الموضوع: من قلب الألم
عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 11-02-2012, 08:48 PM
جويرية جويرية غير متصل
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Oct 2010
المشاركات: 11,785
معدل تقييم المستوى: 25
جويرية is a glorious beacon of lightجويرية is a glorious beacon of lightجويرية is a glorious beacon of lightجويرية is a glorious beacon of lightجويرية is a glorious beacon of light
افتراضي رد: من قلب الألم

حكاية حمصية

عيناه تتحدثان دون كلام، مخزون الدمع فيها يسرد أحاديث طويلة…


اللقاء الأول كان حديثه عن نفسه مقتضباً، لكنني استطعت أن أفهم أن الشاب الصغير الماثل أمامي هو في الحقيقة شهيد يمشي على الأرض…


لم يتجاوز العشرين ربيعاً، لكنه فهم معنى ثورة، وكرامة، ووطن… التجربة صقلته، والمعاناة.. والألم…


شاء الله أن يستشهد والده أمامه برصاص قناص استهدف السيارة التي كانا يستقلانها، وأصيب هو بأربع رصاصات، وبقي أياماً يحاول سحب جثّة والده، عبثاً، فكل من تسوّل له نفسه بالاقتراب يُصبح في عداد الموتى…


في حمص القديمة تحدث أهوال وفظائع يندى لها الجبين، قصص تختبئ في نفس كلّ شاب هناك، لو أزحت عنها رماد الاحتراق بوسعك كتابة مجلدات من المآسي والملاحم والبطولات…


في محاولاته المتكررة لسحب جثة والده، وهو المصاب استطاع تحطيم عدة أبواب مغلقة لبيوت مهجورة، فقط ليستطيع إيجاد هاتف ما يعمل، ليطلب المساعدة…


الغضب أنساه وجهه الذي ينزف، وخاصرته التي لم يستطع الطبيب الميداني إسعافها واكتفى بالإجراءات البسيطة…


أسعف رجلاً ينزف، مصاب بطلقات في ظهره، وهو نفسه كان بحاجة لمن يعتني بجراحه، والدم الذي نزف بغزارة، والألم الذي كان أكبر بكثير من أن يحتمله شاب في مثل عمره، لكنه فعل…


دفن والده بعد عناء بمساعدة الثوار، وغادر وأسرته إلى داريّا، وشهدوا المجزرة هناك…


اختفوا في أحد الأقبية خمسة أيام، دون طعام أو شراب أو كهرباء أو هاتف…


سرد لي قصّته، ولم ينس منها أنه اضطر لأكل الباذنجان المقلي لأول مرة في حياته، وهو الذي رفض طوال عمره أن يتناوله… لكنه الجوع الذي دفعه لأن يتخلى عن عاداته وهو المدلل عند أهله… هكذا الأطفال عندما يتحولون إلى عمالقة وأبطال..


كان وصفه لحادثة تناول الباذنجان لا يقل غضباً عن وصفه للسير تحت وابل الرصاص، وتجاوزه أمتار عدة تحت الخطر، وتفجير سيارة معبأة بالنساء والأطفال بقذيفة، واحتراقها أمام عينيه… وإصابة رجل على مقربة منه في أزقة داريا….


وخروجه بالبيجاما مع أسرته، في سيارة ” سوزوكي” بعد الأيام الخمسة، وهو المحافظ على أناقته وهندامه، ونسيانه لأية نظرة ممكنة من الناس وهو يركب تلك الشاحنة الصغيرة من الخلف، ويحتضن إخوته الصغار بكل البؤس الممكن في الدنيا، في سبيل أن يخرجوا من مدينة الموت سالمين وقد تعقبهم رصاص الحواجز وهم يتنقلون بين مدينتين منكوبتين..


كان على شفير الاعتقال، لكنه نجا بأعجوبة، بدعاء أمه ربما، بشيء كثير من الصدق مع الله خلّصه من المأزق، وربما ليأخذ فرصته في الحياة بطريقة مختلفة…


قد يعتقد المرء حين أسرد بعض الأهوال التي عاشها هذا الشاب أنه سيواجه إنساناً كسيراً محطماً…


ولكن على العكس تماماً… القامة لا تزال منتصبة، البسمة مُشرقة، الكرامة وعزّة النفس لا تخفى، رغم ما عانته الأسرة وتنقلت عبره من حياة اليُسر، إلى الحاجة والعوز..


بوسعك اليوم أن تراه يساعد الناس، ويوزع البسمات، ويكتب الشّعر أيضاً…


بوسعك أن ترى النصر في عينيه الدامعتين، في إصراره على الحياة أجمل ما تكون، لشاب عرف قيمتها، وثمن الدقيقة فيها، ووضع ضمن مخططاته المستقبلية أن يثأر لدينه، لوالده الشهيد، لأرضه… وأيضاً لأوجاعه..!


-=-=-=-=-=-=--=-=-

نقلا عن : حديث النور
كُتب يوم 27 أكتوبر, 2012 بواسطة إيمان

__________________
💦 ربنا آتنا في الدنيا حسنة
وفي الآخرة حسنة
وقنا عذاب النار
رد مع اقتباس