عرض مشاركة واحدة
  #32  
قديم 02-18-2017, 07:58 AM
جحفل جحفل غير متصل
 
تاريخ التسجيل: Nov 2015
المشاركات: 1,313
معدل تقييم المستوى: 6
جحفل will become famous soon enough
افتراضي رد: سير التابعين رحمهم الله

اشتهاره بالحفظ

عرفت أسرة ابن تيمية بقوة الذاكرة وكثرة الحفظ وسرعته، فقد كان أبوه وجده أيضاً قويي الذاكرة، ولكن تقي الدين ابن تيمية سبق أسرته في هذا الأمر،[44] فكان من أكابر حفاظ عصره، وصاحب ذاكرة قوية، وسريع الحفظ. ويقول في ذلك محمد الصادق عرجون: «نشأ الإمام ابن تيمية - رحمه الله - يزينه عقل جمع الله له في المعارف قوي الفكر الإنساني، حفظاً وإدراكاً، ووعياً، فالتاريخ يضعه مع طليعة الأفذاذ الذين يضرب بهم المثل في الألمعية والذكاء المتفوق، وفي الحفظ الضابط، والذاكرة الواعية، الذين لا تغلطهم الأَغاليط، ويقول عنه معاصروه: أَنه ما حفظ شيئاً ونسيه، ولا نظر في مكتوب قل أو كثر إلا وحفظه، ولا سمع من العلم والمعارف شيئاً ونسيه، ولا نظر في مكتوب قل أو كثر إلا وحفظه، ولا سمع من العلم والمعارف شيئاً غاب بعد أن علمه، فإذا قرأنا عن مالك بن أنس إمام دار الهجرة أنه كان يسمع من شيخه إمام المحدثين ابن شهاب الزهري من الثلاثين إلى الأربعين حديثاً في مجلس واحد فيحفظها لا يخرم منها حرفاً إذا تلاها، وقد ذكر الرواة أنه سمع مرة هذا القدر وفيه حديث السقيفة على إتساعه وطوله وتنوع الكلام فيه، فأعاجها كلها لم تند عنه كلمه، وإذا قرأنا عن أبي عبد الله الشافعي أنه سمع من شيخه مالك بن أنس بضع عشر حديثاً في مجلس واحد، فأعادها حفظاً بأسانيدها لم يختلف فيها عن سماعه من الإمام في كلمة أو حرف، إلى كثير من أوتوا في الإسلام حوافظ ضابطة، ومدارك واعية - فإن ما أُثر عن ابن تيمية منذ طفولته - وهو الرجل المخاصم الذي يتربص به خصومه ليأخذوا عليه شيئاً يعيبونه به - ليضعه في الذروة مع أولئك الغر البهاليل من أئمة الإسلام دون نكير.»[45]

ونقل ابن الوردي وابن شاكر الكتبي عن الحافظ الذهبي أنه قال: «انبهر الفضلاء من فرط ذكانئه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته وسرعة إدراكه.» وقال أيضاً عمر بن علي البزار: «كانت مخايل النجابة عليه في صغره لائحة، ودلائل العناية فيه واضحة... كان الله قد خصه بسرعة الحفظ وإبطاء النسيان، لم يكن يقف على شيء، أو يستمع لشيء غالباً إلا ويبقى على خاطره، إما بلفظه أو معناه، وكان العلم كأنه اختلط بلحمه ودمه وسائره، فإنه لم يكن له مستعاراً، بل كان له شعاراً ودثاراً، لم يزل آباؤه أهل الدراية التامة، والقدم الراسخة في الفضل، لكن جمع الله له ما خرق بمثله العادة، ووفقه في جميع أمره لاعلام السعادة، وجعل مآثره لإمامته من أكبر شهادة.» وأورد ابن عبد الهادي في كتابه "العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية" قصة في سرعة حفظه فقال: «واتفق أن بعض مشايخ العلماء بحلب قدم إلى دمشق، وقال: سمعت في البلاد بصبي يقال له أحمد بن تيمية، وأنه سريع الحفظ. وقد جئت قاصداً لعلي أراه. فقال له خياط: هذه طريق كُتابه وهو إلى الآن ماء فاقعد عندنا، الساعة يجيء يعبر علينا ذاهباً إلى الكتاب. فجلس الشيخ الحلبي قليلاً، فمر صبيان، فقال الخياط للحلبي: ذلك الصبي الذي معه اللوح الكبير هو أحمد بن تيمية. فناداه الشيخ، فجاء إليه، فتناول الشيخ اللوح، فنظر فيه ثم قال: يا ولدي امسح حتى أملي عليك شيئاً تكتبه. ففعل، فأملى عليه من متون الأحاديث أحد عشر، أو ثلاثة عشر حديثاً. وقال له: إقرأ هذا فلم يزد علة أن تأمله مرة بعد كتابته إياه، ثم دفعه إليه وقال: اسمعه علي، فقرأه عليه عرضاً كأحسن ما أنت سامع. فقال له: يا ولدي امسح هذا، ففعل. فأنلى عليه عدة أسانيد انتخبها، ثم قال: اقرأ هذا، فنظر فيه، كما فعل أول مرة. فقام الشيخ، وهو يقول: إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، قإن هذا لم يُر مثله، أو كما قال.»[44][46]

تعليمه

بدأ اهتمام ابن تيمية بدراسة العلوم منذ صغره، ويقول عنه معاصروه ومؤرخوه أنه كان بالرغم من صغر سنه لم يكن يتجه إلى الملاعب والملاهي كبقية الأطفال، فدرس العلوم المعروفة في عصره، وعُني باللغة العربية عناية كبيرة، فأجاد وبرع في اللغة والنحو، واعتنى بدراسة (الكتاب) لسيبويه بنظر ناقد، وبالرغم من أنه كتاب له أهمية كبرى في النحو، فقد خالف ابن تيمية سيبويه في بعض المسائل. ودرس أحوال الجاهلية، وتوسع في دراسة تاريخ العهد الإسلامي والدول الإسلامية. وعُني بدراسة الخط والحساب والعلوم الرياضية. ودرس العلوم الدينية من الفقه والأصول والفرائض والحديث والتفسير. وورث من آبائه الفقه الحنبلي، وقد درسه على يد والده. وكانت ما عادات عصره المتبعة سماع الحديث وحفظه وكتابته، فكان أول كتاب حفظه في الحديث الجمع بين الصحيحين للحميدي، ثم استفاد من علماء عصره وعلماء الشام، وأخذ عنهم الحديث ورواه. وقد بلغ كعدد شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مئتي شيخ، كما ذكر ابن عبد الهادي وكان من خواص شيوخه ابن عبدالدائم المقدسي، ورجال طبقته وعصره، وسمع مسند أحمد مرات، وكذلك الصحاح الستة عدة مرات أيضاً.[47]

وكان التفسير أحب العلوم لدى ابن تيمية، وقال عن نفسه بأنه درس أكثر من مئة كتاب في تفسير القرآن، ويقول: «ربما طالعت على الآية الواحدة مئة تفسير، ثم أسأل الله الفهم، وأقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني. وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأمرغ وجهي في التراب، وأسأل الله تعالى وأقول يا معلم إبراهيم فهمني.»[48] ويقول أبو الحسن الندوي: «وكانت لعلم الكلام الذي حمل لواءه الأشاعرة كلمة نافذة في هذا العصر، ولا سيما في مصر والشام، فقد كان السلطان (صلاح الدين) نفسه أشعرياً، حافظاً لمتن قطب الدين أبي المعالي الأشعري (الذي كان قد ألفه في العقائد) منذ صغره، وكان يشرِف على تحفيظه لأولاد أسرته الصغار، وكان هو وخلفاؤه بنو أيوب قد جعلوا الناس ملتزمين بالعقيدة الأشعرية، فكانت (الأشعرية) تتمتع بحماية الحكومة إلى عصره وعصر خلفئه مماليك مصر. وكان الحنابلة يُعتبرون خصماً معارضاً للأشاعرة، تحدث بينهم بعض المناوشات الكلامية، ويشتغل كلا الفريقين بالجدل والكلام، فقد كان كلام الأشاعرة وطريق إثباتهم مبنياً على الاستدلال العقلي والبرهان المنطقي. أما الحنابلة فكانوا يبحثون عن المعاني الظاهرة للنصوص والآيات والأحاديث، وكان يبدو في بعض الأحيان أن كفتهم تطيشُ في الجدال العلمي، لعدم تعمقهم في علم الكلام، وانقطاعهم عن ممارسة العلوم العقلية، فكان يغلب على الظن، ويخيل إلى الناس أن خبرتهم بالعلوم العقلية قليلة، أو عديمة، وأنهم ليسوا متعمقين في العلم. ولعل ذلك ما حفز ابن تيمية، ذلك الشاب الغيور، والعالم الذكي على التوسع والتعمق في علم الكلام، والاطلاع على العلوم العقلية مباشرةً، فعكف على الدراسة العميقة لهذه العلوم، وتبخر فيها، حتى أدرك مواضع الضعف فيها، وأخطاء مؤلفيها وأئمتها من حكماء اليونان، وتصدى للرد على هذه العلوم وانتقادها، وألف كتباً عجزت الأوساط الفلسفية كلها عن الرد عليه...».[49]

كذلك يذكر أحد المؤرخين أن ابن تيمية أتقن لغات أخرى غير اللغة العربية، منها اللغة العبرية التي تعلمها لدراسة العهدين القديم والجديد ويستدل بذلك قوله في مجموع الفتاوى: «وقد سمعت ألفاظ التوراة بالعبرية من مسلمة أهل الكتاب، فوجدت اللغتين متقاربتين غاية التقارب، حتى صرت أفهم كثيراً كم كلامهم العبري بمجرد المعرفة بالعربية». وأيضاً يذكر المؤرخون أنه أجاد اللغة التركية واللغة اللاتينية ودل على ذلك نص ورد في مجموع الرسائل الكبرى.[50]

شيوخه

سمع ابن تيمية من أزيد من مئتي شيخ كما يذكر جل المؤرخون، ومنهم: ابن عبد الدائم المقدسي، وابن أبي اليسر، والكمال بن عبد، وشمس الدين ابن أبي عمر الحنبلي، وشمس الدين بن عطاء الحنفي، وجمال الدين يحيى ابن الصيرفي، ومجد الدين ابن عساكر، والنجيب المقداد، وأحمد ابن أبي الخير الحداد، والمسلم بن علان، وأبو بكر الهروي، والكمال عبد الرحيم، وفخر الدين ابن البخاري، وابن شيبان، والشرف بن القواس، وزينب بنت مكي، وست العرب الكندية، وأبو محمد بن عبد القوي في اللغة العربية، وتاج الدين الفزاري، وزين الدين ابن المنجى، والقاضي الخويي، وابن دقيق العيد، وابن النحَّاس، والقاسم الإربلي، وعبد الحليم بن عبد السلام (والده)، وشرف الدين أبو العباس أحمد بن أحمد المقدسي، وجمال الدين البغدادي، وإبراهيم بن الدرجي، وعلي بن بلبان، ويوسف بن أبي نصر الشقاوي، وعبد الرحمن بن أحمد العاقوسي، ورشيد الدين محمد بن أبي بكر العامري، وبدر الدين بن عبد اللطيف خطيب حماه، وتقي الدين مُزيز، وتاج الدين أحمد بن مزيز، وجمال الدين أحمد بن أبي بكر الحموي.[51]


توليه التدريس


شرع ابن تيمية في التدريس والفتوى وهو ابن سبع عشرة سنة، بالإضافة إلى أنه قد بدأ في هذا السن بالتأليف أيضاً. وكان العالم كمال الدين أحمد بن نعمة المقدسي ممن أذن لابن تيمية بالإفتاء ويذكر المؤرخون أنه كان يفتخر بذلك ويقول: أنا أذنت لابن تيمية بالإفتاء.[52] وما إن بلغ ابن تيمية من عمره 22 سنة حتى توفي والده عبد الحليم ابن تيمية في سنة 682 هـ، وحدث فراغ كبير في مشيخة التدريس بدار الحديث السكرية. فخلفه ابنه أحمد ابن تيمية فيها وكان ذلك في 2 محرم 683 هـ.[53] يذكر المؤرخون بأن علماء كثر قاموا بحضور الدرس الأول لابن تيمية وأنه نال أعجابهم، وكان من هؤلاء العلماء بهاء الدين بن الزكي الشافعي، وتاج الدين الفزاري، وزين الدين ابن المرحل، وزين الدين ابن المنجا الحنبلي، وبعض علماء الحنفية. وفي العاشر من صفر جلس ان تيمية بالجامع الأموي بعد صلاة الجمعة للتفسير.[54]

وأما طريقته في إلقاء دروسه فقد وصف بأنه كان يجلس بعد أن يصلي ركعتين، ويحمد الله ويصلي على النبي، فيبدأ بدرسه من حفظه، وكان يغمض عينيه عند الحديث. وكان يتكلم على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث، ويورد أيضاً في حديثه من القرآن والسنة واللغة والنظر.[55]

بالإضافة إلى تدريسه في دار الحديث السكرية وتفسيره القرآن الكريم في المسجد الأموي، فقد تولى التدريس بالمدرسة الحنبلية خلفاً للعالم زين الدين بن المنجا الحنبلي، ثم تنازل عن التدريس فيها بعد فترة طويلة لعدم تفرغه وكثرة أسفاره بين الشام ومصر، وانشغاله بمحاربة التتار، وإعداد الناس لمجابهتهم، وكان أول يوم في تدريسه بالمدرسة الحنبلية في 17 شعبان، وقد تركها بعد تنازله عنها لشمس الدين ابن الفخر البعلبكي.[56] وكان يورد الدرس بلا توقف ولا تلعثم وبصوت جهوري فصيح، ويجمع المؤرخون أن شروط الاجتهاد اجتمعت فيه، وكان أيضاً قد أقام عدة سنين إذا افتى، لم يلتزم بمذهب معين بل بما يقوم عليه الدليل، وأيضاً إذا ذكرت مسألة، يذكر فيها مذاهب الأئمة،[57] وبعد قدومه إلى دمشق سنة 712 هـ بعد أن غاب عنها فوق سبع سنين، أكمل تدريسه بمدرسة السكرية والحنبلية.[58]


محنه

واجه ابن تيمية في طريقه عقبات كثير، منها الإيذاء وقد لقي لونين من الأذى، الأول هو الأذى النفسي من خلال اتهامه بالتجسيم، أو رميه بالكفر والضلال، أو الكذب عليه، ومن الأمثلة على هذا حين قام علاء الدين البخاري برمي كل من يطلق على ابن تيمية لقب "شيخ الإسلام" بالكفر، ورداً على هذا قام ابن ناصر الدين الدمشقي بتأليف كتاب اسمه "الرد الوافر على من زعم: بأن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر" ورد على علاء الدين البخاري. وواجه ابن تيمية نوع آخر من الأذى وهو الأذى الجسدي: من خلال الاعتداء عليه بالضرب من العامة نتيجة لتحريض بعض أهل العلم كما حصل معه حين اعتدى على جماعة في حي الحسينية في القاهرة.[59]

ومما تعرض له أيضاً وقوف بعض العلماء ضده واتهموه بالخروج على مذهب أهل السنة والجماعة وما أجمع عليه علماء الأمة، وقد كان لهؤلاء العلماء ثقلهم ومكانتهم في المجتمع، فإذا عادوا أحداً وقف العامة معهم، لثقتهم فيهم. وقد وقوف هؤلاء العلماء ضده دافعاً للحكام على معاداة ابن تيمية، ويذكر بعض المؤرخين مثل ابن كثير أن سبب معاداة هؤلاء العلماء له هو حسدهم له لتقدمة عند الدولة وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطاعة الناس له ومحبتهم له حسب قوله. وقد كان هؤلاء المعادين له قد رموه بعدة افتراءات من أهمها التجسيم، وأيضاً بمنع زيارة قبر النبي محمد وغيره من الأنبياء، وقد بين ابن تيمية ذلك في كتبه بأنهم حرفوا كلام، والذي يراه هو أنه لا يجوز شد الرحال إلى القبر، وفرّق بين زيارة القبر وشد الرحال إليه. وأيضاً اتهامه بإهانة الأنبياء والصالحين لأنه لا يرى التوسل بذواتهم وأشخاصهم وجاههم ومرتبتهم. وأيضاً اتهم بالخروج على الإجماع لكونه ينتقد المذاهب عند توفر الدليل ويذهب إلى ما يديه إليه اجتهاده، دون أن يتقيد بمذهب معين.[60]

وواجه ابن تيمية نصياً وافراً من السجن والاعتقال، فقد سجن في مصر، ونفي إلى الإسكندرية، وسُجن أيضاً في الشام وظل حبيس القلعة حتى مات وهو في سجنه، وقد سجن عدة مرات منها: سنة 693 هـ بعد أن اعتقله نائب السلطنة لمدة قليلة بسبب قيامه على عساف النصراني الذي شتم النبي محمد، ثم أطلق بعدها. وسنة 705 هـ حين نوقش في أمر العقيدة في دمشق واتفق على أن معتقده سلفي جيد وأن عقيدته سنية خالصة كما قال ابن رجب والذهبي، فاستدعي إلى القاهرة لمناقشته وحكم عليه خصمه ابن مخلوف المالكي بسجنه في برج القلعة في يوم 26 رمضان سنة 705 هـ وبقي في السجن إلى ربيع الأول من سنة 707 هـ حتى أخرجه حسام الدين مهنا بن عيسى أمير العرب. وسجن أيضاً في سنة 707 هـ حين شكاه بعض الصوفية وتحير القضاة في أمر سنه ، فمضى بنفسه إليه. وفي سنة 708 هـ نفي إلى الإسكندرية وسجن فيها حتى خرج في 8 شوال سنة 709 هـ حين أفرج عنه من قبل السلطان. وفي سنة 718 هـ ورد مرسوم سلطاني يمنعه من الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق بالتكفير، وعقد له مجلس ومنع من ذلك، ثم عقد له مجلس سنة 719 هـ تأكيداً للمنع، ولكنه لم ينته عما رآه حتى عقد له مجلس ثالث وحكم عليه بالسجن، وحبس بالقلعة في دمشق. وحبس في سنة 720 هـ لأجل إفتائه في مسألة الطلاق مرة أخرى، ومنع بسببه من الفتيا مطلقاً، وحكم عليه نجم الدين بن صَعُرَّى، فوضع في السجن خمسة أشهر وثمانية عشر يوماً وأخرج في 10 محرم من سنة 721 هـ. وحبس في سنة 722 هـ في مسألة شد الرحال إلى الأضرحة والقبور. وآخر ما وقع لابن تيمية من السجن كان في سنة 726 هـ وسببه أيضاً مسألة شد الرحال إلى القبور والأضرحة، وبقي فيه حتى توفي سنة 728 هـ.[61]

وقد أصاب أيضاً محبي وأتباع ابن تيمية من الأذى من بعض ما أصاب ابن تيمية نفسه حيث سجنوا وعزروا وقد ذكر ابن كثير أن القاضي طلب جماعة من أصحاب ابن تيمية وعزر بعضهم ثم اتفق أن جمال الدين المزي قرأ فصلاً بالرد على الجهمية من كتاب أفعال العباد للبخاري تحت قبة النسر بعد قراءة ميعاد البخاري بسبب الاستسقاء، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين وشكاه القاضي الشافعي ابن صعري فسُجن المزي، وما أن بلغ ابن تيمية ذلك حتى أخرجه بنفسه. وذكر ابن كثير في أحداث سنة 726 هـ أن قاضي القضاة الشافعي أمر بحبس جماعة من أصحاب ابن تيمية في سجن الحكم وذلك بمرسوم من نائب السلطنة، وعزر جماعة منهم على دواب ونودي عليهم ثم أطلقوا سوى شمس الدين محمد بن قيم الجوزية.[62]

وواجه ابن تيمية أيضاً عقبة كانت من أشد العقبات على نفسه، وهي مصادرة ما لديه من الكتب وأدوات الكتابة، وذلك بعد أن قام القاضي عبد الله بن الأخنائي بكتابة موضوع حول زيارة القبور وخاصة زيارة قبر النبي محمد بما يخالف عقيدة ابن تيمية، فقام وهو في الحبس بالرد عليه برسالة خالفه فيها، فغضب القاضي لذلك واشتكى إلى السلطان، فأصدر السلطان مرسوماً بمصادرة جميع ما عند ابن تيمية من الكتب وأدوات الكتابة. وفي رجب سنة 728 هـ أُرسلت جميع مسوداته وأوراقه من المحبس إلى المكتبة العادلية الكبرى، وكان ذلك نحو ستين مجلداً من الكتب، وأربع عشرة ربطة كراريس.[63]

محنته سنة 698 هـ بسبب تأليفه الحموية

Crystal Clear app kdict.png مقالة مفصلة: الفتوى الحموية

بعث بعض أهل مدينة حماة من الشام استفتاءً في سنة 698 هـ إلى ابن تيمية يسألونه فيه عن تحقيق العلماء في الصفات التي وصف الله بها نفسه في الآية
Ra bracket.png
الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى Aya-5.png
La bracket.png
(سورة طه: آية 5) وفي الآية ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾(سورة فصلت: آية 11)، وما أشبههما، وعن تحقيق الحديث النبوي «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ» وقول الرسول: «يضع الجبار قدمه في النار»، وسألوه عما يقول العلماء في ذلك، وما يذهب إليه أهل السنة من العلماء في باب صفات الله؛ فأجاب ابن تيمية عن هذه الأسئلة بتفصيل وتوضيح كبير (عُرف هذا الجواب باسم "العقيدة الحموية الكبرى"، في رسالة تقع في 50 صفحة، ويقع ضمن "مجموعة الرسائل الكبرى")، ويذكر المؤرخون أنه تحدث في رسالته هذه عن مذهب الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، والمتكلمين المتقدمين مثل أبي الحسن الأشعري، والقاضي أبي بكر الباقلاني والجويني، وأنه قد استدل بأقوالهم وتأليفاتهم، ومن بعض كتبهم أنهم كانوا يرون الإيمان بصفات الله من واجبات الدين، ويذكر المؤرخون أنه ذكر أنهم يعترفون بحقيقتها مع جلال الله، وتجدر بذاته، مع التنزيه الكامل من كل تشبيه وتجسيم، ومن كل نفي وتعطيل.[64]

وإن هذه الفتوى رسالة علمية مستقلة يذكر الباحثون أن خصائص ابن تيمية العلمية والتأليفية تجلت فيها، وكان الأسلوب الذي احتوت عليه هذه الفتوى كان من نتائجها؛ استقبلا جيد من الأوساط الحنبلية، وسخط واستنكار عام في وسط الأشاعرة والمتكلمين، الذين كانوا يتمتعون بتأييد الحكومة والجماهير، وكان رجاله متبوئين منصب القضاء والإفتاء الرسمية.[65]

ذكر ابن كثير ضمن الأحداث التي وقعت في سنة 698 هـ، أن جماعة من الفقهاء قاموا عليه، وأرادوا إحضاره إلى مجلس القاضي جلال الدين الحنفي فلم يحضر، فنودي في البلد في العقيدة التي كان قد سأله عنها أهل حماة المسماة "الحموية" فاتنصر له الأمير سيف الدين جاغان، وأرسل يطلب الذين قاموا عنده، فاختفى كثير منهم، وضرب جماعة ممن نادى على العقيدة، فسكت الباقون. واجتمع لاحقاً بالقاضي إمام الدين مع جماعة من الفقهاء، وبحثوا في "الفتوى الحموية"، وناقشوه في أماكن فيها، فأجاب عنها بعد كلام كثير، ثم ذهب ابن تيمية وسكنت الأحوال.[66]

ويُذكر أنه كان من المتوقع أن تكون هذه القصة قد امتدت، وثارت ضجة أخرى، ولكن حدث في نفس الوقت من الأحوال ما لم يسمح بالخوض في الخلافات والمناقشات العقائدية، وكان ذلك بعد غارة التتر، التي برز فيها ابن تيمية كقائد ومجاهد.[67]

محنته سنة 705 هـ

في سنة 705 هـ امتُحن ابن تيمية بالسؤال عن معتقده بأمر من السلطان، فجمع نائبه القضاة والعلماء بالقصر، وأحضر ابن تيمية، وسألهُ عن ذلك؛ فبعث تقي الدين ابن تيمية وأحضر من داره "العقيدة الواسطية" فقرؤوها في ثلاثة مجالس، وحاققوه، وبحثوا معه، ووقع الاتفاق بعد ذلك على أن هذه عقيدة سُنية سلفية، فمنهم من قال ذلك طوعاً، ومنهم من قاله كرهاً. وورد بعد ذلك كتاب من السلطان فيه: إنما قصدنا براءة ساحة الشيخ، وتبين لنا أنه على عقيدة السلف. ويذكر الباحثون أن حيلة دُبرت لابن تيمية لأنه لا يمكن البحث معه، ولكن يُعقد له مجلس ويدعى عليه وتقام الشهادات، فطُلب على البريد إلى القاهرة وعقد له ثاني يوم وصوله في 22 رمضان سنة 705 هـ مجلس بالقلعة. وقد قام على تنفيذ ذلك بيبرس الجاشكنيرونصر المنبجي والقاضي ابن مخلوف المالكي. وادُّعي عليه عند ابن مخلوف أنه يقول: «إن الله تعالى تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وأنه على العرش بذاته، وأنه يشار إليه بالإشارة الحسية.» وقال المدعي ـ وهو ابن عدلان ـ: أطلبُ تعزيره على ذلك، التعزير البليغ ـ يشير إلى القتل على مذهب مالك ـ فقال القاضي: ما تقول يا فقيه (يقصد ابن تيمية)؟ فحمد الله وأثنى عليه، فقيل له: أسرع ما جئت لتخطب، فقال: أُمنع من الثناء على الله تعالى؟ فقال القاضي: أجب، فقد حمدت الله تعالى. فسكت ابن تيمية، فقال: أجب. فقال ابن تيمية له: من هو الحاكم في؟ فأشاروا إلى القاضي وقالوا: هو الحاكم، فقال ابن تيمية لابن مخلوف: أنت خصمي، كيف تحكم في؟ وغضب، وكان قصد ابن تيمية: أنه هو القاضي متنازعان في هذه المسائل، فكيف يحكم أحد الخصمين على الآخر فيها، فأقيم ابن تيمية ومعه أخواه شرف الدين عبد الله وزين الدين عبد الرحيم. ثم حُبِسوا في برج أيامًا، ونقلوا إلى الجب ليلة عيد الفطر، ثم بعث كتاب السلطان إلى الشام بالحط على الشيخ، وإلزام الناس ـ خصوصًا أهل مذهبه ـ بالرجوع عن عقيدته، والتهديد بالعزل والحبس، ونودي بذلك في الجامع والأسواق: ثم قُرئ الكتاب بسدة الجامع بعد الجمعة وحصل أذى كثير للحنابلة بالقاهرة، وحبس بعضهم، وأخذ خطوط بعضهم بالرجوع.[68] ثم قام نائب السلطنة سيف الدين سلار بعد أكثر من سنة في ليلة عيد الفطر سنة 706 هـ بإحضار القضاة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنفي، ومن الفقهاء الباجي والجزري والنمراوي، وتكلم في إخراج ابن تيمية من الحبس، فاتفقوا على أنه يشترط عليه أمور ويلزم بالرجوع عن بعض العقيدة، فأرسلوا من يحضره ليتكلموا معه في ذلك فلم يجب إلى الحضور، وتكرر الرسول إليه في ذلك ست مرات وصمم على عدم الحضور، فطال عليهم المجلس وانصرفوا من غير شيء. وفي ربيع الأول من سنة 707 هـ دخل الأمير مهنا بن عيسى إلى مصر وحضر بنفسه إلى الجب فأخرج ابن تيمية منه، بعد أن استأذن في ذلك، وعُقد لابن تيمية مجالس حضرها أكابر الفقهاء، وانفصلوا في النهاية، وكان مدة مقام تقي الدين ابن تيمية في السجن ثمانية عشر شهراً.[69]

محنته سنة 707 هـ

في شهر شوال سنة 707 هـ اجتمع جماعة كثيرة من الصوفية وشكوا من ابن تيمية إلى الحاكم الشافعي، وعقد له مجلس لكلامه على ابن عربي وغيره، وادعى ابن عطاء عليه بأشياء ولم يُثبت منها شيء، لكنه اعترف أنه قال: لا يستغاث بالنبي
Mohamed peace be upon him.svg
استغاثة بمعنى العبادة، ولكن يتوسل به. وقال بعض الحاضرين ليس في هذا شيء. إلا أن الحاكم ابن جماعة رأى أن هذا إساءة أدب، وعنّفه على ذلك، فحضرت رسالة إلى القاضي: أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة في ذلك، فقال القاضي: قد قلت له ما يقال لمثله. ثم خُير من قبل الدولة بين أشياء، وهي الإقامة بدمشق أو بالإسكندرية، بشروط، أو الحبس، فاختار الحبس. فدخل عليه أصحابه في السفر إلى دمشق، ملتزماً ما شُرط عليه، فأجابهم، فأركبوه خيل البريد، ثم ردوه في الغد، وحضر عند القاضي بحضور جماعة من الفقهاء، فقال له بعضهم: ما ترضى الدولة إلى بالحبس، فقال القاضي: وفيه مصلحة له، واستناب التونسي المالكي وأذن له أن يحكم عليه بالحبس، فامتنع، وقال: ما ثبت عليه شيء، فأذن لنور الدين الزواوي المالكي، فتحير، فقال ابن تيمية: أنا أمضي إلى الحبس، وأتبع ما تقتضيه المصلحة، فقال الزواوي: فيكون في موضع يصلح لمثله، فقيل له ما ترضى الدولة إلا بمسمى الحبس، فأُرسل إلى حبس القاضي وأُجلس في الموضع الذي أجلس فيه القاضي تقي الدين ابن بنت الأعز لما حبس، وأذن أن يكون عنده من يخدمه. وكان جميع ذلك بإشارة نصر المنبجي. واستمر ابن تيمية في الحبس يُستفتى ويقصده الناس، ويزورونه، وتأتيه الفتاوي المشكلة من الأمراء وأعيان الناس. وكان أصحابه يدخلون إليه أولاً سرّاً، ثم شرعوا يتظاهرون بالدخول عليه، فأخرجوه في سلطنة الششنكير الملقب بالمظفر، إلى الإسكندرية على البريد، وحبس فيها في برج مضيء ومتسع، يدخل عليه من شاء ويمنع هو من شاء، ويخرج إلى الحمام إذا شاء. وبقي في الإسكندرية مدة سلطنة المظفر. فلما عاد الملك الناصر إلى السلطنة وتمكن وأهلك المظفر، وحمل شيخه نصر المنبجي واشتدت موجدة السلطان على القضاة لمداخلتهم المظفر وعزل بعضهم، بادر بإحضار ابن تيمية من الإسكندرية إلى القاهرة في شوال سنة 709 هـ، وأكرمه السلطان إكراماً زائداً، وقام إليه وتلقاه في حفل، فيه قضاة المصريين والشاميين، والفقهاء وأعيان الدولة. وزاد في إكرامه عليهم، وبقي يستشيره في ساعة وأصلح بينه وبينهم، ويقال أنه شاوره في أمرهم به في حق القضاة، فصرفه عن ذلك، وأثنى عليهم، وكان ابن مخلوف يقول: ما رأينا أفتى من ابن تيمية، سعينا في دمه، فلما قدر علينا عفا عنا. واجتمع بالسلطان مرة ثانية بعد أشهر، وسكن ابن تيمية بالقاهرة والناس يترددون إليه.[70]

محنته سنة 718-719 هـ

كانت مسألة الحلف بالطلاق هي أحد المسائل التي خالف فيها ابن تيمية المذاهب الأربعة والمذهب المشهور، وقد كان الحلف بالطلاق عاماً بين الناس في ذلك الحين، وكانوا يستندون إلى الحلف بالطلاق للتأكيد على كلام، أو إبداء عزم، أو صدق من غير تردد، فمثلاً كان من الشائع قول: «علي الطلاق لأفعلن كذا»، أو «علي الطلاق لأمتنعن عن كذا»، وغيرها من الصيغ الأخرى. وكان ابن تيمية يرى أن هذا أسلوب من القسم والتأكيد، ولكن الناس يطلقون كلمة الطلاق لزيادة التأكيد واليقين، من غير أن يريدوا بها الطلاق في أي حال، ولذلك فإن هذا نوع من القسم، ولكنه تنفذُ عليه أحكام الطلاق من أجل اعتبارهم ذلك الطلاق بالتعليق.

بعد أن تأمل ابن تيمية في هذه المسألة، بدأ يفتي بأن هذا نوع من الحلف، وأن القائل يحنثُ إذا خالف قوله وعمل بخلافه، وتلزم عليه كفارة اليمين من غير أن يقع الطلاق. ولم يقدم ابن تيمية أقوال بعض الأئمة الأربعة أو أصحابهم لتأييد فتواه، لأن هذه الفتوى كانت تعارض القول المشهور والمفتى به لهذه المذاهب، وكان ذلك تحقيقاً واجتهاداً من ابن تيمية. ولذلك أثارت فتواه اضطراباً عاماً، ورأى العلماء والقضاة أن يمنعوه عن هذه الفتوى، لكيلا يشتد الاضطراب، ويقول ابن كثير ضمن أحداث عام 718 هـ: «وفي يوم الخميس منتصف شهر ربيع الأول اجتمع قاضي القضاة شمس الدين ابن مسلم الحنبلي بالشيخ الإمام العلامة تقي الدين ابن تيمية، وأشار عليه بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، فقبل الشيخ نصيحته، وأجاب إلى ما أشار به رعاية لخاطره وخواطر الجماعة المفتين. ثم ورد البريدُ في مستهل جمادى الأولى بكتاب من السلطان فيه منع الشيخ تقي الدين من الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، وانعقد بذلك مجلس، وانفصل الحال على ما رسم به السلطان، ونودي به في البلد، وكان قبل قدوم المرسوم قد اجتمع بالقاضي ابن مسلم الحنبلي جماعةٌ من المفتين الكبار، وقالوا له: أن ينصح الشيخ في ترك الإفتاء في مسألة الطلاق، فقبل الشيخ نصيحته، وإنه إنما قصد بذلك ترك ثوران فتنة وشر.»

وبعد صدور المرسوم بدأ ابن تيمية بالرجوع إلى الإفتاء إلى المسألة من غير أن يبالي بالمنع من قبل الحكومة، وفي يوم الخميس 22 رجب في عام 720 هـ عُقد مجلس بدار السعادة لتقي الدين ابن تيمية بحضرة نائب السلطنة، وحضر فيه القضاة والمفتون من المذاهب، وحضر ابن تيمية، وعاتبوه على العودة إلى الإفتاء بمسألة الطلاق، ثم حبس في القلعة. ولكن مدة الحبس هذه لم تطل كثيراً، وورد مرسوم من السلطان من مصر بإخراجه يوم الإثنين يوم عاشوراء من عام 721 هـ بعد ما مكث فيه خمسة أشهر وثمانية عشر يوماً.[71]

محنته سنة 726 هـ

بعد خرج ابن تيمية من الحبس عام 721 هـ اشتغل حتى 726 هـ خمس سنين بالتدريس والإفتاء والتأليف والوعظ بانهماك بالغ، وكثيراً ما كان يدرس خلال هذه المدة في المدرسة الحنبلية، أو مدرسته الخاصة به الواقعة في القصاعين (المدرسة السكرية)، كما أنه أعاد النظر خلال ذلك في مؤلفاته ورسائله القديمة، وقام بتأليفات جديدة. ولاحقاً لم تمضي إلا مدة قليلة إذ عرضت مسألة أخرى كانت موضع بحص وجدال بين الخاصة والعامة على السواء، وهي لم تكن مسألة فقهية خالصة كمسألة الطلاق، بل كانت تحتوي على العنصر العاطفي، وتكفي لإثارة الاضطراب بين الناس، وهي مسألة زيارة قبر النبي محمد. وقد كان ابن تيمية قد أفتى قبل سبعة عشر عاماً بأنه لا يجوز شد الرحال لزيارة القبور بما فيها قبر النبي محمد، واستدل على هذا بحديث النبي: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى.» وأدلة أخرى كثيرة. أُخرجت هذه الفتولا بعد سبعة عشر عاماً بحكم عوامل عديدة وشهرت، واتُّخذت ذريعة لإثارة عواطف المسلمين، لما للنبي محمد من مكان قدسي في قلوب المسلمين، ورأوا فيها إساءة أدب لمكانة النبي، كما أن العلماء رأوها يتجلى فيها الاعتماد الزائد على الرأي الشخصي ومعارضة لجمهور الأمة، ولعل ذلك كان هو العامل الأقوى لمعارضته إياه. ونال هذ الخلاف على أهمية وشهرة كبيرة، ما جعل الحكومة (سواء على طلب من العلماء أو نزولاً على مصالح النظام) تتدخلُ فيه، وصدر المرسوم في 7 شعبان عام 726 هـ بحبس ابن تيمية، ويذكر المؤرخون أن ابن تيمية رحب به ترحيباً بالغاً وأبدى سروره، ونُقل إلى قلعة دمشق حيث أخليت له قاعة، وأقام معه أخوه زين الدين ابن تيمية يخدمه بإذن من السلطان، وأجري عليه ما يقوم بكفايته. بعد اعتقاله توجه الأذى إلى تلاميذه فأمر قاضي القضاة بحبس جماعة من أصحابه وعزر جماعة منهم بإركابهم على الدواب والمناداة عليهم، وبعد ذلك أطلقوا من محابسهم ما عدا تلميذه شمس الدين محمد ابن قيم الجوزية حُبس في القلعة وظل معه في الحبس، وأفرج عنه وفاة ابن تيمية

__________________
در مع الحق حيث دار
رد مع اقتباس