّبَتْ يومئذٍ أسماءُ بنت أبي بكر ذات النطاقين.

زوجها:

أيها الأخوة، تزوج بها الزبير بن العوام وكان شاباً مرملاً، يعني فقيراً، وليس له خادم ينهض بخدمته، وليس له مال يوسع به على عياله غير فرس اقتناه،
والبطولة أن تزوج ابنتك للمؤمن، فقيراً كان أم غنياً، ولا تعبأ بالمال، لأنه إن كان فقيراً، وكان مؤمناً فسوف يغنيه الله من فضله.
سعيد بن المسيب من كبار التابعين، وكان قاضياً من كبار القضاة في عهد عبد الملك بن مروان، وكان له ابنة من خير النساء، تحفظ كتاب الله، فقيهة، وتحفظ الحديث الشريف، وعلى مستوىً رفيع من الكمال الخُلقي والخَلقي، ولأنها من أعلى النساء علماً وخَلقاً وخُلقاً خطبها عبد الملك لابنه الوليد، والقصة طويلة، لكن آخر فقرة في القصة عنده تلميذ فقير جداً، غاب عنه أسبوعين، فلما تفقّده
قال: يا سيدي، ماتت زوجتي،
قال: لمَ لمْ تخبرنا؟
فقال: استحييت أن أخبرك، وكنت قد هيأتها للدفن،
فقال له: هل لك من زوجة؟
فقال: لا يا سيدي، أنا فقير،
فقال له: أزوجك ابنتي،
فما صدق من شدة الفرح، ولا يملك شيئاً، وفي الليلة نفسها طُرِقَ الباب،
فقلت: من الطارق؟
قال: سعيد، قال هذا التلميذ الفقير: استعرضت كلَّ مَن اسمه سعيد، فلم يخطر على بالي أن يكون الطارق سعيد بن المسيب، فلما فتح الباب رأى شيخه، ومعه ابنته التي عقد له عليها بالنهار،
وقال: خذْ زوجتك، لقد كرهتُ أن تنام الليلة وحدك.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم:

إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ، قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ

[أخرجه الترمذي في سننه عن أبي حاتم المزني]

كانت أسماء نِعْمَ الزوجة الصالحة لزوجها، تخدمه، وتسوس فرسه،
واحد خطب امرأة، فأراد أن ينصحها، قال: يا فلانة، إن في خلقي سوءاً، فأجابته إجابة مفحمة، قالت له: إن أسوأ خلقاً منك من حاجك إلى سوء الخلق، هكذا المرأة المؤمنة.
كانت له نِعْمَ الزوجة الصالحة، تخدمه، وتسوس فرسه، ترعاه، وتطحن النوى لعلفه، حتى فتح الله عليه، فغدا من أغنى أغنياء الصحابة، ولما أتيح لها أن تهاجر إلى المدينة فراراً بدينها إلى الله ورسوله، كانت قد أتمَّتْ حملها بابنها عبد الله بن الزبير،
وعبد الله بن الزبير هذا الذي كان مع غلمان يومًا يلعبون، فمر عمر بن الخطاب، فلما رأوه، وكان ذا هيبة شديدة تفرَّقوا إلا عبد الله بن الزبير، بقي واقفاً بأدب، شيء يلفت النظر، فلما وصل إليه
قال:

يا غلام، لمَ لمْ تهرب مع من هرب؟

قال: أيها الأمير، لستَ ظالماً فأخشى ظلمك، ولستُ مذنباً فأخشى عقابك، والطريقُ يسعُني ويسعُك.
لم يمنعها الحمل من تحمّل مشاق الرحلة الطويلة، فما إن بلغت قباء حتى وضعت وليدها عبد الله بن الزبير في أثناء الهجرة، فكبّر المسلمون، وهلّلوا، لأنه كان أول مولود يولد للمهاجرين في المدينة،
فحملته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضعته في حجره، فأخذ شيئاً من ريقه الشريف، وجعله في فم الصبي، ثم حنكه ودعا له، ومن السنة تحنيك المولود عند ولادته، والأذان في أذنه اليمنى، والإقامة في أذنه اليسرى، فكان أول ما دخل في جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

شمائلها:

وقد اجتمع لأسماء بنت أبي بكر من خصال الخير، وشمائل النبل، ورجاحة العقل ما لم يجتمع إلا للقليل النادر من الرجال، فقد تجد امرأة تعدل عند الله مئة ألف رجل، برجاحة عقلها، وصدق إيمانها، واستقامتها، وإخلاصها، وتفانيها في خدمة زوجها وأولادها، ويجب أن نعرف أن المرأة كالرجل في التكليف وفي التشريف، لكن لها خصائص تميزها عن الرجل، وله خصائص تميزه عن المرأة، وليست مجال انتقاص لكليهما،
مثلاً: هذا مثل واقعي، المكان المعد للبضاعة في السيارات إذا كان واسعاً جداً في الشاحنات نقص أم كمال؟ كمال، أما في السيارات التي مهمتها نقل الركاب؟ فهو نقص.
قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الِاسْتِغْفَارَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ: وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ، قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ، قَالَ: أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَتَمْكُثُ اللَّيَالِي مَا تُصَلِّي وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ

[متفق عليه]

لم يقصد النبي عليه الصلاة والسلام أن يذم المرأة، لكن عقل المرأة مع عاطفتها مجموعهما واحد، وعقل الرجل مع عاطفته مجموعهما واحد، فحينما تُهَيَّأَ المرأة لتكون أمًا فلا بد من عاطفة جياشة، ولا بد من إحساس مرهف، ولا بد من رقّة في المشاعر، أمّا حينما يُهَيَّأُ الرجل ليقود أمةً، أو يكسب رزقاً فلا بد من عقل يزيد على عاطفته، ولا بد من أجل تربية الأم أولادَها من عاطفة تزيد على عقلها، إذاً: فالمجموع ثابت، فكمالها في زيادة عاطفتها على عقلها، وكماله في زيادة عقله، ومجموع العقل والعاطفة في النوعين واحد.
قيل: هذه أسماء بنت أبي بكر كانت من الجود حيث يضرب بها المثل، حدث ابنها عبد الله فقال:

ما رأيت امرأتين قط أجود من خالتي عائشة وأمي أسماء، لكن جودهما مختلف، أما خالتي فكانت تجمع الشيء إلى الشيء حتى إذا اجتمع عندها ما يكفي قسمته بين ذوي الحاجات، وأما أمي فكانت لا تمسك شيئاً إلى الغد

يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه سائل، فقال له: اذهب إلى فلان، يقصد أحد الصحابة، فانطلق إلى داره فإذا هو يلتقط الحَبّ من الأرض، حبَّ القمح المتناثر، فقال في سرِّه: هذا الذي يلتقط الحب أيعقل أن يعطيني شيئًا الآن؟ مستحيل، فقال الصحابي: يا رجل، لِمَ أتيت إليَّ؟ فاضطرب، وقال: واللهِ لقد أرسلني النبي الكريم إليك لتعطيني مما أعطاك الله، فلما رأيتك تلتقط الحب توقعت ألاّ تعطيني شيئاً، فقال له: يا أخي، نجمع هكذا لننفق هكذا، اذهب وخذ أيّة ناقة شئت، فأخذ ناقة فتبعها عشرة من أولادها، فقال: خذهنّ جميعاً، فقال له: عجبت لأمرك! تلتقط الحَبَّ من الأرض، وتنفق هذا الإنفاق، فأجابه قائلاً: يا أخي، نجمع هكذا لننفق هكذا.

بعض من مواقفها:

عندما خرج الصديق مهاجراً بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل معه كل ماله، ومرة
قال له الرسول عليه الصلاة والسلام:

يا أبا بكر، ماذا أبقيت لنفسك؟

قال:

الله ورسوله

حمل ماله كله ومقداره ستة آلاف درهم، ولم يترك لعياله شيئاً
فلما علم والده أبو قحافة برحيله، وكان ما يزال مشركاً جاء إلى بيته،
وقال لأسماء: واللهِ إني لأراه قد فجعكم بماله، بعد أن فجعكم في نفسه،
فقالت له:

كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا مالاً كثيراً، ثم أخذت حصى، ووضعته في الكوة التي كانوا يضعون فيها المال، وألقت عليه ثوباً ثم أخذت بيد جدها

وكان مكفوف البصر
وقالت:

يا أبتِ، ضع يدك على المال، وانظر كم ترك لنا من المال؟

فوضع يده عليه، وقال: لا بأس إذا كان ترك لكم هذا كله، فقد أحسن
فقد حلّت مشكلة لئلا يغضب وينفجر على ابنه الذي أخذ المال كله، وقد عرفت حكمة أبيها وشدة قلقه على النبي عليه الصلاة والسلام، وهما يقدِمان على رحلة مجهولة، فأخذ المال كله لينفق عليه،
لذلك عليه الصلاة والسلام قال:

ما ساءني قط، فاعرفوا له ذلك

خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ عَاصِبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:

إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ

[أخرجه البخاري في الصحيح]

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، زَوَّجَنِيَ ابْنَتَهُ،وَحَمَلَنِي إِلَى دَارِ الْهِجْرَةِ، وَأَعْتَقَ بِلَالاً مِنْ مَالِهِ، رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ يَقُولُ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، رَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ تَسْتَحْيِيهِ الْمَلَائِكَةُ، رَحِمَ اللَّهُ عَلِيًّا اللَّهُمَّ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ

[أخرجه الترمذي في سننه]

وسيدنا الصديق ما عبد صنمًا قط، ولا شرب خمرًا قط، ليس له جاهليـة،
أرادت أسماء أن تسكن نفس الشيخ، وألاّ تجعلـه يبذل لها شيئاً من ماله الخاص، ذلك لأنها كانت تكره أن تجعل لمشرك عليها يداً حتى لو كان جدها، وهذا الموقف من أبرز مواقف السيدة أسماء الذي يدل على رجاحة عقلها، وقوة إيمانها، وشدة حزمها.

وفاتها:

لحقت أسماء بنت أبي بكر بجوار ربها وقد بلغت من العمر مئة عام لم يسقط لها سن ولا ضرس، ولم يغب من عقلها شيء.

والحمد الله رب العالمين

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 01-14-2017, 02:10 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,041
معدل تقييم المستوى: 3
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة الصحابيات من موقع النابلسي

أم الدحداح الأنصارية



- أم الدحداح الأنصارية واحدة من نساء الصحابة اللاتي كان لهن دور جليل في تاريخ الإسلام، وهي واحدة ممن آثرن نعيم الآخرة المقيم على متاع الدنيا الزائل.
- أسلمت أم الدحداح حين قدم مصعب بن عمير المدينة سفيراً لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليدعو أهلها إلى الإسلام حيث كانت ممن ناله شرف الدخول في الإسلام، كما أسلمت أسرتها كلها، ومشوا في ركب الإيمان.

- زوجها الصحابي الجليل أبو الدحداح، ثابت بن الدحداح أو الدحداحة بن نعيم بن غنم بن إياس حليف الأنصار، وأحد فرسان الإسلام، وأحد الأتباع الأبرار المقتدين بنبي الإسلام – صلى الله عليه وسلم- والسائرين على نهجه الباذلين في سبيل الله نفسهم وأرواحهم وأموالهم.

لما نزلت { من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له } قال أبو الدحداح الأنصاري : يا رسول الله و إن الله عز و جل ليريد منا القرض قال : نعم يا أبا الدحداح قال أرني يدك يا رسول الله فناوله يده قال : فإني قد أقرضت ربي عز و جل حائطي قال ابن مسعود و حائط له فيه ستمائة نخلة و أم الدحداح فيه و عياله قال : فجاء أبو الدحداح فناداها : يا أم الدحداح قالت : لبيك قال : اخرجي فقد أقرضته ربي عز و جل

الراوي: عبدالله بن مسعود المحدث: الألباني - المصدر: مشكلة الفقر - الصفحة أو الرقم: 120
خلاصة حكم المحدث: صحيح

-

فقد روى عبد الرزاق عن معمر قال أخبرني الزهري قال أخبرني كعب بن مالك قال أول أمر عتب على أبي لبابة أنه كان بينه وبين يتيم عذق فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضي به النبي صلى الله عليه وسلم لأبي لبابة فبكى اليتيم فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعه له فأبى قال فأعطه إياه ولك مثله في الجنة فأبى فانطلق ابن الدحداحة فقال لأبي لبابة بعني هذا العذق بحديقتين قال نعم ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت إن أعطيت هذا اليتيم هذا العذق ألي مثله في الجنة قال نعم فأعطاه إياه قال فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول كم من عذق مذلل لابن الدحداحة في الجنة قال وأشار إلى بني قريظة حين نزلوا على حكم سعد فأشار إلى حلقه الذبح وتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ثم تاب الله عليه بعد ذلك
وروى أحمد وابن حبان والحاكم- وصححه الحاكم ووافقه الذهبي عن أنس بن مالك : أن رجلا قال يا رسول الله إن لفلان نخلة وأنا أقيم حائطي بها فمره أن يعطيني أقيم حائطي بها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أعطها إياه بنخلة في الجنة فأبى وأتاه أبو الدحداح فقال بعني نخلك بحائطي قال ففعل قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني قد ابتعت النخلة بحائطي فجعلها له فقال النبي صلى الله عليه وسلم كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة مرارا فأتى امرأته فقال يا أم الدحداح اخرجي من الحائط فإني بعته بنخلة في الجنة فقالت قد ربحت البيع أو كلمة نحوها

- وكان أبو الدحداح- رضي الله عنه- مثالاً فريداً في التضحية والفداء، فإنه لما كانت غزوة أحد أقبل أبو الدحداح والمسلمون أوزاع قد سقط في أيديهم، فجعل يصيح : يا معشر الأنصار إلي أنا ثابت بن الدحداحة، قاتلوا عن دينكم فإن الله مظهركم وناصركم، فنهض إليه نفر من الأنصار، فجعل يحمل بمن معه من المسلمين، وقد وقفت له كتيبة خشناء، فيها رؤساؤهم، خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، وضرار بن الخطاب فجعلوا يناوشونهم، وحمل عليه خالد ابن الوليد الرمح فأنفذه فوقع ميتاً- رضي الله عنه- واستشهد أبو الدحداح فعلمت بذلك أم الدحداح، فاسترجعت، وصبرت، واحتسبته عند الله تعالى الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
،،،،،،،،،،،،،،،




أسماء بنت عميس}

<>صاحبة الهجرتين<>


نسبها

اسمها أسماء، ووالدها عميس ابن سعد، والدتها هند بنت عوف وأختها أم المؤمنين ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأختها الثانية لبابة أم الفضل زوج سيدنا العباس رضي الله عنه، وأختها الثالثة سلمى زوج سيدنا حمزة رضي الله عنهم أجمعين. تزوجت أسماء جعفر ابن أبي طالب ذي الجناحين، ولما توفي عنها تزوجها أبو بكر الصديق رضي الله عنه ومن بعده تزوجت سيدنا علي رضي الله عنه.



ولدت بمكة، وكانت من أوائل من أسلم من المهاجرات، ومن أوائل المبايعات. وهي من أصحاب الهجرتين. هاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، وبها ولدت ابنها عبد الله منه. ثم هاجرت بعد ذلك إلى المدينة المنورة بعيد فتح خيبر, حيث استقبلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين عينيه وقال ما أدري أنا بقدوم جعفر أسر أم بفتح خيبر

الراوي: أبو جحيفة المحدث: الشوكاني - المصدر: در السحابة - الصفحة أو الرقم: 274
خلاصة حكم المحدث: إسناده رجاله ثقات
".
قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الأخوات المؤمنات ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأم الفضل امرأة العباس وأسماء بنت عميس امرأة جعفر وامرأة حمزة وهي أختهن لأمهن

الراوي: عبدالله بن عباس المحدث: الهيثمي - المصدر: مجمع الزوائد - الصفحة أو الرقم: 9/263
خلاصة حكم المحدث: [روي] بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح‏‏ ‏‏

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجعفر بن أبي طالب أشبهت خلقي وخلقي

الراوي: البراء بن عازب المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الترمذي - الصفحة أو الرقم: 3765
خلاصة حكم المحدث: صحيح
.
عن أبي موسى رضي الله عنه قال: بلغنا مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن . فخرجنا مهاجرين إليه . أنا وأخوان لي . أنا أصغرهما . أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم . - إما قال بضعا وإما قال ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي - قال فركبنا سفينة . فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة . فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده . فقال جعفر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا ههنا . وأمرنا بالإقامة . فأقيموا معنا . فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا . قال فوافقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر . فأسهم لنا ، أو قال أعطانا منها . وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا . إلا لمن شهد معه . إلا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه . قسم لهم معهم . قال فكان ناس من الناس يقولون لنا - يعني لأهل السفينة - : نحن سبقناكم بالهجرة .

الراوي: أبو موسى الأشعري المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 2502
خلاصة حكم المحدث: صحيح
. بلغنا مخرج النبي صلى الله عليه وسلم ونحن باليمن ، فخرجنا إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم ، أحدهما أبو بردة والآخر أبو رهم ، إما قال : في بضع ، وإما قال : في ثلاثة وخمسين ، أو : اثنين وخمسين رجلا في قومي ، فركبنا سفينة ، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة ، فوافقنا جعفر بن أبي طالب ، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا ، فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر ، وكان أناس من الناس يقولون لنا ، يعني لأهل السفينة : سبقناكم بالهجرة . ودخلت أسماء بنت عميس ، وهي ممن قدم معنا ، على حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم زائرة ، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر ، فدخل عمر على حفصة ، وأسماء عندها ، فقال عمر حين رأى أسماء : من هذه ؟ قالت : أسماء بنت عميس ، قال عمر : آلحبشية هذه ، آلبحرية هذه ؟ قالت أسماء : نعم ، قال : سبقانكم بالهجرة ، فنحن أحق برسول الله منكم ، فغضبت وقالت : كلا والله ، كنتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعم جائعكم ، ويعظ جاهلكم ، وكنا في دار - أو في أرض - البعداء البغضاء بالحبشة ، وذلك في الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وايم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا ، حتى أذكر ما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن كنا نؤذى ونخاف ، وسأذكر ذلك لنبي صلى الله عليه وسلم وأسأله ، والله ولا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه . فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قالت : يا نبي الله إن عمر قال كذا وكذا ؟ قال : ( فما قلت له ) . قالت : قلت له كذا وكذا ، قال : ( ليس بأحق بي منكم ، وله ولأصحابه هجرة واحدة ، ولكم أنتم - أهل السفينة - هجرتان ) . قالت : فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالا ، يسألونني عن هذا الحديث ، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو بردة : قالت أسماء : رأيت أبا موسى وإنه ليستعيد هذا الحديث مني .

الراوي: أبو موسى الأشعري المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 4230
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

جمعتهم السفينة وجمعتهم الهجرة وجمعهم الإيمان.


أتراها حين غضبت على عمر، حينما تعزز عليها بالأسبقية والأحقية، كانت تهمس وتضع قطناً في فمها لكيلا يعرف صوتها !! كما يفتي بذلك بعض الوعاظ بأن صوت المرأة عورة ولا دليل معهمُ!



ثم قُتل عنها جعفر بن أبي طالب بمؤتة سنة ثمانٍ من الهجرة. قال ابن هشام في السيرة بسند ابن إسحاق إلى أسماء قالت: لمّا أُصيب جعفر وأصحابه، دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقد دبَغت أربعين منّاً (رطلا)، وعجنت عجيني، وغسلت بَنيَّ ودهنتهم ونظّفتهم. قلت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ائتيني ببني جعفر. قالت فأتيته بهم، فتشممهم وذرفت عيناه (دمعت). فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يُبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال. نعم، أصيبوا هذا اليوم. (وهي معجزة أن يطّلع على ذلك يومه، وهم في غزوة مؤتة في الشام). قالت: فقمت أصيح واجتمعت إلي النساء. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال لا تُغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاماً، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم.
رحمة نبوية ورفق ومواساة، ومهاجرة مجاهدة مجادلة، تعمل في خدمة بيتها وإسعاد ذويها ونظافة بنيها. ما تحرجت من الصياح أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم تزوجت أبا بكر الصديق الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أمن الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذاً خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام ومودته".
عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن نفرا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، فدخل أبو بكر الصديق وهي تحته يومئذ (زوجته) فرآهم فكرهَ ذلك، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال. لم أر إلاّ خيراً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. إنّ الله قد برأها من ذلك. ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: "لا يدخلنّ رجل بعد يومي هذا على مغيبة (التي غاب عنها زوجها) إلاّ ومعه رجل أو اثنان". وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يقول: إن دخول الجماعة من الرجال على المرأة مما يُبعد الشبهة، وهذا مما يطمئن قلب أبا بكر حيث كان الداخلون على أسماء جماعة.


و قد روى الطبراني عن قيس بن أبي حازم قال: دخلنا على أبي بكر رضي الله عنه في مرضه، فرأيت عنده امرأة بيضاء موشومة اليدين (منقوشة بالحناء) تذب عنه (تدفع عنه الذباب) وهي أسماء بنت عميس. وقد أوصى سيدنا أبو بكر بأن تغسله.
تزوجها بعده علي بن أبي طالب الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر: "لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله".


وعن تميع بن أبي سلمة، أن عمرو بن العاص أقبل إلى بيت علي بن أبي طالب في حاجة فلم يجده فرجع ثم عاد فلم يجده مرتين أو ثلاثا. فجاء علي فقال له: أما استطعت إذ كانت حاجتك إليها أن تدخل؟ قال: نُهينا أن ندخل عليهن إلاّ بإذن أزواجهن.


و قد كانت أسماء من صويحبات سيدتنا فاطمة الزهراء، والتي أوصتها أن تغسلها وألا تدخل عليها أحداً بعد موتها عليها السلام.



تلك هي سيدتنا أسماء بنت عميس، الأخت المؤمنة والصحابية المجاهدة، زوجة ثلاثة من المبشرين بالجنة، والتي وصفها أبو نعيم في الحلية بصاحبة الهجرتين ومصلية القبلتين. رضي الله عنها وأرضاها.

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 01-14-2017, 02:32 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,041
معدل تقييم المستوى: 3
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة الصحابيات من موقع النابلسي

نماذج للمرأة المجاهده من نساء السلف*




نسيبة بنت كعب رضي الله عنها
(بطلة أحد وما بعدها) أم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف الأنصارية إحدى نساء بني مازن النجار. كانت إحدى امرأتين بايعتا رسول الله صلى الله عليه وسلم (بيعة العقبة الثانية) حسن إسلامها وكانت زوجة (لزيد بن عاصم) وما تركت غزوة إلا وخرجت فيها مع رسول الله تضمد الجرحى وتسقي الجنود وتعد الطعام وتحمس الرجال على القتال.
(ويوم أحد) لما رأت المشركين يتكاثرون حول رسول الله أستلت سيفها وكانت مقاتلة قوية
وشقت الصفوف حتى وصلت إلى رسول الله تقاتل بين يديه وتضرب بالسيف يميناً وشمالاً حتى
هابها الرجال وأثنى عليها النبي وقال: (ما ألتفت يميناً ولا شمالا يوم أحد إلا وجدت نسيبة بنت
كعب تقاتل دوني) , وكان ضمرة بن سعد المازني يحدث عن جدته وكانت قد شهدت أحد قال
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان
وفلان)وكانت تقاتل أشد القتال وإنها لحاجزة ثوبها من وسطها حتى جرحت ثلاثة عشر جرحاً
وكانت تقول إني لأنظر إلى ابن قمئة وهو يضربها على عاتقها وكان أعظم جرحها فداوته سنة
ثم نادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد فشدت عليها ثيابها فما استطاعت
من نزف الدم رضي الله عنها وقالت أم عماره رأيتني انكشف الناس عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم فمابقي إلا في نفير ما يتمون عشرة وأنا وابناي وزوجي بين يديه نذب عنه والناس يمرون
به منهزمين ورأني ولاترس معي فرأى رجلاً مولياً ومعه ترس فقالالق ترسك إلى من يقاتل)
فألقاه فأخذته فجعلت أترس به عن رسول الله وإنما فعل بنا الأفاعيل أصحاب الخيل , ولو كانوا
رجالة مثلنا أصابهم إن شاء الله , فيقبل رجل على فرس فيضربني وترست له فلم يصنع شيئاً
وولى فأضرب عرقوب فرسه فوقع على ظهره فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصيح
(يا ابن أم عمارة أمك أمك)
قالت فعاونني عليه حتى أوردته شعوب_ أسم من أسماء الموت_.
. ولقد قالت يا رسول الله: ادع الله أن أرافقك في الجنة فقال: (اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة) ياااااااااااااااااااه هنيئا لكِ بهذه البشارة يا سيدتي أم عمارة

جرحت يوم أحد جرحاً بليغاً فكان النبي يطمئن عليها ويسأل (كيف حال نسيبة). وعندما أخذت
تحث ابنها عبد الله بن زيد عندما خرج يوم أحد فقالت: انهض بني وضارب القوم. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة).
وتمضي الأيام، فشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان في الحديبية،
وهي بيعة المعاهدة على الشهادة في سبيل الله كما شهدت يوم حنين
ولما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم الرفيق الأعلى ارتدت بعض القبائل عن الإسلام
وعلى رأسهم مسيلمة الكذاب، حتى سارعت أم عمارة إلى أبي بكر الصديق- رضي الله عنه
- تستأدنه بالالتحاق بهذا الجيش لمحاربة المرتدين فأذن لها فخرجت ومعها ابنها عبد الله بن زيد
وأبلت بلاء حسنا وتعرضت لكثير من المخاطر. وعندما أرسل النبي ولدها (حبيب بن زيد)
إلى مسيلمة الكذاب باليمامة برسالة يحذر فيها مسيلمة من ادعائه النبوة والكذب على الله
فأراد مسيلمة أن يضمه إليه فرفض فقطع جسده عضوا عضوا وهو صابر
فلما علمت (نسيبة) أقسمت أن تثأر منه وخرجت مع البطل خالد بن الوليد رضي الله عنه لقتال مسيلمة وقاتلت وكانت تصيح (أين أنت مسيلمة اخرج يا عدو الله)
وجرحت اثنا عشر جرحا فواصلت الجهاد حتى قطعت يدها فلم تحس بها وتقدم (وحشي بن حرب)
بحربته المشهورة ووجهها إلى مسيلمة فصرعه وأجهز عليه ابنها (عبد الله بن زيد) وظل أبو بكر
يطمئن عليها حتى شفيت وخرجت مع المسلمين لقتال الفرس
وسقط إيوان كسرى وغنم المسلمون غنائم عظيمة بكت وتذكرت النبي وهو يشارك في حفر
(الخندق) ويضرب بالمعول صخرة عظيمة وهو يصيح
(الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس)...

هذه هي المجاهدة الشجاعة أم عمارة وحقاً من يطيق ماتطيقين يا أم عمارة؟
إن الرجال لايطيقون ثباتها وصبرها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف بالنساء ؟
ولكن متى كانت "أم عمارة " قدوتك أختي الكريمه في شجاعتها وإقدامها
وثباتها وصبرها على هذا الطريق
أفلحت بإذن الله.



،،،،،،،،،،،،،،،،


الصحابية الجليلة خولة بنت الأزور
سيرة بطولية





إشراف الأستاذ : خالد خميس فــراج



خولة بنت الأزور الأسدي: شاعرة كانت من أشجع النساء في عصرها، وتشبه خالد بن الوليد في حملاتها. وهي أخت ضرار ، توفيت أواخر عهد عثمان 35هـ.

مقدمـة

خولة بنت الأزور امرأة ليست ككل النساء، تميزت عنهن بالكثير من الصفات والمواصفات، تربت في البادية العربية مع أبناء قبيلتها بني أسد، ولازمت أخاها ضراراً ، فكانا دوماً معاً ، ودخلت الإسلام مع من دخل من أبناء العروبة في ذلك الزمن الأول للإسلام، وشاء الله أن تكون وأخوها ضرار مع الكتائب الطلائعية المتقدمة للجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الحق والدين…فشاركت بكل قوة وببسالة نادرة بين الرجال وبين النساء وعلى مر العصور في الكر والفر ،في حمل الرماح ورمي السهام ، وضربت بالحسام خاصة عندما وقع أخوها ضرار في الأسر بعد أن أبلى بلاءً منقطع النظير .

خولة بنت الأزور مضت في زمن قديم لنا ، تستحق منا نظرة دراسة ، نظرة مراجعة ، نظرة إعزاز وإكبار وتعظيم… إنها قدوة لبنات العرب والمسلمين في زماننا وعلى مر العصور، قدوة للرجال وقدوة للنساء صغاراً وكباراً ، قدوة في الشجاعة والبسالة وفي التعاون والتآزر مع الأهل والأخوة.

ما عرض عنها هو أهم ما ذكرته المراجع المتوفرة ، وهو نزر يسير ، رويت فيه بعض أشعارها وأخبارها بعدما كبرت واشتهرت، والسبب معروف… فهي بنت من البادية العربية التي لم تعرف الكتابة ولا التدوين في أيامها الأولى، لذا قل التنوع والتنويع لدى الكتاب والباحثين القدامى والمحدثين عنها وعن غيرها .إنها نموذج رائع للنساء المسلمات تستحق منا الإكبار وتستحق منا الدراسة.


من مواقفها البطولية لإنقاذ أخيها


وهي من ربات الشجاعة والفروسية ، خرجت مع أخيها ضرار بن الأزور إلى الشام وأظهرت في المواقع التي دارت رحاها بين المسلمين الروم بسالة فائقة خلد التاريخ اسمها في سجل الأبطال البواسل، فأسر أخوها ضرار في إحدى الموقعات فحزنت لأسره حزناً شديداً. وقالت :




ألا مخـبـر بـعـــد الــفراق يخبرنـــا ..... فمن ذا الذي يا قوم أشغــلكم عنا




فـلو كـنــت أدري أنـه آخــر اللقـــا ..... لكــنا وقفنــا للــوداع وودعنــــا




ألا يا غـراب البـيـن هـل أنت مخـبري ..... فهـل بقــدوم الغائــبين تبشرنـــا




لقــد كـانـت الأيـام تزهــو لقربــهم ..... وكنا بهــم نزهو وكانوا كما كنا




ألا قاتـل الله الـنـــوى مــا أمــرّه ..... وأقبــحه ماذا يريــد الـنوى مــنا




ذكــرت لـيلـي الجـمــع كـنا سـويـة ..... ففـرقنا ريــب الزمـان وشتتــــنا




لئــن رجعوا يـومـاً إلـى دار عـزهــم ..... لثمنــا خفافــاً للمطــايـا وقبلنــــا




ولـم أنـس إذ قــالوا ضـرار مقيــد ..... تركنـاه فــي دار العــدو ويممــنا




فمـا هـذه الأيـام إلاّ مـعـارة ..... وما نحن إلاّ بمـثل لفظ بلا معنى




أرى القلب لا يختار في الناس غيرهم ..... إذا ما ذكرهم ذاكر قلبي المضنى




سلام على الأحباب في كل ساعـــة ..... وإن بعدوا عنا وإن منعوا منـــــا




وقالت أيضاً:


أبعد أخي تلذ الغمض عينــي ..... فكيف ينام مقروح الجفــــون




سأبكي ما حييت على شقيـق ..... أعز علي من عيني اليميــــن




فلو أني لحقت به قتيــــلاً ..... لهان عليّ إذ هو غير.هــــون




وكنت إلى السلو أرى طريقا ..... وأعلق منه بالحبل المتــــــين




وإنا معشر من مات منــــاً ..... فليس يموت موت المستكيـن





وإنـي إن يقـال مضى ضرار ..... لبـاكـية بـمـنـسـجم هــتون

وقالـوا لـم بكـاك فقـلت مهلاً ..... أما أبكي وقد قطعوا وتيني









ومن موقعاتها( في أجنادين وهي قرية تقع شرقي القدس في فلسطين ) أن خالد بن الوليد نظر إلى فارس طويل وهو لا يبين منه إلا الحدق والفروسية ، تلوح من شمائله، وعليه ثياب سود وقد تظاهر بها من فوق لامته ، وقد حزم وسطه بعمامة خضراء وسحبها على صدره، وقد سبق أمام الناس كأنه نار. فقال خالد: ليت شعري من هذا الفارس؟ وأيم الله إنه لفارس شجاع. ثم لحقه والناس وكان هذا الفارس أسبق إلى المشركين .فحمل على عساكر الروم كأنه النار المحرقة، فزعزع كتائبهم وحطم مواكبهم ثم غاب في وسطهم فما كانت إلا جولة الجائل حتى خرج وسنانه ملطخ بالدماء من الروم وقد قتل رجالاً وجندل أبطالاً وقد عرّض نفسه للهلاك ثم اخترق القوم غير مكترث بهم ولا خائف وعطف على كراديس الروم.

فقلق عليه المسلمون وقال رافع بن عميرة: ليس هذا الفارس إلاّ خالد بن الوليد ، ثم أشرف عليهم خالد ، فقال رافع : من الفارس الذي تقدم أمامك فلقد بذل نفسه ومهجته ؟ ، فقال خالد: والله أنني أشد إنكاراً منكم له، ولقد أعجبني ما ظهر منه ومن شمائله، فقال رافع : أيها الأمير إنه منغمس في عسكر الروم يطعن يميناً وشمالاً ، فقال خالد: معاشر المسلمين احملوا بأجمعكم وساعدوا المحامي عن دين الله، فأطلقوا الأعنة وقوموا الأسنة والتصق بعضهم ببعض وخالد أمامهم ونظر إلى الفارس فوجده كأنه شعلة من نار والخيل في إثره، وكلما لحقت به الروم لوى عليهم وجندل فحمل خالد ومن معه ، ووصل الفارس المذكور إلى جيش المسلمين ، فتأملوه فرأوه وقد تخضب بالدماء، فصاح خالد والمسلمون: لله درك من فارس .. بذل مهجته في سبيل الله وأظهر شجاعته على الأعداء .. اكشف لنا عن لثامك، فمال عنهم ولم يخاطبهم وانغمس في الروم ، فتصايحت به الروم من كل جانب وكذلك المسلمون وقالوا: أيها الرجل الكريم أميرك يخاطبك وأنت تعرض عنه، اكشف عن اسمك وحسبك لتزداد تعظيماً . فلم يرد عليهم جواباً ، فلما بعد عن خالد سار إليه بنفسه وقال له: ويحك لقد شغلت قلوب الناس وقلبي بفعلك ، من أنت ؟

فلما ألح خالد خاطبه الفارس من تحت لثامه بلسان التأنيث وقال: إنني يا أمير لم أعرض عنك إلاّ حياءً منك لأنك أمير جليل وأنا من ذوات الخدور وبنات الستور، فقال لها: من أنت ؟ فقالت: خولة بنت الأزور وإني كنت مع بنات العرب وقد أتاني الساعي بأن ضراراً أسير فركبت وفعلت ما فعلت، قال خالد: نحمل بأجمعنا ونرجو من الله أن نصل إلى أخيك فنفكه.

قال عامر بن الطفيل: كنت عن يمين خالد بن الوليد حين حملوا وحملت خولة أمامه وحمل المسلمون وعظم على الروم ما نزل بهم من خولة بنت الأزور ، وقالوا: إن كان القوم كلهم مثل هذا الفارس فما لنا بهم طاقة.

وجعلت خولة تجول يميناً وشمالاً وهي لا تطلب إلاّ أخاها وهي لا ترى له أثراً، ولا وقفت له على خبر إلى وقت الظهر. وافترق القوم بعضهم عن بعض وقد أظهر الله المسلمين على أعدائهم وقتلوا منهم عدداً عظيماً.


أسر النساء

ومن مواقفها الرائعة موقفها يوم أسر النساء في موقعة صحورا( بالقرب من مدينة حمص السورية ) . فقد وقفت فيهن ، وكانت قد أسرت معهن، فأخذت تثير نخوتهن، وتضرم نار الحمية في قلوبهن، ولم يكن من السلاح شيء معهن. فقالت: خذن أعمدة الخيام، وأوتاد الأطناب، ونحمل على هؤلاء اللئام، فلعل الله ينصرنا عليهم ، فقالت عفراء بنت عفار: والله ما دعوت إلاّ إلى ما هو أحب إلينا مما ذكرت. ثم تناولت كل واحدة منهن عموداً من عمد الخيام، وصحن صيحة واحدة. وألقت خولة على عاتقها عمودها، وتتابعن وراءها، فقالت لهن خولة: لا ينفك بعضكن عن بعض ومن كالحلقة الدائرة. ولا تتفرقن فتملكن ، فيقع بكن التشتيت، واحطمن رماح القوم، واكسرن سيوفهم. وهجمت خولة وهجمت النساء من ورائها، وقاتلت بهن قتال المستيئس المستميت، حتى استنقذتهن من أيدي الروم، وخرجت وهي تقول:

نحن بنـات تبـع وحمير وضربنا في القوم ليس ينـكر

لأننا في الحرب نار تستعر اليوم تسقون العذاب الأكبر


الخاتمة

في هذه السيرة البطولية عرضت نماذج مشهورة ومذكورة في الكتب عن خولة بنت الأزور وكيف شاركت في المعارك الإسلامية الكبيرة في فتوح بلاد الشام .والحقيقة تقال أن المعلومات المتوفرة عنها قليلة ، ولعل السبب واضح ،حيث عاشت مثل غيرها من بنات البادية العربية عيشة متواضعة وبسيطة لم تتيسر لها وسائل التدوين والتسجيل المتناسق والمتكامل مثلما قد يتيسر لغيرها من المشاهير.

ونخلص من هذا البحث القصير إلى أن خولة بنت الأزور تعد نموذجاً إنسانياً رائعاً يحتذى به في الدفاع عن النفس والوطن والعقيدة فرضت نفسها بقوة وبصلابة على كل شخص حضر صولاتها وجولاتها في ميادين الفروسية .




المراجع

1. عبد البديع صقر، نساء فاضلات ، دار الاعتصام ، القاهرة.

2. د. علي إبراهيم حسن ،نساء لهن في التاريخ الإسلامي نصيب، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1981.

3. عمر رضا كحالة، أعلام النساء في عالمي العرب والمسلمين،ج 1،مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1959.

4. كرم البستاني ، النساء العربيات ، دار نظير عبود ، بيروت ، 1988.

5. الواقدي ، فتوح الشام ، ج 1-2 ، مكتبة البابي الحلبي ، القاهرة ، 1954.



الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وبارك الله فيك .

خولة بنت الأزور ذَكَر أخبارها الواقدي في " فتوح الشام " ، وذَكَر نحو هذه القصة باختصار .

وذكرها الزركلي في " الأعلام " ، وأرّخ وفاتها نحو سنة 35 هـ .

وقد يكون في القصة المذكورة في السؤال نوع مُبالغة .

وبالله تعالى التوفيق .

المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

==========

هل صحيح أن شخصية خولة بنت الأزور وهمية ولا وجود لها في الواقع؟

الفتوى


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فخولة بنت الأزور ليست خيالاً بل هي شخصية واقعية لها بطولاتها وأعمالها الجليلة، وذلك هو ما حدا بالبعض إلى التشكيك فيها لكثرة ما حكي عنها وأغلبه صحيح، كما ذكرت كتب التاريخ والسير، قال الزركلي في كتابه الأعلام: خولة بنت الأزور الأسدي: شاعرة, كانت من أشجع النساء في عصرها، وتشبه بخالد بن الوليد في حملاتها. وهي أخت ضرار بن الأزور. لها أخبار كثيرة. من فتوح الشام ج1ص21 وفي شعرها جزالة وفخر, توفيت في أواخر عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه.
وذكر ابن كثير في البداية والنهاية أنها ممن قاتل يوم اليرموك مع نساء كثيرات حيث يقول: وقد قاتل نساء المسلمين في هذا اليوم وقتلوا خلقا كثيراً من الروم، منهن: خولة بنت الأزور, وخولة بنت ثعلبة الأنصارية وكعوب بنت مالك بن عاصم, وسلمى بنت هاشم, ونعم بنت فياض, وهند بنت عتبة بن ربيعة, ولبنى بنت جرير الحميرية, وعفيرة بنت غفار, وسعيدة بنت عاصم الخولاني.
وللاستزادة عنها انظر طرفة الأصحاب 56, ونهاية الأرب للقلقشندي 208، وتاريخ ابن خلدون 2 :256، وتاريخ العرب لجواد علي2 :203-211، وفي جمهرة الأنساب 392، ومعجم قبائل العرب 1 :365، وغيرها من كتب التاريخ.
والله أعلم.

المفتـــي: مركز الفتوى

عضو مكتب الدعوة والإرشاد

رد مع اقتباس
  #15  
قديم 01-14-2017, 03:00 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,041
معدل تقييم المستوى: 3
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سيرة الصحابيات من موقع النابلسي

فاطمة بنت الخطاب..........


اسمها ونسبها ( رضي الله عنها ):
هي فاطمة بنت الخطاب بن نفيل بن عبد العزى القرشية العدوية ، ولقبها أميمة، و كنيتها أم جميل. وأمها حنتمة بنت هاشم بن المغيرة القرشية المخزومية. وهي أخت أمير المؤمنين، وثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب (رضي الله عنهما)،وزوجة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة. وقيل إنها ولدت لسعد بن زيد ابنه عبد الرحمن.
صفاتها( رضي الله عنها ):
فاطمة بيت الخطاب(رضي الله عنها) صحابية جليلة، اتسمت بعدد من المزايا؛ منها أنها كانت شديدة الإيمان بالله تعالى وشديدة الاعتزاز بالإسلام، طاهرة القلب، راجحة العقل، نقية الفطــرة، من السابقات إلى الإسلام، أسلمت قديماً مع زوجها قبل إسلام أخيهـا عمـر( رضي الله عنه)، وكانت سبباً في إسلامه. كما أنها بايعت الرسول- صلى الله عليه وسلم- فكانت من المبايعات الأول.
دور فاطمة في قصة إسلام أخيها عمر ( رضي الله عنهما ):



عرف عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) بعداوته تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل إسلامه



قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب وقد ضرب أخته أول الليل وهي تقرأ { اقرأ باسم ربك الذي خلق } حتى ظن أنه قتلها ثم قام في السحر فسمع صوتها تقرأ { اقرأ باسم ربك الذي خلق } فقال والله ما هذا بشعر ولا همهمته فذهب حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد بلالا على الباب فدفع الباب فقال بلال من هذا فقال عمر بن الخطاب فقال حتى أستأذن لك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بلال يا رسول الله عمر بالباب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يرد الله بعمر خيرا يدخله في الدين فقال لبلال افتح وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضبعيه وهزه وقال ما الذي تريد وما الذي جئت فقال له عمر اعرض علي الذي تدعو إليه فقال تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فأسلم عمر مكانه وقال أخرج

الراوي: ثوبان المحدث: الهيثمي - المصدر: مجمع الزوائد - الصفحة أو الرقم: 9/65
خلاصة حكم المحدث: فيه يزيد بن ربيعة الرحبي وهو متروك وقال ابن عدي‏‏ أرجو أنه لا بأس به وبقية رجاله ثقات‏‏

لقد كان ذلك الموقف أحد أروع المواقف الإسلامية في تاريخ الحياة الإسلامية، وفيه يعود الفضل لفاطمة بنت الخطاب (رضي الله عنها) وثباتها على دينها، ودعوتها الصادقة لأخيها، الذي كانت البلاد بأجمعها تخاف من بطشه في جاهليته، ولكنها لم تخشاه قط، بل أصرت على موقفها، وكانت سبباً في إسلامه (رضي الله عنه)، وبذلك تحققت فيه دعوة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم).
رواية فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها للحديث :
"روى الواقدي عن فاطمة بنت مسلم الأشجعية، عن فاطمة الخزاعية، عن فاطمة بنت الخطاب- أنها سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم يقول:" لا تزال أمتي بخير ما لم يظهر فيهم حب الدنيا في علماء فساق، و قراء جهال، و جبابرة؛ فإذا ظهرت خشيت أن يعمهم الله بعقاب"2
وبمراجعة الحديث الشريف السابق نجد فيه إشارة إلى خطورة العلماء في المجتمع ، وما يمكن أن يصنعوه من خير وتقدم إن كانوا صالحين أتقياء ، وما يجلبونه من شر وويل على الأمة إن كانوا فاسقين عصاة ، تعلقت قلوبهم بحب الدنيا ومتاعها ؛ذلك لأنهم يشكلون نخبة المجتمع وصفوته ، وبصلاحهم يصلح المجتمع ، وبفسادهم يفسد المجتمع.
مما كتب في فاطمة بنت الخطاب من شعر :
كتب عمر بن الخطاب في أخته فاطمة أبياتاً من الشعر، يصف فيها صبرها واحتسابها إلى ربها، حينما عارض عمر اعتناقها للإسلام، وذلك قبل دخوله (رضي الله عنه للإسلام):



الحمـــد لله ذي المـــــن الــذي وجبــــت لــه علينـــــا أيـــــاد مــا لــهـــا غـيــــر
وقــــد بدأنـــــا فكـــذبنــــا فقـــال لنـــا صـــدق الحـديــث نبـــي عنـــده الخـبـــر
وقــد ظلمــت ابنــة الخطـــاب ثم هـــدى ربي عشيــة قالــــوا: قــد صبـــا عمـــــــر
وقــد نـدمـــت على مــا كــــان مـن زلـل بظلمــهـا حـــين تتـــلى عندهــا الســـــور
لـمـا دعــــت ربـها ذا العــرش جــــاهدة والـدمـــع مـن عينـــها عجــــلان يبتــــدر



أيقنـــت أن الــذي تدعــــــوه خالقـــــها فكـــــاد تسبـــــــقني مــن عبـــــــــرة درر
فقــلـت: أشهـــــــد أن الله خــالقــــنـــا وأن أحمــــــد فينــــــا اليــــــوم مشتـــهر
نبـي صـــــدق أتـى بالحــق من ثقـــــــــة وافــــي الأمـانـــة مــــا في عـــوده خــــور
الخاتمة


لم تكن تلك السطور السابقة سوى ومضات سريعة من مواقف في حياة إحدى عظيمات نساء العالم، فاطمة بنت الخطاب (رضي الله عنها)، تلك الشخصية التي سمت وبرزت في عالم الإسلام والإيمان في أبهى صورة المرأة الداعية، فكانت مثالاً وقدوة يحتذى بها في التضحية للدعوة إلى الإسلام. فهي شخصية اتصفت بصبرها واحتسابها إلى ربها (عز وجل)، فقد تحملت الكثير من أجل إسلامها، ولم تخف يوماً من أخيها عمر بن الخطاب، حينما كان في جاهليته، في حين كانت مكة بأسرها تخاف من بطشه.
وأهم النتائج التي توصلت إليها في شخصية فاطمة بنت الخطاب (رضي الله عنها):
*أن لا يخاف المسلم في الله لومة لائم ،ويتضح ذلك في موقف فاطمة (رضي الله عنه) عندما أسلمت على الرغم من معرفتها ببطش أخيها وجبروته، فلم تخش سوى ربها ( عز وجل)، وسعت لمرضاته.
*سعي فاطمة (رضي الله عنها) لهداية أخيها عمر بن الخطاب للإسلام، حيث كان لها الدور البارز في إسلامه (رضي الله عنه)،فقد ارتبطت قصة إسلامه المشهورة بفاطمة بنت الخطاب



الخنساء



مقدمة

هي تماضر بنت عمرو بن الحارث السلمية ولقبها الخنساء، وسبب تلقيبها بالخنساء لقصر أنفها وارتفاع أرنبتيه.



حالها في الجاهلية

عرفت الخنساء (رضي الله عنها) بحرية الرأي وقوة الشخصية ونستدل على ذلك من خلال نشأتها في بيت عـز وجاه مع والدها وأخويها معاوية وصخر، والقصائد التي كانت تتفاخر بها بكرمهما وجودهما، وأيضا أثبتت قوة شخصيتها برفضها الزواج من دريد بن الصمة أحد فرسان بني جشم ؛ لأنها آثرت الزواج من أحد بني قومها، فتزوجت من ابن عمها رواحة بن عبد العزيز السلمي، إلا أنها لم تدم طويلا معه ؛ لأنه كان يقامر ولا يكترث بماله،لكنها أنجبت منه ولدا ، ثم تزوجت بعده من ابن عمها مرداس بن أبي عامر السلمي ، وأنجبت منه أربعة أولاد.

وأكثر ما اشتهرت به الخنساء فى الجاهلية هو شعرها وخاصة رثاؤها لأخويها صخر ومعاوية والذين ما فتأت تبكيهما حتى خلافة عمر ومما يذكر فى ذلك ما كان بين الخنساء وهند بنت عتبة قبل إسلامها ......نذكره لنعرف إلى أى درجة اشتهرت الخنساء بين العرب فى الجاهلية بسبب رثائها أخويها.
عندما كانت وقعة بدر قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، فكانت هند بنت عتبة ترثيهم، وتقول بأنها أعظم العرب مصيبة. وأمرت بأن تقارن مصيبتها بمصيبة الخنساء في سوق عكاظ ، وعندما أتى ذلك اليوم، سألتها الخنساء : من أنت يا أختاه؟ فأجابتها : أنا هند بنت عتبة أعظم العرب مصيبة، وقد بلغني أنك تعاظمين العرب بمصيبتك فبم تعاظمينهم أنت؟ فقالت: بأبي عمرو الشريد ، وأخي صخر ومعاوية . فبم أنت تعاظمينهم؟ قالت الخنساء: أوهم سواء عندك؟ ثم أنشدت هند بنت عتبة تقول:
أبكي عميد الأبطحين كليهما ومانعها من كل باغ يريدها
أبي عتبة الخيرات ويحك فاعلمي وشيبة والحامي الذمار وليدها
أولئك آل المجد من آل غالب وفي العز منها حين ينمي عديدها
فقالت الخنساء:
أبكي أبي عمراً بعين غزيـرة قليل إذا نام الخلـي هجودها
وصنوي لا أنسى معاوية الذي له من سراة الحرتيـن وفودها
و صخرا ومن ذا مثل صخر إذا غدا بساحته الأبطال قــزم يقودها

فذلك يا هند الرزية فاعلمي ونيران حرب حين شب وقودها




إسلامها

قال ابن عبد البر في الاستيعاب "قدمت على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مع قومها من بني سليم فأسلمت معهم"

وتعد الخنساء من المخضرمين ؛ لأنها عاشت في عصرين : عصر الجاهلية وعصر الإسلام ، وبعد ظهور الإسلام أسلمت وحسن إسلامها .






أهم ملامح شخصيتها






1- قوة الشخصية

عرفت بحرية الرأي وقوة الشخصية ونستدل على ذلك من خلال نشأتها في بيت عـز وجاه مع والدها وأخويها معاوية وصخر، والقصائد التي كانت تتفاخر بها بكرمهما وجودهما، وأيضا أثبتت قوة شخصيتها برفضها الزواج من دريد بن الصمة أحد فرسان بني جشم ؛ لأنها آثرت الزواج من أحد بني قومها.


2-الخنساء شاعرة
يغلب عند علماء الشعر على أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها. كان بشار يقول: إنه لم تكن امرأة تقول الشعر إلا يظهر فيه ضعف، فقيل له: وهل الخنساء كذلك، فقال تلك التي غلبت الرجال
أنشدت الخنساء قصيدتها التي مطلعها:
قذى بع**** أم بالعين عوار . . ذرفت إذ خلت من أهلها الدار
وسئل جرير عن أشعر الناس فـأجابهم: أنا، لولا الخنساء ، قيل فيم فضل شعرها عنك، قال: بقولها
إن الزمان ومـا يفنى له عجـب . . أبقى لنا ذنبا واستؤصل الــرأس
3 -البلاغة وحسن المنطق والبيان
في يوم من الأيام طلب من الخنساء أن تصف أخويها معاوية وصخر، فقالت: أن صخرا كان الزمان الأغبر، وذعاف الخميس الأحمر. وكان معاوية القائل الفاعل. فقيل لها: أي منهما كان أسنى وأفخر ؟ فأجابتهم : بأن صخر حر الشتاء ، ومعاوية برد الهواء. قيل: أيهما أوجع وأفجع؟ فقالت: أما صخر فجمر الكبد ، وأما معاوية فسقام الجسد
4- الشجاعة والتضحية.
ويتضح ذلك في موقفها يوم القادسية واستشهاد أولادها . فقالت الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم .

ولها موقف مع الرسول( صلي الله عليه وسلم ) فقد كان يستنشدها فيعجبه شعرها وكانت تنشده وهو يقول : " هيه يا خناس " . أو يومي بيده




أثر الرسول فى تربيتها

تلك المرأة العربية التي سميت بالخنساء، واسمها تماضر بنت عمرو، ونسبها ينتهي إلى مضر.مرت بحالتين متشابهتين لكن تصرفها تجاه كل حالة كان مختلفا مع سابقتها أشد الاختلاف, متنافرا أكبر التنافر, أولاهما في الجاهلية, وثانيهما في الإسلام. وإن الذي لا يعرف السبب يستغرب من تصرف هذه المرأة.
- أما الحالة الأولى فقد كانت في الجاهلية يوم سمعت نبأ مقتل أخيها صخر, فوقع الخبر على قلبها كالصاعقة في الهشيم, فلبت النار به, وتوقدت جمرات قلبها حزنا عليه, ونطق لسانها بمرثيات له بلغت عشرات القصائد, وكان مما قالته:
قذى بعينك أم بالعين عوار أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار
كأن عيني لذكراه إذا خطرت فيض يسيل على الخدين مدرار
وإن صخرا لوالينا وسيدنا وإن صخرا إذا نشتو لنحار
وإن صخرا لمقدام إذا ركبوا وإن صخرا إذا جاعوا لعقار
وإن صخرا لتأتم الهداة به كــأنـه عـلـم في رأســــــــــه نار
حـمـال ألويـة هبـاط أوديــة شهــاد أنديــة للجيــش جرار
ومما فعلته حزنا على أخويها "صخر ومعاوية" ما روي عن عمر أنه شاهدها تطوف حول البيت وهي محلوقة الرأس, تلطم خديها, وقد علقت نعل صخر في خمارها.
- أما الحالة الثانية التي مرت بها هذه المرأة والتي هي بعيدة كل البعد عن الحالة الأولى: فيوم نادى المنادي أن هبي جيوش الإسلام للدفاع عن الدين والعقيدة ونشر الإسلام، فجمعت أولادها الأربعة وحثتهم على القتال والجهاد في سبيل الله، لكن الغريب في الأمر يوم بلغها نبأ استشهادهم, فما نطق لسانها برثائهم وهم فلذات أكبادها, ولا لطمت الخدود ولا شقت الجيوب, وإنما قالت برباطة جأش وعزيمة وثقة: "الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم, وإني أسأل الله أن يجمعني معهم في مستقر رحمته"!
ومن لا يعرف السبب الذي حول هذه المرأة من حال إلى حال يظل مستغربا, ويبقى في حيرة من أمره فهذه المرأة تسلل إلى قلبها أمر غــير حياتها , وقلب أفكارها, ورأب صدع قلبها, إنها باختصار دخلت في الإسلام, نعم دخلت في الإسلام الذي أعطى مفاهيم جديدة لكل شيء, مفاهيم جديدة عن الموت والحياة والصبر والخلود.
فانتقلت من حال الـيـأس والقــنـوط إلى حـال الـتـفـاؤل والأمـل، وانتقلت من حال القـلـق والاضـطـراب إلى حال الطـمأنـيـنة والاســتقرار، وانتقلت من حالة الشرود والضياع إلى حالة الوضوح في الأهداف, وتوجيه الجهود إلى مرضاة رب العالمين. نعم هذا هو الإسلام الذي ينقل الإنسان من حال إلى حال, ويرقى به إلى مصاف الكمال, فيتخلى عن كل الرذائل, ويتحلى بكل الشمائل, ليقف ثابتا في وجه الزمن, ويتخطى آلام المحن, وليحقق الخلافة الحقيقية التي أرادها الله للإنسان خليفة على وجه الأرض.








من مواقفها مع الصحابة
لها موقف يدل علي وفائها ونبلها مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فلم تزل الخنساء تبكي على أخويها صخرا ومعاوية حتى أدركت الإسلام فأقبل بها بنو عمها إلى عمر بن الخطاب( رضي الله عنه) وهي عجوز كبيرة فقالوا : يا أمير المؤمنين هذه الخنساء قد قرحت مآقيها من البكاء في الجاهلية والإسلام فلو نهيتها لرجونا أن تنتهي . فقال لها عمر : اتقي الله وأيقني بالموت فقالت : أنا أبكي أبي وخيري مضر : صخراً ومعاوية . وإني لموقنة بالموت فقال عمر : أتبكين عليهم وقد صاروا جمرة في النار ؟ فقالت : ذاك أشد لبكائي عليهم ؛ فكأن عمر رق لها فقال : خلوا عجوزكم لا أبا لكم فكل امرئ يبكي شجوه ونام الخلي عن بكاء الشجي.




من كلماتها



كانت لها موعظة لأولادها قبيل معركة القادسية قالت فيها:

"يا بني إنكم أسلمتم وهاجرتم مختارين والله الذي لا إله غيره إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم . وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين . واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية يقول الله عز وجل : " يا أيها الذي أمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " . فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين وبالله على أعدائه مستنصرين . وإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها واضطرمت لظى على سياقها وجللت نارا على أرواقها فتيمموا وطيسها وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة ". فلما وصل إليها نبأ استشهادهم جميعاً قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.






وفاتها:



توفيت بالبادية في أول خلافة عثمان رضي الله عنه سنة 24هـ

رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:23 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.