عرض مشاركة واحدة
  #40  
قديم 02-18-2017, 08:54 PM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,313
معدل تقييم المستوى: 6
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

وكان إسماعيل خارج دمشق، فلما وصله الخبر أحسّ بالخطر الذي يحدق به، والثورةِ المتوقَّعةِ عليه، فسارع إلى إصدار الأمر الكتابي بعزل العز من الخطابة والإفتاء، وأمر باعتقاله، واعتقال الشيخ ابن الحاجب المالكي الذي شاركه في الإنكار على فعل السلطان، ولما قدم إسماعيل إلى دمشق أفرج عنهما، وألزم العز بملازمة داره، وألا يفتي.[22] وتلقى العز العزل راضياً مرضيّاً، ولكنه ضاق بالإقامة الجبرية وتعطيل العمل المسؤول عنه شرعاً، فقرر مغادرة دمشق، فاتجه إلى مصر عن طريق القدس، سنة 638هـ.[21]

استمر إسماعيل في مطاردة العز وهو في طريقه إلى القدس، وأراد مساومته بالتراجع عن رأيه والاستسلام للسلطان، يقول عبد اللطيف بن العز بن عبد السلام محدثاً عما حدث لوالده:

«وأُخرج الشيخ (أي من السجن) بعد محاورات ومُراجعات، فأقام مدة بدمشق، ثم انتزح عنها إلى بيت المقدس، فوافاه الملك الناصر داود (ابن الملك المعظم عيسى أخي الملك إسماعيل) في الغور، فقطع عليه الطريق وأخذه، فأقام عنده بنابُلس مدة، وجرت له معه خطوب، ثم انتقل إلى بيت المقدس وأقام به مدة... ثم جاء الصالح إسماعيل والملك المنصور صاحب حمص وملوكُ الفرنج بعساكرهم وجيوشهم إلى بيت المقدس يقصدون الديار المصرية... فسيّر الصالح إسماعيل بعض خَواصّه إلى الشيخ بمِنْدِيله، وقال له: «تدفع منديلي إلى الشيخ، وتتلطف به غاية التلطف، وتستنزله وتَعِدُه بالعَوْد إلى مناصبه على أحسن حال، فإن وافقك فتدخل به عليّ، وإن خالفك فاعتَقِله في خيمة إلى جانب خيمتي»... فلما اجتمع الرسول بالشيخ شرع في مُسايسته وملاينته، ثم قال له: «بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه وزيادة أن تنكسِر للسلطان، وتقبّل يدَه لا غير»... فقال له: «يا مسكين، ما أرضاه أن يُقبل يدي، فضلاً أن أقبّل يده، يا قوم، أنتم في وادٍ، وأنا في وادٍ، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به»... فقال له: «قد رسم لي إن لم تُوافق على ما يُطلب منك وإلا اعتقلتُك»، فقال: «افعلوا ما بدا لكم»، فأخذه واعتقله في خيمة إلى جانب خيمة السلطان.[22][23]»

وأراد إسماعيل أن يتبجح أمام الصليبيين بما فعل بالعز، وكان العز يقرأ القرآن، والسلطان يسمعه، فقال لملوك الصليبيين: «تسمعون هذا الشيخ الذي يقرأ القرآن؟» قالو: «نعم»، قال: «هذا أكبر قُسُوس المسلمين، وقد حبسته لإنكاره عليَّ تسليمي حُصُون المسلمين، وعزلته عن الخطابة بدمشق وعن مناصبه، ثم أخرجته فجاء إلى القدس، وقد جَدّدتُ حبسه واعتقاله لأجلكم»، فقالت له ملوك الفرنج: «لو كان هذا قِسِّيسَنا لغَسلنا رجليه وشربنا مَرَقَتها».[24] وبقي العز في المعتقل حتى جاءت العساكر المصرية، فانتصروا وقتلوا عساكر الفرنج بالقدس، وانهزم أعوانهم، ونجى العز بن عبد السلام فتابع سيره إلى الديار المصرية،[25] فأقبل عليه السلطان الصالح أيوب، وولاه خطابة مصر وقضاءها، وفوَّض إليه عمارة المساجد المهجورة بمصر والقاهرة.[22][26]

بيع الأمراء في المزاد

وصل العز بن عبد السلام إلى مصر سنة 639هـ، فلقيه في مصر الملك الصالح أيوب، فاستقبله استقبالاً حافلاً، وأكرمه غاية الإكرام والإجلال، وعيّنه في أعلى المناصب في خطابة جامع عمرو بن العاص وقضاء القضاة.[27]

يوصف الصالح أيوب بأنه كان طموحاً، فعندما أراد أن يُقوِّيَ جيشَه ويَصطفيَ قُوَّادَه ويَحميَ نفسَه، اشترى (من مال الدولة) المماليك الأتراك، واستجلبهم من أواسط آسيا وغربها، ودَرَّبهم على الفروسية والفُتوَّة والقتال، حتى نالوا ثقته، فاتسع نفوذهم حتى صاروا أمراءَ الجيش وقادتَه، وبلغ أحدُهم أن صار نائب السلطان مباشرة، فلما تولى العز منصب قاضي القضاة، اكتشف الخلل في الإدارة والسلطة، وأن القادة الأمراء لا يزالون في حكم الرق لبيت مال المسلمين، ولم يَثبُتْ عند الشيخ أنهم أحرار، وبالتالي فإن الحكمَ الشرعي عدمُ صحة ولايتهم من جهة، وعدمُ نفوذ تصرفاتهم الخاصة والعامة من جهة أخرى. ومع ذلك، فإن العز لم يُشهر بهم، ولم يرفع راية العصيان المسلح عليهم، وإنما بلّغهم ذلك أولاً، وأوقف تصرفاتهم ثانياً، «ولم يصحح لهم بيعاً ولا شراءً ولا نكاحاً، وتعطلت مصالحهم بذلك، وكان من جملتهم نائب السلطان»،[28] فلما بلغهم ذلك عظم الخطب عليهم، واضطرب أمرهم، واستشاطوا غضباً، وثارت ثائرتهم، ولكنهم كبحوا جماح الغضب، وجاؤوا للعز بالحسنى والمساومة، واجتمعوا به للاستفسار عن مصيرهم في رأيه، فصمم على حكم الشرع وأنه يجب بيعهم لصالح بيت المال، ثم يتم عتقهم ليصبحوا أحراراً، ثم يتولوا تصريف الأمور، وقال لهم بكل وضوح وصراحة: «نعقد لكم مجلساً، ويُنادى عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصل عتقكم بطريق شرعي»، فرفضوا واستكبروا، ولم ينفردوا باتخاذ القرار بشأن العز، فرفعوا الأمر إلى السلطان أيوب، فبعث إليه وراجعه، فلم يرجع، فجرت من السلطان كلمةٌ فيها غلظة على العز، وحاصلها الإنكار على الشيخ في دخوله في هذا الأمر الذي لا يعنيه ولا يتعلق به.[27]

وهنا أدرك العز أن الأمراء تمالؤوا عليه، ووقفوا في وجه ما يعتقد أنه الحق وتطبيق الشرع، فأعلن الانسحاب، وعزل نفسه عن القضاء، وقرر الرحيل، ونفذ قراره فوراً، فحمل أهله ومتاعه على حمار، وركب حماراً آخر، وخرج من القاهرة. وما أن انتشر الخبر في الشعب إلا وأعلن الناس الوقوف بجانب العز، وقرروا العصيان غير المسلح بالالتحاق بالعز، فلم يصل العز خارج القاهرة إلا قليلاً حتى لحقه غالب المسلمين من العلماء والصلحاء والتجار، حتى النساء والصبيان. فقال قائل للسلطان: «أدرك ملكك، وإلا ذهب بذهاب الشيخ»، فركب السلطان بنفسه، ولحق بالشيخ العز، واسترضاه وطيَّبَ قلبه، وطلب منه الرجوع والعودة إلى القاهرة، فوافق العز على شرطه بأن يتمّ بيع الأمراء بالمناداة عليهم، ورجع الجميع إلى القاهرة.[27]

وبعد ذلك حاول نائب السلطنة التدخل بالملاطفة، ثم بالتهديد والوعيد، ثم بمحاولة التخلص من الشيخ وقتله، فلما فشلت محاولاته، أذعن الأمراء للأمر، واستسلموا لحكم الشرع، وأُعلنَ المزادُ العام، ووقف العز ينادي على أمراء الدولة واحداً واحداً، ويغالي في ثمنهم، وتدخّل الشعب في المزايدة، حتى إذا ارتفع السعر إلى أقصى غايته وعجز الأفراد عنه قام السلطان أيوب بدفع الثمن من ماله الخاص، ليتملك الأرقاءَ الأمراءَ، ثم أعتق رقابهم فصاروا أحراراً، واحتفظ بهم قادة، وقبض الشيخ العز الثمن فوضعه في بيت مال المسلمين ليُصرف في شؤونهم العامة ووجوه الخير المختلفة، قال ابن السبكي: «وهذا لم يُسمع بمثله عن أحد رحمه الله تعالى ورضي عنه».[27][29]

إسقاط عدالة الوزير وهدم قاعته

لم تمض سنة على الحادثة السابقة (بيع الأمراء) حتى وصل إلى علم العز بن عبد السلام ما فعله أستاذ الدار عند السلطان (وهو ما يعادل اليوم كبير أمناء الحاكم)، وهو معين الدين بن شيخ الشيوخ، والذي كان يجمع إلى منصبه اختصاصات الوزير وقائد الجيش، لكنه يوصف بأنه «كان مُتحلِّلاً وعابثاً ومُعْتَدّاً بقوته ومنصبه، ولذلك تجرأ على منكر كبير، يخالف أحكام الدين ويَسخَر بالشرع، ويُسيء إلى مشاعر المسلمين، فبنى فوق أحد مساجد القاهرة طبلخانة أي قاعة لسماع الغناء والموسيقى، وذلك سنة 640هـ».[30]

وما أن ثبت ذلك عند العز وهو يتولى منصب قاضي القضاة حتى غضب، وأصدر أمره بهدم البناء، ولكنه خشي من الجُبن في التنفيذ أو المعارضة في الهدم، فقام بنفسه وجمع معه أولاده والموظفين عنده وذهب إلى المسجد، وحمل مِعْوله معهم، وقاموا بإزالة المنكر وهدم البناء المستحدث فوق المسجد. ولم يكتف العز بهذا التحدي للوزير والسلطان معاً، بل أسقط عدالة الوزير بما يعني عدم قبول روايته وشهادته، وعَزَلَ نفسَه عن القضاء؛ حتى لا يَبقى تحت رحمة السلطان وتهديده بالعزل أو غيره.[30]

وكان لهذا العمل دويٌّ هائلٌ وأثرٌ عجيبٌ، وتنفس الناسُ الصعداءَ من تسلط الحكام وارتكاب المخالفات وممارسة التجاوزات الشرعية، ولم يجرؤ أحد أن يمس العز بسوء، بل أدرك السلطان أيوب أن الحق مع العز، وتلطف معه للعودة إلى القضاء ولكنه أصر على ذلك. وطار الخبر في الآفاق حتى وصل إلى الخليفة العباسي في بغداد، قال ابن السبكي: «واتُّفق أن جهّز السلطانُ الملكُ الصالحُ رسولاً من عنده إلى الخليفة المستعصم ببغداد، فلما وصل الرسول إلى الديوان ووقف بين يدي الخليفة وأدى الرسالة، خرج إليه وسأله: «هل سمعت هذه الرسالة من السلطان؟» فقال: «لا، ولكن حمَّلَنيها عن السلطان معين الدين بن شيخ الشيوخ أستاذ داره»، فقال الخليفة: «إن المذكور أسقطه ابن عبد السلام، فنحن لا نقبل روايته»، فرجع الرسول إلى السلطان (بمصر) حتى شافهه بالرسالة، ثم عاد إلى بغداد، وأدَّاها».[30][31]

قتاله للصليبيين

شارك العز بن عبد السلام عملياً في الجهاد والقتال ضد الصليبيين الذين اتجهوا لاحتلال دمياط وسائر مصر بعد أن وصلوا إلى المنصورة، واستظهروا على المسلمين، فهّبَّ الجيشُ المسلمُ في مصر لمواجهة الغزاة، قال ابن السبكي: «وكان الشيخ (العز بن عبد السلام) مع العسكر، وقويت الريح، فلما رأى الشيخُ حالَ المسلمين نادى بأعلى صوته مشيراً بيده إلى الريح «يا ريحُ خُذيهم» عدة مرات، فعادت الريح على مراكب الفرنج فكسرتها، وكان الفتح، وغرق أكثرُ الفرنج، وصرخ من بين يدي المسلمين صارخ: الحمد لله الذي أرانا في أمة محمد
Mohamed peace be upon him.svg
رجلاً سخّر له الريح»،[28] وكان النصر المبين للمسلمين، واعتبر المؤرخون هذه الصيحةَ من كرامات العز بن عبد السلام.[32]

دعوته لقتال التتار


عندما كان العز بن عبد السلام بمصر سنة 657هـ، تقدم التتار بعد سقوط بغداد إلى الشام، واستولوا على بعض مدنها، ليواصلوا الطريق إلى مصر، وكان على عرش مصر شاب صغير، وبَعَثَ ملكُ حلب الناصرُ يوسف يطلب النجدة على قتال التتار، فجمع سيف الدين قطز العلماء والأعيان والفقهاء والقضاة لمشاورتهم في الأمر لمواجهة التتار، وحضر الشيخ العز، وعمره ثمانون سنة، وطُرحت المشكلة في استيلاء هولاكو على البلاد، وأن بيت المال خالٍ من الأموال، والسلطان صغير السن، قال ابن تغري بردي: «وأفاضوا في الحديث، فكان الاعتماد على ما يقوله ابن عبد السلام»، وسكت الأمراء والقضاة والعلماء، ولم يَجْرُؤ أحد على الاعتراض على عزم الملك الجديد قطز في فرض الضرائب على الشعب دون الأمراء وبيت السلطان، وهنا ظهرت نصيحة العز الجريئة والحازمة، فأفتى بخلع السلطان الصغير، وجواز تعيين ملك قوي مكانه، وهو قطز، ثم وجَّه له النصيحة في أمر الضرائب مدافعاً عن الشعب ومبيّناً للحق، فقال: «إذا طَرَقَ العدوُّ بلادَ الإسلام وجب على العالَم قتالُهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء من السلاح والسروج الذهبية والفضية والكبابيس المزركشة وأسْقاط السيوف والفضة وغير ذلك، وأن تبيعوا مالكم من الحوائص الذهبية والآلات النفيسة، ويقتصرَ كلُّ الجند على سلاحه ومركوبه، ويتساووا هم والعامة، وأما أخذ الأموال من العامة مع بقايا في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا».[33][34][35][36]

مبايعة الظاهر بيبرس

ولمّا أراد الظاهر بيبرس أن يستلم السلطة والحكم، استدعى الأمراء والعلماء لمبايعته، وكان بينهم العز بن عبد السلام الذي فاجأ الظاهر بيبرس بكل جرأة وشجاعة وقال له: «يا ركن الدين، أنا أعرفك مملوك البندقدار»، أي لا يصح مبايعة المملوك في استلام السلطة، فأحضر بيبرس ما يثبت أن البندقدار قد وهبه للملك الصالح أيوب، وأن الصالح أيوب قد أعتقه، وهنا تقدم العز وبايعه على الملك، وكان الظاهر بيبرس «يعظم الشيخ العز ويحترمه، ويعرف مقداره، ويقف عند أقواله وفتاويه»،[37] وقال السيوطي عن الظاهر بيبرس: «وكان بمصر منقمعاً تحت كلمة الشيخ عز الدين بن عبد السلام، لا يستطيع أن يخرج عن أمره، حتى إنه قال لما مات الشيخ: ما استقر ملكي إلا الآن».[38][39]

وفاته

توفي العز بن عبد السلام في جُمادى الأولى سنة 660هـ (1262م) باتفاق المؤرخين وعلماء التراجم، وقد بلغ ثلاثاً وثمانين سنة من العمر. ولكن علماء التراجم والتاريخ اختلفوا في يوم وفاته، فنقل ابن السبكي عن عبد اللطيف بن العز أن «وفاة الشيخ في تاسع جمادى الأولى، في سنة ستين وستمائة»،[37] وقال ابن السبكي بعد ذلك: «توفي في العاشر من جمادى الأولى سنة ستين وستمائة بالقاهرة».[40] وشك أبو شامة المقدسي قائلاً: «إن وفاته كانت يوم الأحد عاشر جمادى الأولى أو الحادي عشر».[41]

وحُكي أن شخصاً جاء إليه فقال له: رأيتك في النوم تُنْشد:



وكنتُ كذي رِجْلين: رِجْلٌ صحيحةٌ ورِجْلٌ رمى فيها الزّمانُ فشُلَّتِ

فسكت ساعةً ثم قال: «أعيش من العمر ثلاثاً وثمانين سنة، فإن هذا الشّعرَ لكُثَيّر عَزّة، ولا نسبة بيني وبينه غير السن، أنا سُنّي وهو شيعي، وأنا لست بقصير وهو قصير، ولست بشاعر وهو بشاعر، وأنا سُلَميّ وليس هو بسُلَمي، لكنه عاش هذا القدر». قال ابن السبكي: «فكان الأمر كما قاله رحمه الله تعالى».[37]

ودُفن العز يوم الأحد العاشر من جمادى الأولى قُبيل الظهر، في آخر القرافة بسفح المقطم من ناحية البركة، وكان يومُ دفنه مشهوداً، وحضر جنازتَه الخاصُّ والعامُّ من أهل مصر والقاهرة، وشارك في الجنازة خلائقُ لا تُحصى، وصلى عليه ملكُ مصر والشام الظاهر بيبرس.[41] وقد تأثر الظاهر بيبرس من وفاة العز، وتأسف على موته أثناء دولته فقال: «لا إله إلا الله، ما اتَّفَقَتْ وفاةُ الشيخ إلا في دولتي»، وشيّع أمراءَه وخاصتَه وأجنادَه لتشييعِ جنازته، وحَمَلَ نعشَه وحَضَرَ دفنَه.[37]

كما تأثر عامةُ المسلمين بوفاة العز؛ لفضله وعلمه ومواقفه، فخرجوا في جنازته، وأقيمت صلاة الغائب عليه في جميع ديار مصر وبلادها والبلاد الشامية إلى قاطع الفرات والبيرة والرحبة، ثم بالمدينة المنورة ومكة المكرمة واليمن. وحزن أهل دمشق خاصة على ابنهم وعالمهم وقاضيهم، فصلَّوا عليه يومَ الجمعة في الجامع الأموي وجوامع أخرى، ونادى النصير المؤذن بعد الفراغ من صلاة الجمعة: «الصلاة على الفقيه الإمام، الشيخ عز الدين بن عبد السلام»، وعُمل العزاء للشيخ العز بجامع العقيبة المعروف الآن بجامع التوبة، وذلك يوم الاثنين 25 جمادى الأولى سنة 660هـ.[41]


مناصبه وأعماله

الإفتاء

لم يكن للإفتاء منصب رسمي ووظيفة مرسومة في الدولة الإسلامية، وأول ما ظهر ذلك بصفة رسمية وحكومية في الدولة العثمانية، وكان العلماء يقومون بهذا المنصب من تلقاء أنفسهم، فهم يعتقدون أن كل من حصّل علماً وبلغ مرحلة التعرف الصحيح للأحكام وجب عليه أن يبين الشرع والدين للناس.[42] وقام العز بن عبد السلام بالإفتاء في الشام، وكان يدعى "مفتي الشام"، واستمر بالإفتاء حتى عزله الملك الأشرف موسى بسبب الفتنة حول "تفسير كلام الله تعالى"، فظهر موقف العز من الإفتاء والفتوى قائلاً: «... أما الفتيا فإني كنت مُتبرّماً بها وأكرهها، وأعتقد أن المفتي على شفير جهنم، ولولا أني أعتقد أن الله أوجبها عليَّ؛ لِتَعيُّنها علي في هذا الزمان، لما كنت تلوّثت بها، والآن فقد عذرني الحق وسقط عني الوجوب وتخلصت ذمتي، ولله الحمد والمنة».[42][43] وبقي العز على تلك الحالة ثلاثة أيام حتى تدخل شيخ الحنفية جمال الدين الحصيري وأنكر على السلطان عمله، فتراجع السلطان نهائياً عن موقفه ومعتقده، وعاد العز إلى الإفتاء ولكنه رفض صلةَ الملك وأموالَه. وتجاوزت شهرته بلاد الشام، وأرسلت إليه الفتاوى من مختلف البلاد، قال ابن كثير: «وقُصد بالفتاوى من الآفاق»،[44] حتى قصده أهل الموصل من العراق بالاستفتاء في مجموعة أسئلة، فأجاب عنها وجُمعت في مؤلفاته باسم "الفتاوى الموصلية".[42]

ولما توجه العز إلى مصر، كانت سمعته في العلم والإفتاء قد سبقته، فلما حل في الديار المصرية (سنة 639هـ) اعترف له علماؤها ومفتوها بالفضل، وامتنعوا عن الفتوى بوجوده، وقال الحافظ المنذري (الفقيه الشافعي المفتي): «كنا نفتي قبل حضور الشيخ عز الدين، فأما بعد حضوره فمنصب الفتيا متعين فيه».[31] وكان العز قد تجاوز الستين من عمره، ولكن لم تخر قواه، ولم يؤثر عليه كبر السن، فأصدر في مصر الفتاوى الجسيمة التي تتعلق بالأمراء وبيع الملوك، وفتوى هدم الطبلخانة، وغير ذلك من الفتاوى، وبقي العز يفتي في مصر حتى توفي.[42]

كان العز جريئاً في الفتاوى، فمثلاً، عندما كان الملك الكامل (سلطان مصر) في دمشق، واجتمع بالعز بعد وفاة الملك الأشرف موسى وتعيين الملك الصالح إسماعيل، سأل الكاملُ العزَّ عما يصدر من أخيه الملك إسماعيل بحضوره من هواية رمي البندق، وهل يجوز ذلك؟ فلم يتهيب العز من بيان الحق والحكم الشرعي، فقال: «بل يحرم عليه، فإن رسول الله
Mohamed peace be upon him.svg
نهى عنه وقال: إنه يَفْقَأُ العين، ويَكسِر العظم».[42][45] وكان العز متهيباً من الفتوى، وكان جريئاً في الرجوع إلى الحق إذا تبين أنه أخطأ، فقد حكى القاضي عز الدين البكاري «أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أفتى مرة بشيء، ثم ظهر له أنه أخطأ، فنادى في مصر والقاهرة على نفسه: من أفتى له ابن عبد السلام بكذا، فلا يعمل به، فإنه خطأ».[42][46][47]

التدريس

بعد أن حصّل العز بن عبد السلام العلومَ وتقدَّم في الحفظ والفهم، اتجه إلى العطاء والإفادة في عدة جوانب، وخاصة التدريس الذي مارسه من أول حياته العلمية في دمشق وحتى آخر عمره في القاهرة، إذ ألقى الدروس في دمشق في بيته وفي المساجد، وفي كل مكان وُجد فيه، قال ابن كثير: «وأفاد الطلبة ودرّس بعدة مدارس بدمشق».[48][49] واقتصرت المراجع والمصادر على تحديد مكانين درّس فيهما العز في الشام وهما:
1.المدرسة الشِبْلية البَرَّانِيَّة: وكانت خارج دمشق على سفح جبل قاسيون بالصالحية، ولعل ذلك في أيام الملك الأشرف موسى الذي لم يكن على وفاق تام مع العز في أول الأمر.
2.المدرسة الغزالية: وهي الزاوية الغربية بالجامع الأموي، ونُسبت إلى أبي حامد الغزالي لكثرة اعتكافه فيها وتدريسه وتأليفه حين إقامته بدمشق، ثم قام بالتدريس فيها كبارُ العلماء. ونصّت المصادر على أن الملك الكامل عندما ملك دمشق وحضر إليها سنة 635هـ كلف العز بالتدريس في هذه المدرسة، قال ابن السبكي: «وولّى الملك الكامل رحمه الله الشيخ تدريس زاوية الغزالي بجامع دمشق، وذكّر بها الناس»،[45] واستمرّ العز بالتدريس في هذه الزاوية حتى آخر مقامه بدمشق وهجرته إلى القدس فمصر.[48]

وصار صيت العز شائعاً، وشهرته عامة، وأكّدت معظم كتب التراجم على عبارة «وقصده الطلبة من الآفاق، وتخرج به أئمة»،[50] «ورحل إليه الطلبة من سائر البلاد».[51] وقال قطب الدين اليونيني عن تدريسه: «كان مع شدته فيه حسن المحاضرة بالنوادر والأشعار»،[52] وكان العز متأثراً بجودة التدريس وحسن الخطابة والإلقاء بشيخه الآمدي، كما تأثر بالقاسم بن عساكر في المرح بالدرس، واستعمال المزح وطرح التكلف،[48] قال ابن كثير: «وكان لطيفاً ظريفاً يستشهد بالأشعار».[53]

ولما انتقل العز إلى مصر واظب على التدريس الحر والدروس العامة، مع وظيفته في الخطابة والقضاء، ولم يُعيَّن للتدريس في وظيفة رسمية حتى عَزل نفسَه من القضاء، وكان السلطان الصالح أيوب يبني المدرسة الصالحية بين القصرين في القاهرة، وأعدّها لتدريس الفقه على المذاهب الأربعة، واكتمل بناؤها سنة 639هـ، فحاول السلطان أن يثني العز عن استقالته من القضاء فأبى، فلما رأى زهده في منصب القضاء قَبِلَ استقالتَه وعَرَضَ عليه تدريسَ الفقه الشافعي في هذه المدرسة فقَبِلَه، «فعكف على التدريس فيها للشافعية، وقصده الطلبة من كل البلاد، وتخرج به الأئمة».[48] وبقي فيها حتى توفي.[31]

ولما بنى الملك الظاهر بيبرس مدرسته "الظاهرية" بالقاهرة، سأل العز أن يكون مدرّساً بها، فأجابه: «إن معي تدريس الصالحية، فلا أُضَيِّق على غيري».[54] ولما مرض العز مرض الموت، أرسل له الملك الظاهر بيبرس وقال له: «عيّن مناصبك لمن تريد من أولادك»، فقال: «ما فيهم من يصلح، وهذه المدرسة الصالحية تصلح للقاضي تاج الدين بن بنت الأعز» أحد تلاميذه، ففُوِّضت إليه.[48]

أول من درّس التفسير

كان من ميزات العز بن عبد السلام التي تَفرَّد بها أنه ابتدأ في إلقاء دروسٍ في التفسير لأول مرة، ولم يكن ذلك معهوداً من قبل، ولذلك قال ابن العماد الحنبلي: «وأخذ التفسيرَ في دروسه، وهو أول من أخذه في الدروس»،[55] وقال السيوطي: «وألقى التفسير بمصر دروساً، وهو أول من فعل ذلك»،[48][56]

الخطابة

تولى العز بن عبد السلام الخطابة في الجامع الأموي بدمشق من قبل الملك الصالح إسماعيل، وذلك في ربيع الآخر سنة 637هـ، حتى وصف تلميذه أبو شامة المقدسي جدارة الشيخ بهذا المنصب فقال: «وفي العشر الأخير من ربيع الآخر تولى الخطابة بدمشق أحق الناس بالإمامة يومئذ، الشيخ الفقيه عز الدين بن عبد السلام السُّلمي، مفتي الشام يومئذ، ناصر السنة، قامع البدعة».[57]

وكان العز خطيباً لَسِناً جريئاً، فبيّن الأحكام، ولما أَنِسَ من الناس الإصغاءَ والاستماعَ شَرَعَ في إبطال البدع، وإزالة ما لحق بالدين من الخطباء والأئمة وغيرهم، كدق السيف على المنبر، ولبس السواد، وسجع الخطب، والثناء المفرط على الحكام، فلم يلبس العز السواد في خطبته، ولا سجع فيها، وكان يقولها مترسلاً، واجتنب الثناء على الملوك، ولكنه كان يدعو لهم إن كانوا صالحين وما داموا على الحق، كما كان العز في الخطابة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فأبطل عملياً صلاة الرغائب لأنها برأيه لم يثبت فيها دليل شرعي، ثم أبطل صلاة النصف من شعبان لنفس السبب،[58] فعارضه ابن الصلاح وصَنَّفَ رسالة في تأييدها والدفاع عن ثبوتها، فردَّ عليه العز برسالة وافقه عليها كبار العلماء.[57][59]

ولَمْ يستمر العز طويلاً في خطابة دمشق، فبقي فيها مدة سنة تقريباً، إذ وقعت قصة الملك الصالح إسماعيل في تحالفه مع الفرنج، فترك العز الدعاء له وأنكر عليه فعلته وفضح أمره على الملأ، فعزله عن الخطابة سنة 638هـ وحبسه ثم أطلقه.[45][57] ولما انتقل العز إلى مصر عام 639هـ كانت شهرته قد سبقته، فتلقاه بمصر سلطانها الملك الصالح أيوب بالتعظيم والتبجيل والإكرام، وعينه فوراً خطيباً لأعظم مساجد مصر، وهو جامع عمرو بن العاص. وقام العز بمناصبه حتى وقعت حادثة الطبلخانة، وهدم بنفسه البناء على ظهر المسجد، وبادر إلى عزل نفسه عن القضاء، فتحركت هواجس السلطان وخوفه من منصب العز بالخطابة، وتذكر ما فعله من التشنيع على الملك إسماعيل بدمشق، وقال حاشية الملك له: «اعزله عن الخطابة، وإلا شنّع عليك على المنبر كما فعل في دمشق»، فاستغل السلطان هذه المناسبة وعزله عن الخطابة دون الإساءة إليه، وكلفه بالتدريس.[57][60]

السفارة

نصّ عبد اللطيف بن العز بن عبد السلام في الرسالة التي كتبها عن والده «أن الملك الكامل محمداً، سلطانَ الديار المصرية، لمّا قَدِمَ دمشق وحكمها، واستلم السلطة فيها أوائل جمادى الأولى سنة 635هـ ولّى الشيخ العز عدة مناصب وولايات، ثم عيّنه للرسالة إلى الخلافة المعظمة ببغداد، ثم اختلسته (أي الملك الكامل) المنيّة». ولم يثبت في المراجع قيام العز بهذه السفارة، ومهما كان الأمر فالخبر صحيح في التعيين بالسفارة، وسواءً نُفِّذَ أم لم يُنَفَّذ، فإنه يدل على المكانة المرموقة التي كان العز يحظى بها، والرضا الواضح من الملك الكامل به والثقة فيه.[61]

القضاء

كان الملك الكامل محمد شديد الإعجاب بالعز بن عبد السلام، فقد سمع به في مصر، وكان شديد الثقة بعلمه ونزاهته وكفاءته، وكان يوافقه في المذهب الشافعي في الفقه والمذهب الأشعري في العقيدة، فلما وصل الملك الكامل من الديار المصرية إلى دمشق، وأقر له الملك الصالح إسماعيل بالسلطة والسيادة في أوائل جمادى الأولى سنة 635هـ، «ولّى الشيخَ العز تدريس زاوية الغزالي بجامع دمشق، ثم ولّاه قضاء دمشق، بعد ما اشترط عليه الشيخ شروطاً كثيرة لقبول القضاء، ودخل في شروطه، ثم عيّنه للرسالة إلى الخلافة المعظمة ببغداد».[45] ولكن الملك الكامل مات بعد شهرين ونيف من ملكه بدمشق، واستلم الملك الصالح إسماعيل دمشق من جديد، ولم ينفذ تعيين العز في القضاء بعد ذلك.[62]

ثم هاجر العز إلى مصر سنة 639هـ، وكان ملكها الصالح أيوب يسمع بغزارة علم العز ووقوفه على الحق والعدل، ووافق وصول العز إلى مصر بعد وفاة قاضي القضاة شرف الدين بن عين الدولة، فاستقبل السلطان الصالح أيوب العز استقبالاً حافلاً، ورحب به ترحيباً شديداً، وعهد إليه بالمناصب، وولاه خطابة مصر وقضاءها، وفوّض إليه عمارة المساجد المهجورة بمصر والقاهرة.[24] وقد تولى العز بن عبد السلام القضاء بمصر في التاسع عشر من ذي القعدة سنة 639هـ، وكان ذلك من السلطان تقديراً لمكانته، وبمثابة رد اعتبار للشيخ ووفاءً له بعدما حاول الصالح إسماعيل الإساءة إليه.[62]

قاضي القضاة

قاضي القضاة هو أحد المناصب الجليلة التي ظهرت في الخلافة الإسلامية، ومهمته تعيين القضاة والإشراف عليهم ومراقبة أعمالهم والاطلاع على الأحكام التي يصدرونها لبيان مدى موافقتها للشرع لتصديقها وإقرارها، فإن خالفت الشرع نقضها قاضي القضاة وردها إلى القاضي الذي أصدرها لتصحيحها، كما يقوم قاضي القضاة بعزل القضاة إن اقتضى الأمر.[62]

عَيَّنَ السلطانُ الصالحُ أيوبُ العزَّ بنَ عبدِ السلام على قضاء مصر (الفسطاط) والوجه القبلي (الصعيد)، وأبقى القاضي السنجاري على قضاء القاهرة والوجه البحري، لأن الإدارة القضائية في كل من هذه المناطق الأربعة مستقلة، فقسمها السلطان بين اثنين، وعُرف العز بن عبد السلام في كتب التراجم والتاريخ بقاضي القضاة.[62] وكان العز بن عبد السلام جريئاً يعلن الحكم ولو كان على السلطان والأمراء، ويبين الحكم الشرعي عند لزومه دون أن يخشى بطش جبار أو متسلط، ويصرّ على التطبيق والالتزام والتنفيذ، لذلك وصفه الأديب أبو الحسين يحيى بن عبد العزيز الجزّار كأنه الخليفة عمر بن عبد العزيز، فقال فيه:[62][63][64]



سارَ عبدُ العزيز في الحُكْم سَيراً لم يَسِرْه سوى ابنُ عبد العزيزِ
عَمَّنا حكمُه بعَدْلٍ وسيط شامِل للورى، ولفظٍ وَجِيزِ

وقال العز مبيناً الغرض والهدف من وجود القضاء ونصب القضاة:

«الغرض من نصب القضاة: إنصاف المظلومين من الظالمين، وتوفير الحقوق على المستحقين، والنظر لمن يتعذر نظره لنفسه كالصبيان والمجانين والمبذرين والغائبين، فلذلك كان سلوك أقرب الطرق في القضاء واجباً على الفور؛ لِما فيه من إيصال الحقوق إلى المستحقين ودرء المفسدة عن الظالمين والمبطلين، وقد تقدّم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على الفور، وأحد الخصمين ههنا ظالم أو مبطل وتجب إزالة الظلم والباطل على الفور وإن لم يكن آثماً بجهله؛ لأن الغرض إنما هو دفع المفاسد سواءً كان مرتكباً آثماً أو غير آثم.[65]»

تركه للقضاء

لم يطلب العز بن عبد السلام القضاء؛ وقوفاً عند قول جمهور الفقهاء من كراهة طلب القضاء، ولكن الملوك هم من بادروا إلى تعيينه في القضاء وقضاء القضاء، فقبله مع أنه كان متبرماً منه ومتحرجاً من الانغماس فيه، ويدرك مخاطره ومتاعبه وعواقبه، ولم يقبله إلا على مضض، وقد جاءه أحد أصحابه فلامه وعاتبه على قبوله القضاء، فأعلن العز عن رأيه وأن ذلك «حكم الله وقدره، وأنه لم يطلب إلا رضاء الله فيه»، وأنشد قائلاً:[62]



يا ذا الذي يُؤلِمني عُتبُه أَنَسِيْتَ ما قُدِّر في الماضي
إنّ الذي ساقَك لي واعظاً هو الذي صيَّرني قاضي
والله ما اخترتُ سوى قربَه واختار أن يَعكس أغراضي
إن كنتَ لا تَرضى بأحكامه إني بما قدَّره راضي

وكان العز بن عبد السلام صارماً في تطبيق الأحكام والتسوية بين الناس، ولا يرضى عن الحق والشرع بديلاً ولو قيد شعرة، ومهما كان الأمر جسيماً وخطيراً ومحرجاً ولو للسلطان وأمرائه وأعوانه. وكانت هذه الصورة سبباً في تعب القاضي العز وعُرضته للخطر والتهديد والعزل والحبس، فكان يبادر غالباً لعزل نفسه لتأييد حكمه وقوله ورأيه، وذلك في ثلاث مرات:[62]
◾الأولى: لما عينه الملك الكامل قاضياً في دمشق ثم مات بعد وقت قصير، فوجد الملك إسماعيل الفرصة مواتية لعزل العز من القضاء.[62]
◾الثانية: في مصر، ولم ينص أحد المترجمين على السبب فيها، والغالب أنها كانت بعد قرار العز ببيع الأمراء المماليك.[62]
◾الثالثة: في مصر أيضاً، وكانت بعد هدم الطبلخانة فوق المسجد وإسقاط عدالة معين الدين بن شيخ الشيوخ أستاذ دار السلطان، فهدم العز البناء بنفسه وحكم بفسق الوزير وأسقط شهادته، وعزل نفسه عن القضاء، وذلك سنة 640هـ، ولم يعد بعدها للقضاء الذي كان يتحين الفرص للخلاص منه، وراجعه السلطان فأصر وأبى، وقبل السلطان استقالته، وعين أحد نوابه صدر الدين الموهوب الجزري في الحكم منابه. وهكذا انتهت ولاية القضاء في حياة العز، قال ابن العماد الحنبلي: «ثم عزل نفسه من القضاء، وعزله السلطان من الخطابة، فلزم بيته يشغل الناس ويدرّس، وأخذ في التفسير في دروسه، وهو أول من أخذه في الدروس».[

__________________
در مع الحق حيث دار
رد مع اقتباس